
الإمام الرضا(ع): مرجع المسلمين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً}. من أئمة أهل البيت(ع)، الإمام علي بن موسى الرضا(ع)، الذي مرّت ذكرى وفاته في يوم السابع عشر من شهر صفر، هذا الإمام الذي يتحدث عنه معاصروه أنه لم يُرَ أعلم منه في كل علماء المسلمين الذين عاصروه، ولم يُرَ أكثر عظمة منه في أخلاقه، وفي كلماته مع الآخرين، واحترامه في سلوكه معهم، وانفتاحه عليهم، وكان(ع) في حديثه مع الناس ـ سواء كانوا من أنصاره أو من أعدائه ـ لا تصدر منه ـ حتى عندما يواجه العنف من الآخرين ـ شتيمة لأحد ولا يجفو أحداً في كلامه أو يقسو عليه، وكان (ع) ـ كما يقول كتّاب سيرته ـ إذا دخل مسجد رسول الله (ص) والقوم من علماء المدينة مجتمعون فيه والناس يسألونهم، فإذا عجزوا عن الجواب ـ كل العلماء ـ أشاروا إليه ووجدوا الجواب عنده، فكان المرجع لعلماء المسلمين حتى ممن لا يقولون بإمامته.
وقد جمع له المأمون ـ وهو الخليفة العباسي المثقف الذي كان يتميّز عن آبائه ومن جاء بعده من الخلفاء بأنه كان يملك ثقافةً واسعة، وكان عصره عصراً تسود فيه حركة ثقافية ناشطة ـ جمع له جماعة من مختلف الأديان، من النصارى واليهود والصابئة والزرادشتية وغيرهم من أصحاب المذاهب الفلسفية والكلامية، وأراد لهم أن يحاوروه ويسألوه، فتغلّب عليهم جميعاً، كما ذُكر ذلك في كتاب سيرته.
الإمامة: امتداد لحركية النبوّة
ولذلك، فقد كان الإمام الرضا(ع) محلَّ ثقة المسلمين كلهم، من العلماء والمثقفين وغيرهم، كان هناك ثقة بعلمه الواسع الذي ورثه عن آبائه وأجداده، ونحن نعرف حقيقةً في أئمة أهل البيت (ع) ـ ولا بد أن تنتبهوا إليها ـ وهي أن بعض الناس كانوا يعتبرون أنّ مذهب أهل البيت(ع) هو واحد من المذاهب الإسلامية المختلفة، أهل البيت ـ ولا سيما الإمام الصادق(ع) الذي يُنسب المذهب إليه ـ مجتهدين كبقية المجتهدين، والجميع يعرفون أن المجتهدين ليسوا معصومين، فالمجتهد قد يخطىء ويصيب باجتهاده، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد. ولكن ـ في عقيدتنا كشيعة إمامية اثني عشرية ـ أن الأئمة (ع) معصومون، وأن ما تحدثوا به هو حديث رسول الله (ص) الذي يمتد في كل إيحاءاته إلى كل ما يحتاجه الناس، وهذا ما قاله عليّ (ع): \"علّمني رسول الله ألف باب من العلم، فُتح لي من كل باب ألف باب\". فالأساس هو حديث رسول الله (ص)، ولكن هذا الحديث كان يفتح لعليّ (ع) أبواباً يمكن له أن يعالج فيها كل ما يحتاجه الناس من قضايا، وما يجيب على كل أسئلتهم.
وهكذا كان الإمام الصادق (ع) يقول: \"حديثي حديث أبي ـ فأنا لا أتحدث عن اجتهاد، وإنما أتحدث من النبع الصافي ـ وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث علي، وحديث عليّ حديث رسول الله، وحديث رسول الله حديث جبرائيل عن الله عزّ وجلّ\"، ولذلك نحن ننطلق من أن النبوة أساس في نبوة النبي(ص)، وأن الإمامة هي امتداد لحركية النبوة في الأئمة(ع)، فالأئمة ليسوا مجتهدين، بل هم يؤدّون عن رسول الله (ص) وعما ينفتح عليهم من رسول الله في الأبواب التي تتمثل فيها كل قضايا الناس وحاجاتهم. لهذا لا يعتبر مذهب أهل البيت(ع) كالمذاهب الأخرى، ولكنه خط ومنهج رسالي يمتد إلى رسول الله (ص)، لأن من عقيدتنا العصمة؛ عصمة الأئمة (ع)، تماماً كما هي عصمة الأنبياء بأجمعهم في هذا المجال، وإن كان بعض \"المشايخ والسيّاد\" يقول إن \"السيد\" لا يقول بعصمة الأنبياء والأئمة (ع)، مما يكذبون فيه بطريقة وبأخرى، هداهم الله.
ولاية العهد: في خدمة الناس والثقافة
ومرحلة الإمام الرضا (ع) كانت مرحلة حاسمة ومليئة بالحركة، لأن المأمون بعد أن انتصر على أخيه الأمين في صراعه معه على الخلافة، دعا الإمام الرضا(ع) ليتنازل له عن الخلافة، وإذا لم يقبل الإمام الرضا(ع) فيكون وليّ عهده، ويختلف المؤرخون في الظروف التي أحاطت بهذا العرض، وفي خلفيات ذلك، ولماذا أراد المأمون أن يُخرج الخلافة من بني العباس ليجعلها في بني عليّ(ع)، وهل مورس ضغطٌ ما على الإمام (ع) للقبول بولاية العهد؟ هذه أبحاث ليس محلها الآن، ولكن النتيجة هي أن الإمام (ع) قبل ولاية العهد بشروط معينة، وقد استطاع خلال فترة هذه الولاية أن يقدّم الكثير من الخدمات للثقافة الإسلامية وللمنهج الروحي لأهل البيت (ع) وللمنهج الأخلاقي، وأن يخفِّف الكثير من آلام الناس. وقد اختلف المؤرخون أيضاً في وفاة الإمام الرضا (ع)، فهناك من يقول إن المأمون بعد أن صالح عائلته من بني العباس أراد أن يتخلّص من الإمام (ع)، فدسّ له السم، وهناك من علمائنا من يتحفّظ في ذلك. وهكذا توفي الإمام الرضا(ع) في \"طوس\"، ودُفن إلى جانب هارون الرشيد، وقد نظم الشاعر دعبل الخزاعي الموالي لأهل البيت(ع)، بيتين من الشعر، وهما مكتوبان في مقام الإمام(ع):
وقفة مع وصاياه وحكمه
عندما نتذكّر الإمام الرضا(ع)، هذا الإمام الذي ملأ العالم الإسلامي علماً وروحاً وخلقاً وزهادةً وحركة، فإننا نحتاج إلى أن نقف مع بعض وصاياه وكلماته، لنعتبر بها، ولعلنا نتصوّر أن الإمام(ع) معنا يحدثنا، لأنه إذا غاب عنا بجسده فإنه لم يغب عنا بعلمه ووصاياه. ففي بعض وصاياه للسيد عبد العظيم الحسني ـ ومقامه في طهران وهو من العلماء الأعاظم وكان الأئمة (ع) يقدّرونه، وقد كان ملتزماً بإمامة الأئمة، وهو من أولاد الإمام الحسن (ع) ـ وقد أرسل معه رسالة إلى أوليائه، وهذه الرسالة تمتد مع الزمن، فالإمام (ع) يخاطب شيعته في كل زمان ومكان، لأن هذه الوصايا تتصل بكل الواقع الأخلاقي والاجتماعي لأتباع أهل البيت (ع)، قال له:
\"يا عبد العظيم، أبلغ عني أوليائي السلام ـ وعليك السلام يا سيدنا ومولانا يا أبا الحسن الرضا ـ وقل لهم أن لا يجعلوا للشيطان على أنفسهم سبيلاً ـ لا تعبدوا الشيطان ولا تطيعوه في معصية الله تعالى، ولا تنجذبوا إليه عندما يثير غرائزكم ويحوّلها إلى الحرام، لا تجعلوا له سلطةً عليكم، وأغلقوا كل طريق له إلى عقولكم وقلوبكم ـ ومرهم بالصدق في الحديث ـ كونوا الصادقين، فإن أهل البيت(ع) ساروا على خط جدهم الصادق الأمين ـ وأداء الأمانة، ومرهم بالسكوت وترك الجدال في ما لا يعنيهم ـ أن لا يتجادلوا في ما لا يتصل بعقائدهم وحياتهم، كالكثير من القضايا التي يتجادل فيها الناس في ما لا طائل منه ولا فائدة فيه، بل أن يسأل الإنسان عن أصول دينه وتكاليفه الشرعية، وعن الواقع الذي يتحدى عزته وكرامته ـ وإقبال بعضهم على بعض ـ أن لا يتدابروا ويتقاطعوا، بل يقبل بعضهم على بعض ـ والمزاورة، فإن ذلك قربةً إليّ ـ فإذا أرادوا أن يكونوا قريبين مني فليزوروا بعضهم بعضاً، فلا يكفي أن نذهب لزيارة الإمام الرضا (ع) ونحن نتقاتل ونتحاقد ـ ولا يشغلوا أنفسهم بتمزيق بعضهم بعضاً ـ بالغيبة والنميمة والفتنة بين المؤمنين، هل الشيعة كذلك؟ فإذا فعلوا ذلك فما هو موقف الإمام (ع) ـ فإني آليت على نفسي أنه من فعل ذلك وأسخط ولياً من أوليائي، دعوت الله ليعذّبه في الدنيا أشد العذاب، وكان في الآخرة من الخاسرين ـ هؤلاء الذين يتحركون بالعصبيات العائلية والقروية والحزبية والسياسية والشخصانية ـ وعرّفهم أن الله قد غفر لمحسنهم وتجاوز عن مسيئهم، إلا من أشرك به أو آذى ولياً من أوليائي أو أضمر له سوءاً، فإن الله لا يغفر له حتى يرجع عنه، فإن رجع عنه وإلا نزع روح الإيمان من قلبه وخرج من ولايتي ولم يكن له نصيب في ولايتنا، وأعوذ بالله من ذلك\".
هذا كلام الإمام الرضا (ع)، وهي وصية موجهة للمسلمين السائرين على خط أهل البيت(ع)، ليسيروا في هذا المنهج، ويكونوا مجتمعاً واحداً، وإذا اختلفوا فليردُّوا ذلك إلى الله والرسول.. أما الواقع الذي نعيشه، فقد صار البعض يبرّر بغضبه ومحاربته للآخرين على أساس شرعي!! أصبحوا يتلاعبون بالشرع والدين، حتى جعلوا الدين موظفاً لعصبياتهم وأحقادهم، وهم بذلك يدمّرون المجتمع.
إن المسلمين ـ بشكل عام ـ والشيعة ـ بشكل خاص ـ تتجمّع الدنيا عليهم، ولكننا على بعضنا أخطر. نحن نمزق بعضنا بعضاً، وندمّر بعضنا بعضاً، وكل واحد يقول:
\"أنا لا الآخر\"، وتفرقنا شيعاً وأحزاباً، وأصبحت العائلية عصبية، والحزبية عصبية، وأصبحت المرجعية عصبية، وكل يوم ننتج عصبية جديدة، وبعد ذلك نذهب ونزور الأئمة (ع)، فلا تخسروا أموالكم ما دمتم بهذه الأخلاق، تستطيع أن تقف هنا وتقول: \"السلام عليك يا أبا الحسن يا عليّ بن موسى الرضا\"، وأن تعمل بمواعظه ووصاياه... وللإمام (ع) كلام كثير جداً نرجو أن نتحدث عنه في ما نستقبل.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الموالين للإمام الرضا (ع)، ولآبائه وأبنائه، ونسأله تعالى أن يجعلنا من جنود حفيده الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وذلك بأن نأخذ بالعدل الذي هو الهدف الأساس، لأن من يطالب بالعدل وإقامته، لا بد أن يكون عادلاً مع ربه ومع نفسه وبيته ومع الناس من حوله.