رسالة حب \" فلا أقسم بما تبصرون وبما لا تبصرون\" لفت انتباه إلى حقيقة أدركت أيامنا هذه، مفادها أن في الكون الكثير مما لا نراه، وأن ما تبصره عيوننا ليس إلا وهماً أو أنه غلاف لحقيقة وجوهر لن ندركه إلا بعد الهجرة من هذا الجسد \" فرفعنا عنك غطاؤك فبصرك اليوم حديد\" . أنا، كاتبة هذه الأسطر التي تستعمل أصابعها أدوات تضرب حروفاً تشكل كلمات، لست سوى شيء تافه من نسج حية، فهل هذه هي الحقيقة؟ أم أن أنا هي ذلك المجهول الذي يسكنني ؟ مادمت أغفو فيتوفاني الله \" والتي لم تمت، في منامها\" أرى حلما، حياة أخرى شخوصاً وخيالات أكاد أجزم أنها في حالات كثيرة واقعية تماماً ، فأنا هي تلك التي تسكنني، جوهري الذي يحلق، يسعد ويشقى، يؤمن أو يكفر، جوهري هو أنا وهذا الجسد ليس أنا ، وإن كان صورة لي. مدخل أردت منه محاولة النفاذ إلى جوهر فاطمة عليها السلام، أردت أن أدع السيرة التاريخية جانباً فكلنا يعرفها بدقائقها، وأحاول التعرف على الذات، على الجوهر، وإن كنت واثقة أني لن أبلغ غايتي ولكن لعلها تكون رسالة حب. يقولون ولدت الزهراء البتول ويختلفون أقبل الهجرة أم بعدها، وليس ذاك بما يعنيني، اقرأ \" إنا أعطيناك الكوثر، فصلي لربك وأنحر، إن شانئك هو الأبتر\" أسباب النزول تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله عائد من دفن ولده حزيناً فوصفه العاص شامتاً بالأبتر. وأسرى الله بنبيه و ذاك الإسراء يحمله إلى حيث كان منشأه، وكيف يحتمله لو لم يكن منه؟ طاف بالجنة ومن ثمرها تذوق، وسكنت رائحة الثمر نفسه، وعرف منها ابنته، خاطبه الله مفسرا ما حدث: إنا أعطيناك الكوثر، فعد وأنحر واطمأن نفساً فمن هذه الثمرة ثمرات ورزق السماء لن ينفذ، نسلك سيعمر الأرض إلى يوم القيامة، ثم سيرثها. هناك خلقت فاطمة، في حجب السماء وتحت ظلال الجنة، وأصل شجرة الزيتون التي تكاد تضيء لو لم تمسسها نار. فإن جاءتك بثوب أرضي فعرفتها وشكرت الله على نعمة معرفتها ذقت حلاوة الجنة وإن تنكرت لجسدها ما عرفت روحها ولا عرفتك. أإكرام ذلك للأنثى؟ أن يكون منها نسل الرسول ومنها ريحانتيه ومنها ولي العصر ووارث الأرض ومن عليها. \" الأرض يرثها عبادي الصالحون\" وأي كرامة. أكانت تسمع القرآن يتلى وهي جنين في بطن أمها أم كانت ترتله؟ أكانت تسمع أصداء الوحي أم تشهد عليه؟ وكيف تكون من كان جوهرها ثمر الجنة؟ ونورها آية من آيات الله الكبرى. ولدت الطاهرة ، النفس الراضية المرضية ، بضعة من أبيها وثمرة فؤاده، فهي الصغرى وآخر العنقود في الحياة الدنيا، والآية الكبرى والحجة البالغة والصلاة الوسطى بين وحي السماء وسكن الأرض أمر الرحمن بالمحافظة عليها وأوصى الرسول بها\" أوصيكم الله في أهل بيتي\". أخرج المشركون أبيها من مكة فخرجت معه، عاشت صعاب الشعاب وحوصرت بالجوع والعطش فكانت أصغر مجاهدة في سبيل الله\" الذين جاهدوا بأنفسهم\" وأي جهاد أقسى من احتمال الحصار بين الجبال والتعرض لمخاطره واحتمال جوعه وبرده لطفلة في الخامسة.وككل عظيم عانت مرارة اليتم صغيرة فموت أمها أبكاها وأضناها، تدور حول أبيها تسأله أين أمي، فمن سرّى عنها؟ جبريك لأجلها هبط الأرض يسكّن روعها يطمئنها ويسري عنها، أمك يا فاطمة في بيت من قصب في الجنة، فترضى نفسها وتتذكر الدار التي أتت منها فتفهم\" أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار\" . تأخذ دور أمها رغم طفولتها فتحنو على أبيها وترعاه، يعانقها فيشم رائحة الجنة، وينظر إليها فيذهب عنه همه وحزنه، أم أبيها، أرأيت نبياً يقبل يد ابنته ويقف لها احتراما؟ لأقسم ما رأيت أبا عادياً يفعل هذا فكيف بالنبي؟ وماقيمة الزهراء عند أبيها؟ و! هي إن وقفت في المحراب تصلي أزهرت لأهل السماء كما تزهر النجوم لأهل الأرض، يخطبها وجهاء قومها وأكابر بلدها، لكن من هو كفؤ البتول؟ وربها أعلم بها، إلا وليد بيت الله! من نوره من نورها وطينته من طينها، من غير ربيب الرسول، وصيه، وخليفته، من كان اختياره لله وحده،\" إني جاعل في الأرض خليفة\" يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض\" فهل يكون الخليفة إلا باختيار الله؟ ومن يختار الله لبضعة رسوله ونور مشكاته سواه، وكان زواجها بأمر السماء\" مرج البحرين يلتقيان، ثمرة النبوة ونور الولاية، وما يخرج منهما إلا اللؤلؤ والمرجان. حورية السماء تتزوج في السماء وخليفة الله في الأرض المؤيد من السماء بنصر الله وحامل لواء الحمد والذاب عن حوض أبيها، حوض الكوثر، من يشرب من ماءه إن لم يتطهر في الأرض من عبادة الأرض وطاغوت المجد والسلطة. كانت السكن لزوجها والعضد له تدور الملائكة حولها تستمع تسبيحها وهي تدير حجر الرحى بيديها حتى كلتا، تتصدق بعقدها وثوب زفافها، وترعى صغارها ترضعهم لبن العصمة وتبكي لما تعرف من أخبارهم، وتفجع صبية الثامنة عشر ربيعاً بأبيها، وتبدأ معاناتها وحملها الثقيل، مسؤولية تحديد المعايير وإقامة الحجة على أمة أبيها، تخرج للجهاد مرة ثانية، توضح بخطبتها معالم الإسلام لتحفظها الأجيال فلا تضيع، بخطبة وموعظة، ونصيحة وتوجيه، تفسر التوحيد وتلقي دررها، وتشرح أسرار العبادات وتبين مضمونها، ولو تمسكنا بمعالم هذه الخطبة لفهمنا الكثير من أسرارها، تبين مظلوميتها \" أترث أباك ولا أرث أبي؟\" تشتكي ظلم العشيرة والقبيلة والأمة، ترفع صوتها لتعلم كل نساء الأرض كيف تدافع عن حقها، كيف تصون كرامة نبيها، وتحمي إرثه. أصيبت وجرحت واسقط حملها، غصت بدموعها وألمها، ونشيجها يرتفع إلى الله يسمعها، وبشارة الرسول لها تصبّرها\" أول اللاحقين بي من أهلي\" تنتظر الخلاص من دار الظلم لتعود حيث كانت ومن حيث أتت\"ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي\" وتوصي، ألا يصلي عليها مغتصبي ولايتها، من أشاحت بوجهها عنهم، وندموا ساعة لا ينفع ندم. وردت الوديعة، الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان ثم خانها. فويل للخونة من ظلمها. أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ . \" وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ) ؟!!