المسيرة الجهادية التبليغية في حياة الإمام الرضا عليه السلام

قال الرسول(ص) يوم الغدير:

الثقل الأكبر كتاب اللَّه طرف بيد اللَّه عز وجل وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا، والآخر الأصغر عترتى(أهل بيتي) وأن اللطيف الخبير نبأني أنها لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فسألت ذلك لهما ربي فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.

إن طهارة الذات وسموا الملكات النفسية لهي سمة من أبرز سمات الأئمة الأطهار من أهل البيت الذين وهبهم اللَّه سبحانه هذه الألطاف برعاية منه وفضل فكانوا مطهرين من الرجس بعيدين عن الذنوب والمعاصي (إنما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) شاء اللَّه لهم ذلك ليكونوا قدوة للبشرية ودعاة للهدى.

فمسؤولية الأئمة في الإسلام مسؤولية كبرى يتوقف عليها حفظ الإسلام وحماية شريعته وعقيدته من التحريف والتزييف والدفاع عنها لتقف بوجه المبادئ والعقائد الضالة المنحرفة، وعليهم تقع مسؤولية بيان أحكام الشريعة ومسؤولية تربية الأمة.

والإمام علي بن موسى الرضا(ع) الذي هو أحد هؤلاء الطاهرين من أئمة أهل البيت عليهم السلام الذي أشار والده الإمام موسى بن جعفر (ع) إلى مقامه وتفوّق علمه واستحقاقه الإمامة بقوله لأحد أصحابه:

(هذا أفقه ولدي - وأشار بيده إلى الرضا- قد نحلته كنيتي).

ولقد عانى الإمام الكاظم (ع) في فترة إمامته الكثير من الظلم والجور على أيدي حكام الدولة العباسية وكذا شيعته ومحبيه وكل من كان منسوباً إليهم كما تشهد بهذا كتب التاريخ المختلفة، حيث القتل والسجن والتشريد إلى قطع الأرزاق والحرمان وهدم البيوت إلى أن تم قتل الإمام بالسم في سجن هارون الملعون...

وبهذا انتقلت الإمامة إلى ابنه الرضا(ع) حيث كانت فترة انفراج عاشها بعد موت هارون واستلام المأمون الحكم, وأيضاً كانت نتيجة لضغوط الرأي العام وتوتر الأوضاع السياسية, فبسبب ذلك رأى المأمون أن الأمة تتجه باتجاه أهل البيت فقرر أن يتعامل مع الرأي العام بدبلوماسية وحنكة بعد أن رأى فشل السيف في مكافحة ثورات آل على عليهم السلام فأخترع مشروعاً سياسياً لتطويق الإمام(ع) وهو المبايعة له بالخلافة وولاية العهد من بعده .

فاستجاب الإمام مكرهاً مجبراً.

من هنا بدأت المسيرة التبليغية من المدينة إلى مرو وإلى آخر حياة الإمام (ع) يمكن تلخيصها في الأمور التالية مع ذكر بعض مواقف له في مواجهة مؤامرات المأمون:

1 - رد على الذين يروّجون عقيدة الجبر:

إن أولئك المأجورون قد جعلوا عقيدة الجبر من العقائد الدينية الإسلامية من أجل أن يسهل على أولئك الحكام استغلال الناس ولذا فليس لأحد حق في أن ينكر عليهم أي تصرف أو أي جناية.

وقد كان مضى على ترويج هذه العقيدة حتى زمان المأمون اكثر من قرن ونصف.

وممّا ساعد على ترويجها غفلة الناس وعدم إدراكهم لحقيقة ما يجري ,والأهم ابتعادهم عن أهل بيت النبوة.

لذلك كان الأئمة عليهم السلام يؤدون واجبهم في نشر تعاليم السماء وفي الوقوف إمام الانحرافات الفكرية وتوجيه الناس إلي الفكر الإسلامي الأصيل ، وكذلك الإمام الرضا(ع) فقد سنحت له الفرصة للقيام بتوعية الأمة وذلك في الفترة التي تلت موت الرشيد وقتل الأمين، ممّاكان من نتيجته ازدياد نفوذه واتساع قاعدته الشعبية حتى كانت كتبه تنفذ في المشرق والمغرب.

