
الطف ويوم العاشر من المحرم وسنة 61 للهجرة :
ثورة الإمام الحسين عليه السلام ضد حاكم الجور يزيد بن معاوية ( لع ) ، هذه الثورة التي لم يشهد مثلها منذ بدء الخليقة ، وان انطلاق الثورة الحسينية كانت هي ثمرة لحركة الإمام الحسن عليه السلام ، والحق ان يوم الطف كان صدى ليوم المدائن عندما أراد أعداء الإسلام قتل الإمام الحسن عليه السلام .
بعد الخذلان والخيانة التي حصلت في زمن الامام الحسن عليه السلام ، انكشفت للناس أفعال معاوية المشينة وبعد ان نقض بنود الصلح ، ومدىالاحباط والاياس الذي وصلت اليه الامة بافعال ال امية من هتك لحرمات المسلمين وسفك لدمائهم ، بقي الامام الحسين يتابع ويراقب ما يحصل الى ان مات معاوية وتولي يزيد من بعده الحكم والكل يعرف من هو يزيد وما قاله الامام الحسين عليه السلام :( يزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل للنفس المحترمة ...) وقد امات السنة واحيا البدعة ابوه من قبله الى ان وصل الامر بيزيد ( لع ) ان يتلاعب بأحكام الدين ان يحرم ما احل الله ويحلل ما حرم الله ، ولابد من ثورة تخلد وذكر لايمحى ، طرح الإمام الحسين عليه السلام ثلاث امور لنجاح الثورة لابدلها من فكر ولابد لها من دم لان طريق الحرية يعمد بالدم وظلامة تبقى على مر التاريخ ، هنا نهض مهجة قلب المصطفى الامام الحسين صلوات الله عليهم ليحمل مشعل الجهاد بثورته ، لكي يقف مناصرا ومحاميا عن رسالة جده وهو القائل : ( اني لم اخرج اشرا ولا بطرا ولكن خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي ..... ) ، ولان الإمام عليه السلام لم يرى بدا غير الثورة ضد ظلم وجور ال امية ولان الأمة الإسلامية في ذلك الوقت لابد لها من هزة لضميرها لكي تفيقها من ذلك السبات وخروجها من ذلك الحال .
حركة الإمام الحسين عليه السلام من المدينة الى مكة ومن ثم الى كربلاء مع ال بيته والنساء والاطفال وسبب اخذهم معه هي الظلامة التي وقعت عليهم ليكون الوقع والأثر كبير على نفوس الأمة في ان هؤلاء هم حرم الرسول صلى الله عليه واله صاحب المشروع الالهي الكبير الذي رفع شأنكم ومقامكم بعد ان اخرجكم من ظلمات الجاهلية الجهلاء ، ولربما ارادة الله تعالى ليزداد البلاء عليهم بما له رفعة المقام وعظيم الدرجة ليشمل البلاء حتى الطفل الرضيع .
ان ثورة الامام الحسين عليه السلام كانت مقدمة لثورات تلت من بعد ضد حكام الجور وهز لاركان الحكم الاموي وسقوط لهذا الحكم بسبب تتابع الثورات ، وحركة الامام عليه السلام لفيها الكثير الكثير من الدروس والعبر وكل وقفة تحتاج الى بحث نخوض فيه طويلا لنعتبر من هذه المواقف كون الامام هو دون الخالق وفوق المخلوق . الإمام عليه السلام أعطى دروسا للإنسانية جمعاء ومدرسة لرفض الذل والعبودية ، هذه الثورة احدثت صحوة وانقلابة على يزيد ( لع ) ونجحت في الحفاظ على الرسالة المحمدية وتثبيت دعائمها وهذا التثبيت يتمثل في بقاء الشعائر الحسينية وما تتضمنها من مجالس الذكر والوعظ والإرشاد لم تكن لولا تضحيات أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السلام وهو في ذلك الموقف العظيم قبالة جيش الكفر اعطى نفسه وال بيته وأصحابه فداء للإسلام .
