بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين أبا الزهراء أبا القاسم محمد ابن عبد الله وعلى أخيه ونفسه ووصيه ووارث علمه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب وعلى آل بيتهما الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين قادة الغر المحجلين. أما بعد... ألإمام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه وآله وآبائه الطاهرين، هو الإمام الثامن من أئمة أهل البيت عليهم السلام، وهو الإمام العاشر من المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام أجمعين... إذا أردنا أن ندخل في معرفة الإمام الرضا صلوات الله عليه وآله فهذا من المستحيلات، فمن نحن حتى نعرفهم عليهم السلام، فإن من العلوم المنطقية والفلسفية يقولون أن المعّرِفْ لا بد أن يكون أجلا وأقوى من الُمَعَرفْ، لا يعقل أن يكون المُعَرِفْ أضعف من المُعَرَفْ.. وكيف يوجد أحدٍ أن يكون أجلى من الإمام الرضا المعصوم عليه السلام لذا نقول في زيارة الإمام الحجة بقية الله (عج) السلامُ عليك سلامُ من عرفك بما عرّفَك به الله ونعتك ببعض نعوتك التي أنت أهلها وفوقها(1).... لذلك فنترك هذا التعريف الجليل لهم صلوات الله عليهم هم يعرفون أنفسهم بأنفسهم، لأن أمر الامامة من تمام الدين. فأقول بأنه هل يمكن معرفة قدر الإمامة التي هي لهم صلوات الله عليهم ومحلها من الامة فيجوز للأمة فيها إختيارهم، فإمامة مولانا الرضا أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلا مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماما باختيارهم، فإن الامامة خص الله عز وجل بها الأئمة عليهم السلام كدرجةٍ أولى وبعدهم كانت للنبي إبراهيم (ع)، وهذه فضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره، فقال:\"إني جاعلك للناس إماما \"فقال الخليل عليه السلام سرورا بها:\"ومن ذريتي\"قال الله تبارك وتعالى:\"لا ينال عهدي الظالمين\". فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال:\"ووهبنا له إسحاق و يعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين\". فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله، فقال جل وتعالى:\"إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين \"فكانت له خاصة فقلدها صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله، فصارت في ذريته الاصفياء الذين آتاهم الله العلم والايمان، بقوله تعالى:\"قال الذين اوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث \"فهي في ولد أميرنا الإمام علي عليه السلام خاصة إلى يوم القيامة، إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله فمن أين يختار هؤلاء الجهال أئمة جورٍ وضلال... فإمامة مولانا علي بن موسى الرضا عليه السلام إنما هي إمامة بمنزلة الانبياء، وإرث الاوصياء، إن إمامته صلوات الله عليه خلافة الله وخلافة الرسول صلى الله عليه وآله ومقام أمير المؤمنين عليه السلام وميراث الحسن والحسين عليهما السلام، فكان الإمام الرضا (ع) زمام للدين، ونظام للمسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الإمام الرضا (ع) أس الاسلام النامي، وفرعه السامي، بالامام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفئ والصدقات، وإمضاء الحدود والاحكام، ومنع الثغور والاطراف. كان الامام (ع) يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، وكان الامام الرضا (ع) كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الافق بحيث لا تنالها الايدي والابصار. فالامام علي الرضا (ع) هو البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار، ولجج البحار، إن الامام (ع) هو الماء العذب على الظماء والدال على الهدى، والمنجي من الردى، والامام (ع) كالنار على اليفاع، الحار لمن اصطلى به والدليل في المهالك، من فارقه فهالك، إن الامام الرضا (ع) السحاب الماطر، والغيث الهاطل والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والارض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة. كان صلوات الله عليه الانيس الرفيق، والوالد الشفيق، والاخ الشقيق، والام البرة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية النآد، فالامام هو أمين الله في خلقه، وحجته على عباده وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله، فهو المطهر من الذنوب والمبرا عن العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين. كان الامام علي بن موسى الرضا (ع) واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب. فمن ذا الذي يبلغ معرفته صلوات الله عليه، أو يمكنه تعريفه، هيهات هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الالباب، وخسئت العيون وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الالباء، وكلت الشعراء، وعجزت الادباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله، أو ينعت بكنهه، أو يفهم شئ من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه، لا كيف وأنى؟ وهو بحيث النجم من يد المتناولين، ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟! أتظنون أن ذلك يوجد في غير آل الرسول محمد صلى الله عليه وآله كذبتهم والله أنفسهم، ومنتهم الاباطيل فارتقوا مرتقا صعبا دحضا، تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الامام بعقول حائرة بائرة ناقصة، وآراء مضلة، فلم يزدادوا منه إلا بعدا، قاتلهم الله الناصبين أنى يؤفكون، ولقد راموا صعبا، وقالوا إفكا، وضلوا ضلالا بعيدا، ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الامام عن بصيرة، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين. رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته إلى اختيارهم والقرآن يناديهم:\"وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون \"وقال عز وجل:\"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم\"الآية وقال:\"ما لكم كيف تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون * أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون * سلهم أيهم بذلك زعيم * أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين \"وقال عز وجل:\"أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها \"أم\"طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون \"أم\"قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون \"أم\"قالوا سمعنا وعصينا \"بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فكيف لهم باختيار الامام؟! فالامام الرضا (ع) عالم لا يجهل، وراع لا ينكل، معدن القدس والطهارة، والنسك والزهادة، والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة الرسول صلى الله عليه وآله ونسل المطهرة البتول صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها الكرار وبنيها والسر المستودع فيها وبكل علمٍ أُحيط بها، لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، في البيت من قريش والذروة من هاشم، والعترة من الرسول صلى الله عليه وآله والرضا من الله عز وجل، شرف الاشراف، والفرع من عبد مناف، نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالامامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله عز وجل، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله. إن الانبياء والائمة صلوات الله عليهم يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه و حكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان في قوله تعالى:\"أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون \"وقوله تبارك وتعالى:\"ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا \"وقوله في طالوت:\"إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم \"وقال لنبيه صلى الله عليه وآله:\"أنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما \"وقال في الائمة من أهل بيت نبيه وعترته وذريته صلوات الله عليهم:\"أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما * فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا \". وإن العبد إذا اختاره الله عز وجل لامور عباده، شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاما، فلم يعي بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، فهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار، يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده، وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فهل يقدرون على مثل هذا فيختارونه أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدمونه، تعدوا - وبيت الله - الحق ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وفي كتاب الله الهدى والشفاء، فنبذوه واتبعوا أهواء هم، فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم فقال جل وتعالى:\"ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين \"وقال:\"فتعسا لهم وأضل أعمالهم \"وقال:\"كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار. فالامام الرضا (ع) هو المنتجب المرتضى، والهادي المنتجى، والقائم المترجى، اصطفاه الله بذلك واصطنعه على عينه في الذر حين ذرأه، وفي البرية حين برأه، ظلا قبل خلق نسمة عن يمين عرشه، محبوا بالحكمة في علم الغيب عنده، اختاره بعلمه، وانتجبه لطهره، بقية من آدم عليه السلام وخيرة من ذرية نوح، ومصطفى من آل إبراهيم، وسلالة من إسماعيل، وصفوة من عترة محمد صلى الله عليه وآله، فالإمام الرضا (ع) معصوما من الزلات، مصونا عن الفواحش كلها، معروفا بالحلم والبر في يفاعه، منسوبا إلى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه، مسندا إليه أمر والده، صامتا عن المنطق في حياته. أما حول مولد الإمام الرضا صلوات الله عليه وآله فتقول الرواية أنه ولد يوم الجمعة بالمدينة وقيل: يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الاول سنة ثلاث وخمسين ومائة، بعد وفات الإمام الصادق عليه السلام بخمس سنين رواه ابن بابويه وقيل: سنة إحدى وخمسين ومائة.(2) وفي بعض الروايات يقال: سمعت نجمة ام الرضا عليه السلام تقول: لما حملت بابني علي لم أشعر بثقل الحمل، وكنت أسمع في منامي تسبيحا وتهليلا وتمجيدا من بطني فيفزعني ذلك ويهولني، فإذا انتبهت لم أسمع شيئا فلما وضعته وقع على الارض واضعا يده على الارض رافعا رأسه إلى السماء يحرك شفتيه، كأنه يتكلم فدخل إلي أبوه موسى بن جعفر عليه السلام فقال لي: هنيئا لك يا نجمة كرامة ربك، فناولته إياه في خرقة بيضاء فأذن في اذنه اليمنى، وأقام في اليسرى ودعا بماء الفرات فحنكه به، ثم رده إلي وقال: خذيه فانه بقية الله تعالى في أرضه.(3) وأما ألقابه صلوات الله عليه ما ورد، فيكنى أبو الحسن والخاص %