2 - رفض دعوة المأمون وهو في المدينة وعدم قبوله بالمسير إليه إلا بعد علمه إن المأمون لا يكف عنه.

كما انه لم يعمل بما طلب منه أن يصطحب أهل بيته معه وهو لم يصطحب حتى ولده الوحيد وأيضاً انه قبل خروجه من المدينة ذهب ليودع قبر جدّه الرسول الأكرم(ص) ودعه مراراً بالبكاء والنحيب فسأله أحد أصحابه فقال:

(إني أخرج من جوار جدي (ص) فأموت في غربة وادفن في جنب هارون) كل ذلك أثار شكوك الناس وظنونهم حول طلب المأمون.

3 - سلوك الإمام(ع) في الطريق كما وصفها الضحاك عندما ورد على المأمون فسأله عن حاله في طريقه فأخبره بما شاهده منه في ليله ونهاره وظعنه وإقامته فقال المأمون:

بلى يا بن أبي الضحاك هذا خير أهل الأرض وأعلمهم واعبدهم فلا تخبر أحداً بما شاهدت منه لئلا يظهر فضله إلا على لساني.

4 - فضح كذب ادعاءات الفرقة الواقفية:

حينما كان الإمام (ع) يُستقبل أينما حل ويشيّع كلما رحل من قِبل جماهير الأمة بكافة أطيافها يستضيئون بنوره فعندما وصل إلى منطقة خوزستان ، سألوه مسألة عقائدية كانت لها أهمية بالغة وهي عن الفرقة الواقفية، حيث أن جماعة من أصحاب الإمام الكاظم (ع) ادعّوا انه لم يمت وانه حي ورفع كما رُفع عيسى (ع) وسُموا بالواقفية اي وقفوا إلى الإمام الكاظم (ع).

فرد عليهم الإمام الرضا (ع):

كذبوا لعنهم اللَّه.

حيث أنهم كانت لديهم أموال للإمام الكاظم (ع) قد أودعها عندهم وعند استشهاده امتنعوا من تسليمها للإمام الرضا (ع) بزعم أن الإمام الكاظم لم يمت.

5 - موقفه في نيشابور الذي لم يكن بالصدفة عندما اجتمع إليه مئات الألوف من الكتاب والقراء ورواة الحديث عندما أبلغهم بالحديث المسمى ب(السلسلة الذهبية) وهو:

(كلمة لا اله إلا اللَّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي) انه لم يحدثهم بمسألة فرعية كالصوم والصلاة وإنما حدثهم بأهم مسألة ترتبط بحياتهم وهي التوحيد.

ثم يقوم بتصرف آخر ليسترعي انتباه الناس بأن يخرج رأسه من الراحلة ويقول (بشروطها وأنا من شروطها) بأن جعل نفسه الشريفة والاعتراف بإمامته شرطاً لكلمة التوحيد والدخول في حصن اللَّه الحصين.

وليعلمهم أن هناك مسألة ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالتوحيد ألا وهي مسألة الولاية وانه ولي الأمر من قِبل اللَّه تعالى لا من قبل المأمون.

6 - رفضه الشديد لعرض المأمون:

الخلافة وولاية العهد وإصراره على الرفض الذي استمر اشهراً حتى هدده المأمون اكثر من مرة بالقتل حيث يسجل التاريخ هذا الموقف من الإمام عندما قال له المأمون:

أني قد رأيت أن اعزل نفسي عن الخلافة واجعلها لك وأبايعك، فقال الإمام (ع) له:

إن كانت هذه الخلافة لك واللَّه جعلها لك فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسكه اللَّه وتجعله لغيرك وان كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك.

وعندما رأى المأمون انه لا يرضى قال له:

فباللَّه اُقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك.

فإن فعلت وإلا ضربت عنقك.

فقبل (ع) وهو باكٍ حزين.

