
بسم الله الرحمن الرحيم
عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري رضوان الله عليه قال:
قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
أنك ستدرك رجلا مني أسمه أسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقرا.
إن هذا الحديث الشريف يمثل نبوءة لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم وقد تحققت هذه النبوءة بميلاد إمامنا محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام حين أدركه هذا الصحابي الجليل الشأن وأبلغه سلامه صلى الله عليه وآله وسلم.
والأمر الآخر هو أن أهل الأرض قد يلقبون بعض الناس لربما من باب المجاملة أو التملق أو غير ذلك كما لقبوا اللعين المتوكل بـ محيي السنة ومميت البدعة, والواقع أنه كان على النقيض تماما.
ولكننا هنا نجد أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الذي يفرغ عن لسان السماء (وما ينطق عن الهوى) يلقب إمامنا الباقر عليه السلام بـ باقر العلم, وهذا مما يفتخر به أن يلقب الله سبحانه على لسان رسوله ويشهد له بالعلم وليس في الأمر مجاملة وقد أجمع المسلمون على إنطباق هذا اللقب على إمامنا الباقر صلوات الله عليه حيث أظهر وكشف عن كثير من العلوم وأبان عن مكنونها وتفرعاتها مما حدى بالإمام إلى تأسيس جامعة إسلامية في المسجد النبوي الشريف وتخرج منها الآلاف من العلماء في مختلف صنوف العلم والمعارف الإسلامية كالتفسير والحديث والفقه واللغة العربية والكلام وغيرها.
ومما تقدم يتضح بطلان ما ذكره أحدهم في سبب لقبه بالباقر أنه عليه السلام قد بقر السجود جبهته لا أنه قد بقر العلم بقرا.
ولعل هنالك سؤالا يطرح على هذا الحديث الشريف وهو:
هل في أئمتنا عليهم السلام من لم يبقر العلم بقرا؟
فما علمنا ولم يذكر التاريخ لنا أن أحدهم عليهم السلام أنه سئل ولم يجب وهذا مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول:
سلوني قبل أن تفقدوني.
بل عندنا أن من شروط الإمامة هو العلم الذي معه لايحتاج الإمام المعصوم الى أحد من الناس ودليل ذلك قوله تعالى في سورة يس (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين).
وفي الجواب على ذلك نقول:
إن هذه الألقاب الشريفة قد خصهم بها الباري عزوجل وعرفهم بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذا نجد في تلقيبه للأئمة عليهم السلام أمير المؤمنين وزين العابدين والصادق وسائر العترة الطاهرة عليهم السلام فجميع الأئمة يبقرون العلم بقرا وذلك قولهم عليهم السلام (أولنا محمد وأوسطنا محمد وآخرنا محمد وكلنا محمد) صلى الله على محمد وآل محمد.
ومن جهة أخرى نجد أن في اللقب إشارة الى الدور الأبرز الذي سيظطلع به المعصوم عليه السلام حين تصديه لمسؤولية الإمامة الكبرى للأمة الإسلامية.
لذا ينبغي دراسة هذه الألقاب بأبعادها الشمولية إن أردنا أن نحيط علما بتأريخ وسيرة أي من الأئمة الطاهرين عليهم السلام ومن ضمنها لقب إمامنا الباقر عليه السلام.
في اللغة: بقر العلم أي شقه حيث نفهم تارة أن العلم في وعاء فشقه أي نشره وأخرى فشقه بمعنى أظهر مافي مكنوناته وتعمق في مسائله وتفرعاته أي عالج السطحية في تناول العلوم فلم يروي الأحاديث النبوية الشريفة فقط بل بينها وأوضحها وعرف الصحيح من السقيم منها للمسلمين حيث كانوا يأخذون العلم من أفواه الرجال لعدم توفر الوسائل النشر الحديثة آنذاك وليس كل الرجال ثقاة فقد كذب على النبي صلى الله عليه وآله حال حياته كما هو مشهور ومعلوم بين المسلمين حيث نقلوا قوله الشريف:
قد كثرت علي الكذابة فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
وكذلك كان للسلطة الحاكمة دور كبير في تحريف الكثير من الحديث الشريف بما يلائم سياستها ومصالحها الدنيوية على حساب الرسالة المقدسة حيث حرفوا الكثير من تفسير القرآن مثلا وكذا العقائد الإسلامية كسنهم لعن أمير المؤمنين عليه السلام على منابر المسلمين حتى ظن أهل حمص في ذلك الزمان أن اللعن من شروط صحة صلاة الجمعة, وكذلك تلك الأحاديث التي تقولوها عليه صلى الله عليه وآله وسلم في نسبة المعصية الى الله أم الى العبد وغيرها من الأباطيل.
وهنا تصدى إمامنا الباقر عليه السلام إلى تفنيد! تلك الأحاديث المزيفة التي حرفت عقائد المسلمين وهذا جانب من الدورالعملي للإمام المعصوم في قيادة الأمة بتصحيحه لمعتقداتها بالدليل العلمي القرآني (وجادلهم بالتي هي أحسن).
اومن جانب آخر حرص الإمام الباقر عليه السلام على بث العلم إلى طلابه القادمين من شتى الأمصار الإسلامية في الجامعة الإسلامية التي أسسها مع ولده الإمام جعفر الصادق عليهما السلام مستثمرا إنشغال السلطة بالصراع على كرسي الحكم.
حتى إذا ما تخرجوا من جامعته المباركة بثوا بين المسلمين في تلك الأمصار البعيدة عن مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العلوم المحمدية الأصيلة.
ومن جملة من تتلمذ على الإمام عليه السلام كان أئمة المذاهب الإسلامية المشهورة مثل مالك وأبو حنيفة النعمان الذي اشتهر عنه قوله (لولا السنتان لهلك النعمان).
وتكفي رواية واحدة على اشتهار صيت الإمام الباقر عليه السلام في البلدان الإسلامية ماروي عن سالم مولى هشام عندما دخل المسجد الحرام وهو متكؤ على سالم مولاه وقال له سالم:
ذاك محمد بن علي بن الحسين قال هشام:
المفتون به أهل العراق.
وختاما نقول أن الإمام الباقر عليه السلام كان عالما بكل صنوف العلم والمعرفة وليس الحلال والحرام فقط كما في إجرائه العملية الحسابية في سك النقود للدولة الإسلامية في زمان عبد الملك بن مروان وكانت من قبل تسك في بلاد الروم مما أنقذ الأمة الإسلامية من مأزق إقتصادي وسياسي كبير ومهد بذلك للأستقلال الأقتصادي كما ذكر ذلك الدميري في حياة الحيوان الكبرى.
والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين