المستبصرون » من حياة المستبصرين

د. محمد التيجاني السماوي - تونس - مالكي

الترجمة الثانية   (راجع: الترجمة الأولى)

فهرس المطالب:

المولد والنشأة

ولد الاستاذ محمد التيجاني السماوي بمدينة قفصة عام (1943م) في تونس.
نشأ وترعرع في أوساط عائلة محافظة عُرفت بانتمائها للمذهب المالكي، وبانتماء آخر صوفي، وهو التيجانية ـ من الفرق الصوفية الشهيرة، أسسها سيدي أحمد التيجاني، وهي منتشرة في عموم قارة افريقيا ـ.
لعبت الاجواء الدينية التي احاطت به دوراً كبيراً في انجذابه نحو الدين. فقد حفظ نصف القرآن وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، كما انه تشرف بحج بيت الله الحرام وهو لم يبلغ العشرين.
يذكر انه حصل على شهادة التدريس في مادة التكنولوجيا، وقد قضى سنوات عديدة في تدريس هذه المادة.

بَين الصُّوفية والوَهابية

يقول الاستاذ محمد التيجاني: «أن اسم التيجاني الذي سمتني به والدتي له ميزة خاصة لدى عائلة السماوي كلها التي اعتنقت الطريقة التيجانية وتبنتها منذ أن زار أحد ابناء الشيخ سيدي أحمد التيجاني مدينة قفصة … ومن أجل اسمي اصبحت محبوباً…) (عن كتابه ثم اهتديت: ص12).
وحينما كان في الجزيرة العربية لأداء مناسك الحج، يقول: «كانت إقامتنا في السعودية خمسة وعشرين يوماً، كنّا نلتقي فيها بعلماء ونستمع اليهم في محاضراتهم، وقد تأثرت ببعض المعتقدات الوهابية التي اعجبت بها، وتمنيت أن يكون المسلمون عليها، وظننت في تلك الفترة بأن الله اصطفاهم من بين العباد لحراسة بيته الحرام…) (عن كتابه ثم اهتديت: ص16) وقد تأثر بالفكر الوهابي، حيث يقول: «كنت أطوف المساجد وأنهى الناس عن تقبيل الأضرحة والتمسح بالأخشاب، وأحاول جهدي إقناعهم بأن ذلك شرك بالله…) (عن كتابه ثم اهتديت ص 17).
وحينما تعدّت شهرته حدود مدينة قفصة الى مدن تونسية أخرى، جاءته دعوة من الشيخ اسماعيل الهادفي صاحب أحدى الطرق الصوفية المعروفة ـ هناك ـ فلبى الدعوة وحضر الحلقة التي أقامها الشيخ، وعلى إثرها اصبح وكيلاً له في مدينة قفصة، يقول في هذا الصدد: «…وجدت نفسي متناقضاً مع العقيدة التي تبنّيتها، وهي عدم الاشراك ـ أي عدم التوسل بغير الله ـ فسقطت على الارض جاهشاً بالبكاء متحيراً مشتتاً بين تيارين متناقضين: تيار الصوفية وهي اجواء روحية يعيشها الانسان فتملأ اعماقه بشعور الرهبة والزهد والتقرب الى الله عن طريق أوليائه الصالحين وعباده العارفين، وتيار الوهابية الذي علّمني ان ذلك كلّه شرك بالله، والشرك لا يغفره الله.
… المهم انني عشت تلك الفترة مضطرباً مشوش الفكر…) (عن كتابه ثم اهتديت: ص 21 ـ 22).

رحلة … في رحلة!