ان يوم الطف هو يوم تحرير وفك للقيود التي كبلت ايدي الناس والمخاوف التي كانت تنتابهم أيام حكم معاوية الظالم الذي مابرح من سب على المنابر لأمير المؤمنين وأهل بيته عليهم السلام . ان أبناء الثورة كانوا في غليان تجاه أفعال الفسق والفجور ولابد لعظيم ان يوقدها ويقودها ، ان الذي يبحث عن منافع شخصية وكرسي حكم لايخرج ال بيته وعيالا ته معه ولكن الهدف كان أسمى واكبر من ذلك هو الإسلام والحفاظ على هويته ، الرسالة المحمدية التي بذل المسلمون دمائهم وأعطوا مهجهم لأجل نشرها وإسعاد البشرية ووصولها الى الكمال .
ماذا حدث في يوم العاشر من محرم في ذلك اليوم أمام الآلاف من الأعداء وقف الإمام الحسين عليه السلام ينظر بعينيه الحزينتين الى اهل بيته وهم يبادلونه النظرات وهو يسمع نبضات قلوبهم وهي ترتجف ، وقد رسم الهلع مخاوفه في الوجوه المصفرة والأجساد النحلة والقلوب الحيارى تتزود من الحسين بجنان روحه ، فيقول بهمس مسموع محسوس إن الله حافظكم وحاميكم .
في هذا الحال يحسم سبط الرسول ومهجة قلبه الموقف أمام عائلته حينما يطلب من أخته العقيلة ان تأتيه بثوب قديم لا يرغب فيه احد فاني مقتول مسلوب . وانطلق الحسين (ع ) ومد بصره إلى ميدان الطف الذي امتلاء بالضحايا والأجساد تفترشها حرارة الرمال المحرقة وتعلوها أشعة الشمس اللاهبة ويدير بطرفه نحو ضحايا كربلاء وقد ضوعتها رائحة المسك والعنبر ( طيب الله أرضا احتضنتكم ) ويمشي الهوينى بين الشهداء وهو يبارك تلك القرابين ويقراء بصوت خاشع متألم ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) فتجري دموعه على خديه حزنا عليهم .
والآن انتم ترون ان كربلاء بقيت وستبقى مدرسة للاجيال على مر القرون كما اراد لها الامام الحسين عليه السلام والكل يخلد تلك المواقف المعبرة والتضحيات الجسام لتبقى علما منصوبا مدى الدهر كلمة ( الحسين ) جذبت الملايين نحوه لتقف قبالة ذلك الجسد المضرج بدماء الشهادة والكل متجه إلى علة التكوين سيراً على الأقدام كما أثبتت للعالم اجمع مدى تمسكنا بعقديتنا الإسلامية الصحيحة ، ذلك ما رأته عيوننا يوم العشرين من صفر في عراق ( علي والحسين ) ليُِدخل ذلك الجمع الملائيني السرور على قلب البضعة المظلومة المقهورة فاطمة الزهراء عليها السلام وهي ترى تلك الجموع أصواتها تعلوا بالنداء ياحسين وهي تطوف حول ذلك الجسد العظيم لتجدد العهد في كل زيارة له وتقول باننا باقون على نهج جدك النبي الذي خرجت وضحيت من اجله ، إلى أن حان وقت الآذان وسُمع صوت المؤذن والكل يقف للصلاة وليذكروا ان ثأر الله وابن ثأره قد قتل لاجل الصلاة .
ولا غرابة أن نرى في هذه الزيارة إن الطائرات التي كانت تقصف الزائرين وتضرب الحرم المطهر بالأمس بأمر من يزيد العصر صدام ( لع) اليوم تطوف مع الزائرين حول ذلك المشهد المقدس ولا نعجب أن نرى ركاب الطائرة التي تقوم بحماية الزائرين يلطمون على الصدور حزنا على تلك الفاجعة الأليمة التي أبكت ملائكة السماء وأبكت محجر الحجر ، ولربما إن الطائرة ذلك الجسم المادي كانت تطوف حول ضريح الحسين عليه السلام وتسبح لله وان من شيء إلا يسبح لله ، سيبقى ذلك الجمع الكبير من الزائرين يقض مضاجع الظالمين ويقرع قلوبهم في كل مكان في العالم ، وفي الختام دعائنا اللهم ببركة ذخيرتك في العراق ووجوده الشريف (الإمام الحسيني السيستاني ) قر عيوننا بظهور صاحب العصر الحجة بن الحسن أرواحنا وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء .