المستبصرون » من حياة المستبصرين

الشيخ سليم البشري - مصر - مالكي

الترجمة الثانية   (راجع: الترجمة الأولى)

فهرس المطالب:

اسمه ومولده

هو الشيخ سليم البشري المالكي المولود في محلة «بشر» من محافظة «البحيرة» عام 1832 ميلادي الموافق لعام 1248 هجري.

حياته العلمية

درس الشيخ سليم في أعرق جامعة إسلامية سنية ألا وهي جامع الأزهر الشريف وقد ترقى في المراتب العلمية والروحية حتى نال تلك المنزلة الرفيعة وهي تولي مشيخة الأزهر لفترتين متعاقبتين كانت الأولى سنة 1900 م الموافق لعام 1320 هجري، والثانية استمرت من سنة 1909 ميلادي حتى سنة وفاته 1916 ميلادي الموافق 1335 هجري.
تميزت فترة توليه لمشيخة الأزهر بالحزم وحسن الإدارة حيث تم في عهده تطبيق نظام امتحان الراغبين في التدريس بالأزهر.

مؤلفاته

أثرى الشيخ البشري المكتبة الأزهرية والإسلامية عموما بمؤلفات نذكر منها:
1- حاشية تحفة الطلاب لشرح رسالة الآداب.
2- حاشية على رسالة الشيخ علي في التوحيد.
3- الاستئناس في بيان الأعلام وأسماء الأجناس: وهو بحث في النحو عول عليه كثيرا في التدريس بالأزهر.

لقاؤه مع العلامة عبد الحسين شرف الدين الموسوي رحمه الله

كان السيد العلامة شرف الدين قد ضاق ذرعا بما وصلت إليه حال المسلمين من تشتت وتمزق نتيجة لمعطيات داخلية عبر العصور وأخرى خارجية بعد أن نكبت البلاد الإسلاميه بالاستعمار البغيض الذي قسم البلاد وشتت العباد، فيمم وجهه صوب أرض الكنانة - مصر - لعله يجد من يشاركه آلامه ويصغي إلى آماله بأن يرى المسلمين متحدين تحت راية الإسلام المحمدي الأصيل ومتمسكين بحبل الله المتين إذ في ذلك وفاقهم ورفع انشقاقهم.
فكانت الفرصة السعيدة، حيث التقى بضالته، عالم الأزهر وربان سفينته الشيخ سليم البشري حيث يقول عنه المرحوم شرف الدين:
...«وهناك على نعمى المال، ورخاء البال، وابتهاج النفس، جمعني الحظ السعيد بعلم من أعلامها (مصر) المبرزين بعقل واسع، و خلق وادع، وفؤاد حي وعلم عليم، ومنزل رفيع، يتبوؤه بزعامته الدينية، بحق وأهلية...»
ويقول عن الشيخ سليم البشري الدكتور حامد حفني داود واضع أسس المنهج العلمي الحديث ما يلي:
«كان هذا الحوار يجري بين عالمين جليلين.... الأول منهما العالم الجليل الشيخ سليم البشري شيخ الإسلام وعمدة المحدثين في مصر.»...
ويقول عنه الأستاذ فكري أبوالنصر المدرس لوزارة التربية والتعليم بالقاهره:
«إمامين جليلين هما:
الإمام الشيخ سليم البشري شيخ الإزهر السابق...».

ثمرة هذا اللقاء بين هذين العلمين

ماذا يتوقع الإنسان من اجتماع علمين من أعلام الأمة الإسلامية يتمتعان بالمرتبة الرفيعة في العلم والمنزلة البعيدة في الروح الموضوعية، غير الثمرة الطاهرة والنتيجة الباهرة، حيث أسفرت لقاءات العالمين على حوار علمي عميق، بعيدا عن السفاسف والمهاترات، و قد خرجت هذه المباحثات والحوارات في ما بعد في كتاب تحت عنوان «المراجعات».

