{ضيعتنا يا فاطِمة}

عدت وأنا أشعر بتكسر أشرعتي ..

عدت وأنا أشعر بتقطع شراييني ..

عدت وقد جفت موانيء مآقي دموعي ..

عدت وقد تقطعت بي الأسباب ..

واختلطت عليّ الدورب .. وأمتزجت أمام ناظريّ الأحاسيس والمشاعر .. ليصبا في محيط واحد وهو قاموس الحزن المليء بالدموع ..

وصلت حيث بابك الموصد .. المغلق بالشمع الأحمر .. فتحته بعد أن كلّت يديّ من طرقه .. لم أسمع منك ردّا .. حرت جوابا .. ترددت في الدخول لإنكِ لم تعهدينني أدخل داركِ بدون استئذان منكِ ..

دخلت حينها صرت أبحث عن طيف ابتسامتكِ العذبة من شفتيكِ .. أو صدى لكلمة طيبة يقرأها لسانك وقلبكِ الأبيض يمليها عليه بشفافية وصدق ..

أتعرفين إن منذ تلك الليلة السوداء اصطبغ عالمي باللون الأسود الحالك..

أصبحت حياتي كرداء سماء معتمة في ليلة غاب عنها القمر وعافتها النجوم .. لن ينير حلكة الليلة تلك سوى غرتّكِ ..

فكل شيء أسود .. الطريق .. النخيل .. السماء .. الدار .. الجدران ..

مسحت دمعتي وأنا أقلبّ في ما تبقى لي من ذكريات ..

نزلت مني دمعة تلونت بلون الدم الأحمر القاني كون إن قلبي من ذرفها لا مقلتيّ ..

حرقت أشفار عيني تلك الدمعة ..

صرت أتلفت يمنى ويسرى فلا أجد سوى خيال من طيف واراه التراب واحتفظ به الرمس ..

طيفكِ يا حبيبتي لا يزال يرتسم في عيني .. ويداعب مخيلتي .. ولا أجد غير ظلكِ الذي ما أن التفت إلى الوراء حتى أراه يتبعني ..

أصبحت لا أشم سوى رائحة المسك والريحان التي تعطر بها ثوبكِ الأخير المعلق على ذلك المسمار ..

جلست على الأرض متنهدا وأحتضنت ركبتيّ رأسي المثقل بالهموم .. رفعت رأسي ونفضت يدي .. فإذا بي أتذكر فورا إن بيدّي هاتين حملت جثتكِ يا ريحانة المصطفى ..

بيدي واريتكِ تراب مجهول كما طلبتِ ..

للتو يا فاطمة غسلتكِ بالماء والكافور رغم إنكِ أساس الطهر كله ..

أيها الملاك الغائب عن عيني وجسدي والحاضر عند قلبي وحواسي بل وجميع جوارحي ..

بعدكِ صرت أشعر بالوحدة ..

السأم .. تتهافت على قلبي المكلوم الآلام .. أتقلب على مضجع الأحزان .. وأتلحف بلحاف الهموم .. تناهى لي صوت صرير الباب فدخل عليّ ريحانتيك وسبطي جدهما المصطفى الحسن والحسين عليهما السلام ..

كان هناك ألف سؤال حائر في خلدهما قرأته في عينيهما .. لم أجبهم ولست أدري إن كنت مجبرا على الصمت أم مضطرا إلى البوح .. رغم إنهما كانا معي ويتبعن جثتكِ يا من يتمتهما ..

لكن يبدو إنهما غير مصدقين رحيلكِ مثلي تماما ..

أختصر جميع الكلمات .. والآهات .. والأحزان لأقول :

(ضيعتنا يا فاطِمة)