المستبصرون » من حياة المستبصرين

د. صالح الورداني - مصر - شافعي

الترجمة الثانية   (راجع: الترجمة الأولى)

فهرس المطالب:

المولد والنشأة

هو الكاتب المصري صالح الورداني، الحركي الإسلامي الشهير والدي قضى شطرا كبيرا من عمره متجولا بين الاتجاهات الإسلامية المختلفة التي تنامت في مصر والعالم العربي منذ أواخر الستينات.
ولد صالح الورداني سنيا على المذهب الشافعي. وبدافع الغيرة على الإسلام والشوق الكبير لأن يراه حاكما فعليا في الدول الإسلامية، انخرط الورداني في تيارات مركبة إسلامية، يقول هو عن ذلك:
«أكثر من خمسة عشر عاما قضيتها في دائرة الحركة الإسلامية في مصر، بداية من فترة السبعينات ونهاية بفترة الثمانينات.
ومن خلال هذه الفترة عايشت ظهور تيارات ونهاية تيارات. ونمو ظواهر ووقوع أحداث وبروز شخصيات واختفاء أخرى.
ولقد عايشت ذلك كله دون أن تحتويني فكرة أو تيار من التيارات السائدة في الوسط الإسلامي آنذاك، لأنني كنت أحمل من رصيد الفكر والتجربة ما يؤهلني لأكون مستنقلا عنها» (عن كتاب الخدعة، رحلتي من السنة كإلى الشيعة، ص11).
إن الحالة المزرية التي كانت عليها التيارات الإسلامية الحركية في مصر، وما كانت عليه من تشتت وتفرق وتعصب خد بعضها البعض دفع الورداني لأن يتساءل حول جدوى وأصالة هذه الحركات جميعا والتي كانت كما يقول تشبه حركة الخوارج من حيث بساطة المضمون وخواء الظاهر، مع فهمها القشري للإسلام كمنظومة متكاملة للحياة. يقول هو عن ذلك:
«فقد كنت أستيقظ وكذلك السجن بأكمله كل صباح على صوت المعارك الضارية بين أنصار عمر عبد الرحمن وأنصار عبود الزمر الأول يتعصب له أبناء الصعيد، والثاني يتعصب له أبناء الوجه البحري...
وإذا كان هذا السلوك يحدث بين أبناء التيار الواحد وهو تيار الجهاد. فماذا من الممكن أن يحدث بين عناصر التيارات المختلفة» (عن كتابه ص16).

ثمّ ماذا !؟

لقد صدم صالح الورداني بهذه الحالة الغريبة من الفوض والهامشية التي كانت تتصف بها أغلب الحركات الإسلامية في مر. ولا ينسى تأثير التيار السلفي الوهابي في زيادة الطين بلّة حيث يقول:
«... وتفسير هذه الطاهرة على هذا النحو، إنما يؤكده التيار الوهابي الذي ارتوت منه هذه التيارات. فالتيار الوهابي قام على أكتاف قوم غلاظ متحجرين أورثوا الغلظة والتحجر لأتباعهم، فكانوا بهذا نموذجا معاصرا للخوارج الذين انشقوا عن الإمام علي...» (عن كتابه ص16).

ربّ ضارة نافعة

خبر الكاتب المصري صالح الورداني اكثرا من التيارات مثل التيار السلفي الذي حكم على كاتبنا بالزندقة والمروق من الذين لا لشيء إلا لأنه كان يحترم عقله ويعمله في تحليله للتاريخ وللموروث الإسلامي.
ومن التيارات التي أيقظت في كاتبنا حبّ النقد وعدم التقديس للأعمر للماضي ورموزه، كان تيار التكفير الذي يرفع شعار (من قلد، كفر). فقد كان هذا التيار ينبذ الصحابة والفقهاء الذين يراهم قد تجاوزوا النصوص واجتهدوا في مقابلها حتى أنهم انتقدوا الخليفة عمر بن الخطاب المعروف بقفزه على النصوص القرآنية والنبوية. يقول هو عن ذلك: «والتيار الوحيد الذي فاض في المضاي ونقد رجاله هو تيار التكفير الذي كان يرفض أي مقولة تصطدم بالنصوص حتى أنه تجرأ على عمر وهاجمه بسبب اجتهاده على النصوص. غير أن هذا التيار قد أفضع هذا النقد لنظريته وطرحه فقط سيرا مع القاعدة التي كان ينادي بها وهي من قلد كفر... وهذه القاعدة كان لها دورها البارز في تحرير عناصره من التقيد بالماضي واتباع رموزه. كما كان لها دورها في لفت نظري إلى قضية النص والرجال والتي كان لها دورها في دفعي نحو خط آل البيت» (عن كتابه ص14).
نعم كان لمعرفة صالح الورداني بهذا الاتجاه الإسلامي فائدة كبيرة تتمثل في إعمال العقل وتجنب تقديس الماضي ورموزه تقديسا أعمى.

