في سيرة الإمام الحسن المجتبى (ع) نقطتان أساسيتان، الأولى تصوير شخصيته بما تحتل من مواقف أخلاقية وإنسانية عميقة ودقيقة، والثانية هي القضية الهامة في حياة الإسلام والمسلمين أي الصلح مع معاوية فقد احتلت الثانية ولازالت أخذا وردا بين البعض. اما شخصية الإمام المثالية، فلقد اضفى عليها جده رسول الله (ص) هالة من التعظيم والتقديس والتكريم جنبا إلى جنب مع أخيه الإمام الحسين في كثير من أحاديثه، وكأنه (ص) أراد ان يشير للأجيال الآتية ان كل شاردة وواردة وكل تحرك وسكون يقدم عليه الإمامان (ع) هو بعين الله ورضا رسوله (ص)، ولكي لا تفرق الأمة بين قيام الحسين وقعود الحسن، قال (ص): (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا، اللهم اني أحبهما فأحب من يحبهما، من أحب الحسن والحسين فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني، الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا). ثم يركز النبي (ص) بخطاب قوي ورائع على الإمام الحسن ليزيل عند البعض غبار الشك الذي ألحقوه فيه، فقال (ص): (أحب الله من أحب حسنا، لو تمثل العقل في رجل لكان ولدي الحسن، ان ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين مسلمتين متقاتلتين، الحسن هدية الله لي)، فالنبي (ص) أرسل تأكيداته المستمرة بحق سبطه الأكبر (ع) وكأنه يعلم ان هناك أسبابا مستقبلية ستطرأ وسيبخس الدهر بأهل بيته سواء التاريخ أو بعض رجالات الأمة، وسيأتي الأمويون ويزيفوا وجه التاريخ ويقفوا هذا الموقف المشين مع آل الرسول، وخاصة الإمام المجتبى الذي عاش فترة مشوبة بحدة الصراع والنزاع بين الخط العلوي بقيادته والخط الأموي بزعامة معاوية، وفترة بزوغ أحقاد قريش القديمة على النبي وآله، فرأينا كيف ان التاريخ يروي وينقل الروايات عن أناس ملوثين ومنحرفين ولا يروى شيئا عن أهل آية التطهير ومنهم الإمام الحسن، بل انهم رووا عنهم روايات هو أجل شأنا منها، لكنها مأساة التاريخ الذي لعبت به الأهواء والفتن. والإمام (ع) رجل عبادة وزهد وورع وقد ظهر هذا التوجه على سيماء وجهه الكريم وأثناء وضوءه وصلاته، وروى الإمام الصادق (ع): ان الحسن بن علي، كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان اذا حج حج ماشيا وربما مشى حافيا، وكان اذا ذكر الموت بكى واذا ذكر القبر بكى واذا ذكر البعث والنشور بكى، واذا ذكر العرض على الله تعالى شهق شهقة يغشى عليه منها. وقد قسم الإمام كل ما يملك من ماله في حياته نصفين ثلاث مرات، وكان معطاءا كريما حتى عرف بكريم آل البيت، ومرة وهو في طواف بيت الله الحرام، سأله سائل بعشرة آلاف درهم فاعتذر منه الإمام لعدم تمكنه من اعطاء المال، فقال السائل: ان ليس لك مال فاستعمل مالك من وجاهة واعتبار عند الدائن لي فأنا مدين لفلان 10,000 درهم، فترك الإمام الطواف حول البيت وذهب مع الرجل المدين ليتوسط بينه وبين الدائن فقضى حاجته، ولما سئل الإمام عن سبب ترك طوافه، أجاب: سمعت جدي رسول الله (ص) يقول: من قضى حاجة أخيه المؤمن له أجر سبعين طواف وطواف (حتى عد سبعين طوافا). وعن حلمه وعفوه، روي ان رجلا شاميا أخذ يطعن بالإمام (ع) والإمام لا يرده فلما فرغ الشامي من لعنه وطعنه، قال له الإمام: يا هذا هات يدك لأذهب بك إلى بيتنا لأريك زغب جناح جبرئيل في بيتنا، فخجل الرجل الشامي واعتذر للإمام. ومروان بن الحكم الذي لم يتوقف لحظة عن إلحاق الأذى بالإمام فلما استشهد (ع)، بكى مروان في جنازته، فقال له الحسين (ع): أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه؟ فقال: اني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا، وأشار بيده إلى الجبل. وعن شجاعة وجرأة الإمام (ع) في الصغر والكبر فقد ذكر المؤرخون لما رأى الإمام الخليفة الثاني على منبر جده رسول الله (ص) ناداه: انزل من على منبر أبي وإذهب إلى منبر أبيك، فسكت الخليفة، وكرر عليه الإمام قائلا، فسكت، وفي المرة الثالثة قال (ع): إياك أعني انزل من على منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك فنزل بخجل واستحياء وعن جرأته أيضا حينما سمع الإمام معاوية وهو يتبجح بذكر الأمويين ويشيد بأسلافه، نهره الإمام وتحداه بالقول: صه يا معاوية فأنت معاوية وأنا الحسن بن علي (ع)، أبوك صخر وأبي علي بن أبي طالب وجدك حرب وجدي محمد رسول الله (ص) وأمك هند (آكلة الأكباد) وأمي فاطمة بنت رسول الله (ص)، وجدتك قتيلة وجدتي خديجة بنت خويلد. ولقد صحب الإمام الحسن (ع) أباه علي وعاونه وآزره في جميع شؤونه منتقما من الظالمين ومدافعا عن المظلومين، وصحب أباه أيضا في بعض حروبه، فخمد معه نار حرب الجمل في البصرة، وكان مع ابيه في صفين وسطر فيها ملاحم رائعة فقتل من قتل منهم، وحين حضرت لحظة عروج روح الإمام علي (ع) إلى بارئها أوصى (ع) الحسن ليحل محله بوصية مسبقة من النبي (ص) وأشهد على ذلك سائر أبناءه الكرام وكبار المسلمين، ولكن مؤامرة وخطط معاوية حالت دون ذلك. فمعاوية قد تمسك في عدم بيعته للإمام الحسن بنفس الحجج الواهية التي تشبثت بها قريش حين أعرضت عن بيعة أمير المؤمنين (ع) ولكنه كان يعلم في نفسه بأن الإمام أصلح منه، ولم يتخلف عن عدم بيعة الإمام فحسب بل انه سعى للإطاحة بالإمام وأمر البعض سرا باغتياله ومن هنا كان الإمام متدرعا خلف ثيابه بدرع وكان لا يذهب لإقامة الصلاة بدون درع. ولقد جهز معاوية نفسه وعماله والمأجورين من الناس وقد اشترى أصحاب الضمائر الميتة المنتسبة للإمام بالمال والجاه والرغبة والرهبة ليطيح بالإمام متعللا بوحدة الأمة وان الحسن صغير السن وغيرها، وعبئ نفسه لمحاربة الإمام في العراق، وقد ساعده في ذلك ممن حمل العداء للإمام علي من قبل وأصحاب المطامع والخوارج والمعسكر الأموي وعباد المال والجاه ووصل بمعسكر الإمام الحسن (ع) ان يفقد العدة اللائقة لمواجهة معسكر معاوية، فحتى القائد الأول لجيش الإمام الحسن وهو عبيد الله بن العباس اغتر بوعود معاوية وانسل ليلا مع جماعة من الخواص لمعاوية بوقي جيش الإمام بلا قائد، وكان الإمام يعاني المرض بشدة، وقد تفرق أصحابه عنه ولم يكن جنوده متوحدين لا هدفا ولا مبدأ، ولم تكن مواصلة الحرب مع معاوية بصالح الإسلام والمسلمين ولا في صالح شيعة الإمام فنية معاوية القضاء على الخط العلوي كيفا وكما، وخشية ان يستأصل معاوية الإسلام من الوجود، اضطر الإمام لتقبل الصلح بشروط أهمها: 1ـ احترام معاوية لدماء الشيعة والحفاظ عليها وعدم تضييع حقوقهم. 2ـ كف معاوية واتباعه عن سب الإمام علي (ع). 3ـ عدم وصف معاوية نفسه بأمير المؤمنين فهذا اللقب لا يستحقه الا الإمام علي (ع) حيث قال النبي له: يا علي أنت أمير المؤمنين. 4ـ يلزم على معاوية ان لا يعين أحدا للخلافة بعد موته الا الحسن والحسين. 5ـ على معاوية ان يقسم مليون درهم على يتامى معركة الجمل وصفين وان لا يفرق في توزيع المال بين أتباعه وأتباع الإمام.