
انبثق نور الرسالة الإسلامية من مكة المكرمة اشرف بقعة على الارض ، جاء بها الصادق الامين الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اشرف خلق الله خُلقاً وخَلقاً ، جاء بنور الهداية للناس أجمعين لكي يخلصهم من براثن الجاهلية والهمجية القبلية التي كانت تسود أرض الجزيرة خاصة والأرض عامة ، وكان ذلك النور السماوي الرباني غاية في التسامح والود والمحبة والإخاء فلم يكن ديناً مبنياً على قاعدة العنف والسيف والإرهاب ولا تحت شعار " أسلِم تسلَم " وإلا ستقتل بل بالعكس من هذا ، كان اسلوبه الدعوة التبشير بروح الإخاء والتسامح والاخلاص وشعاره " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " ( البقرة256) ، فقد كان دخول الناس بالإسلام طوعياً لا إجبارياً بعد يقينهم يقيناً كاملاً لا شائبة فيه بان هذا الدين هو الحق إلا المنافقون الذين اعلنوا إسلامهم وأبطنوا كفرهم وإلحادهم .
إلا ان المواقف تتغير والاساليب تتبدل فبعد ان اصبح للمسلمين دولتهم في المدينة المنورة وبدأوا بنشر الإسلام من هناك قام المشركون باجتياح منازلهم السابقة في مكة ونهب اموالهم ثم رفعوا سيوفهم ليقاتلوا دين الله ليطفئوا نوره " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " ( التوبة 32 ) حين ذاك امر الله تعالى المسلمين بقتال المشركين " أذُن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير " ( الحج 39 ) فكان هذا هو الرد الذي شرعه الله للحفاظ على دينه القويم ونشره لتعم الهداية والخير للناس أجمع .
وبعد الانتصارات الساحقة التي حققها المسلمون بفضل الله وقوته ووصايا الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسيف علي ( عليه السلام ) ، وبعد ان بلغ الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) رسالته كاملة الى الناس وأُكمل الدين يوم الغدير ، رحل الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تاركاً خلفه ألق الرسالة ونبراسها المضيء وديناً حقا اعطى للناس حقوقهم كاملةً كمى كلفهم واجباتهم حسب قدرتهم عليها " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها " ( البقرة 286 ) .
وكان لا بد ان يبقي الله الاسلام محصناً محمياً من التحريف والتلاعب بعد وفاة الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولابد من ان يكون هناك حماةٌ ودعاةٌ أُمناء ليكملوا ما بداه الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولم يكن هناك أكفأ واقدر على حمل هذه المهمة العظيمة والامر الجسيم من أهل البيت ( عليهم السلام ) لا سيما بعد الخيانات العظمى والخذلان الكبير الذي قام به المنافقون المحسوبين على الإسلام فقد غيروا دين الله وشرعه فارجعوا ما أستانسوا به من الفواحش ايام الجاهلية واباحوه وحرموا بعض ما احله الله وكأنه قد خلقوا ديناً جديداً خاصاً بهم غير دين الإسلام الحنيف الذي لم ياخذوا منه سوى الاسم فكان ذلك بداية التشوه العظيم والصدع الجسيم الذي فتك بالأمة الإسلامية الفتية العهد وتديّن الكثير بهذا الدين المُبتدَع من قبل وجهاء وعلماء الامة المنافقين وتمسكوا به لأنه لميكن بعيداً جداً عما الفوه ايام الجاهلية ، ولكن دين الله القيم كان بمأمن عند اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومهبك اهل الوحي وسادة اهل الارض ، فقد كان المسلمون الذين لم ينثنوا عن طريق الحق ينتهلون تعاليم الإسلام القيمة من اهل البيت ( عليهم السلام ) ويستنشقون عطر النبوة من خلفاء الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الأحقاء الذين سُلبوا حقهم بالخلافة الظاهرية ولكنهم استمروا في هداية الناس لان رسالتهم ومهمتهم لم تنتهِ بفقدهم الخلافة لانها لم تكن غايتهم ولانهم لم يطمعوا بكرسي مرصع بالذهب او قصوراً باذخة او باي من ملذات الدنيا بل ارادوا رضوان الله تعالى وتنفيذ امره على الارض لانهم اعلام التقى ومنابر الهدى .
وفي فترة حكم يزيد الاموي وصل البغي والفحشاء الى مرتبةٍ عظيمة من الفجور وانتشار الفساد في الارض ، في تلك الفترة لم يكن الإمام الحسين ( عليه السلام ) ثالث أهل البيت الموصى بهم من الله ورسوله ، لم يكن متفرجا صامتاً على هذه الاحداث وانما كان ذلك الناصح للرعية ولكبار الصحابة موضحا لهم خطأ ما يقوم به يزيد وبالهلاك الذي يتوعد هذه الامة إن لم ينتبهوا الى ما هم عليه ولكن الكلام لم يكن مجدياً والنصائح لم تاخذ طريقها الى الناس لانغماسهم في ملذات الدنيا وشهواتها .
