
بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين حفظ الشيعة:بين الصلح و القطيعة و يمضي أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام و قد أثقلته الجراح..و لكن ليست هي جراح هامته الشريفة، أو أسقام احتضار الجسد منه روحي فداه.. أبداً، فالأمير(ع) لا يرى الموت إلا سعادة لأن الموت بالنسبة إليه طريق حياة، إنه مقام القرب من الحبيب.. مقام الفوز باللقاء بعد طول العناء. و لذلك تراه(ع) إذْ يُضْرَب على قرنه يصدعُ بكلمات حروفها نور و غايتها سرور و حبور لا تزال ترددها أصداء القلوب العاشقة و تلهج بها ألسنة العقول الوالهة العارفة.. تلتمس منها درب الوصول إلى حيث النور دون أفول:\" فزت و ربّ الكعبة\".. و هل يكون راضياً مطمئناً من يتألم؟ و هل يُروى من يكون ظمآناً بطعنة خنجر؟.. نعم، فأمير المؤمنين(ع) يصل بجرحه إلى الملكوت الأعلى.. إلى درجة الفوز\"و ذلك هو الفوز العظيم\"..قلنا إن جرحاً ما يكابده الإمام(ع)، و همًّا يضيق به صدره. هذا الهم أو قلْ هذا الهدف يندرج في أولويات تطلعاته و اهتماماته(ع)..كيف لا؟ و جلُّ سعيه يتمحور حول بناء الإنسان الكامل العاقل، الذي يستسيغ طعم النعمة(1) و يستقر عند باب دار الحكمة(2) فينبري ملبياً دعوة إمامه، رافعاً مشعل الأنبياء، داعياً إلى نهجهم، باذلاً الغالي و النفيس في سبيل حفظ جهودهم بحفظ معالم الدين الذي جاؤوا به.. بحفظ أسسه و مبانيه لا سيما أهم أصوله الفكرية و العقائدية و الإيمانية: أصل الإمامة.و لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه..فقلة هم شيعة الإمام و أولياؤه\"إن أولياؤه إلا المتقون و لكن أكثرهم لا يعلمون\"(الأنفال34)..إذن فالأمير(ع) يريد أن يبث هذا الهم إلى من هو كنفسه(3).. أن يسلم هذه الأمانة التي تنوء بها الجبال الراسيات و تأبى أن تحملها الأرض و السماوات إلى من هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ..إلى المؤتمن على رسالة الجدّ النبي و الأب الوصيّ..إلى النفس القدسية المؤيدة بالروح العليّة(4) أبي محمد الحسن المجتبى صاحب الهيبة المحمدية(5).. و هكذا فقد تسلم الحسن(ع) منصبي الإمامة و الخلافة بعد أبيه(ع) في وقت كان لا يزال معاوية رافضاً للتخلي عن ولاية الشام، معرضاً عن الإذعان لإمام زمانه..بل ما أن استشهد الإمام علي(ع)، و بعد ثمانية عشر يوماً فقط، جرد جيشاً قوامه ستون ألفاً، قاصداً العراق لمحاربة الإمام الحسن سلام الله عليه(6)، و الذي وجد نفسه بين خياري السلم و الحرب.. و لما كان الهدف الأسمى يتحقق بحفظ القلة المؤمنة من الشيعة و حفظ جهود الأنبياء(ع) فقد سعى الإمام(ع) لتحري هذين المطلبين بأقوم السبل و أنجح الطرق لدحض المكائد الأموية و تفويت الفرصة على الرجل الذي أطلق يده في البلاد و العباد لا يردعه رادع و لا يزجره زاجر من دون حسيب أو رقيب.. و من دون أن يتعرض حتى للمساءلة أو المحاسبة أو المعاتبة من قبل الخليفة الثاني أو الثالث، بل إن المتتبع ليجد أن معاوية كان الرجل الأول و الوالي المدلل لدى الخليفة العمري الذي قال له:\"لا آمرك و لا أنهاك..\"(7) لأنه غدا بنظره\"كسرى العرب\"(8) و هذا ما زاد شوكته وقوى نفوذه حتى صنع دولته الخاصة به ..دولة يسود فيها إسلام معاوية لا إسلام محمد(ص).. دولة شعارها الغدر و الإحتيال و الخيانة و الظلم حتى و لو كان ظلماً و هضماً لحقوق أصحاب الرسالة النبي الأكرم و آله عليهم السلام... نعم، على هذه المبادئ تربى الجيش الأموي فكان هشَّاً فارغاً من روح الإسلام ، فاقداً لنور الإيمان.. تسيره عواصف الحقد كيف تشاء فتزين له المعروف منكراً و المنكر معروفاً لتلقي به في بحر لجّيّ \"ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها و من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور\"(النور40)... و لذلك فمثل هذا الجيش الذي غشيته ظلمة الجهل لا يعبأ و لا يتورع عن مقاتلة سبط الرسول و قرة عين البتول، بل إنه ليعدها منقبة و فضيلة تضاف إلى سجلات غدره و خيانته..لماذا؟ لأنه لم يعرف الرسول حتى يعرف ولده..و لم يدر ما الإسلام حتى يلتزم تكليفه و يقف عند حدوده فيسلم المسلمون من سم لسانه و بطش يده...أما الإمام الحسن(ع) فإنه يعرف تكليفه جيداً..