المستبصرون » من حياة المستبصرين

معتصم سيد احمد - السودان - شافعي

الترجمة الثانية   (راجع: الترجمة الأولى)

فهرس المطالب:

المولد والنشأة

ولد الشيخ معتصم سيد احمد في قرية ندي الواقعة شمال السودان على ضفاف نهرالنيل.
وقد كان انشداده نحو الدين منذ الصغر فيرى في نفسه بطلاً اسلامياً سيردّ للدين الحنيف عزته، ولصغر سنه ولإلمامه المحدود بالتاريخ لم يكن يعرف سوى بعض القصص عن النبي الاعظم(صلى الله عليه وآله وسلّم) وعن بطولات الامام علي بن ابي طالب(عليه السلام)، وبعد اطلاعه على تاريخ الدولة المهدية في السودان من خلال المدرسة - المرحلة الابتدائية- اعجب بشخصية عثمان دقنه(احد قادة الجيش البارزين في هذه الدولة) حتى انه صمم على التخرج من الكلية الحربية العسكرية.
ثم انتقل الى المرحلة الثانوية فاتسعت مداركه وازدادت معرفته بشخصيات تاريخية بارزة في عالمنا الاسلامي فتأثر بها أشد التأثر وكان من ابرزها السيد جمال الدين الافغاني حيث يقول: (وما شد انتباهي! هو اسلوبه الذي كان يمارسه في عمله الجهادي من الحكمة والحنكة ونشر الثقافة واعطاء الرشد الفكري للامة الاسلامية، من غير ان يحمل سلاحاً..!) (عن كتابه الحقيقة الضائعة: ص 13).
حيث كان يتساءل عن قدرة هذا الرجل في نشر الفكر والثقافة الاسلامية ومنهجه الحيوي، وقد فتح هذا التسا‎ؤل الباب على مصراعيه للعديد من التساؤلات التي تجول في ذهنه ولم يكن يجد لها اجابة في الواقع الذي يعيشه، فتغيرت مفاهيمه بصورة كلية لما ادرك، فالمنهج الفكري والثقافي هو البديل للكلية الحربية العسكرية، اذ من خلاله يتم النهوض بالامة الاسلامية وعلى جميع الاصعدة.

البداية

بعد الغزو الوهابي للسودان وتغلغله في الاوساط واشتداد النقاش ظهرالكثير من الاختلافات والمفارقات العقائدية والفقهية والتاريخية بين فرق المسلمين، فيقول الشيخ معتصم بهذا الخصوص: (وجدت بغيتي وازداد بحثي، واصبحت اشعر بواقعية تلك الاسئلة العفوية التي كانت تراود ذهني) (عن كتابه الحقيقة الضائعة: ص 14).
فكثر اهتمامه بالوهابية ومتابعته لمناظراتهم وندواتهم ودار بينه وبينهم كثيرمن المناقشات حتى اخذ يتعاطف معهم ويشد ازرهم مع بعض الملاحظات التي كانت حائلاً بينه وبين التزامه بمنهجهم.

