المستبصرون » من حياة المستبصرين

عبد الجليل عيسى ناوي - غانا - مالكي

الترجمة الأولى   (راجع: الترجمة الثانية)

فهرس المطالب:

ولد بمدينة " أكرا " عاصمة غانا عام 1972م، من أسرة تعتنق المذهب المالكي، واصل دراسته الأكادميّة حتى حصل على شهادة الديبلوم في اللغة الانجليزية.
كان اعتناقه لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) في العاصمة " أكرا ".

اجتياز الحواجز النفسية:

يقول الأخ عبد الجليل: " كانت سمتي حين انتمائي للمالكية الانفتاح على الآخرين، إذ لم أكن من المتعصبين الذين يرون الأمور من زاوية ضيقة، ولم أكن منطوياً على ما أنا عليه من معتقد، بل كنت ميالا للاختلاط بأبناء الطوائف الأخرى لأتعرف على معتقداتهم بصورة مباشرة، لأنني كنت أعلم أنّ السماع وحده لا يكفي لمعرفة معتقدات وأفكار المذاهب الأخرى.
طرق سمعي يوماً من الأيّام أسم المذهب الشيعي، فاستفسرت عنه وصرت أجمع المعلومات حول هذا المذهب حتى تبلور في ذهني عنه صورة مشوهة، ولم اقتنع بما قيل لي حول هذا المذهب، فقرّرت أن لا أتّخذ موقفاً أزاءه حتى يتبيّن لي الأمر عبر إستماع أقوالهم، أو قراءة كتبهم بصورة مباشرة.

الالتحاق بمدرسة شيعيّة:

وشاءت الأقدار الإلهيّة أنّ تُفتتح في العاصمة مدرسة شيعيّة باسم " مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) "، فدعاني أحد أصدقائي ـ وهو من أهل العامة ـ لندرس فيها من أجل تقوية مستوانا في اللغة العربيّة، والتعرف على الشيعة بصورة مباشرة من خلال معاشرتهم وقراءة كتبهم.
فراجعنا مدير هذه المدرسة، وعرضنا عليه طلبا بالانتماء إليها، فرحّب بذلك، فأصبحنا بعد ذلك نحضر في هذه المدرسة ونستمع إلى المحاضرات التي تتناول المسائل الخلافية بين أبناء العامّة والشيعة، كمسائل التوحيد وأبحاث أسماء وصفات الله تعالى وعدالة الصحابة والإمامة، وغير ذلك.
وتبيّن لي بمرور الزمان أنّ بعض معتقدات أبناء العامة في خصوص الباري عزّوجلّ تنافي العقل وتخالف التنزيه الإلهي، مثل الإدعاء بنزوله جلّ وعلا في كلّ ليلة إلى السماء الدنيا!، كما كنت أجد بعض الأوصاف التي ينسبها علماؤنا لله عزّوجلّ من قبيل جلوسه تعالى على العرش بحيث " يئط " العرش من تحته! لا تتناسب مع شأن الله تعالى وجلالته ".

مشكلة التجسيم ورؤية الله تعالى عند العامة:

