
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم واحشرنا معهم يا كريم
روض الشاعرية
رثاء الزهراء النبي صلى الله عليه وآله وتعديد مزاياه، فيه خدمة للدين والأخلاق
|
نشأت الصديقة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها في جو يتكالب فيه الناس على الشعر ويكرمون الشاعر ويعظمونه ان أجاد وأحسن ، وفي جو يتبارى فيه الشعراء بالمدح والهجاء والوصف والمفاخرة ، وغير ذلك .
وبما أن للمرأة أشغال وأعمال تضطرها أحيانا الى ترك الشعر، ولعل من أبرزها ظروف الحمل والامومة .
لذا لم تبرز من الشواعر في التأريخ الا القليلات ممن حالفهن الحظ ، وممن لم يتخلين عن الشعر مهما كانت العوائق المعترضة في طريقهن .
فالفخر مثلا يكون عادة من ألسن الرجال لا من النساء ، ففخره مثلا في الحرب يستلزم أن يكون قد شارك في الحرب ، وأبدى الدور الذي يستدعي أن يفتخر به عند المنازلة أو الكر مثلا ، فهو يرتجز في الحرب، والمرأة بعيدة غالبا عن ميادين الحروب الا ما ندر كالزرقاء بنت عدي الهمدانية وخولة بنت الأزور وأم وهب - في ملحمة الطف - وام الخير بنت حريش في صفين وغيرهن .
كذلك فان من طبيعة المرأة ان لها من الحياء أكثر مما للرجل ، فهي لا تستطيع أن تمدح نفسها في شعرها كما يفعله الكثير من الرجال ، بل من الخطأ الاطراء على نفسها .. فهي اما أن تكون متزوجة ، وظروف الزوجية لا تسمح لها بذلك ، حيث يطمع الذي في قلبه مرض ان سمعها.
واما أن تكون غير متزوجة فالسبب الذي منع المتزوجة يمنعها أولا والحياء ثانيا والعادات والتقاليد التي لا تسمح بذلك ثالثا .
وهي لا تستطيع أن تمدح غيرها - غالبا - سواء كان رجلا أو امرأة ، فان تكون شخصية المرأة متخفية عن الرجال خير وأفضل لما ذكرت في السبب الأول
ويندرج ضمن ذلك الغزل أيضا .
أما من حيث الهجاء فانه يستدعي ذكر العيوب ، والحياء يمنعها من ذكر عيوب الرجال أولا، والخوف على نفسها ثانيا .
أما هجاء النساء للنساء شعرا فلا نكاد نجده في زمن من الأزمنة ، أو أنه غير متعارف على الأقل، فالمرأة بطبيعتها وبشكل عام مسالمة بينها وبين غيرها من النساء، حيث كما هو معروف ان قلوب النساء تتعاطف وتتآلف بشكل أسرع مما تتعاطف قلوب الرجال مع بعضهم البعض.
أما الرثاء ، فبما أنه لا يثير شبهة أو سمعة سيئة للشاعرة ، وكونه مستساغا من قبل كثير من الناس ، لذا نجد أن عددا غير قليل من النساء التجأن الى هذا اللون من الشعر , واشهره ما عرفت به الخنساء ، كذلك من الشاعرات الراثيات ام الهيثم النخعية التي رثت الامام علي (ع) ورثته أيضا سودة الهمدانية ، ولا يزال رثاؤها منقوشا على ضريحه سلام الله عليه .
وممن خضن في مجالات مختلفة من الشعر فقليلات ، كصفية بنت عبد المطلب واختها عاتكة وهند بنت اثاثة وليلى الاخيلية ، وام الخير بنت حريش وأروى بنت عبد المطلب والرباب بنت امرؤ القيس ، وغيرهن .
وكعائشة التيمورية ووردة اليازجي في العصور الأخيرة الى نازك الملائكة وعاتكة الخزرجي وبنت الهدى رحمها الله تعالى .
