المنهج التثقيفي والتعليمي عند الإمام الباقر عليه السلام

تعتبر الثقافة ذلك الكل الذي يشمل المعارف والعادات والتقاليد، فهي محصلة تجارب الإنسان خلال حياته وعلى امتداد عمره طال أو قصر ، فكل تجربة أو حدث يتعرض له الإنسان خلال ساعات يومه أو أيام سنته ، تترجم لخبرات يختزنها عقله لتصبح مع مرور الوقت ثقافة هذا الإنسان وعنوان سلوكه على أرض الواقع .

لا ننكر أن كل مجتمع وكل فرد من خلال هذا المجتمع ، يحمل ثقافة معينة تترجم لسلوك معين ينعكس من خلال التفاعل مع المجتمع ، فالثقافة كالنهر الجاري له بداية وله نهاية ، فكلما كان المصدر نقياً انعكس ذلك على المجرى ليصب بعد ذلك نقياً بشرط ان لا يصيب المجري التلوثات الشيطانية خلال جريانه .

والإنسان يجب أن يحرص شديد الحرص حينما يكّون ثقافته الآنية والمستقبلية، وبالعلم والتعلم تصقل الثقافة وتستمد قوتها، فالمنهجية العلمية الخالية من الأفكار الفاسدة تنعكس ثقافة حضارية عالية المستوى.

وقد حرص أئمة أهل البيت عليهم السلام على طرح المنهج التثقيفي التعليمي للعالم أجمع ، وذلك من أجل تحصين المجتمع من الزلات والوقوع في المهلكات ، وقد تبلور المنهج التثقيفي الإسلامي في عصر الإمام الباقر عليه السلام الذي بقر العلم بقرا ، فقد وضع الإمام الباقر عليه السلام منهجاً تثقيفياً ظهر من خلال ما قدمه لطلابه وما بثه من أحاديث يرويها طلابه إلى يومنا هذا ، فقد حث سلام الله عليه على طلب العلم والتفقه فيه قائلاً (( الكمال كل الكمال التفقه في الدين ، والصبر على النائبة وتقدير المعيشة )) (1) وجعل مفتاح العلم السؤال فمن لا يسأل لا يتعلم ، روي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قوله (( العلم خزائن ومفتاحها السؤال ، فسألوا يرحمكم الله )) (2) وقد ركز الإمام الباقر عليه السلام على النية الخالصة في طلب العلم ، فربما طالب علم غرته الدنيا بزبرجها وأصبح هدفه الجدال لدحض الحق بدل الباطل ، فطلب العلم ليس لزخارف الحياة وإنما للوصول للحقيقة ، ولذلك نرى الإمام عليه السلام يقول (( من طلب العلم ليباهي به العلماء ، أو يماري به السفهاء ، أو يصرف به وجوه الناس إليه ، فليتبوأ مقعده من النار ، أن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها ))(3) وإلى جانب الحث على طلب العلم والإخلاص فيه ، نرى ان الإمام عليه السلام يركز على منهجية تثقيفية أخرى وهي الاحتياط في العلم فقد حث المتعلمين على الاحتياط في الإجابة وحذرهم من التسرع بإصدار الحكم من خلال ما تعلموه ، قائلاً (( الوقوف عند الشبهة خيرً من الاقتحام في الهلكة وتركك حديثاً لم تروه خير من روايتك حديثاً لم تحصه )) (4) ولكتابة العلم دور في مدرسة الإمام الباقر عليه السلام إيماناً منه عليه السلام بأن العلم المكتوب شيء ضروري، وهو مكمل للعلم المسموع لأنه يبقى للأجيال المستقبلية محفوظاً في بطون الكتب ، وقد عرف عن تلامذة الإمام الباقر عليه السلام كتابة الدروس على لوحة خشبية ليسهل نقله على الجلد أو الورق إن وجد في ما بعد ، وهذه طريقة كانت متبعة في المعاهد العلمية كجنديسابور والاسكندرية والرها وغيرها .

ولكي تكون المنهجية العلمية صحيحة لابد من مرجعية علمية صحيحة يرجع لها وقت الأزمات وتزاحم الاحكام ليقاس الصحيح من الفاسد من خلالها ، ولقد كان المسلمون يرجعون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل القضايا الصغيرة والكبيرة ، وبعد انتقال الرسول صلى الله عليه وآله إلى الرفيق الأعلى ، لم يجد المسلمون غير علياً عليه السلام كمرجعية دينية ودنيوية خصوصاً بعد ان أعلنها الرسول صلى الله عليه وسلم صريحة بقوله (( أنا مدينة العلم وعلياً بابها )) فهو أعلم الصحابة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد عّلم أبناءه ماتعلمه من رسول الله صلى الله عليه وآله، فكانوا يتوارثون العلم إماما بعد إمام ولهذا أكد الإمام الباقر عليه السلام على مرجعية أهل البيت عليهم السلام العلمية ، وبيّن أنهم المرجعية العلمية الصحيحة لطالب العلم ، لان علمهم ليس مصدره زيد او عمر وإنما مصدره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن الوحي عن الله جل وعلى ، وان علمهم موروث منذ آدم إلى يومنا هذا (( أن العلم الذي نزل مع آدم عليه السلام لم يرفع ، والعلم يتوارث وكان علي عليه السلام عالم هذه الأمة ، وأنه لم يهلك منّا عالم ! قط إلا خلفه من أهله من علم مثل علمه أو ماشاء الله ))(5) وقد أشار الإمام الباقر عليه السلام بأن علمهم هو المصيب للواقع قائلاً (( ليس عند أحد من الناس حق ولا صواب ولا أحد من الناس يقضي بقضاء حق إلا ما خرج منّا أهل البيت )) (6) وقد اهتم الإمام الباقر عليه السلام بتعبئة طلابه علمياً ليرتقوا في المستوى المعرفي ، وذلك لأهمية بناء هيكل تعليمي متين فنلاحظ الإمام الباقر عليه السلام يوصي أبنه الصادق عليه السلام بالاهتمام بأصحابه علمياً فيجيبه الصادق عليه السلام بأنه سوف يربيهم بنحو لا يحتاج أحدهم إلى السؤال من أحد وذلك بمعنى أن يبلغ كل منهم قمة المستوى المعرفي في عصره (7) ولا ننسى التخصص العلمي في مدرسة الباقر عليه السلام فقد اهتم بتخريج العلماء بشتى التخصصات من علماء أحياء وكيمياء وفلك ، فمن المتكلمين هشام بن الحكم ومن الفقهاء زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم ومن المفسرين أبان بن تغلب ومن المؤرخين أبان الأحمر البجلي وسليم بن قيس ولوط بن يحي ومن علماء الكيمياء جابر بن حيان .

وللمؤسسات الثقافية الإسلامية دور في نشر العلم ولذلك نرى الإمام الباقر عليه السلام يوسع من دور هذه المؤسسات لعلمه بأن هذه المؤسسات له دور كبير في نشر علوم أهل البيت عليهم السلام وعلى ذلك فقد أسس عليه السلام عدة مدارس في أهم الأمصار مثل مؤسسة المدينة ومدرسة الكوفة ومدرسة قم ناهيك عن المدارس الأخرى في الشرق الاسلامي مثل الرّي وخراسان وهناك مدارس جوّالة قام بإنشائها طلابه في حلهم وترحالهم .

المصادر:

(1) الكافي ج 1

(2) حلية الأولياء ج 3

(3) الكافي ج 1

(4) الكافي ج 1

(5) الكافي ج 1

(6) الكافي ج 1

(7) تاريخ الإسلام للسيد منذر الحكيم