كان الاستاذ التيجاني واسع الاطلاع والثقافة، ولم يكن منغلقاً بل يحاول الانفتاح والتعر على كل شيء، فهو في مجال الامور التالية:
1ـ الفن.
2ـ السياحة.
3ـ العلوم العامة.
4ـ السياسة.
5ـ التاريخ.
وغيرها، ذو رأي ونظر، مما جعل الذين يلتقون به يذعنون له ويقرون بذلك، بل وينجذبون نحوه وهذا ما بدا بوضوح في اثناء رحلته الى مصر، حيث يقول: «… كانوا يسألونني عن الجامعة التي تخرجت فيها، فأفخر بأني من خريجي جامعة الزيتونة… والمهم من كل ما حكيته … هو أن شعوري بدأ يكبر وركبني بعض الغرور، وظننت فعلاً بأنني أصبحت عالماً، كيف لا؟ وقد شهد لي بذلك علماء الازهر الشريف، ومنهم من قال لي: يجب أن يكون مكانك هنا في الازهر،…) (عن كتابه ثم اهتديت: ص26).
بعد ذلك غادر مصر الى لبنان ـ عن طريق البحر ـ ومنها الى مكة المكرمة لأداء العمرة.
في هذه الرحلة البحرية، التقى الاستاذ التيجاني بأحد الشيعة العراقيين واسمه منعم ـ استاذ في جامعة بغداد ـ وقد جاء الى القاهرة لتقديم أطروحة الدكتوراه في الازهر، وبدأ بينهما حديث عام عن العالمين العربي والاسلامي وما آل اليه الوضع المؤسف الذي تعيشه الامتين العربية والاسلامية ومن خلال الحديث عرف الاستاذ التيجاني أن الاستاذ منعم من الشيعة، يقول: «… اضطربت لهذا النبأ وقلت غير مبال: لو كنت أعلم انك شيعي لما تكلمت معك، قال: ولماذا؟ قلت: لأنكم غير مسلمين…) (عن كتابه ثم اهتديت: ص 29)، فقد كانت هذه نظرته للشيعة ـ كما هي نظرة الكثير ممن ليس لهم اطلاع ـ فهم مقلدون أكثر!!!
وبعد أخذ ورد في الحوار، دعاه الاستاذ منعم الى زيارة العراق ـ الذي تقطنه غالبية شيعية ـ ليرى بنفسه من هم الشيعة، وليتأكد من صحة أو خطأ ما قيل عنهم، ثم يحكم بعد ذلك.

العالم في مصر... يتضاءل في العراق!!!

وعندما استقر بهم الحال في بغداد ووصلا الى منزل الاستاذ منعم، قرر الاخير التجول به في مناطق الشيعة ليطلع بنفسه.
وكانت أهم محطة في هذه الرحلة هي مدينة النجف الاشرف، يقول الاستاذ التيجاني: «أدخلني صديقي الى مسجد في جانب الحرم مفروش كلّه بالسجاد، وفي محرابه آيات قرآنية منقوشة بخط جميل، ولفت انتباهي مجموعة من الصبيان المعممين جالسين قرب المحراب يتدارسون وكل واحد بيده كتاب فأعجبت لهذا المنظر الجميل ولم يسبق لي أن رأيت شيوخاً بهذا السن… طلب إليهم صديقي أن أجلس معهم ريثما يذهب للقاء (السيد) ورحّبوا بي وأحاطوني بنصف دائرة… سألوني من أي البلاد أنا، قلت: من تونس، قالوا: هل يوجد عندكم حوزات علمية؟ أجبتهم: عندنا جامعات ومدارس، وانهالت عليّ الاسئلة من كل جانب، وكلها اسئلة مركّزة ومحرجة، …وسألني أحدهم: ما هو المذهب المتّبع في تونس؟ قلت: المذهب المالكي… قال: ألا تعرفون المذهب الجعفري؟ فقلت: خير إن شاء الله، ما هذا الاسم الجديد؟ …وابتسم قائلاً: عفواً إن المذهب الجعفري هو محض الاسلام… وعجبت لهذا الصبي الذكي يحفظ ما يقول مثل ما يحفظ أحدنا سورة من القرآن، وقد أدهشني أكثر عندما كان يسرد عليّ بعض المصادر التاريخية التي يحفظ عدد أجزائها وأبوابها، وقد استرسل معي في الحديث وكأنه استاذ يعلّم تلميذه، وشعرت بالضعف أمامه، وتمنيت لو أنّي خرجت مع صديقي ولم أبق مع الصبيان، فما سألني أحدهم عن شيء يخص الفقه او التاريخ إلاّ عجزت عن الجواب… وبقيت معهم أحاول تغيير الموضوع فكنت اسألهم عن أي شيء يلهيهم عن مسألتي… لأني عجزت وشعرت بالقصور، ولكن هيهات أن اعترف لهم وإن كنت في داخلي معترفاً، إذ أن ذلك المجد والعز والعلم الذي ركبني في مصر تبخر هنا وذاب، خصوصاً بعد لقاء هؤلاء الصبيان… وتصورت أن عقول هؤلاء الصبيان أكبر من عقول اولئك المشايخ الذين قابلتهم في الازهر وأكبر من عقول علمائنا الذين عرفتهم في تونس) (عن كتابه ثم اهتديت: ص 49 ـ 51).

مع السيّد الخوئي (قدس سره)

واستغل الاستاذ التيجاني هذه الفرصة ليسأل أحد مراجع الشيعة بما يجيش في صدره، وتحدث بصراحة وقال: (الشيعة عندنا هم أشد على الاسلام من اليهود والنصارى، لأن هؤلاء يعبدون الله…، بينما نسمع عن الشيعة انهم يعبدون علياً ويقدسونه، ومنهم فرقة يعبدون الله ولكنهم ينزلون علياً بمنزلة رسول الله) (عن كتابه ثم اهتديت: ص52).‌ تأمل سماحة السيد في كلامه ثم قال: «نحن نشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما علي (عليه السلام) إلاّ عبد من عبيد الله… ثم قال: هل قرأت القرآن؟ قلت: حفظت نصفه… قال: … ألم تقرأ قول الله سبحانه وتعالى: «وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل» آل عمران: 144 وقوله أيضاً: «محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار» الفتح: 29، …قلت: بلى أعرف هذه الآيات. قال: فأين هو علي؟ إذا كان قرآننا يقول بأن محمداً هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمن أين جاءت هذه الفرقة؟ سكتّ ولم أجد جواباً) (عن كتابه ثم اهتديت: ص 52).
وبقي الاستاذ التيجاني يفكّر ويحلل ما قاله السيد الخوئي في هذه المسألة ومسائل أخرى عرضها عليه، ووجد أن حديثه نفذ الى أعماقه وأزال غشاوة عن بصره!
وفي ختام اللقاء أهداه السيد مجموعة من الكتب التي تنفعه في المقام ليكون على اطلاع واسع ويعرف من هم الشيعة؟!

مع السيّد محمد باقر الصدر (قدس سره)

دارت بين الاستاذ التيجاني والسيد الشهيد الصدر حوارات عديدة، وكان يسأله عن كل صغيرة وكبيرة، وكان من جملتها كما يقول الاستاذ التيجاني:
(قلت: إن علماءنا علّمونا أن أفضل الخلفاء على التحقيق سيدنا أبو بكر الصديق، ثم سيدنا عمر الفاروق، ثم سيدنا عثمان، ثم سيدنا علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين؟ [فقال السيد]: لهم أن يقولوا ما يشاؤون ولكن هيهات أن يثبتوا ذلك بالأدلة الشرعية، ثم أن هذا القول يخالف صريح ما ورد في كتبهم الصحيحة المعتبرة، فقد جاء فيها: إن أفضل الناس أبو بكر وعمر ثم عثمان ولا وجود لعلي، بل جعلوه من سوقة الناس، وانما ذكره المتأخرون استحباباً لذكر الخلفاء الراشدين) (عن كتابه ثم اهتديت ص: 60 ـ 61).
ثم سأل السيد الشهيد عن التربة، فأجابه: «يجب أن تعرف قبل كل شيء أننا نسجد على التراب، ولا نسجد للتراب، … والثابت عندنا وعند أهل السنة أيضاً ان افضل السجود على الارض أو ما أنبتت الارض من غير المأكول والملبوس، ولا يصح السجود على غير ذلك، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفترش التراب، وقد اتخذ له خمرة من التراب والقش ليسجد عليها) (عن كتابه ثم اهتديت: ص61)
ثم سأل السيد عن زخرفة الشيعة لقبور أوليائهم بالذهب والفضة وهو محرّم في الاسلام، فأجابه السيد الشهيد الصدر: «ليس ذلك منحصراً بالشيعة، ولا هو حرام، فها هي مساجد إخواننا من أهل السنة سواء في العراق أو في مصر أو في تركيا أو غيرها من البلاد الاسلامية مزخرفة بالذهب والفضة، … وبيت الله الحرام في مكة المكرمة الذي يكسى في كل عام بحلة ذهبية جديدة يصرف فيها الملايين، فليس ذلك منحصراً بالشيعة) (عن كتابه ثم اهتديت: ص62).
ثم قال الاستاذ التيجاني: «إن علماء السعودية يقولون: أن التمسح بالقبور ودعوة الصالحين والتبرّك بهم شرك بالله، فما هو رأيكم؟» قال السيد الشهيد الصدر: «اذا كان التمسح بالقبور ودعوة أصحابها بنية انهم يضرون وينفعون، فهذا شرك لا شك فيه… انما يدعون الاولياء والائمة (عليهم السلام) ليكونوا وسيلتهم اليه سبحانه، وهذا ليس بشرك… عدا الوهابية وهم علماء السعودية الذين ذكرت، والذين خالفوا إجماع المسلمين بمذهبهم الجديد الذي ظهر في هذا القرن، وقد فتنوا المسلمين بهذا الاعتقاد وكفّروهم وأباحوا دماءهم… وقد كان لهم مع علمائنا مناظرات، ولكنهم أصروا على العناد واستكبروا استكباراً» (عن كتابه ثم اهتديت: ص63).

