
من دروس خطبة الزهراء (ع) في المسجد النبوي
مدخل تاريخي
يكثر الكلام اليوم في العراق حول مشاركة المرأة في الحركة السياسية ويحاول البعض عد هذا الموضوع من منجزات الديمقراطية الغربية.
وإذا عدنا إلى التاريخ نجد أن أول سماح للمرأة الغربية في المشاركة السياسية بحق التصويت كان في ولاية (ويومنغ) الأمريكية عام 1890 ثم عمم هذا الحق لجميع الولايات الأمريكية عام 1920 أما في بريطانيا فقد حصلت المرأة على حق الانتخاب عام 1928 وفي فرنسا عام 1944 (1) وعلى ذلك فان السياسة النسوية الغربية حديثة العهد ولا تتجاوز القرن من الزمان.
بينما نجد أن الإسلام منذ بداياته اقر بمشاركة المرأة السياسية وأوضح دليل على ذلك خطبة الزهراء (ع) في المسجد النبوي.
الظروف المحيطة بخطبة الزهراء (ع) بعد انتقال الرسول الأكرم (ص) إلى الرفيق الأعلى، تمت فصول الانقلاب على خلافة الأمام علي (ع) في سقيفة بني ساعدة، ولانزال هذا الانقلاب إلى حيز التنفيذ تقرر مصادرة فدك باعتبارها السند الاقتصادي لأهل البيت (ع).
بعد (10) أيام فقط من وفاة الرسول (ص) تنطلق الزهراء (ع) إلى المسجد النبوي مع نسوة من قومها (2) وتمشي مشية والدها (ص) وما إن تصل إلى مجلس مغتصب حقها حتى تنطلق هادرة بخطبة كادت أن تزعزع كيانه السياسي (3).
وأقامت الزهراء (ع) الحجة الناصعة على القوم لكنهم كانوا لا يعقلون، ثم تستمر بضعة المصطفى في جهاد القوم بشتى الوسائل إلى أن تختمها بوصيتها الخالدة بإخفاء مرقدها الطاهر كي يشكل علامة استفهام ناطقة إلى يوم الدين ضد مغتصبي حقوق أهل البيت (ع).
وتفصيل واثبات الأمور أعلاه لا يسعه حجم هذه المقالة، فعلى من يريد المزيد مراجعة الدراسات والكتب الخاصة بهذا الموضع وما أكثرها.
من دروس خطبة الزهراء (ع).
1) الثقة المطلقة بالله جل جلاله والتسليم لأمره فالزهراء كانت ناظرة إلى رضا الله سبحانه قبل المطالبة بفدك.
2) الاعتماد على النفس عند مقارعة مغتصبي الحقوق، فالزهراء (ع) قامت بنفسها بالمطالبة بالحق ولم ترسل أو تعتمد على شخص آخر لان الحق حقها.
3) إن الحق يؤخذ ولا يعطى فينبغي على الإنسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص عدم التهاون في الحقوق المغصوبة والمطالبة بها وان غلت التضحيات.
4) اتخاذ التدابير والإجراءات الضرورية لانجاح محاولة استرجاع الحق، بعبارة أخرى ينبغي إعداد خطة مدروسة وعدم الاحتكام إلى الفوضى والارتجال، وهذا ما نلمسه في مشية الزهراء (ع) وفي اصطحابها نساء قومها.
5) عدم الاستسلام إلى الاستغراق بالحزن، وهذا ما نجده في أن خطبتها (ع) كانت بعد (10) أيام فقط من رحيل والدها الإكرم (ص).
6) مقارعة مغتصب الحق الرئيسي وعدم تضييع الوقت والجهد مع مساعديه وأذنابهم فالزهراء (ع) اتجهت مباشرة نحو رأس الانقلاب، أما نساء اليوم بل رجالها بعيدين كل البعد عن هذا الدرس.
7) اختيار المكان الأنسب للمواجهة، فالمسجد النبوي كان يمثل مقر حكومة الانقلاب، مما يساعد على سرعة تناقل الخبر وتواتره فضلا عن الاعتراف بالشجاعة الفائقة للزهراء (ع).
8) الإثبات العملي لضعف العديد من الأحاديث التي تقيد من دور المرأة في المجتمع، مثلا الحديث المروي عن الزهراء (ع) (خير النساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال) (4)، لان المسجد النبوي الشريف حين الخطبة كان فيه الغالبية من الرجال، ولتأكيد هذا الأمر نجد أن السيد الخوئي في مباني العروة الوثقى ضعف هذا الحديث (5).
ونفس الأمر يمكن أن يقال بشأن الأحاديث التي تصف المرأة بأنها عورة يجب سترها في البيت أو أن صوتها عورة.
وأخيراً من خلال الدروس أعلاه نجد أننا لا نفتقد المنهاج الواضح والطريق القويم للوصول إلى الأهداف الحقة، ولكن السبب الحقيقي في ضعفنا وتكالب الأمم المنحرفة علينا هو أننا لا نملك الأيمان الحقيقي بمبادئنا العليا ولا نملك الإرادة الحقيقية في الاستعداد لتقديم التضحيات من أجلها، فلو آمنا عمليا بالآية الكريمة التي نرددها في صلواتنا يوميا {إياك نعبد وإياك نستعين} لو آمنا عملياً أن الله جل جلاله أقوى من الطغاة لما كان حالنا كما هو اليوم.
____________
1- الأنظمة السياسية، د.صالح جواد كاظم وعلي غالب العاني، جامعة بغداد، 1990، ص 40.
2- فدك في التاريخ، محمد باقر الصدر، ص 13 (لا يوجد اسم للدار الناشرة ولا تاريخ الطبع).
3- المصدر السابق، ص37.
4- الوسائل، الحر العاملي، مؤسسة ال البيت لأحياء التراث، الطبعة الثالثة، 1416، ج20، باب 129 من أبواب مقدمات النكاح، ح3، ص 232.
5- مباني العروة الوثقى، كتاب النكاح، تقرير محمد تقي الخوئي، منشورات مدرسة دار العلم، ج1، ص 53.