إنّ معظم أبناء العامّة يجوّزون رؤية الله عزّوجلّ في الآخرة، وأمّا رؤيته في دار الدنيا فقد اختلفوا فيها، فذهب بعضهم منهم إلى جواز ذلك، والأعجب من هذا تأكيد أكابرهم على هذه العقيدة!.
إذ يقول مالك بن أنس: " الناس ينظرون إلى الله عزّوجلّ يوم القيامة بأعينهم... "(1).
وقال الشافعي: " والله لو لم يوقن محمّد بن إدريس ـ الشافعي ـ أنّه يرى ربّه في المعاد لما عبده في الدنيا... "(2).
وقال عبد الله بن أحمد ـ بن حنبل ـ: " رأيت أبي يصحح الأحاديث ـ التي تروى عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الرؤية ـ ويذهب إليها، وجمعها في كتاب وحدّثنا بها"(3).
ويقول الدارقطني في هذا الخصوص: اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم من نظرائهم وشيوخهم وتلاميذهم على إثبات الرؤية لله تعالى يوم القيامة... وأثبت أبو حنيفة النعمان بن ثابت وأتباعه الرؤية لله تعالى يوم القيامة، وهذا واضح في أكثر من كتاب من كتبهم.
كما أكّد ذلك الأشعري ومن تبعه، فهم يجمعون على إطباق أهل العامة حول رؤية الله تعالى بالأبصار!(4).
ولقد تعاقب علماء العامة في تثبيت هذا المعتقد، لا سيما ابن تيميّة الذي لعبت أفكاره دوراً كبيراً في ترسيخ هذه الترهات بالأذهان.
فهو يثبت الجهة والمكانية لله تعالى، فيقول: " قد قلت لهم: قائل هذا القول إن أراد به أن ليس في السموات ربّ ولا فوق العرش إله، وأنّ محمداً لم يعرج به إلى ربه وما فوق العالم إلاّ العالم المحض، فهذا باطل مخالف لإجماع سلف الأمة "(5)!
ويثبت أنّ الله تعالى يتكلم بصوت وحرف، فيقول: " إنّ الله يتكلم بحرف وصوت، تكلّم بالقرآن العربي بألفاظه، بصوت يسمعه وينادي عباده يوم القيامة بصوت كذلك "(6)!
ويثبت أنّ لله عزّوجلّ جوارح، فيقول: " والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك بخلاف اليد، فإنّها للعمل والفعل، وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل "(7)!
بل يؤكد التزامه بالظواهر وعدم إعترافه بالمجاز فيما يتعلّق بصفات الله في القرآن، وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث لم ينطق به السلف، فيقول: " وهذا التقسيم لا حقيقة له، وليس لمن فرّق بينهما حدّ صحيح يميّز به بين هذا وهذا، فعلم أنّ هذا التقسيم باطل، وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول، بل يتكلم بلا علم، فهم مبتدعة في الشرع مخالفون للعقل "(8).
ومستندهم في كل ماقالوا الروايات ـ صحيحها وسقيمها ـ أكثر من اعتمادهم على نصوص القرآن الكريم، فشيّدوا معتقدهم هذا من تلك الروايات، وتمسّكوا بالفاظها وحملوها ظاهرها على نحو الحقيقة، كما حملوا نصوص القرآن عليها في دعم تفسيراتهم لتلك النصوص، حتى اعتبروا أنّ الإيمان بها كالإيمان بنصوص القرآن!.

روايات العامة في وصف الله تعالى:

نسب أهل العامة الكثير من روايات في هذا الباب إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ودونوها في كتبهم المعتبرة، ومنها:
1 ـ " ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا... "(9).
2 ـ " يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة... "(10).
3 ـ " لا تزال جهنم تقول هل من مزيد؟ حتى يضع ربّ العزة فيها قدمه "، وفي رواية: " حتى يضع ربّ العزّة فيها قدمه، فتقول قط قط وعزتك "(11).
4 ـ " ما منكم من أحد إلاّ سيكلمه ربه وليس بينه وبينه ترجمان "(12).
5 ـ " يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة... "(13).
6 ـ " أنا عند ظن عبدي بي... وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة "(14).
7 ـ " وسع كرسيه السماوات والأرض، إنّه ليقعد عليه فيما يفضل منه إلا قيد أربع أصابع، وأنّ له أطيطاً كأطيط الرحل إذا رُكب "، وزاد ابن خزيمة: " من ثقله "(15).

منشأ التجسيم والرؤية في التراث الإسلامي:

