لقد اقتضت الرحمة الإلهية ومنذ أن وجد المجتمع البشري أن لا يُحرم من نبيّ أو واسطة للوحي الإلهي ـ وهكذا ستستمرّ مسيرة البشر حتى آخر حياة له على وجه البسيطة ـ لئلا تخلو الأرض من حجّة لله أبداًمن هنا تحتّم على نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله ـ وهو النبيّ الخاتم ـ أن يعيّن خليفةً له، إماماً ووليّاً للناس من بعده، لكي يواصل طريقه ويسير على خطاه، حتى يرسّخ أهدافه، لتشمل البشرية أجمع.
ومن الواضح جدّاً أنّ من يخلف النبيّ صلى الله عليه وآله جدير بأن يكون مطابقاً له في فكره ونهجه، ومجسّداً له تجسيداً واقعياً في العصمة والطهارة.
حج النبي حجة الوداع، ويقال عنها أيضا: حجة الاسلام، وحجة البلاغ، وحجة الكمال، وحجة التمام، ولم يحج غيرها منذ هاجر إلى أن توفاه الله. فخرج من المدينة مغتسلا متدهنا مترجلا متجردا في ثوبين صحاريين: إزار، ورداء، وذلك يوم السبت لخمس ليال أوست بقين من ذي القعدة، وأخرج معه نساءه كلهن في الهوادج، وسار معه أهل بيته وعامة المهاجرين والانصار، ومن شاء الله من قبائل العرب وأفناء الناس.

وعند خروجه أصاب الناس بالمدينة جدري أو حصبة منعت كثيرا من الناس من الحج معه ، ومع ذلك كان معه ـ على أقل الروايات ـ مئة ألف وأربعة عشر ألفا، وأما الذين حجوا معه فأكثر من ذلك، كالمقيمين بمكة، والذين أتوا من اليمن مع علي أميرالمؤمنين .

فلما قضى مناسكه، وانصرف راجعا الى المدينة ومعه من كان من الجموع المذكورة، وصل إلى غدير (خم) من الجحفة التي تتشعب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين. وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة؛ نزل إليه جبرئيل الأمين عن الله بقوله: ? يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ?. وأمره أن يقيم عليا علما للناس، ويبلغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كل أحد، وكان أوائل القوم قريبا من الجحفة، فأمر رسول الله أن يرد من تقدم منهم، ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان، ونهى عن سمرات (شجر الطلح) خمس متقاربات دوحات عظام أن لا ينزل تحتهن أحد، حتى إذا أخذ القوم منازلهم، فقم ما تحتهن، حتى إذا نودي بالصلاة ـ صلاة الظهر ـ عمد إليهن، فصلى بالناس تحتهن، وكان يوما هاجرا يضع الرجل بعض ردائه على رأسه، وبعضه تحت قدميه، من شدة الرمضاء، وظلل لرسول الله بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فلما انصرف من صلاته، قام خطيبا وسط القوم على أقتاب الإبل، وأسمع الجميع، رافعا عقيرته، فقال:

«الحمد لله ونستعينه ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضل، ولا مضل لمن هدى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد: أيها الناس قد نبأني اللطيف الخبير: أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي قبله. وإني أوشك أن أدعى فأجيب. وإني مسؤول، وأنتم مسؤولون. فماذا أنتم قائلون؟
قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيرا.
قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن جنته حق وناره حق، وأن الموت حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور؟
قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: أللهم اشهد، ثم قال: أيها الناس ألا تسمعون؟
قالوا: نعم.
قال: فإني فرط على الحوض، وأنتم واردون علي الحوض، … فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين.
فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول الله؟
قال: الثقل الأكبر كتاب الله طرف بيد الله عز وجل وطرف بأيديكم، فتمسكوا به لا تضلوا، والآخر الأصغر عترتي، وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فسألت ذلك لهما ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.

ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون، فقال: أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، يقولها ثلاث مرات ـ وفي لفظ أحمد إمام الحنابلة: أربع مرات ـ ثم قال: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب.

ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: ? اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ? الآية. فقال رسول الله : ألله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، والولاية لعلي من بعدي».
ان سند لواقعة الغدير من اقوي الاسناد الموجودة للرواية. مسعود ابن ناصر سجستاني قال في كتابه \"ولايتكده\" الذي هو 17 جزء لقد نقل هذا الحديث من 120 نفر . محمد ابن جرير الطبري رواها من 75 طريق في كتاب \"رد على الخرقوضيه\" .ابن عقدة في كتاب الولاية ينقل الحديث من 125 راوي. روي عن ابوالمعالي جوني قد قال: رأيت كتاب في دكان الصحاف و ورأيت فيها روايات الغدير و كان مكتوب على خلفه مجلد 28من طرق الحديث من كنت مولاه. السيد المرتضى ايضا يقول في كتاب الشافي ما رئانا فرقة من فرق الإسلامية ان ينكروا حديث الغدير. و كتاب ثمين الغديراكمل المنبع لأسناد هذا الحديث.
وعن إبن عباس قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء بعدي أفضل من عليّ (عليه السلام)، وإنه إمام اُمّتي وأميرها وهو وصيي وخليفتي عليها، من إقتدى به بعدي إهتدى، ومن إقتدى بغيره ضلّ وغوى.

إني أنا النّبي المصطفى، ما أنطق بفضل عليّ عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى إلي نزل به الروح المجتبى، عن الذي (له ما في السّموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى).

جاء الجهد التحقيقي في هذه الدراسة التي تكشف عن موقف القرآن الكريم ودلالة آياته في واقعة غدير خم التي‏صرح فيها النبي (ص) بامامة وخلافة وولاية علي بن ابي طالب (ع),فقال سبحانه وتعالى
: (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته واللّه يعصمك من الناس)المائدة(الاية 67).
(اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا)المائدة(الاية 03).
(واذ قالوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء)الأنفال(الأية32).
(سال سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من اللّه ذي المعارج)
وهي آيات بينات يؤكد حفاظ القرآن الكريم من اخواننا اهل السنة في انها تتعلق بحديث الغدير، سواء في أسباب النزول أوفي انسجامها مع معطيات الحديث، فهناك مالا يقل عن اربعين من ابرز الحفاظ ممن يؤكدون ذلك في تفاسيرهم.
من هنا يمكن القول ان للغدير مساحة هامة في القرآن الكريم... مساحة تكفي لاضاءة هذه الحقيقة الالهية، وهي ان رسول‏اللّه (ص) وهو يوصي أمته بالثقلين: القرآن الكريم وهو الثقل الاكبر، وأهل البيت وانهم‏لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض.. انما يشير الى التشابك الواسع والعلاقة الوطيدة بين الثقلين فأهل البيت هم مفسروالقرآن الكريم، والقرآن الكريم يهتف انه (لا يمسه الا المطهرون) و (وانما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ‏ويطهركم تطهيرا). وفي يوم الغدير قال سبحانه وتعالى: (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا).
وصلى الله على محمد وال بيته الطيبين الطاهرين أجمعين.