عبر ودروس من حياة الأمام السجاد (ع) \"سراج الدنيا وجمال الإسلام زين العابدين\" بهذه الكلمات وصف عمر بن عبد العزيز الأمام السجاد (ع)، أما الأمام الشافعي فقد وصفه بأنه \" افقه أهل المدينة\". ترى ماالذي جعل الحاكم الأموي عمر بن عبد العزيز يصف الأمام بهذا الوصف و كيف تمكن الأمام السجاد (ع) من إرساء ذلك الحب والولاء العاطفي والروحي والتقدير لشخصه الكريم وما يبلغه من عطاء وما يمثله من رسالة وأية رسالة؛ رسالة الحق والعطاء والإنسانية والخير الوفير للبشرية كافة. إن المتتبع لحياة الأمام السجاد (ع) وفترة إمامته (ع) يرى أنه قد عاش في فترة من أدق المراحل في حياة الأمة آنذاك، فقد عاصر جده الأمام علي (ع) بضع سنين وعاش محنة عمه الأمام الحسن (ع) ثم جاءت محنة أبيه الأمام الحسين (ع) وفاجعة استشهاده والنخبة المؤمنة من أهل البيت وأنصارهم لترسم نهجه فيما بعد ودوره في قيادة الأمة بعد أبيه الحسين (ع)، هذا النهج المختلف شكلا ومظهرا عن نهج أبيه وحركته الثورية والمتفق معه في المحتوى والمضمون. أننا نؤمن أنه برغم وحدة الهدف والمنهج والغايات فان دور كل إمام يحدده هو بما أولاه الله عز وجل من حكمة وفطنة وحسن تقدير للظروف الموضوعية التي تحيط بالأمة المسلمة ، وذلك على أساس الشريعة السلامية والالتزام بوحدة الخط والمنهج لتحقيق الغاية المتوخاة وهي تبليغ الرسالة العظيمة ونشر الهدي الإلهي في أرجاء الأرض. لقد اختار الإمام السجاد (ع) العدول عن المواجهة المسلحة والثورية للحكم الأموي والعزلة النسبية وتبني طريق آخر للتغيير والإصلاح وحسب متطلبات المرحلة آنذاك. فقد تميزت فترة إمامته (ع)- البالغة حوالي ثمانية وثلاثين سنة- بالكثير من الاضطرابات والثورات المعارضة للحكم الأموي والمطالبة بالثأر للأمام الحسين (ع) ، ومن أمثلة تلك الثورات ثورة المدينة عام 63 للهجرة وثورة التوابين عام 65 للهجرة ثم ثورة المختار الثقفي عام 66 للهجرة الشريفة. هذه الثورات وغيرها قوبلت برد فعل عنيف من قبل الإرهاب الأموي الذي حرص على تصفية معارضيه واستباحة دماء المسلمين والمدن المقدسة كمدينة الرسول (ص) من أجل البقاء في السلطة. كان الأمام (ع) يعرف بما ستؤول إليه الأمور من خلال إدراكه للواقع المرير، لذلك اتخذ نهجا إصلاحيا مختلفا عن نهج أبيه الحسين (ع) حين أحس بحاجة الأمة إلى التوعية الفكرية وحاجة الدين إلى من يحييه في قلوب الناس. هذا على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي فقد شهدت الأمة الإسلامية في ذلك الوقت انفتاحا على مختلف الثقافات والمذاهب الفكرية بفضل الفتوحات الإسلامية واتساع رقعة البلاد الإسلامية، مما عرض الفكر الإسلامي الأصيل للتشويه والتحريف، فكان لابد أن يتصدى الأمام (ع) لذلك ويؤسس لمدرسة إسلامية أصيلة انطلقت من خلال حلقة من طلاب العلم في مسجد الرسول (ص) لتزدهر وتنمو فيما بعد في عهدي الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام ويصبح طلابها بالآلاف . إضافة إلى المهمة التعليمية التي اضطلع بها الأمام (ع) آنذاك والتعليم المباشر من خلال حلقات الدرس، فنراه قد اختار أسلوبا آخر للتعليم بصورة غير مباشرة وذلك من خلال الدعاء، فكانت الصحيفة السجادية التي تضمنت الكثير من التعليمات والأحكام المتعلقة بحياة الإنسان اليومية. لقد ساهم الأمام السجاد (ع) من خلال هذه الصحيفة المباركة في خلق أجواء روحية مفعمة بحب الله والخير والاستقامة بعيدا عن الكفر والضلال والانسياق وراء المغريات، مما ثبت الكثير من الناس على دينهم وعمر قلبهم بحب الله جل وعلا وحب أمام زمانهم (ع). ولم يتوقف دور الأمام (ع) على التعليم والتوعية، بل كان المرفأ الآمن والركن الدافئ الذي يفزع إليه المهمومون والخائفون. فقد تبنى الأمام (ع) مشاكل الجماهير المسلمة فكان يواسي فقيرهم ويساعد ضعيفهم ويفرج عن مكروبهم فصار سندا قويا للمؤمنين في ذلك الوقت العصيب. أما فيما يتعلق بمأساة كربلاء وذكراها الأليمة فقد حرص الأمام (ع) على إحياء ذكرى الحسين (ع) وأصحابه كل عام بل وفي كل يوم حسبما تتطلب الظروف، وكان ذلك الأحياء بشكل هادئ وغير مثير للسلطات. لقد اختار الأمام (ع) الأسلوب الهادئ في العمل الإصلاحي وهداية الأمة الإسلامية بسبب إدراكه أن متطلبات المواجهة العسكرية الناجحة والتي تحقق الغايات المطلوبة غير متوفرة آنذاك، وإنما قد تأتي المواجهة العسكرية بنتائج عكسية، ولا يصب ذلك في صالح الإسلام مطلقا. وبرغم حسن تقديره (ع) للظروف المحيطة وحرصه على هداية الأمة وسلامتها، إلا أنه تعرض للوم والانتقاد من قبل الناس. من ذلك ما روي من أن عباد البصري قال للأمام السجاد(ع) وهو في طريقه إلى مكة: ( تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينه) ثم قرأ الآية الكريمة \" إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة\" . قال له الأمام: أقرا مابعدها \"التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين\" ثم أعقب الأمام (ع) قائلا ( إذا ظهر هؤلاء لم نؤثر على الجهاد شيئا) ، وبهذا فقد أوضح الأمام (ع) انه لايمتلك القاعدة القوية التي تعينه على الجهاد والتي توصله إلى مرحلة النصر وإعلاء كلمة الحق ومواجهة ظلم الأمويين وإرهابهم. لنعود الآن لما طرحناه من تساؤل في أول حديثنا عن كيفية تمكن الأمام السجاد (ع) من استقطاب حب الناس له ولنهجه الكريم والشريعة التي يبلغها-وهذا هو المهم- وذلك يمكن تلخيصه في النقاط التالية • استعمل الأمام(ع) سلاح العلم لإصلاح الأمة فاستطاع أن يؤسس لمدرسة فكرية تخرج منها العديد ممن عمرت قلوبهم بالعلم والأيمان من أمثال سعيد بن المسيب و أبو حمزة الثما لي وسعيد بن جبير، فكانت تلك النخبة مصادر هدى وإشعاع في الأمة يروون عن إمامهم كل مايتعلق بأصول العقيدة و أحكام الشريعة • اختط الأمام (ع) من خلال أدعية الصحيفة السجادية وخطبه ونصائحه للناس كيفية الارتباط بالله جل وعلا وذكره ورسم الخيوط الموصلة إلى الله في مختلف حالات الإنسان ومعاملاته اليومية فكان لتلك الأدعية والخطب الأثر الكبير في تعميق حب الله في النفوس والولاء له ولأوليائه (ع) وعدم نصرة الظالمين • كان الأمام (ع) يحمل الطعام في الليل ويوزعه على الفقراء وكان يساعد المحتاجين ويحل مشاكلهم، وكان ملاذ الخائفين من إرهاب الحكم الأموي وسببا في تثبيتهم على الدرب، لذلك صار مهوى قلوب الناس ومحل إجلالهم وإكبارهم لشخصه الكريم ورسالته وقيادته الكريمة لقد علمنا الأمام (ع) بذلك درسا عظيما وهو أن يحسن الإنسان تقديره للظروف الموضوعية التي يعيشها حتى يرسم لنفسه النهج والأسلوب المناسب في الإصلاح والتغيير. فلكل إنسان قدره وربما توفرت للمؤمن الرسالي الفرصة لمواجهة الظلم والجور، وربما تفرض عليه الظروف الموضوعية التي يعيشها عزلة نسبية فلا ينتهي دوره عند هذا الحد ، وإنما يجب على الإنسان أن يستحدث وسائل أخرى للعمل والدعوة إلى الله فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالعمل لنصرة ديننا العظيم مادام فينا عرق ينبض وروح تنفس، والمتتبع لمنهج أهل البيت (ع) لايعدم تلك الوسائل فقد تنوعت أدوارهم وأساليبهم في تبليغ الدين باختلاف ظروفهم مع وحدة الخط والمنهج والغايات نسأل الله تعالى أن يوفقنا للسير على نهج أهل البيت (ع) وأن يهدينا للطريق الواضح والأسلوب الصحيح في التعامل مع مشكلات عصرنا انه سميع مجيب.

المصادر:

1. الصحيفة السجادية الكاملة للأمام زين العابدين (ع) – تقديم سماحة السيد محمد باقر الصدر قدس سره

2. الأمام زين العابدين (ع)- من منشورات مؤسسة البلاغ