في الحقيقة إنّ ما نراه في كتب الحديث ـ قديماً وحديثاً ـ من الأخبار الكثيرة حول التجسيم والتشبيه والرؤية و...، هي من الإسرائيليات وأفكار النصارى التي دخلت إلى التراث الإسلامي فأصبحت بعد ذلك حقائق يذعن بها المسلمون.
والجدير بالذكر إنّ أهم عامل من العوامل التي فسحت المجال للأحبار والرهبان لبث هذه العقائد المشوهة ونشرها بين أوساط المسلمين، هو نهي عمر ابن الخطاب عن تدوين سنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ونشرها ونقلها قرابة قرن من الزمان!، مما أوجد أرضية مناسبة لظهور بدع اليهود والنصارى بين المسلمين، الذين طرحوا العقل جانباً في أدق وأخطر القضايا الاعتقادية، والتجأوا إلى روايات موضوعة أو مدسوسة، فجعلوها حاكمة حتى على القرآن الكريم!.
كما تمسكوا بأخبار ـ مختلف في أمرها عند بعضهم ـ تجوّز رؤية الله تعالى، فقال إمام الحرمين: " روى حديث الرؤية عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قريب من ثلاثين رجلا من كبار الصحابة والطرق إليهم صحيحة، قال: وأقوى متمسك لأصحابنا في جواز رؤية الله تعالى اختلاف الصحابة في أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هل رأى ربّه ليلة المعراج؟ واختلافهم في الوقوع دليل على اتفاقهم على الجواز، فإنّ ما يستحيل كونه لا يتصوّر الاختلاف في وقوعه "(16).
وهذه المقالة مردودة من خلال النظر إلى المحاورة التي دارت بين الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) والمحدث أبي قرّة.

محاورة الإمام الرضا (عليه السلام) وأبي قرّة حول الرؤية:

" قال أبو قرّة: فإنّا روينا: أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيين، فقسّم لموسى (عليه السلام) الكلام، ولمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) الرؤية!.
فقال أبو الحسن (عليه السلام) : فمن المبلّغ عن الله إلى الثقلين الجنّ والإنس أنّه لا تدركه الأبصار،ولايحيطون به علماً، وليس كمثله شيء، أليس محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
قال: بلى.
قال أبو الحسن (عليه السلام) : فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله، ويقول: أنّه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً، وليس كمثله شيء، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر، أما تستحيون!!!
أما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون أتى عن الله بأمر ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر!
فقال أبو قرّة: إنّه يقول: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) (النجم: 13).
فقال أبو الحسن (عليه السلام) : إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى، حيث قال: (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) (النجم: 11)، يقول: ماكذب فؤاد محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ما رأت عيناه، ثمّ أخبر بما رأت عيناه، فقال: (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) (النجم: 18)، فآيات الله غير الله، وقال: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طه: 110)، فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة.
فقال أبو قرّة: فتكذب بالرواية؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام) : إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذّبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يحاط به علماً، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شئ "(17).

مناقشة الأشعري في مسألة الرؤية:

قد حكم أبناء العامة ـ مع شديد الأسف ـ بالضلال والزندقة على من يخالف الرؤية والتجسيم! وساقوا لذلك أدلّة عقلية ـ حسب زعمهم ـ تؤكد رأيهم، كقول الأشعري: " ومما يدلّ على رؤية الله سبحانه بالأبصار: أنّ الله عزّوجلّ يرى الأشياء، وإذا كان للأشياء رائياً فلا يرى الأشياء إلاّ من لا يرى نفسه "(18).
والوهم الذي وقع فيه الأشعري هو أنّه أجرى على الله تعالى ما يجري على الإنسان، فحتّم الرؤية عليه سبحانه! لأنّه قدّر حصول المقابلة بين العين والمرئي أو حكم المقابلة ـ كما في رؤية الصور بالمرآة ـ وهذا أمر تحكم به الضرورة، فإذا كانت ماهية الرؤية هكذا فلا يمكن تحققها فيما إذا تنزّه الشيء عن المقابلة أو الحلول في المقابل.
ومن الواضح أنّ الله تعالى ليس بجسم حتى تتحقّق فيه المقابلة!
وقال الأشعري أيضاً: " ومما يدل على رؤية الله عزّوجلّ بالأبصار: أنّه ليس موجود إلاّ وجائز أن يريناه الله عزّوجلّ، وإنّما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلمّا كان الله عزّوجلّ موجوداً مثبتاً، كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عزّوجلّ "(19).
وهذا الاستدلال أوضح في البطلان من سابقه! لأنّ هناك أموراً موجودة ومثبتة في نفس الإنسان ولا يراها الإنسان، كالألم والوجع، وهي غير معدومة حال حصولها، فهل سمعنا بأحد رأى ألماً أو شاهد وجعاً؟! بل يحس بهما ويدركهما من خلال ذلك.
فالله تعالى تدركه القلوب بحقائق الإيمان كما ورد عن الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) عندما سأله ذعلب اليماني قائلاً:
" هل رأيت ربك يا أميرالمؤمنين؟
فقال (عليه السلام) : أفأعبد ما لا أرى!.
فقال: وكيف تراه؟
فقال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد عنها، غير مباين "(20).