نستنتج من كل ما ذكرنا ان المرأة مشغولة عن الشعر بالكثير من الأشغال ، ولقد تبين ذلك بموقف السيدة زينب أمام ابن زياد حين تكلمت بكلام مسجوع ، فقال هذه سجاعة ، لقد كان أبوها سجاعا شاعرا ، فردت عليه : مالمرأة والسجع ، ان لي عن السجاعة لشغلا ولكن صدري نفث بما قلت.
ولكن لا يعني ذلك ان المرأة لم تمدح ولم تهج بتاتا ، بل مدحت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومدحت عليا وأهل بيته عليهم السلام ، وشخصيات اخرى تستحق المدح ، وهجت الخط المعادي لهم من معاوية وشرذمته كبنت الاسود الدؤلي (رض) حين بعث اليها بكميات من العسل المخلوط بالزعفران ليكسبها الى صفه ، فبعثت اليه بهذين البيتين :
| أبالشهد الزعفر يا ابن هند | نبيع عليك أخلاقا ودينا |
| فلا والله لـيس يكون هذا | ومولانا أمير المؤمنينا |
تقصد الامام علي عليه السلام .
فالشاعرات على مر الزمن قليلات بالقياس للشعراء من الرجال وذلك لما ذكرت من أسباب ودواع ، ولكن لا يعني هذا ان المرأة معذورة أمام التأريخ بالأشغال بأي وجه من الوجوه ، حيث يجب علينا أن نضع نصب أعيننا ان خدمة الأدب والشعر والعلوم الانسانية هي الأهم والأساس ... وكون المرأة لا تخوض بعض المجالات التي ذكرتها فانها لتستطيع أن تنصر الاسلام في شعرها _ في الدعوة الى الأخلاق والمباديء والقيم التي يدعو اليها الدين .
والزهراء سلام الله عليها وبحكم بلاغتها العظمى وملكاتها الخارقة كانت ممن تقول الشعر السامق ، بيد ان المؤرخين لم يذكروا انها قالت الشعر الا بعد وفاة أبيها صلى الله عليه واله وسلم وانتقاله الى الدار الآخرة .
ومن المعلوم ان رثاءها النبي وتعديد مزاياه فيه خدمة للدين والأخلاق.
فقد أبرزت من الشعر كأحسن ما يكون ، وخير الشعر ما كان من قريحة متألمة هائجة وقلب دام كليم ، حيث ( ماخرج من القلب وصل الى القلب ) .
وأحسن الشعر ما كان معبرا عن مكنونات النفوس ، ومدى تفاعلها مع المفجوع به .
وحسبك قولها هذين البيتين - من مجزوء الكامل -
| كـنت السواد لمقلتي | فـبكى عـليك الناظر |
| من كان بعدك فليمت | فعليك كنت احاذر (1) |
وقالت بعد أن احتسبت الله وتعزت بالنبي صلى الله عليه وآله : - من بحر الطويل -
| تذكرت لما فرق الموت بيننا | فـعـزيت نـفــسي بالنبي مـحمد |
| فقلت لـها ان الممات سبيلنا | ومن لم يمت في يومه مات في غد (2) |
ثم تشير الى عظم مقام أبيها صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وان ذكره مذ انتقل الى جوار ربه لما يزل يزداد ويعلو :
| اذا مات قرم قل والله ذكره | وذكر أبي مذ مات والله أكثر (3) |
وكانت تبعث الحماس في النفوس ، وتثير المشاعر في القلوب بسيف شعرها اللاهب المصقل بالمعاني السامقة ، والبلاغة السامية ، وتشير الى ما لاقته من المصائب والى ما أصاب الامة من الفواجع والنكب ، فقد نسب اليها انها قالت : - من بحر البسيط -
| قد كان بعدك أنباء وهنبثة | لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب |
| انا فقدناك فقد الأرض وابلها | واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا |
| أبدت رجال لنا نجوى صدورهم | لما مضيت وحالت دونك الترب |
| تجهمتنا رجال واستخف بنا | لما مضيت وكل الارث مغتصب |
| وكنت بدرا ونورا يستضاء به | عليك تنزل من ذي العزة الكتب |
| وكان جبريل روح القدس زائرنا | فغاب عنا وكل الخير محتجب |
| انا رزئنا بما لم يرز ذو شجن | مـن البـرية لاعجم ولا عرب |
| ضاقت علي بلاد بعدما رحبت | وسيم سبطاك خسفا فيه لي نصب |
| فليت قبلك كان الموت صادفنا | لما مضيت وحالت دونك الكثب |
| فأنت والله خير الخلق كلهم | وأصدق الناس حيث الصدق والكذب (4) |
وكأعظم ما يفرزه المرء من قريحته من تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ما أشارت اليه الزهراء من ظهور المعجزات في الطبيعة حزنا عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، كظلمة الكون واغبرار السماء ورجفان الارض : - بحر الكامل -
| اغـبر آفـاق السماء وكورت | شمس النهار وأظلم العصران |
| والارض مـن بعد النبي كئيبة | أسـفا عـليه كثـيرة الرجفان |
| فلـيبكه شـرق البلاد وغربها | ولـيبكه مـضر وكـل يماني |
| ياخاتم الرسل المبارك ضوؤه | صلى عليك منزل القرآن (5) |
ولها - ع - أيضا : - في بحر الخفيف :
| قل صبري وبان عني عزائي | بعد فقدي لخاتم الأنبياء |
| عين ياعين اسكبي الدمع سحا | ويك لاتبخلي بفيض الدماء |
| يارسول الاله ياخيرة الله | وكهف الايتام والضعفاء |
| قد بكتك السماء والوحش جمعا | والطبر والارض بعد بكي السماء |
| وبكاك الحجون والركن والمشـ | ـعر ياسيدي مع البطحاء |
| وبكاك المحراب والدرس للفـ | ـرآن في الصبح معلنا والمساء |
| وبكاك الاسلام اذ صار في | الناس غريبا من سائر الغرباء |
| لوترى المنبر الذي كنت تعلوه | علاه الظلام بعد الضياء |
| ياالهي عجل وفاتي سريعا | فلقد تنغصت الحياة يامولائي (6) |
ولها عليها السلام أبيات أولها : - بحر الكامل -
| قد كنت جبلا ألوذ بظله | فاليوم تسلمني لأجرد ضاحي |
| قد كنت جار حميتي ماعشت لي | واليوم بعدك من يريش جناحي |
| وأغض من طرفي وأعلم أنه | قد مات خير فوارسي وسلاحي |
الى أن تقول سلام الله عليها :
| فالله صبرني على ماحل بي | مات النبي قد انطفى مصباحي (7) |
والناس بطبيعتهم تواقون للشعر الدرامي ، المتضمن للمآسي ، فكيف بك وفاطمة الزهراء هي القائلة للشعر والمآسي مآسيها والمصائب مصائبها ؟
حيث مما لا شك فيه ان ذلك أدعى الى تهيج الخواطر وذرف الدموع وبكاء القلوب.
لذا نجد ان الزهراء سلام الله عليها التجأت الى هذا النوع من الشعر دون غيره لاستقطاب العواطف واستجلاب المشاعر ولتوعية الامة بما يجري عليها ، حيث قالت بعد أن تناولت حفنة من تراب القبر شمتها : - بحر الكامل -
| ماذا على من شم تربة أحمد | أن لايشم مدى الزمان غواليا |
| قل للمغيب تحت أطباق الثرى | ان كنت تسمع صرختي وندائيا |
| صبت علي مصائب لو أنها | صبت على الأيام صرن لياليا(8) |
والحمد لله رب العالمين
المصادر
(1) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج1 ص242 وقد ذكرت على أنها للسيدة الزهراء عليها السلام.
كذلك في ديوان الامام علي ع على أنها للامام علي عليه السلام ولكن ذكرت بهذا الشكل كنت السواد لناظري ...... الخ.
(2) البحار ج22 ص523 المناقب لابن شهر آشوب ج1 ص 238.
(3) القرم هو السيد ورد في البحار ج22 ص523.
| اذا مات ميت قل والله ذكره | وذكر أبي مذ مات والله أزيد |
وقد ذكره صاحب البحار مع البيتين السابقين :
| تذكرت لما فرق الموت بيننا | فـعـزيت نـفـسي بالنبي محمد |
| فقلت لها ان الممات سبيلنا | ومن لم يمت في يومه مات في غد |
ولا يخفى ان هذين البيتين وردا بالكسر ، أما البيت الذي قبله ......... والله أزيد - بالرفع -
لذا اعتمدنا على رواية الصحابي محمود بن لبيد عن الزهراء ع في كتاب كفاية الأثر للخزاز وهي :
| اذا مات قرم قل والله ذكره | وذكر أبي مذ مات والله أكثر |
وجعلناه مفصولا عن البيتين الآنفي الذكر لتلافي الاشكال.
(4) أوردها كل من :
الكليني في الكافي باسناده عن محمد بن المفضل عن الصادق ع ج8 ص 375 وراها الشيخ محمد المفيد النعماني في الامالي - المجلس الخامس ص 41 وابن طيفور في بلاغات النساء ص 26 وعلي بن ابراهيم في تفسيره المعروف بتفسير القمي ج2 ص 157 ص 35 وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج6 ص 43 وأيضا في ج 16 ص 251 ورواها الاربلي علي بن عيسى في كشف الغمة ج 1 ص 289.
وفي دلائل الامامة للطبري ص35 ولكن أوردها بهذا الشكل :
| انا فقدناك فقد الارض وابلها | واجتث قومك مذ غيبت واغتصبوا |
| أبدت رجال لنا فحوى صدورهم | لما نأيت وحالت بيننا الكثب |
| تهجمتنا رجال واستخف بنا | دهر فقد أدركوا منا الذي طلبوا |
| قد كنت للخلق نورا يستضاء به | عليك تنزل من ذي العزة الكتب |
| وكان جبريل بالآيات يؤنسنا | فغاب عنا فكل الخير محتجب |
وأكثر المصادر جاء فيها :
........ واختل قومك فاشهدهم ولا تغب - بالكسر - وهي بهذا لا تتناغم مع باقي الابيات الواردة بالرفع فاعتمدنا على رواية نادرة ...... فاشهدهم فقد نكبوا.
(5) العمدة لابن رشيق القيرواني .
(6) أوردها العلامة المجلسي في البحار ج 43 ص 177.
من الواضح ان بعض أبيات هذه القصيدة الهمزية لم تقلها السيدة الزهراء فهي قد صحفت ونقلت عنها خطأ فبالنسبة الى البيت :
| قد بكتك السماء والوحش جمعا | والطبر والارض بعد بكي السماء |
غير موزون ويتزن البيت لو قلنا ... والأبابيل بعد بكي السماء
وبالنسبة الى البيت الاخير:
| يا الهي عجل وفاتي سريعا | فلقد تنغصت الحياة يامولائي |
يقف العجز فيه ويتزن لو قلنا: نغصتني الحياة يامولائي .
(7) المناقب ج 1 ص 243.
(8) روضة الواعظين لمحمد الفتال ج1 ص 75 البحار ج79 ص 106 المناقب لابن شهر آشوب ج1 ص 243.
____________
(1) ديوان الامام علي وقد ذكرت على أنها للامام علي عليه السلام ، وقد ذكرت في المناقب بهذا الشكل كنت السواد لمقلتي ... الى آخرالابيات ، وهي من مجزوء الكامل.
(2) بحار الانوار للعلامة المجلسي ج22 ص 523 المناقب لابن شهر آشوب ج1 ص 238 وهذان البيتان من البحر الطويل.
(3) جاء في البحار ج22 وذكر أبي مذ مات والله أزيد.