الوجه الآخر للوهابية

غادر العراق متوجهاً الى الحجاز ـ بعد أن قضى فيه شرون يوماً اطلع خلالها على الشيعة والتقى بعلمائهم وزار مراكز تجمعهم ـ.
في الحجاز التقى بأحد اصدقائه السعوديين وحدّثه عما رأى في العراق، فقال صديقه: «فعلاً أنا أسمع أن فيهم بعض العلماء الكبار وعندهم ما يقولون، ولكن عندهم فرق كثيرة كافرة منحرفة يخلقون لنا مشاكل متعددة في كل موسم للحج… إنهم يأتون لزيارة النبي (صلى الله عليه وآله)، ولكنهم في نفس الوقت يقفون على قبر أبي بكر وعمر ويسبّونهم ويلعنونهم، ومنهم من يلقي على قبر أبي بكر وقبر عمر القذارات والنجاسات» (عن كتابه ثم اهتديت: ص 71). ولم يصدق الاستاذ التيجاني بهذه الرواية ورواية والده من قبل ـ وقد كانت من قبيل هذه الافتراءات التي سمعها ولم يرهاـ فقد رأى بعينه ان الحجرة التي فيها قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكذا قبري ابي بكر وعمر، لا يستطيع أحد الاقتراب منها للتمسح ببابها، فكيف يتمكن من إلقاء القاذورات فيها؟!!!
خصوصاً وأن حراساً غلاظاً تطغي على تصرفاتهم البداوة، هم الذين يحيطون بالحجرة، وقد رأى منهم الاستاذ التيجاني تصرفات جعلته ينفر منهم ومن الوهابية عموماً، يقول في هذا الصدد: «زرت البقيع وكنت واقفاً أترحم على أرواح أهل البيت، وكان بالقرب مني شيخ طاعن في السن يبكي وعرفت من بكائه أنه شيعي، واستقبل القبلة وبدأ يصلي، واذا بالجندي يأتي اليه بسرعة وكأنه يراقب تحركاته وركله بحذائه ركلة وهو في حال سجوده فقلبه على ظهره… ودفعني فضولي وأخذتني الحمية وقلت للجندي: حرام عليك، لماذا تضربه وهو يصلي؟ فانتهرني قائلاً: اسكت أنت ولا تتدخل حتى لا أصنع بك مثله.» (عن كتابه ثم اهتديت: ص77).
جعلته هذه الحادثة وغيرها، دقيق الملاحظة عميق الفكر، فلم يزدد إلاّ بغضاً للوهابية ونفوراً منهم، بعد أن كان متأثراً بهم!

نقطة التحول

وعندما عاد الى تونس وجد الكتب التي أهديت له في العراق قد وصلت قبله، فطار فرحاً، وعكف على مطالعتها والتمعن بما جاء فيها، فوجد أن الشيعة ليس كما يشاع عنهم، فهم أمضى من غيرهم على سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووجد… ووجد… حتى قرر التحول، فهو يقول: «الحمد لله والشكر له على أن دلّني على الفرقة الناجية التي كنت أبحث عنها بلهف، ولم يبق عندي أي شك في أن المتمسك بعلي وأهل البيت قد تمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها…) (عن كتابه ثم اهتديت: ص 144).

أسباب الاستبصار

لقد كانت الاسباب كثيرة منها:
1ـ النص على خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
[مسند أحمد:ج4 ص281. تذكرة الخواص: ص29. البداية والنهاية لابن كثير: ج5 ص 212. كنز العمال: ج6 ص 397. تاريخ ابن عساكر: ج2ص50 تفسير الرازي: ج3 ص 63].
2ـ خلاف سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) مع ابي بكر.
[تاريخ الخلفاء لابن قتيبة: ج1 ص19. صحيح البخاري: ج3 ص36. صحيح مسلم: ج2 ص 72].
3ـ الموازنة بين الامام علي (عليه السلام) وبين غيره، حيث ثبت انه (عليه السلام) أولى بالاتباع من البقية.
[المستدرك على الصحيحين: ج3 ص 107. المناقب للخوارزمي: ص3 و19 الصواعق المحرقة: ص72. شواهد التنزيل: ج1 ص19. الرياض النظرة: ج2 ص 282. فتح الباري في شرح صحيح البخاري:ج4 ص184 وج7 ص83].
واسباب أخرى يذكرها الاستاذ التيجاني في كتابه ثم اهتديت.

مؤلفاته

1ـ ثم اهتديت.
2ـ الشيعة هم أهل السنة.
3ـ اتقوا الله.
4ـ لأكون مع الصادقين.
5ـ كل الحلول عند آل الرسول.
6ـ فسألوا أهل الذكر.