لماذا لم أكن وهابياً؟

يحدد الشيخ معتصم سيد احمد مشكلة الوهابية بنقطتين اساسيتين هما:-
1- الجمود: فالوهابيون يتبنون قواعد وقوانين جامدة اشبه بقوانين الرياضيات، لذا فان تطبيقاتهم ليست لها انعكاسات حضارية واضحة في حياة الانسان سواء على الصعيد الفردي أم الاجتماعي، بل حتى العلاقة مع الله تبارك وتعالى، يقول: (لا يستطيع الواحد منهم ان يتعايش مع المجتمع فيتميز منهم بلباسه وتصرفاته وفي كل جزئية من حياته، لا يتآلف الامع اقرانه) (عن كتابه الحقيقة الضائعة: ص 15)
حتى انه يذكر كيف انضمت مجموعة كبيرة من شباب قريته الى هذا المذهب الجديد من غير دراسة ووعي إلا انهم وبعد مدة من الزمن تخلّوا عنه جميعاً لما ذكر انفاً.
2- التكفير: المتدين بهذا المذهب - الوهابية- وبعد مضي فترة قليلة مع شيء من العلم يصبح مجتهداً له الحق في الافتاء بأي مسألة- بصورة ارتجالية- لذا تجد أن صكوك التكفير تكون من أيسر ما يصدره الوهابي حتى لو كان في حق أمة! ويؤكد الشيخ معتصم فيقول: (هذه العقلية المتحجرة، كانت هي السبب الثاني الذي حال بيني وبين ان اكون وهابياً، رغم انني تأثرت بكثير من افكارهم، فكنت اتبناها وادافع عنها) (عن كتابه الحقيقة الضائعة: ص 17).
لقاء: ولتحقيق حلم الطفولة في الذود عن حياض الاسلام ولإدراكه ان المنهج الفكري من أنجح السبل في تحقيق هذا الامر، فقد قرر الشيخ معتصم الدراسة في احدى الجامعات الاسلامية. وبالفعل تم قبوله في (كلية الدراسات الاسلامية والعربية في جامعة وادي النيل في السودان)، وكانت مكتبة الجامعة عامرة وحاوية لكتب وموسوعات ضخمة، فكانت مكاناً ملائماً للبحث والتتبع، لكن واجهته مشكلة وهي من أين؟ وكيف يشرع؟
وبقي هكذا حائراً حتى ساقته الاقدار للقاء احد اقاربه واسمه عبدالمنعم من خريجي كلية القانون والسياسة في مدينة عطبرة، حيث كان في نقاش مع احد المنتمين لـ(حركة الاخوان المسلمين) فاخذ يستمع الى محاور المناظرة التي كان احدها تكفير الشيعة من قبل هذا الحركي! يقول الشيخ معتصم: (وبعد الانتهاء من الحوار، واداء صلاة المغرب انفردت بقريبي عبدالمنعم، وسألته بكل احترام: هل انت شيعي‎؟.. ومن هم الشيعة؟ ومن اين تعرفت عليهم؟) (عن كتابه الحقيقة الضائعة: ص 18).
وبدأ حواراً آخر كانت فيه اجابات مقتضبة وارشادات محددة اهمها كيفية الشروع في القراءة، يقول: (قال: (هل يوجد في مكتبتكم- صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند احمد والترمذي والنسائي-؟ قلت: نعم، عندنا قسم ضخم لمصادر الحديث. قال: من هذه ابدأ، ثم تأتي بعد ذلك التفاسير وكتب التاريخ فإن في هذه الكتب احاديث دالة على وجوب اتباع مدرسة اهل البيت‎) (عن كتابه الحقيقة الضائعة: ص 19).

نقطة التحول‎

وبدأ قراءةً شاملةً وبحثاً واسعاً من جهة، وواصل لقاءاته وحواراته مع الاستاذ عبد المنعم من جهة اخرى، فخرج بحقائق ونتائج مذهلة ازالت من امامه اكوام الركام الهائل وبددت من ذهنه غيوم الحيرة التي كانت ساترة لهذه الحقائق طوال ما مضى. فبدأ بعرض ما توصل اليه على بعض زملائه في الدراسة فتفاعل بعضهم معه في حين لم يكترث البعض الاخر، وازدادت نقاشاته ومناظراته مع الطلبة والاساتذة حول الشيعة ووجوب اتباع مذهب اهل البيت (عليهم السلام) كما تؤكد ذلك مصادر السنة قبل مصادر الشيعة.
وشاع امره في الكلية حتى تعرض للعديد من المضايقات كالسب والسخرية والافتراء والتهديد- وهذه اساليب من يعجز عن النقاش العلمي والموضوعي- ورغم ذلك صبر وعكس صورة باهرة وناصعة في الاخلاق، واثرت جهوده في عدد من الطلبة عندما اعلن ثلاثة منهم تشيعهم واقتدائهم بمدرسة اهل البيت (عليهم السلام) ، هذا بالاضافة الى مجموعة كبيرة اخذت تظهر تعاطفها وتأييدها للشيعة.