تمحّلات أبناء العامة في تجويز الرؤية:

حاول قسم من مفكري العامة الخروج من هذا المأز ق الحقيقي الذي دخلوا فيه، فأجروا محاولات يائسة توفق بين تجويز الرؤية وبين تنزيه الله سبحانه وتعالى!
فطرح الأشاعرة مبدأ (الرؤية بلا كيف) الذي يعني: أنّ المؤمنين يرون الله تعالى في الآخرة بلا كيف!، وقولهم هذا أشبه برسم نخلة بلا جذع وسعف!.
ثم أدرك متأخروا العامة مهزلة (البلكفة) لأنّ الرؤية لا تنفك بأي حال من الأحوال عن الجهة والمقابلة، فلجأ هؤلاء المتأخّرون إلى القول: بأنّ كلّ شئ في الآخرة يختلف عمّا في الدنيا، وعلى هذا تتحقق الرؤية للمؤمنين في الآخرة.
وهذا الكلام مجرد تمحّل لا أكثر! لأنّهم إن أرادوا من الاختلاف عمّا في الدنيا بمعنى التكامل، فهذا أمر مفروغ منه، إذ يقول تعالى: (كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَة رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً) (البقرة: 25)، وإن أرادوا بأنّ القضايا العقلية البديهيّة تتبدل في الآخرة ـ كالواحد نصف الاثنين ـ فهذا يوجب انهيار النظم وزوال الأساليب العقلية التي يعتمد عليها المتشرعة أنفسهم.
والعجيب! أنّ جملة من خريجي الجامعات الإسلامية الحديثة تبنوا إثبات الجهة لله سبحانه، ومنهم الدكتور أحمد بن محمّد خريج جامعة أمّ القرى السعودية، حيث يقول:
"إنّ إثبات رؤية حقيقية بالعيان من غير مقابلة أو جهة، مكابرة عقلية، لأنّ الجهة من لوازم الرؤية، وإثبات اللزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة "(21).
ولنا أن نسأل الدكتور: لو تحققت الرؤية، فهل يرى جزءه أو كلّه؟
فإن قلت: جزئه، فهذا يعني أنّ ذاته مركبة، أي محتاج إلى أجزائه، وتعالى الله عن الاحتياج.
وإن قلت: تقع الرؤية على كلّه، فهذا يعني أنّ ذاته محاطة لا محيطة! وهذا لايقول به مسلم.

تنزيه الباري عزّوجلّ لنفسه:

إنّ المتأمّل في آيات الذكر الحكيم يجد مدى التنزيه الذي يصف به الله عزّوجلّ نفسه، كما يرى من هذه الآيات الكريمة:
1 ـ قوله تعالى: (فاطِرُ السَّماواتِ وَاْلأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ اْلأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: 11).
2 ـ قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ اْلأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ اْلأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: 103).
3 ـ قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة: 55).
4 ـ قوله تعالى: ( يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ...) (النساء: 153).
5 ـ قوله تعالى: (وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي... ) (الأعراف: 143).
فالمتدبّر في هذه الآيات يتبيّن له أنّ الله سبحانه فوق أن يحيطه خيال أو وهم الإنسان، وإنّ ما ورد من الروايات التي تتعارض ـ شكلا ومضموناً ـ مع القرآن الكريم، لا يعبأ بها وليس لها وزن، فهذه الروايات الموضوعة والمقتبسة من عقائد اليهود والنصارى تعقّد الشريعة الاسلامية، وتجعلها مرموزة ومليئة بالألغاز!.

