بسم الله قاسم الجبّارين والصلاة والسلام على المصطفى الأمين وعلى أهله الأطهار الميامين ، واللعن الدّائم على أعداءهم من الأوّلين وآخرين . وإلى قيام يوم الدّيـــــــــــــــــــن . ربيع الأول 1426

\".. لا تحسبن الذين كفروا أنّما نُملي لهم خيرا لأنفسهم ، انّما نُملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب أليم ..\"

* ...ولِـيَـنْـحـَنـِيَ الصَـبـْرُ *

كيف السبيل لتناول معالم الإعجاز في الحديث عن شخصيّة العقيلة زينب ـ عليها السلام ـ . فلا يُمكن للمرء مهما أوتي من علم وحكمة وبيان .. في أن يُعطي الكمال حقّه ولا الجمال وصفه .

ولكن قد يحِقُّ للعاشق أن يلِجَ تلكمُ الصروح النّورانية بعد أن يتّخذ حبّهم وولاءهم مطيّة ، وقد يُغفَر له في ذلك بعلّة شرود فكر العاشق عن كلّ تقصيره وقصوره ، و علمه بطيبة سجايا المعشوق وصفحه .

تلك العقيلة زينب تنمــى إلى شرف يطول على السماء السّامية وبضعت الزهراء فاطمة أمّها حدبت عليها وهي تُدعى الحانيــــة وإلى عليّ وهو خير أرومـــة نسب تبلّج كالسماء الضاحيــــــــة والجدّ أحمد من أتى بشريعــة تهدي البراية للقيامة باقيـــــــــــــة [1] زينب ..

إسم نزل به الأمين جبرائيل على قلب المصطفى الأمين ـ صلى الله عليه وآله ـ أنْ سمّها زينب ..

فكان يحمل بين حروفه أنوار النبوة وضياء العصمة وطهارة الزهراء البتول ـ عليها السلام ـ وهي أوّل بنات أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ جاءت بعد الحسنان ـ عليهما السلام ـ فكانت نشأتها الأول في حضن النبوة ، ودرجت في كنف العصمة ، وألتقفت صفات الكمال والجمال من أصحاب العبا .

ولم تبلغ ربيعها السادس حتّىبدأت معها حلقات الإبتلاء بوفاة جدّها المصطفى ـ صلى الله عليه وآله ـ ثمّ أشهر قليله ولحقت به أمّها الزهراء ـ سلام الله عليها ـ ففقدت بذلك حضنـــــــيْ النبوة والأمومة الحانية .

وقد أعلمتها أمّها بما قد يجري عليها من بعدها .

فكانت تعي تلك الوصايا بمقدرة العقلاء ، وفهم النّجباء ..

ثمّ هاهو أميـــر المؤمنين ـ عليه السلام ـ يأحذها في حضنه فيسألها عن بعض الأمور ، ليرى مدى إدراكها للقادم من أيّامها .

فتُجيبه ـ عليه السلام ـ إجابة الواثـــق \" ..

أعرفُ ذلك يا أبي لقد أخبرتني أمّي كي تُهيئني لغدي ..\"

وبهذا يصدقُ قول الإمام السّجّاد فيها ـ عليهما سلام الله ـ \"..

أنت يا عمّة عالمة غيــر معلّمة ، وفاهمة غير مُفهّة .\"[2]

وتمرّ السنين على عقيلة بني هاشم بين يسر وعسر وكانت مع الأيام تستجلي من صفات الكمال السامية ، والعلوم الربانيّة والتي ورثتها من الشجرة الطيّبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء .

فجمعت بذلك بين الأضداد من صفات الأخيار \" فكانت السيــدة ذات مشاعر المُرهفة ، وعواطفَ جيّاشة إذا لزم الحالُ منها ذلك ، فانظر إليها حينما تُخاطب أخاك الحسيـــــن ـ عليه السلام ـ لمّا أعلمها بقرب الفــــراق ..\" ليت الموت أعدمني الحياة ، يوم ماتت فاطمة أمّي ، ويوم أبي عليّ ويوم أخي الحسن .. يا خليفة الماضي ، وثُمال الباقي ، ثمّ تنهـــار بين يديه ، فيأخذهـــا برفق لعلمه ببداية الدور الصعب الذي في إنتظارها والتي من أجله خُلقت . فيُخاطبها بكلّ حنوٍ بكلمات العزاء والمواســــات والتذكير بما كان من أمـر الله ، وما سيكون من قضاءه ..\" يا أخيّة اتّقي الله وتعزّي بعزاء الله ، واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون وأن أهل السماء لا يبقــون .. يا أخيّة انّي أقسم عليك فابرّي قسمي ، لا تشقّي عليّ جيبا ولا تخمشي عليّ وجها ولا تدعي علي بالويل والذبـــــــور ..\" هنا زينب المشاعر المُرهفة والعواطف الرقيقة .....

لكن أرم ببصرك نحو قصر ابن زياد اللّعين ودقّق السمع لترى زينب ـ عليها السلام ـ وتلك المشاعر الرقيقة تنقلب في وجه الطواغيت رياح سموم ، و العواطف النبيلة سيول حميم تكتسح أوكار الجبت والطاغوت .

فلمّا أراد ابن مرجانة التّشفّي والشماتة بها والإحتقار لهـا عســـاه ينال من كرامتها وهيبتها ، فقال لها ..\" الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأبطل أحدوثتكــــم ..\"

فهنا الموقف يضعنا في رحاب زينب أخــرى ، ليس للعواطف ورقّة المشاعر حيّزٌ ، ولكن مع من ورثت من أبيها أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ حلمه وصفحهُ كما ورثت عزّة نفسه وصولة لسانه وحكمة بلاغته ..

انبرت واقفة في وجه ابن زياد كالطود الشامخ ، وناصيتها تُلامس السحاب .. ــ موقفا يعجز عن الإقدام عليه أبطال الرجال ، ولو أعطـوا في ذلك الأمان على أن يُعيد ما جاء على لسانها ــ ..\" الحمد لله الذي أكرمنا بنيّه ، وطهرنا من الرجس تطهيرا ، إنّما يُفتضح الفاســــق ويكذب الفاجر وهو غيرنا يابن مرجانة ..\" عندها صُعق اللعين وديست كبرياءه وهوت من العرش الى القبـــر أمام أذنابــه وشيعتــه . فابتغى لنفســـه اللئيمة النّجاة عبثا فقال :\" كيف رأيتي فعل الله بأخيك .\" فأجابته ـ سلام الله عليها ـ بكلمات المُنتصر العزيز :\" ما رأيت إلاّ جميلا ، هؤلاء قوم كتب الله لهــــــم القتال فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاج وتُخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ ، ثكلتك أمّك يابن مرجانة ..\" [3] . . ثمّ ألقي البصر كرّة واحــدة نحو قصر الإمارة بالشام ، حيث مواقف العزّة والبطولة الهاشميّة تَرسُمَ على جبين حفيد هند أوسمة العار والشنار . .\" أمـنَ العدل يا بن الطلقـاء تخدير نساءك وإماءك ، وسوق بنات رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قد هتكت ستورهنّ تُحدى بهم الأباعر، ويحدوا بهنّ الأعادي من بلد إلى بلد ... وكيف يُستبطأ في بُغضنا من نظر إلينا بالشفق والشنآن والإحن والأضغـــــان .. أتقول ليت أشياخ ببدر شهدوا غير متأثّم ولا مستعـظم ، وأنت تنكث ثنايا أبا عبد الله بمخصــــرك ، ولمَ لا تكون كذلك وقد نكأت القرحــــة واستأصلت الشأفة بإرهاقك دمــــــاء ذرية رسول الله ونجوم الأرض مـن آل أبي طالب .. وستردنّ على الله وشيكا موردهم وتودّنّ أنّك عميت وبكمت ، وإنّك لم تقل ما قلت .. اللهمّ خــذ بحقّنا وانتقم ممن ظلمنا، وسيعلـم من بوّأك ومكّنك من رقاب المؤمنين إذا كان الحكم الله والخصم محمّد وجوارحك شاهدة عليك ، فبئس للظالميـــــن بدلا، أيّكم شرّ مكانا وأضعف جند ، مع أنّي والله يا عدو الله وابن عدوه أستصغر قدرك واستعظم تقريعك ... فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهــــــــدك فوالله ما يلحض عنك عار ما أتيت إلينا أبدأ ...\"