اللقاء بالشيعة

لقد سنحت الفرصة لكاتبنا - وهو ما يزال مترددا في القبول بأي طرف إسلامي موجود في الساحة المصرية - ليتعرف على الشيعة عن قرب، فقد كانت له علاقات مع بعض شباب الشيعة العرب الذين كانوا يدرسون في مصر كما تمكن من زيارة العراق والكويت فازداد اطلاعا وعن قرب بعقائد الشيعة ومباني مذهبهم يقول هو عن ذلك:
«و من خلال تواجدي بالعراق قمت بزيارة مراقد آل البيت ببغداد والطواف على مساجد الشيعة وسماع الدروس والمحاظرات والحوار من الشباب الشيعي من أصدقاء صديقي. ونتيجة لهذا كله تبددت من ذهني الكثير من الأوهام والتصورات غير الصحيحة التي كنت أحملها عن الشيعة» (عن كتابه ص17).
كذلك مما قرب صالح الورداني إلى مذهب الشيعة - مذهب أهل البيت عليهم السلام - هو الحدث الكبير الذي وقع أواخر السبعينات، وهو انتصار الثورة الإسلامية في كرج في إيران يقول هو عن ذلك:
«لقد كانت الثورة الإسلامية في إيران ضربة موجعة للتيار السني الذي ظل لسنوات طويلة ينادي بإقامة الخلافة ويعد ويمني بها . وفي الوقت نفسه كانت بمثابة دفعة قوية لي نحو الالتزام بخط آل البيت. إن نجاح هذه الثورة كان في الحقيقة نجاحا للأطروحة الشيعية . ونجاح الأطروحة الشيعية يعني رسوب الأطروحة السنية» (عن كتاب الخدعة، ص19).