التعريف بكتاب المراجعات

هو سفر قيم، وهو خلاصة المحاورات التي جرت بين العلامة الإمام شرف الدين ونظيره الإمام سليم البشري، و كان الشيخ سليم خلالها - وقد كانت 112 مناظرة ومراجعة - يسأل عن مباني وعقائد مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية والسيد شرف الدين يجيب بالأدلة من الكتاب وكتب الفريقين وخاصة صحاح وكتب أهل السنة، هذا وقد تناولت المراجعات مباحث عديدة من أهمها مسألة الإمامة وتفنيد مذاهب الجمهور وعصمة أئمة الشيعة والوصية لأهل البيت و نفي خلافة الخلفاء الثلاثة وغيرها كثير.

التشكيك في كتاب المراجعات

و دائما وكدأب الذين في قلوبهم مرض سعى البعض ممن يدعي في العلم معرفة إلى إنكار قصة كتاب المراجعات أصلا وادعى أن السيد شرف الدين هو واضع هذا السفر كذبا، من ذلك ما قاله محمود الزعبي أحد منكري هذا الكتاب:
و لما كانت هذه المراجعات لا أصل لها من الصحة، بل هي محض كذب وافتراء، ولما مر على ظهور هذا الكتاب قرابة الثلاثين عاما ولم نجد أحدا من علماء السنة قد رد على هذه المراجعات المكذوبة جملة وتفصيلا....
يرد على هذه القول، ما قاله الشيخ محمود أبو رية المصري الذي يعترف بحقيقة المراجعات فيقول:
و إذا أردت الوقوف على هذه الروايات فارجع إلى كتاب المراجعات التي جرت بين العلامة شرف الدين الموسوي رحمه الله و بين الأستاذ الكبير الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر سابقا. (أضواء على السنة المحمدية ص 404)
و يقول الأستاذ عمر رضا كحالة عن هذا االكتاب:
و من آثاره المراجعات وهي أسئلة وجهها سليم البشري إلى المترجم فأجاب عنها... (معجم المؤلفين 5|87)
ويقول الدكتور حامد حفني داود في هذا الصدد:
و قد استغرق هذا الحوار القيم مائة واثنتي عشرة حلقة جرت بين هذين العالمين الجليلين، وكان ذلك في أوائل القرن الرابع عشر الهجري في المدة ما بين ذي القعدة 1329 وجمادى الأولى 1333 هجري.
و أما سبب التأخير في خروج الكتاب إلى النور (حيث خرج بعد 20 سنة) فكان لظروف الحرب العالمية الأولى ولنهب مكتبة السيد شرف الدين - بما فيها مسودة كتاب المراجعات - من طرف الفرنسيين الذين أزعجهم جهاد السيد شرف الدين لهم بالكلمة والفعل ، ويقول السيد شرف الدين عن هذا:
و كنا أردنا يومئذ طبعها (المراجعات) لنتمتع بنتيجة عملنا الخالص لوجه الله عز وجل لكن الأيام الجائرة والأقدار الغالبة اجتاحت العزم على ذلك. (المراجعات، مقدمة السيد شرف الدين)

بداية التساؤل

كان الشيخ سليم البشري رحمه الله يريد من السيد شرف الدين معرفة مذهب الشيعة الإمامية حيث ما كان يعرف عنه إلا أقل القليل، ولهذا و من باب حب الاطلاع على المذهب من دون واسطة التمس من السيد شرف الدين الخوض في مباني وعقائد المذهب الشيعي فقال:
وسأقتصر إن أذنت في مراجعتي إياك على مبحثين، أحدهما في إمامة المذهب أصولا وفروعا، وثانيهما في الإمامة العامة (وهي الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) وسيكون توقيعي في أسفل مراجعاتي كلها (س) فليكن توقيعك (ش) و أسلفك برجاء العفو عن كل هفوة، والسلام. (كتاب المراجعات، المراجعة رقم 1)

إذعان الشيخ سليم البشري بمسائل

أذعن الشيخ سليم البشري رحمه الله في أثناء مراجعاته مع العلامة شرف الدين بعديد من المسائل والمباني الشيعية والتي كان منها:
إذعانه بعدم وجوب اتباع شئ من مذاهب أهل السنة حيث يقول:
أخذت كتابك الكريم مبسوط العبارة، مشبع الفصول، مقبول الإطناب، حسن التحرير، شديد المراء ، قوي اللداد، لم يدخر وسعا في بيان عدم وجوب اتباع شئ من مذاهب الجمهور في الأصول والفروع، ولم يأل جهدا في إثبات بقاء باب الاجتهاد مفتوحا. (المراجعات، المراجعة رقم 5)
إذعانه بالأدلة التي تفرض مذهب أهل البيت حيث يقول:
و حين أغرقت في البحث عن حجتك، وأمعنت في التنقيب عن أدلتك رأيتني في أمر مريج، أنظر في حججك فأراها ملزمة، وفي بيناتك فأجدها مسلمة وأنظر في أئمة العترة الطاهرة فإذا هي بمكانة من الله ورسوله... (المراجعات، المراجعة رقم 11)
إذعانه بصحة الإحتجاج بثقات الشيعة عند أهل السنة حيث يقول:
لم يبق للسني مانع من الإحتجاج بأخيه الشيعي إذا كان ثبتا، فرأيك في هذا هو الحق المبين ورأي المعترضين تعنت ومماحكة... (المراجعات، المراجعة رقم 17)
إذعانه رحمه الله أخيرا بأحقية مذهب أهل البيت عليهم السلام حيث يقول:
أشهد أنكم في الفروع والأصول، على ما كان عليه الأئمة من آل الرسول، وقد أوضحت هذا الأمر فجعلته جليا، وأظهرت من مكنونه ما كان خافيا، فالشك فيه خبال، والتشكيك تضليل.
... وكنت - قبل أن أتصل بسببك - على لبس فيكم لما كنت أسمعه من إرجاف المرجفين، وإجحاف المجحفين، فلما يسر الله اجتماعنا أويت منك إلى علم هدى ومصباح دجى، وانصرفت عنك مفلحا منجحا، فما أعظم نعمة الله علي بك، وما أحسن عائدتك لدي، و الحمد لله رب العالمين (س). (المراجعات، المراجعة 111)

والخلاصة

وهكذا منّ الله على الشيخ سليم البشري رحمه الله بالاستبصار لمذهب الحق بعد طول مناظرات وبعد بحث علمي دقيق جدا خاضه مع العلامه السيد شرف الدين العاملي وكان مما زاد في طمأنينة الشيخ بأحقية المذهب الشيعي ما أورده السيد شرف الدين من مئات المصادر السنية وأمهات كتب الصحاح كالبخاري ومسلم والحاكم والترمذي وأبي داود والنسائي، فضلا عن كتب التفاسير كتفسير الطبري والزمخشري والقرطبي والفخر الرازي والدر المنثور للسيوطي وكتفسير الخازن وأبي السعود والجلالين للسيوطي، وكذلك من كتب التاريخ كتاريخ دمشق لابن عساكر وتاريخ الخلفاء للسيوطي والسيرة الحلبية والسيرة النبوية والكامل في التاريخ وغيرها، ومن كتب الرجال والجرح والتعديل مثل كتاب الميزان للذهبي ورجال ابن داود وتهذيب التهذيب.
هذا والذي جعل الشيخ سليم البشري يذعن ويقبل بأحقية مذهب الشيعة الإمامية هو نبذه للتعصب البغيض وتحليه بروح البحث الموضوعي المجرد واعتماده في بحثه على حقيقة مذهب الشيعة على أحد علمائهم وفضلائهم وهو السيد شرف الدين دون الأخذ عن الوسائط الكاذبه كالمستشرقين والمحرفين والكذابين.