هذه كلمات من خطبتها في قصر يزيد اللعين .[4] وتلك العبرات القاصمـــــة لا يقوم بها إلاّ مـــن عرف الحقّ فاعتصم بــــه وعرف ربّه فلاذ بقدرته .. ومن يكون غير زينب الحوراء ـ عليها السلام ـ يا ريشة القلم إستفزّي وأكتبي ما كان هزّك مثل موقف زينب [5] ومع هذا اليسير من مواقفها وسيرتها .. فهل من بأس لو ادّعينا العصمة لزينب ـ عليها السلام ـ فهي إدّعت ذلك وهي صادقة :\" الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه وطهرنا من الرّجس تطهيرا .\"

كما حملت وصايا الإمامة في يوم العاشر من المحرّم ، وكيف يقوم بها من لا يملتك العصمة .؟ [6]

كما إنفردت ـ عليها السلام ـ بصفة الصبر والتّجلّد والتّسليم بأمر الله وقضاءه .. فكنت أضع المشاهد عساني أعي أيُّهم الذي عاشته زينب ـ سلام الله عليها ـ في ساحة الطفّ ومع إنتهاء المذبحة وقطع الرؤوس .. لم يُحدّثنا التاريخ عن حالها ولم يدّع أحد بأنّها قد أغمي عليها من شدّة المصــــــاب ، أو أصيبت بالهستيرية من وقع الفاجعة .. لذا كنت أضعُ المقارنة بين ما أصاب الحوراء وبين ما جاء به القرآن الكريم في حقّ خليل الله إبراهيـــــم ـ عليه السلام ـ لمجرّد التسليم بذبح إبنه إسماعيل ـ عليه السلام ـ من أوسمة المدح والثناء .. أو حالـــة نبي الله يعقوب ـ سلام الله عليه ـ ولمجرّد فقدان إبنه يوسف ـ عليه السلام ـ وهو يعلم بأنّه عائد لا محالة ، تبيضّ عيناه من البكاء جزعا، ثمّ يُكرمه الله تعالى وأهله ويُثني عليـــه في مُحكم كتابـــه .. فأين ذلك ممّا وقع على زينب ـ عليها السلام ـ من محن ومصائب تنفطر لها الحجـــــارة و يتصدّع الحديد الصلب ... كيــف لا .؟ وأبناء تُذبح .. وإخوة .. وأبناء إخوة .. وأبناء عمومة .. وأنصار وموالين .. أمام عينيها وفي لحظات معدودة ورؤوس تُحمل وأجســـــاد تُداس بسنابك الخيل .. وخيام تُحرق وأيتام تائهة وأرامل ، وعليل تخاف عليه من يد المنون .. لك الله يابنت الزهراء وحبيبة قلب المرتضى .. وأشدّها وقعا مصائب كربــــلا شُمّ الجبال لهولها متداعيــــــــــة فشقيقة السبطين حفّت بالــــذي عن حمله كلّ الرّواسي واهيـــــة قد قابلت كلّ الخطوب بصبرها مهما تحيط بها الظروف العاتيــة وأتمّت الصرح الذي لبنائــــــه قامت عليه في أسّ الزاويـــــــــة [1] ثمّ تقف على جسد أبي عبد الله الحسين وهو صريع على رمضاء كربلاء ، وقد احتزّ رأسه الشريف وديس جسده الطاهر بسنابك الخيل ، فجعلت تُطيل النظر إليه ، ثمّ رفعت بصرها إلى السماء ، وهمست بكلمات تعني الإيمان كلّه والإحتساب في أسمى معانيه ، وذلك من سرّ الخلــود لتضحيّة أبا الأحرار ـ سلام الله عليه ـ :\" اللهم تقبّل هذا القُربان ..\" فأيّ صبر يُماثل هذا الصبر ، بل الصبر ينحني أمام صبرها . وبرزت من خلالــه معاني الوراثة النبويّة ، بمواقف لن يأتي تاريخ الإنسانيّة بمثلها ، بعد أن حفظت بذلك أهداف الإمامة والإسلام ، وماهيّة التضحيّة في سبيل القيّم الإلهيّة .. ورغم عظم المصاب لم تهن عقيلة هاشم ، بل كان لمشاعرها وعواطفها حيّزٌ في قلبها الدّامي ، حيث لم تنسى الأيتام والأطفال والأرامل .. فأخذت تؤنسهم من وحشة الليل وبأس البغاة وكان ذلك ديدنها حتّى العودة إلى مدينة جدّها ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .. سجى الليل والرّجال ضحايا والنّساء المُخدّرات ذُهـــول واليتامى تشرّد وضيـــــــاع والثكالى مدامع وعويـــــل وبقايا مخيّم من رمـــــــــــاد وقيود يئنُّ منها عليـــــــــل وزنود قست عليها سيـــــاط وجسوم يُضري بها التمثيل [7] وهكذا شاطرت زينب ـ سلام الله عليها ـ الهدف والمصير مع أخيك أبي عبد الله الحسين ـ سلام الله عليه ـ فكانت البداية بساحة الطفوف وانتهت مع بزوغ هلال شهر رجب سنة 26 للهجرة . فكانت الحركة بين ذاك الموقع وهذا التاريخ ، ــ حركة ثورة البيان ــ وذلك بفضح أفعــــــال بني أميّة وأذنابهم ، بما وهبها الباري تعالى من حكمة ، وما ورثته من هيبة وعزّة وجلال .. ممّا اضطرّهم لإخراجها من مدينة جدّها ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ وتفريق شمل من بقي من أهل البيت ـ عليهم السلام ـ في الأقطار والأمصار ، واختاروا للحوراء زينب ـ عليها السلام ـ أن تُقيم بالراوية في ضواحي الشام عاصمة الخلافة الأمويّة .

وعاشت أيامها الأخيرة بين ذكرياتها وعباداتها حتّى حلّ موعد الرحيل ولقاء المعبود تعالى اسمــه ، فلبّت نفسها الطاهرة دعوة المعشوق ، وهكذا إستراح ذاك الجسد المُنهك في ثرى الرّاوية ، وعرجت تلك النفس المطمئنّة الى جوار ربّهـــــا لتشتكي له ظلم العباد ..


تيهي جلالا يا بقاع الراويـــــــة

وتطاولي شرفا بمثوى الزاكيــــــــة

أدريت من حلت رُباك فطهرت منك الربوع من الكلاب العاويــــــة

تلك العقيلة زينب تنمــــى الـــى شرف يطول على السماء الساميــــة[1]


فسلام عليهــــــــا يوم ولدت ، ويوم إستشهدت ، ويوم تُبعث حية لتشفع لنــــــــــا عند الله بــــــــــــــإذنـــــــــــــه ..

****************

[1] – من قصيدة العلامة السيد محمّد مهدي الخرسان النّجفي .

[2] -- الإحتجاج ، لشيخ الطبرسي.

[3] – تاريخ الطبري ج 6 ص 263

[4] -- عقائد الإمامية الأثنى عشرية ج1 .

[5] -- أعيان النساء .

[6] -- يقول الشيخ المامقاني في – تنقيح المقال -- ... ولو قلنا بعصمتها لم يكن لأحد أن ينكر إن كان عارفا بأحوالها ـ عليه السلام ـ في الطفّ أو ما بعده ، كيف ولولا ذلك ما حمّلها الحسين مقدار من ثقل الإمامة أيّام مرض السّجاد ـ عليه السلام ـ وما أوصى إليها بجملة من وصاياه ..

[7] – مجلّة البلاغ عدد 9 سنة 4 ص 13 .

مع خالص الدعاء لكم ولجميع الإخوة السّائرين على نهج الحوراء ـ عليها السلام ـ بالموفقية والرشاد .. و السلام في البدء والختام ممن سيبقى على العهد مقيمــــــــــا.


الفقير لدعاءكم خادمكم أبو مرتضى عليّ