معرفة الحقّ بين ركام الباطل:

يقول الأخ عبد الجليل: " استطعت من خلال معرفتي لعقائد الإمامية أن أفتح الطلاسم التي كانت تعج بها الكتب العقائدية لأبناء العامة في مجال التوحيد، فرأيت الشيعة ينزهون الله جلّ وعلا بأبهى صور التنزيه، وعرفت أنّ السبب في ذلك هو أنّ أئمتهم حاولوا صيانة المفاهيم الإسلامية من التلاعب والتحريف، ولم يفسحوا المجال للأفكار الدخيلة أن تترك أثرها في تراثهم، كما أنّ أئمتهم حاولوا أن يبيّنوا المسائل التوحيديّة للمسلمين بكلمات وعبارات واضحة لا يكتنفها الغموض(22).
ومن هنا استنارت بصيرتي بخصوص مسائل التوحيد، فطرحت عقائد المجسمة والحشوية جانباً، وبدأت أعتقد بعقائد أهل التنزيه والتقديس، وبدأت بعد ذلك بمطالعة كتب الإماميّة، فتبيّن لي أنّهم أطول باعاً وأرسخ قدماً، بل وأعرق نشأة من غيرهم، وأنّ تفاسيرهم وفقههم وحديثهم و... سمتها وقوامها التمسك بكتاب الله وسنّة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
فحسمت الأمر بعد ذلك، حتى سلكت طريق الهدى، وأعلنت انتمائي وولائي للأئمة الاثنى عشر (عليهم السلام) ".

(1) أنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 8 / 99، حلية الأولياء لأبي نعيم: 6 / 356 (8911).
(2) أنظر: طبقات الشافعية للسبكي: 1 / 312، تفسير القرطبي سورة المطففين: 19 / 171.
(3) أنظر: السنة لعبد الله بن أحمد: 300 (584)، التصديق بالنظر للآجري: 32، رؤية الله للدارقطني: 162.
(4) أنظر: اللمع لأبي حسن الأشعري: 61 ـ 68، الباقلاني وأراؤه الكلامية: 563.
(5) أنظر: الفتاوي الكبرى لابن تيمية: 5 / 18، منهاج السنة: 2 / 194.
(6) أنظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية: 5 / 123.
(7) أنظر: الرسالة التدمرية لابن تيمية: 57.
(8) أنظر: مجموعة الفتاوى لابن تيمية: 6 / 65.
(9) أنظر: صحيح البخاري: 1 / 384 (1094)، صحيح مسلم: 1 / 521 (758)، صحيح ابن حبّان: 3 / 199 (920).
(10) أنظر: صحيح مسلم: 3 / 1504 (1890)، صحيح البخاري: 3 / 1040 (2671)، صحيح ابن حبّان: 1 / 448 (215).
(11) أنظر: صحيح البخاري: 6 / 2453 (6284)، صحيح مسلم: 4 / 2187 (2848).
(12) أنظر: صحيح البخاري: 6 / 2709 (7005)، صحيح مسلم: 2 / 703 (1016).
(13) أنظر: صحيح البخاري: 4 / 1871 (4635).
(14) أنظر: صحيح البخاري: 6 / 2694 (6970)، صحيح مسلم: 4 / 2067 (2675).
(15) أنظر: كتاب العظمة للإصبهاني: 79 (195)، تاريخ بغداد للخطيب: 1 / 295 (159)، عون المعبود لمحمد شمس الحق: 13 / 24، السنة لابن أبي عاصم: 1 / 252.
(16) أنظر: ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة الشافعي: 99 ـ 100.
(17) أنظر: الاحتجاج للطبرسي: 2 / 375 ـ 376.
(18) أنظر: الإبانة لابن الحسن الأشعري: 26.
(19) المصدر نفسه.
(20) أنظر: نهج البلاغة: خطبة 174.
(21) أنظر: رؤية الله تعالى لأحمد بن ناصر: نشر معهد البحوث العلمية في مكة المكرمة: 61.
(22) كتب أحمد بن إسحاق إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يسأله عن الرؤية ومافيه الناس، فكتب (عليه السلام) :
" لا تجوز الرؤية مالم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فاذا انقطع الهواء وعدم الضياء بين الرائي والمرئي لم تصح الرؤية وكان في ذلك الاشتباه، لأن الرائي من ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه وكان في ذلك التشبيه، لأنّ الأسباب لابدّ من اتصالها بالمسببات " أنظر: التوحيد للصدوق باب ما جاء في الرؤية: 106 (7).