وتتوالى الشكوك

بدأت البنية العقائدية التي كان يحملها بين ضلوعه، تتلاشى الواحدة والأخرى وكان من بينها مسألة موقف فقهاء الماضي من حكام الجور حيث أقروهم على أعمالهم وحرموا الخروج عليهم مهما كانت أعمالهم. يقول صالح الورداني عن ذلك:
«مثل هذه المواقف التي تبناها فقهاء الأمس من الحكام والتي بنيت في مجملها على أساس مجموعة من الأحاديث المنسوبة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتي لا يستريح لها قلب المؤمن ولا عقله، أثارت الشك في نفسي وزكت نزعة الاعتقاد بأن السياسة تدخلت في صياغة الإسلام. وإذا كان الرسول من الممكن أن يقول هذا الكلام فما هو دور الإسلام إذن وهل جاء ليقر الظلم ويمنح الحاكم سلطة استعباد الناس والستيلاء على أموالهم» (من كتابه ص27).
نعم لقد ملئت صحاح وكتب السنة بالأحاديث الآمرة بطاعة السلطان مهما كان ولو جار وظلم واغتصب الأموال وفعل ما فعل، إذ الخروج عليه فتنة ولا صلاح فيه ! أنطر مثلا هذا الحديث: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة (صحيح البخاري، ج7|9، ص113، باب ما جاء في السمع والطاعة).
والباحث الفطن يكتشف أن معاوية وبني أمية هم الذين وضعوا هكذا أحاديث حتى يحكموا كما شاؤوا وكيف شاؤوا دون رادع ولا وازع وإلا لماذا لم تسمع أم المؤمنين عائشة لأميرها علي بن أبي طالب ؟ ولماذا لم يطع معاوية أميره عليا ؟ ولماذا لم يطع أبوذر الصحابي الجليل عثمان بن عفان الذي نفاه إلى الربذة ومنع الناس من مجالسته ومن تشييعه ودفنه ؟ وهكذا عرف صالح الورداني كما عرف كل منصف كذب مثل هذه الأحاديث والتي تخالف صريح القرآن الذي يقول «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار».
كذلك من الأشياء التي أوصلت صالح الورداني إلى المذهب الإسلامي الصافي في أصوله وفروعه - مذهب الشيعة - هو الخلط الذي رآه في الحركات الإسلامية الحركية بين مفردة الدين ومفردة التراث. وبسبب هذا الخلط، صار كل قائد حركة يفتي بما يحب ويشتهي ويكفر من يشاء ويزندق من يخالفه دون أن تكون هذه الفتاوى مستندة على أصول دينية كالقرآن والسنة الصحيحة فالتراث والاجتهادات النابعة منه يؤخذ منه ويرد بعكس الدين.
بعد ذلك يصل الكاتب إلى مسألة تضخيم الرجال. فصار عندنا عشرة مبشرون بالجنة، وصار عمر وآراءه أصوب من الرسول وآرائه، حتى قيل على لسان الرسول: لو كان بعدي نبي لكان عمر. (أنظر مثلا مستدرك الحاكم ج3 ص85 باب معرفة الصحابة).
وكذللك صارت عائشة تملك نصف الدين ونصف العلم وصار طلحة شهيدا وهو الذي خرج على إمامه علي بن أبي طالب يوم الجمل حيث قتل، وصار خالد بن الوليد سيف الله المسلول رغم تبرىء الرسول منه ومن أفعاله ورغم قتله للمسلمين وزناه الفاضح بزوجة مالك بن نويرة ! (أنظر مثلا مسند أحمد بن حنبل ج2 ص151 و كذلك أسد الغابة ج5 ص52-53 ترجمة مالك بن نويرة).
ومن تضخيم السياسة للرجال هو تضخيم عمر بن الخطاب مثلا الذي لا يعرف التاريخ الحقيقي له سابقة لا في جهاد مشركين ولا في علم ولا في عدل رغم ما يشاع عنه. فعمر لم يقتل ولا مشركا واحدا قويا كان أم ضعيفا، ولا نعلم منه علما وصلنا في بلاغة ولا في فقه ولا في تفسير بل ولا حتي في حفظ القرآن. ومخالفات عمر لله وللرسول أكثر من أن تحصى. أليس هو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قاله في صلح الحديبية حتى غضب منه الرسول ؟ ألم يفر يوم أحد مع من فرّ وترك الرسول في قلب المعركة ؟ ألم يحرم زواج المتعة الحلال بنص القرآن وبشهادة أجلاء الصحابة كجابر بن عبد الله وعمران بن الحصين ؟ ألم يفرق في العطاء بين المهاجرين والأنصار وبين العرب والموالي ؟ ألم يعترض على رسول الله يوم أمرهم الرسول بكتابة كتاب لا تضل الأمة بعده ؟ (أنظر مسند أحمد حول تحريم عمر للمتعة ج3 ص325 وانظر مسند أحمد ج2 ص110 وانظر تفسير فخر الرازي لسورة آل عمران الآية 153 حول فرار عمر، وانظر جهل عمر بالتيمم في سنن ابن ماجة ج1 ص188 في أبواب التيمم، وغيرها كثير).
بعد عمر ضخم عثمان كثيرا حتى قيلت فيه أحاديث موضوعة، هذا رغم ما فعله عثمان بالصحابة الأجلاء كعمار وأبي ذر وابن مسعود وغيرهم، وصرفه لأموال الله بين بني أمية حتى قتله ثوار المسلمين شر قتلة. ومن الأحاديث الموجودة والمزعومة في فضائل عثمان ما يرويه كذاب الإسلام أبوهريرة الدوسي الذي يقول فيها مثلا: عن أبي هريرة قال: دخلت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة عثمان وبيدها مشط فقالت: خرج رسول الله من عندي آنفا رجلت شعره فقال لي: كيف تجدين أبا عبد الله عثمان ؟ فقلت. قال: أكرميه فإنه من أشبه أصحابي بي خلقا. (راجع صحيح مسلم كتاب فضالئل الصحابة باب من فضائل عثمان). وأبوهريرة الناقل للحديث أسلم سنة سبع للهجرة بينما ماتت رقية سنة أربع. فضعف الناقل والمنقول، وما أكثر فضائل الصحابة المزعومة !