و هو(ع) من موقع إمامته يعرف أن عليه أن يكون رحيماً بالأمة، حريصاً على وجودها و بقائها،ناظراً إلى غدها و مستقبلها، فإذا أحجم عن الحرب فلحكمة ما اقتضاها الظرف و فرضتها المصلحة، و إذا وقّع الصلح فأيضاً لن يكون وراء ذلك إلا الرضا و التوفيق و التأييد من الله و رسوله..و هنا لا مجال للمهادنة مع من يعتقد أن الصلح الحسني كان بسبب وهن الإمام وضعفه أو أنه ناتج عن اعتراف منه(ع) بالطاغية و أن هذا الإعتراف بنظرهم هو بمثابة صك الإنتداب الرسمي أو الغطاء الشرعي للحكم الأموي الممهد للحكم السفياني و الذي لا زالت تهب علينا ريحه النتنة منذ حين..إن من يتوهم أن الإمام الحسن(ع) بهذه السذاجة فهو و للأسف في غاية الجهل.. لأن المعصوم لا ينطلق في تصرفاته و أفعاله من اعتبارات شخصية أو انفعالات نفسية..كيف و هو المبلغ عن رسول الله(ص) عن الله بنص كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه:\"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم..\"(النساء59)..إذن فالأمر متعلق بحكمته و فطنته و كلماته التي لا تنفد و كيف تنضب علوم أهل الذكر أو يجف لسان بيانهم وقد مدحهم الله بقوله سبحانه\"و كل شيء أحصيناه في إمام مبين\"(9)..؟ قلنا إن الإمام الحسن(ع) وجد نفسه بين خياري السلم و الحرب. أما بالنسبةللخيار الأخير فلو فرضنا أن الحرب آتت أكلها و عادت بالنصر على الإمام(ع) فلا بدّ لتحقيق ذلك من دفع أبهظ الأثمان لا سيما على مستوى الخسائر البشرية. فالحرب ستحصد أرواح الآلاف من المسلمين من كلا الطرفين مستأصلة معها ثلة من المؤمنين الموالين المخلصين الذين تربوْا في مدرسة علي عليه السلام و من قبله سيد الأنام صلى الله عليه و آله و سلم كما جرى في حربي الجمل و صفين(10)..هذا من جهة، و من جهة ثانية فإن الفئة الباغية لن تستكين بعد انحسار عاصفة الحرب لصالح الإمام(ع)، لأن انتصار السبط هو بمثابة حقن للدماء و وأد للفتنة و بالتالي فإن كل من كان يغرد خارج سربه مروجاً للأباطيل و مثيراً للشبهات فستبرز أنيابه من جديد بدعوى شراكة علي(ع) في دم عثمان و بحجة المظلومية من قبل أهل البيت(ع)..إذن فالساحة خالية إلا من رموز الفتنة التي تعيث في الأرض فساداً..و كيف يغض الطرف عن جرائمهم و سياساتهم القمعية و شعاراتهم التي تدعو إلى إبادة أتباع أهل البيت(ع) و ملاحقتهم تحت كل حجر و مدر حتى قال زعيمهم: أن قد برئت الذمة ممن يروي حديثاً في فضل علي و أهل بيته..و كتب إلى ولاته على الأمصار أن يقتلوا كل من يحب أهل البيت، أو يشك أو يتهم بحبه لهم،و أن لا يجيزوا لأحد من شيعة عليٍّ و أهل بيته شهادة(11)..هذا هو معاوية:يغدر و يفجر.. ولولا كراهية أئمتنا عليهم السلام للغدر لكانوا من أدهى الناس(12)..على ضوء هذه الأحداث و في ظل تربص الزبيريين و الخوارج المناوئين لخط أهل البيت(ع)، و بعد أن ظهرت في جيش الإمام حسكة النفاق لا سيما أقربهم إلى الإمام و واليه على اليمن عبيد الله بن العباس الذي باع ضميره لقاء مليون درهم(13) و لحق بمعاوية في ثمانية آلاف، و غيره كثير من أهل الكوفة الذين كتبوا إلىمعاوية\"أنا معك، و إن شئت أخذنا الحسن أسيراً و بعثناه إليك\"(14)..كل هذا أدّى إلى عدم تكافؤ الطرفين المحاربين، فجيش الإمام(ع) لا يزيد على العشرين ألفاً(15) لا يتفقون و أهداف قائدهم الذي سيحملهم على المحجة البيضاء، مقابل ستين ألفاً منسجمين تماماً مع أهداف معاوية و تطلعاته.. لقد كانت الصورة جلية كفلق الصبح لدى الإمام(ع) ولذلك أرادها أن تتضح للناس فتكون حجة له إذا بادر إلى مفاوضة معاوية و هذا بلا شك من حكمة الإمام و حنكته السياسية..و لذلك لم يكن صلح الإمام صلح استسلام بحيث يسمح للباغي أن يسرح و يمرح كيف يشاء، بل هو الصلح القائم على شروط باعتبار أن المخل لمضمون إحداها فستلحق به شبهة تزييف الحقائق و نكث العهود و نقض العقود ويخسر بالتالي ماء وجهه أمام الرأي العام..و على الأقل إن لم يكن في ذلك الوقت من يبصر لكثرة الغشاوة على عينيه و قلبه أو يسمع لأن في أذنيه وقرا، فإن الأجيال الآتية ستطل على تاريخ تلك الحقبة من نافذة الحق و سيكون لها دور في استكمال المسيرة التحررية من الظلم و الظالمين.. أما شروط الصلح فكثيرة و هي على كثر=