7 - شروطه(ع) على المأمون لقبول ولاية العهد وهي:

\"أن لا يولي أحداً ولا يعزل أحد ولا ينقض رسماً ولا يغير شيئاً ممّا هو قائم ويكون في الأمر مشيراً من بعيد\" فبشروطه هذه يكون قد رفض الاعتراف بشرعية النظام القائم ممّا سوف يثير التساؤلات لدى الناس.

8 - موقفه في صلاة العيد عندما أمره المأمون بالخروج وبعد الإصرار رضى بشرط أن يخرج كما كان يخرج رسول اللَّه (ص) وأمير المؤمنين (ع).

يروي التاريخ:

\"انه لما طلعت الشمس اغتسل وتعمم بعمامة بيضاء وخرج حافياً وأمر مواليه أن يفعلوا مثله رافعاً رأسه إلى السماء وكبر التكبيرات والناس ورائه فتزعزعت مرو بالبكاء فلما رأى الجند الذين أرسلهم المأمون عند بيت الإمام ذلك نزلوا على الارض ورموا بخفاهم ومشوا وكبّروا فكأنما كانت الحيطان والسماء والأرض تكبّر معه.

فبلغ المأمون ذلك فطلب منه الرجوع وان يصلي بالناس غيره فلبس الإمام (ع) خفه ورجع\".

لقد خشي المأمون من انه إذا ما صعد الإمام المنبر وخطب بالناس بعد أن هيأهم نفسياً وأثارهم عاطفياً خشي أن يأتي بمتمم لكلامه في نيشابور عندما قال:

\"وأنا من شروطها\" فخشي أن يحوّل مرو إلى حصن ضد العباسيين فأرجعه.

9 - كان الإمام (ع) يخبر الناس في اكثر المناسبات من أن المأمون سوف ينكث العهد ويغدر به وأنه شيء لا يتم.

كما يذكر التاريخ عن أحد الأصحاب قال:

كنت بين يديه في ذلك اليوم (اليوم الذي جلس فيه الأمام بعد ولاية العهد) فنظر إليّ وأنا مستبشر بما جرى فأومأ إليّ أن أدن فدنوت منه فقال لي من حيث لا يسمعه أحد غيري:

لا تشغل قلبك بهذا الأمر ولا تستبشر به فإنه شيء لا يتم.

10 - قطع حجج اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهرية من خلال المناظرات التي كان يقيمها المأمون طمعاً في أن يقطع حجة الإمام (ع) فيسقط محله عند العلماء وعامة الناس لكن النتيجة كانت عكس ما كان يتوقعه المأمون والعباسيون وباءوا بالفشل الذريع والخيبة.

كما قال الإمام (ع) للأحد أصحابه:

\"إن المأمون سوف يندم إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم وعلى أهل الزبور بزبورهم وعلى الصابئين بعبرانيتهم وعلى أهل الهرابذة بفارسيتهم وعلى أهل الروم بروميتهم وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته وترك مقالته ورجع إلى قولي علم المأمون إن الموضع الذي هو بسبيله ليس هو بمستحق له فعند ذلك تكون الندامة منه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.

11 - سلوك الإمام العام الذي كان يمثل ضربة لكل خطط المأمون، ذلك السلوك المثالي الذي يريد أن يفهم الملأ أن الحكم لا يعطي لشخص امتيازاً وإنما الامتياز فقط بالتقوى والفضائل الأخلاقية.

وعلى حد تعبير معاصريه:

انه أقام بينهم لا يشركهم في مأثم من مآثم الحكم بل كان لوجوده أثر كبير في تصحيح جملة من الأخطاء والانحرافات التي اعتادوا بها الحكام آنذاك حتى لقد استطاع أن يؤثر على نفس المأمون ويمنعه من الشراب والغناء طيلة الفترة التي عاشها معه.

مصادر البحث

1- بحار الأنوار ج49 العلامة المجلسي.

2- عيون أخبار الرضا ، الشيخ الصدوق.

3- حياة الإمام الرضا، السيد جعفر مرتضى.

4- الإمام الرضا، مؤسسة البلاغ.

5- حياة الإمام الرضا ، الشيخ باقر شريف القرشي .

6- الكشكول المبوب ، حسين الشاكري .