ما جذب صالح الورداني إلى التشيع

ما جذب كاتبنا إلى التشيع هو كما يقول: «ما جذبني لخط آل البيت وللأطروحة الشيعية، قضية فتح باب الاجتهاد الذي ظل مغلقا منذ قرون طويلة لدى الطرف الآخر (السني) ولا يزال. (عن كتابه ص150).
«وأدلة الاستنباط عند الشيعة، الكتاب والسنة (الصحيحة) والعقل. وهم بهذا يرفضون المصادر الأخرى التي أضافها أهل السنة كمصادر للتشريع مثل الإجماع والقياس والاستحسان وخلافه. هذه المصادر التي فتحت الأبواب لاختراع الكثير من الأحكام التي أسهمت وما زالت تسهم في تشويه صورة الإسلام» (عن كتابه ص151).
سبب آخر جذب صالح الورداني إلى التشيع مثل: «ما يميز المؤسسة الدينية عند الشيعة هو استقلالها عن الحكام وبعدها عن سيطرتهم مما أكسبها مواقف سياسية شجاعة أسهمت في إحداث تغييرات فعالة في مجتمعاتها. وهذه الاستقلالية إنما يعود سببها إلى ارتباط المؤسسة الدينية بالشارع والجماهير التي تدين لها بالطاعة والولاء وتسلمها أموالها وتذعن لأحكامها» (عن كتابه ص152).
ضعف وعدم قابلية الأطروحة السنية للاقناع زاد من تقرب الورداني أكثر فأكثر إلى التشيع. فكيف يحلل هو هذا الرأي ؟ يقول في الصفحة 145 من كتابه: «أما ما يتعلق بالأطروحةا لسنية فهو ما قد بيناه من أن هذه الأطروحة إنما هي وليدة السياسة وتقديم فقه الرجال على فقه النصوص، وهذا الخلل الحقيقي فيها والذي يتجنب القوم علاجه، وأما ما يتعلق بالواقع الإسلامي فهو يتمثل في تلك التجربة الطويلة التي عشتها مع التيارات الإسلامية ولمست فيها عن قرب مدى المأزق الفكري والحركي الذي تعيشه هذه التيارات بسبب هذه الأطروحة، وبالنسبة لشخصي فقد عشت فترتي السنية رافعا شعار العقل، فلم أجد لي مكانا بين القوم، ولاحقتني الإشاعات والاتهامات وأدركت في ما بعد أن استخدام العقل عند القوم يعني الزندقة والضلال ولقد كنت أدرك جيدا أن التنازل عن العقل يعني ذوبان في الماضي، وبالتالي يصبح المرء بلا شخصية يواجه بها الواقع.»
نعم إن الأطروحة السنية دخلت متاهة يصعب الخروج منها «فكل يدعي وصلا بليلى» وكل جماعة تدعي أنها على الصراط السوي وأن الحل عندها. وعن كل جماعة تنشق جماعات وهكذا صار كل من يقرأ بضعة كتيبات مفتيا، يكفر هذا ويفسق ذاك، وهذا يرى الخروج على السلطان وهذا يحرم، هذا مع أن الرب واحد والكتاب واحد والنبي واحد والقبلة واحدة ! والمشكلة تكمن في تقديس الماضي ورموزه دون إبداء حتى مراجعة سريعة لهذا الماضي والبحث عن الخلل فيه. هذا وقد لخص صالح الورداني رحلته وأسباب تشيعه إلى نقاط قال إنها خلاصة كتابه وهي:
- إن الحق ينحصر في القرآن
- إن الأحاديث النبوية يجب أن تخضع للقرآن
- إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يفعل ولا يقول ما يخالف القرآن
- إن الإمام عليا هو مقياس الحق
- إن التراث حادث على النص
- إن النص فوق الرجال
- إن الحق يعرف بالنص
- إن إعمال العقل في النص واجب شرعي
- إن الصحابة ليسوا عدولا
(عن كتابه ص207،208)

مؤلفاته

لصالح الورداني مؤلفات عديدة وهي غير كتابه «الخدعة، رحلتي من السنة إلى الشيعة» كتاب «السيف والسياسة في الإسلام» كتاب «دفاع عن الرسول» كتاب «الشيعة في مصر من الإمام علي إلى الإمام الخميني» كتاب «فقهاء النفط» كتاب «حركة آل البيت ع» كتاب «الحركة الإسلامية في مصر» كتاب «عقائد السنة وعقائد الشيعة» كتاب «أهل السنة: شعب الله المختار» وغيرها.