فيخرج الإمام الحسين ( عليه السلام ) مع اهله وعياله صوب العراق واذا به في الارض التي قال الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عنها انها الارض التي سيُقتل فيها الإمام الحسين ( عليه السلام ) ذبيحاً ضامياً . هناك على رمال كربلاء توسدت تلك الاجساد الطاهرة وسط لهيب الشمس وحرارتها بعد ان سالت دمائهم الزكية لتعلن البقاء والخلود الأزليين لاصحاب الحق مهما كان زمانهم ومكانهم ، وليكون حب الشهادة من اجل الدين والعقيدة صفعة قوية يوجهها الإمام الحسين ( عليه السلام ) واصحابه الى كل طاغٍ وباغٍ باع الدين واشترى الدنيا وشوه الإسلام ، فلم تكن ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ثورة سيف وقتال ، بل بدأها بالدعوة للإصلاح في امة جده رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ولكنه اضطر هو واتباعه الى شهر سيوفهم حين ادركوا ان الموقف لا يسمح بالتعامل إلا بالقوة والسيف ، ولم تكن سيوفهم في اغمادها في البداية خوفاً من موتٍ بل لانهم كانوا يحملون سماحة الإسلام واخلاق رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التي كانت من عند الله " وانك لعلى خُلق عظيم " ( القلم 4 ) . ولتكون شهادتهم تلك صرخةٌ قوية لتنهض الهمم وتيقظ النفوس التي غلب عليها الكسل والنعاس وتخاذلت عن واجبها تجاه الله والقرآن .
نعم ، لقد استيقظ المسلمون من سباتهم الطويل الذي رقدوا فيه بعد وفاة الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فكأن ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) جاءت لإحياء هذا الدين من جديد ولتبث فيه روح الشجاعة والمواجهة وحب الشهادة في سبيل الله ، فقد أدركوا جيدا مدى وحشية وقساوة خلفاء بني أمية ومدى تجرؤهم على الله ورسوله ، فيذبحون إبن بنت نبيهم إن كان لهم نبياً فعلاً بعد إن حرموه الماء هو وأهله وأصحابه ، ثم يسبون حرم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويطوفون برأس الإمام الحسين ( عليه السلام ) فرحين بهذا النصر ولكنهم لم يدركوا إن هذا النصر ماهو إلا خسارة وخيبة وذل فلم يستطيعوا بفعلتهم الجبانة تلك أن يخمدوا ألق أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين هم " نورٌ على نورٌ " ولم يستطيعوا أن يعطلوا مسيرتهم المباركة في الدعوة الى الحق بل بالعكس من ذلك فإنهم قد أستمروا بمسيرتهم المباركة ومشوارهم المقدس لنشر الدين الحق وهداية الناس الى الطريق الصواب بعدما تكاثرت المذاهب والفرق وأصبح الناس أشتاتاً كلٌ على مذهبه ... فأن أهل البيت ( عليهم السلام ) قد بينوا أسباب ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ودوافعها وأنعكاس صورتها على الأمة الإسلامية ، فأعطت ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) دفعة قوية للإسلام كاد قبلها أن ينتهي ويضيع لولا تدارك سبط الرسول لذلك ، فكانت تلك الثورة بمثابة المحفز الدائم للإسلام الذي يمده بالحيوية والإستمرار للنهج الذي خطه الله تعالى ورسوله الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومضى به أهل البيت ( عليهم السلام ) بكل قوة وجدارة قاهرين به عروش الجبابرة والطغاة ومزلزلين الأرض من تحت أقدامهم من حيث لا يشعرون.
ولم ينتهي الطغاة الى هذا الحد من غيهم وكرههم لله والرسول ، بل مارسوا أبشع الأساليب وأقسى العقوبات على من يقوم بذكر الإمام الحسين ( عليه السلام ) أو زيارته في قبره الشريف بكربلاء فكانت تقطع حتى أيديهم وأرجلهم ويسجنون ويعذبون بمجرد إقترابهم من المرقد المبارك ، لأنهم كانوا يعرفون إن إقترابهم من المرقد يثير بهم نار الثورة الحسينية ويزيد من سخطهم على الطغاة ويمنعونهم لأنهم يكادون أن يروا ثورة اخرى بتجمع الزائرين هناك وهتافهم بقوة " يالثارات الحسين " .
والى الآن ، مازالت ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) تتجدد كل عام في كربلاء ومناطق أخرى من العالم حين يتوجه المليين الى تلك البقعة المباركة في عاشوراء ليقدموا تعازيهم الى رسول الله وأهل بيته والى الإمام صاحب العصر والزمان الحجة المنتظر محمد بن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وبالتالي يتجدد الإسلام بذكر الله ورسوله وأهل بيته ( عليهم السلام ) ودينه الحق وعقيدته الحقة.
عاشق أهل البيت (ع)
محمد عبد الرضا