
ليس ارتباطنا بقضية المبعث النبوي صلة عابرة لا متصلة تنتهي بانتهاء الحدث إنما ينبغي لها أن تكون صلة عميقة تمس الوجدان وتلامس العاطفة وتناغي العقل، إنهُ حدث قد هز الإنسانية هزا عنيفا وأيقظها من سبات قد طال، إنهُ حدث فتح الأبواب على مصارعها، فتح أبواب الخير والسعادة والفلاح، أنطلق هذا الحدث بالإنسان إلى سماوات الحياة الفضلى التي يكتنفها ويسودها العدل والمساواة. إن هذا الحدث ينبغي أن يكون قضية الإنسان الكبرى قضية تقودنا إلى ساحل الأمان والاطمئنان. إن هذا الحدث بدء عظيما ولابد أن يقودنا إلى العظمة، وإن أكتنف العالم الشر فلا بد من نهاية تماثل عظمة البداية هكذا أرى أهمية هذا الحدث «المبعث النبوي» إن المبعث رسالة فصيحة البيان تستهدف الإنسان لحمل رسالة السماء على الأرض، ولإبدال القيم الجاهلية الوضيعة والمتداعية بقيم أخرى مصدرها زلال وصفاء سماوي. إنها قيم الكمال المطلق، قيم مستمدة من الذات الإلهية، حمل هذا النور الملكوتي محمد ابن عبدالله لينير عتمة ليل الجزيرة والعالم بأسره، ليل قد جثم طويلا على الصدور وشاءت الحكمة أن يتبدد الظلام أخيرا.
إن المبعث النبوي عبارة عن بداية رائعة بحق إذ إنها مبعوثة من قبل الله عهد بها إلى خير خلقه، هذه الخصوصية في طبيعة «المبعث النبوي» تستدعي الإنسان أن يتوقف طويلا ويتأمل مليا.
لو تأملنا في خصوصية وطبيعة محمد (ص) قبل البعثة لرأينا إن الله قد أودع فيه قابليات النبوة وأورثه قواعد يسير عليها ومنحه خصائص فريدة حتى إذا ما بعثه نبيا على الأمة صارت هذهِ القابليات والقواعد والخصائص براهين على صدق دعوته وعلى يقين ابتعاثه نبيا من قبل الله. فكان صلوات الله عليه لا يرى رؤيا إلا وانبلجت فيما بعد كالصبح فقد كانت رؤيته ليست أضغاث أحلام إنما تترجم في الواقع حقائق دامغة، وقد كان عابدا لله حتى قبل البعثة فلم يسجد لأصنام لا تضر ولا تنفع، وكان يصل الرحم، يتحمل التعب في سبيل إطعام المعدومين، يقري الضيف ويعين على نوائب الحق. كان صادقا أمينا حتى ما عرف بين الناس إلا بالصادق الأمين.
لم تكن تنحصر عظمة الرسول (ص) في عناصر شخصيته وبالتالي عظمته تنبثق لتؤكد ذاتها فحسب بل إن عظمة الرسول انبثقت من أجل أن تهدي الناس إلى طريق الكمال لذا كانت عظمة الرسول حركة في الحياة، حركة في الإنسان، وينطلقا ليعيشا مع أجواء العظمة في الله. كانت عظمة فريدة من نوعها ليست عظمة ذاتية تتقوقع داخل نفسها وتنحصر في دائرتها إنما عظمة كونية شاملة فقد ارتفع النبي إلى الله من خلال رفعه للناس، وبذلك لم يفكر النبي في شخصه، وكيف يرفعها إلى الله بل شمل أيضا الناس جميعا، وهذا هو الغرض من الابتعاث الطاهر.
بعد البعثة لم يعش الرسول في عظمة طبقية وفي بروج عاجية بل كان مع الناس يخالطهم ويخالطونه كان فيهم كأحدهم، ومع هيبته التي أضفتها شخصيته ونبوته لم تكن يوما فاصلا بينه وبين الناس. ففعلا كانت إنسانيته في سر نبوته، لذا حاول صلوات الله عليه وبرحمته الواسعة وصبره أن يحول من الحجارة التي استقرت في صدور الأعراب إلى «قلوب نابضة بالإسلام» وكان يعلم إن هذهِ الحجارة قد تدميه كما أدمته حجارة الطائف، ومع ذلك فقد أذابت رحمته تلك الصخور الصلدة وانطلقت منها الينابيع.
هكذا كان النبي (ص) إنسان الرحمة في انفتاحه على كل الناس، ونبي الوعي والإدراك في إشرافه وإطلالته على الواقع كله، ورسول الحكمة في نظرته إلى الميدان بكل مفرداته، الأمر الذي جعل له القدرة والقابلية على الاستيعاب في مرحلة قبل الهجرة وما بعدها، وكما سبقت وأشرت إن مدلولات كثيرة تؤكد قدرة هذهِ الشخصية على القيادة حتى قبل البعثة بما كانت تملك من مخزون أخلاقي وسمو روحي.
إن المفردات النبوية في الدعوة والسلوك والفكر كان لها أكبر الدور في قدرة النبي على استيعاب الناس وتحريك عناصر الدولة في هذا المجتمع وإيجاد القاعدة للامتداد الإسلامي.
إن الانطلاقة التي غيرت العالم كانت ببعثته صلوات الله عليه، ولذا كانت هذهِ البعثة وهذه الانطلاقة مبعثا لكل الخيرات، ولذا لزاما علينا عند دراستنا لأي محور إسلامي لابد وأن نضع نصب أعيننا «البعثة النبوية»