الوهابية من جديد

وذاع صيته في قريته وانتشر امره بين اهلها فدخل في جدال مع افراد عائلته واقربا‎ئه اسفرت عن اهتداء اخيه الاكبر وتعاطف وتأييد اغلب الاهل للشيعة. وأخذ يطرح مذهب اهل البيت (عليهم السلام) في ارجاء القرية فأجج هذا الامرغضب الوهابيين، فاصبحت كل محاضراتهم عبارة عن سبٍ وشتمٍ وافتراءٍ على الشيعة والتشيع، حتى آل الامر الى التعرض له، فطلب حواراً بينه وبين شيخ الوهابية في القرية على ان تحدد فيه المحاور مسبقاً ويكون علمياً و موضوعياً وامام جميع الناس ليتبين الحق. ودارت محاورة ختمها الشيخ الوهابي بالقفز الى محور لم يتفق عليه وحدث هرج ومرج، واتفقا على تتمة الحوار في الايام المقبلة، فلما كان الغد يقول الشيخ معتصم: (كنت جالساً امام منزلنا في الصباح فمر الشيخ وسلّم عليّ بكل احترام وقال: ان هذه المباحث لا يفهمها العامة فمن الافضل ان نتحاور ونتناظر أنا وأنت على انفراد. قلت: أوافق، لكن بشرط أن تترك التهجم على الشيعة، وفيما بعد لم نسمع له تهجماً على الشيعة) (عن كتابه الحقيقة الضائعة: ص 29).

من هم أهل البيت؟

من لم يجد مخرجاً من قطعية الادلة في وجوب اتباع العترة الطاهرة تجد انه يلجأ الى اساليب العناد والتأويل والتشكيك كمفر لا يلزمه بالحجة، لكن هيهات ! فالحجة قائمة والامرواضح.
قال تعالى:
(انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا‎ً) الاحزاب: 33 يقول ابن حجر في هذا الصدد: (ان اكثر المفسرين على انها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين) (الصواعق المحرقة: ص 143).
ومن اقرب الادلة واوضحها فيما جاء في تفسير هذه الاية من روايات عرفت عند اصحاب الحديث بحديث الكساء، وهو حديث لا يقل تواتراً وصحةً عن حديث الثقلين، وقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة: (خرج رسول الله غداة عليه مرط مرجل من شعر اسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً) صحيح مسلم: باب فضائل اهل البيت.
وقد ذكر هذا الخبر في روايات متعددة في الصحاح وكتب الحديث والتفسير منها (البيهقي في السنن الكبرى، باب بيان اهل بيته والذين هم آله. تفسير الطبري: ج 22ص5. تفسير ابن كثير: ج 3 ص 485. تفسير الدر المنثور: ج 5 ص 198 ـ 199). صحيح الترمذي، باب فضائل فاطمة. مسند أحمد: ج6 ص 292 ـ 323.
و في صحيح الترمذي ومسند احمد و مسند الطيالسي ومستدرك الحاكم على الصحيحين وأسد الغابة وتفسير الطبري وابن كثير والسيوطي: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمر بباب فاطمة (عليها السلام) ستة اشهر كلما خرج الى صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً) مستدرك الصحيحين: ج3 ص 158، وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه.

يقول الشيخ معتصم سيد احمد:
(وبهذا يتضح لنا جلياً ان اهل البيت هم (علي وفاطمة والحسن والحسين) ولا مجال للمنكر والمراوغ، فان الشك في هذا كالشك في رابعة النهار) عن كتابه الحقيقة الضائعة: ص 101
ان المطالع لكتاب الشيخ معتصم سيد احمد يجد انه بحث حقاً عن الحقيقة الضائعة، فقد كان متوكلاً على الله تعالى وواثقاً به - وهي نقطة الانطلاق في كل امرـ كما يجد انه تجنب خداع ذاته ولم يسمح لهوى نفسه ان يغلب عقله ولذلك تجنب التعصب والتسليم امام الموروث، كذلك يجد الصبر وطول النفس في البحث والتدقيق ومواجهة الضغوط، كما يلمس التأني وعدم التسرع في الحكم. هذه الامور وغيرها استند اليها الكاتب فتوفق بحمدالله تعالى ووجد ضالته وهدي الى صراط العزيز الحميد.