
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محد وآله الطاهرين ولعن الله أعداءهم من الأولين والآخرين وبعد : ثمة صرح صامد وصوت خالد يهيب بالبشرية لتهب من رقادها ويستنهضها لتتابع مسيرتها على طريق التكامل الإنساني ، إنه النور الذي إهتدى به كل طالب للحق ، والإمام الذي اقتدى به كل باحث عن الهدى ، إنه الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام
لم يسبقه إلى التسمي بإسمه بشر إذ كان اسمه بوحي من الله تعالى على لسان النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن ألقابه (المطهر) وهو من الشهرة ةالإطراء أكبر
أبوه ذو القدر العلي والفخر الجلي الإمام المرتضى علي عليه السلام ، وأمه الزكية الطاهرة صاحبة المناقب الفاخرة ، ذات البركات الدائمة السيدة الزهراء فاطمة عليها السلام .
وجده لأمه خاتم النبيين وتمام عدة المرسلين ، النبي الأكرم والرسول الأعظم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم
وجده لأبيه السيد الشريف والحسيب النسيب ،المنيع الجانب ، الرفيع المناقب أبوطالب عبد مناف بن عبد المطلب عليه السلام .
وجدته لأمه الصديقة الكبرى والشريفة المثلى زاكية الخصال والمولد السيدة خديجة بنت خويلد عليها السلام .
وجدته لأبيه السيدة الحسيبة النسيبة التي حظيت وتشرفت بتربية سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم : السيدة فاطمة بنت أسد
فهو إبن الفواطم الشموس الساطعات في سماء العوالم اللواتي لم يسبقهن بشر إلى رحاب هذا العالم .
وأما أولاده فهم بدور ساطعة وأنوار لامعة ،في عالم الدنيا والآخرة ولاسيماسيد الساجدين وزين العابدين الإمام علي بن الحسين عليهما السلام حامي ظعن الأسارى وكافل أيتام آل محمد في كربلاء الحزن والأسى حيث كان عليه السلام واسطة العقد بين أخويه علي الأكبر وعلي الأصغر إلى جانب الطفل الرضيع شهيد السهم والظمأعليهم السلام ، وأخواتهم الصابرات المحتسبات رقية وسكينة وفاطمة حياهم الله وبياهم وجعل الفردوس الأعلى مستقرهم ومأواهم .
في الثالث من شعبان من السنة الرابعة للهجرة الشريفة أشرقت سماء الكون عامة وسماء المدينة المنورة خاصة بنور ثالث أئمة أهل البيت الطاهرين ، وسيد شباب أهل الجنة بإجماع المحدثين ، وخامس أصحاب الكساء المطهرين ، والمنصوص على إمامته وفضله في كل وقت وحين ، وهوممن شملتهم آية القربى بفرض المودة ، بل هو من الثقلين اللذين هما عصمة من الضلال ،بل قل هو سفينة النجاة ومصباح الهدى .
ولدعليه السلام في رحاب طيبة ونشأ في حجور طاهرة زاكية ، فقد نهل من كوثر جده المصطفى وأبيه المرتضى وأمه فاطمة الزهراء عليهم السلام مضافاإلى ذلك عناية ولطف خالقه العظيم والرؤوف الرحيم .
لقد حظي بشرف الذكر في القرآن الكريم في جميع الآيات التي تخص أهل البيت المطهرين عليهم السلام : من آية المودة إلى آية طاعة أولي الأمر إلى آية هل أتى ---
كما حظي على لسان جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بوسام الإمامة والحب حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم :(الحسن والحسين إمامان قاما أوقعدا ) وقال أيضا:(اللهم إني أحبهمافأحب من يحبهما) وقال كذلك(حسين مني وأنامن حسين أحب الله من أحب حسينا)
كما حظي بوسام الوراثة المحمدية حيث قال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم:(أما الحسن فإن له هيبتي وسؤددي ،وأما الحسين فإن له شجاعتي وجودي).
إنه أحد ريحانتي النبي من الدنيا وثاني سبطيه من عزيزته فاطمة عليها السلام.
لقد عاش الإمام الحسين عليه السلام الأحداث العظمى من تاريخ الرسالة الإسلامية حتهى إنتهى به الأمر إلى حديث فريد في تاريخ البشرية بمافيه من أسى وحزن وجور وظلم وإثم وعدوان على الوديعة التي أودعها والأمانة التي تركها في الأمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه إعتداء على من هم مثل ناقة الله في قوم صالح عليه السلام ولذلك كان في حقيقته إعتداء على الله وحرماته .
لقد عاش الإمام الحسين عليه السلام حدث وفاة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ورأى بأم عينه كيف سلب حق أبيه أمير المؤمنين عليه السلام ، وكيف انتهكت حرمة بيت أمه فاطمة عليها السلام وكيف استهان بها القوم وحرموها إرثها وأخافوها بمحاولة إحراق بيتها حتى حرّواعليها من المصائب ماأدى إلى إستشهادها عليها السلام بعد أبيها صلى الله عليه وآله وسلم بأيام قليلة ، والحسين يرى بعينه ويتألم بقلبه، ولم تطل الأيام حتى رأى الحسين عليه السلام أباه عليا يجود بنفسه صريعا بسيف الغدر والخيانة وبضربة من ابن ملجم لعنه الله .
ثم لم ينته مسلسل الأحداث المحزنة والوقائع المؤلمة في حياة الحسين عليه السلام فما كاد يودع حدث إستشهاد أبيه إلا وقد إستقبل حدث إستشهاد أخيه الحسن المجتبى عليه السلام مسموما على يد زوجته جعدة بنت الأشعث وخيانة وغدر معاوية بن أبي سفيان الذي تآمر مع جعدة فأغراها بالمال والجاه لتقتل الحسن عليه السلام .
وبعد هذه الأحداث الجسام جاء وقت كبرى الحوادث وأم المصائب ومنبع الأحزان التي سدت على الإمام كل المنافذ وضيقت عليه المذاهب فلم يكن له خيار إلا أن يخوض غمارها ويحتمل آلامها
فها هو يرى أعداء الله ورسوله وأعداء أهل بيته يجمعون الجموع ويعدون العدة للقضاء على كوثر الرسالة ورسالة الكوثر ،إنهم يريدون أن يمحو ذكر محمد وآله من الوجود في معركة غير متكافئة فالعدد مع الحسين ضئيل والناصر له قليل ، فيارب الحسين كن للحسين .
فهاهو يرى مصارع أصحابه واحدا إثر الآخر ، وهاهم أبناؤه يستشهدون بين يديه والذي آلم قلبه الشريف قتل ابنه الرضيع عبدالله على يده وهو يطلب له الماء من القوم الظالمين ، والذي أثار أحزانه وصدع قلبه هجوم القوم على خيام حريم آل محمد ونهبها وإضرام النيران فيها وحرقها .
فما زال في كربلاء يضنيه الحزن ويثقله الألم إلى أن قضى نحبه في العاشر من محرم سنة 61 هجرية .
ضحى بفلذات كبده وأصحابه وجاد بنفسه في سبيل الله حفاظا على الإسلام وإحياء له. ولذلك رأيت أن ألقبه :
( بخليل الأحزان وقرين الأشجان)
لقد مضى الحسين عليه السلام إلى ربه شهيدا حميدا رشيدا طاهرا زكيا وخلف في البشرية ملحمة سطر فيها أروع صفحات البطولة والفداء والكرم والتضحية في سبيل مرضاة الله ، إنها ملحمة عاشوراء بل ملحمة كربلاء الخالدة التي تدعو المظلومين في كل عصر أن يهبوا ليخترقوا جدار الصمت ويحطموا حاجز الخوف ويثورا على الظالمين ليحققواالعدل والسلام .
إن ملحمة الحسين عليه السلام صوت خالد يطرق سمع المسلمين في كل حين ليأخذوا مواقعهم المناسبة في مسيرة الحياة ويعلنوا مواقفهم النضالية الشريفة من أجل الإنسانية التي لاتتحقق إلا في ظل الرسالة المحمدية التى ضحى من أجلها الحسين عليه السلام بكل ثمين .
هذه الملحمة لم تكن طلبا للثأر أو الإنتقام ولا سعيا خلف الملك أو الجاه ، وإنما كانت نهضة إنسانية خالصة لوجه الله وخدمة للإنسانية منطلقة من الإحساس بالواجب والتكليف لدى الإمام الحسين عليه السلام حيث عبر عن ذلك فقال عندخروجه من المدينة وتوجه إلى كربلاء :(إني لم أخرج أشرا ولابطرا ولامفسدا ولا ظالما ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي وأبي ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن رد علي هذاأصبر حتى يحكم الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين).
فالسلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أنصار الحسين وعلى أصحاب الحسين .
السلام على أسير الكربات وقتيل العبرات
السلام على من لقتله في قلوب المؤمنين حرارة لاتنطفي أبدا
اللهم ارزقنا العمل بنهج الحسين وارزقنا شفاعته وعرف بيننا وبينه برحمتك يا أرحم الراحمين .
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين