المستبصرون » من حياة المستبصرين

السيد يحيى طالب مشارى - اليمن - زيدي

الترجمة الثانية   (راجع: الترجمة الأولى)

فهرس المطالب:

ولد عام 1974م في اليمن بمحافظة الجوف، نشأ في أسرة تعتنق المذهب الزيدي، واصل دراسته الأكاديمية حتى حصل على شهادة الدبلوم.

دراساته الدينية:

كان السيد يحيى منذ صغره مهتماً بالأمور الدينية، وكان يحب الاصغاء إلى آيات الذكر الحكيم وقصص الأنبياء والعرفاء، فوفّر له هذا الأمر أرضية الاندفاع إلى دراسة العلوم الدينية، فلهذا هاجر من منطقته وذهب إلى منطقة اخرى من أجل دراسة العلوم الدينية في المعهد الديني خلال الدورة الصيفية.
يقول السيد يحيى حول دراسته في هذا المعهد: "بعد بدء الدراسة، تفاجأت بأن القضايا الدينية المطروحة كانت على خلاف ما سمعناه من قبل في المدارس الأكاديمية، ثم بعد مضي فترة لم اشعر بالفائدة المطلوبة، ولكنني واصلت الدراسة في المعهد حتى انتهت الدورة، ثم حاولت بعد ذلك الاستفادة من مدير المعهد الاستاذ حسن الداهوق، فتتلمذت على يده بصورة خاصة ودرست عنده مدة سنة كاملة، وكانت لي هذه الفترة مثمرة، لأنني اضافة إلى الانتفاع من علوم الاستاذ استفدت كثيراً من مجالسة تلاميذه".
ويضيف السيد يحيى: "وكان من حسن حظي أن جاء عدد من علماء صعدة إلى منطقتنا، وكان على رأسهم السيد العلامة عبدالله بن صلاح العجري، فلهذا سنحت لي الفرصة للاستفادة منهم وتلقّي العلوم والمعارف الدينية منهم، وبقيت على هذه الحالة مدة طويلة حتى قرّرت العودة إلى منطقتنا من أجل التبليغ والدعوة.
ثم شعرت بعد مضي فترة من العمل في مجال التبليغ انني بحاجة إلى التعمّق الأكثر في العلوم الدينية، فلهذا قرّرت الهجرة إلى مدينة صعدة، فسافرت إليها وبقيت هناك في بيوت بعض أقاربي.. ثم تعرّفت عن طريقهم على أشهر العلماء في صعده، ثم التحقت باحدى المدارس الدينية التابعة للعلامة المتعيش، وبقيت فيها سنة ثم التحقت بمدرسة السيد العلامة عبدالله بن صلاح العجري ومن بعدها واصلت دراستي في مدرسة أحمد صلاح الهادي".

مواجهة وهابية منطقته:

بقي السيد يحيى مواصلا لدراسته الدينية في صعده أربعة سنوات، حتى بلغه أن التيار الوهابي قد غزا منطقته، وأن الوهابية استغلت في منطقتهم فرصة عدم وجود مرشد ديني، فقاموا بتعبئة الناس بأفكارهم الضالة، فعاد إلى منطقته وبادر إلى التدريس والارشاد والتبليغ.

بداية تعرّفه على الامامية:

كانت بداية تعرف السيد يحيى على الامامية، أنّه التقى ذات يوم بأحد الامامية من أهالي احساء، فتعرّف من خلاله على المذهب الإمامي الاثني عشري، وعرف أنّه كان فيما سبق يحمل صورة خاطئه عن هذا المذهب، ثم بدأ السيد يحيى بمطالعة الكتب الشيعية الجعفرية فدفعه هذا الأمر إلى محبة تراث أهل البيت(عليهم السلام) والاشتياق للتعرّف الأكثر عليهم.
وبقي السيد يحيى على هذه الحالة حتى تعرّف على بعض الشيعة الاثني عشرية الوافدين من ايران للحضور في احدى المؤتمرات الإسلامية التي كان فيها، فلما رأى هؤلاء اشتياق السيد يحيى لتلقي علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام)عرضوا عليه وعلى بعض الأخوة المتعاطفين مع المذهب الجعفري السفر إلى ايران من أجل دراسة العلوم الدينية.
فيقول السيد يحيى: قبلت أنا وأحد زملائي ذلك، وسجّلنا أسماءنا ثم لم تمض فتره حتى وفرت لنا الأسباب وسافرنا إلى ايران والتحقنا بالحوزة العلمية في مدينة قم، وكان من اللطف الالهي أن جاء السيد العلامة بدرالدين الحوش (أحد كبار العلماء الزيدية) في نفس الوقت إلى مدينة قم التي كنا فيها، فذهبنا إليه وطلبنا منه أن يقوم بتدرسينا على شكل خاص، فقبل ذلك، فبدأنا ندرس عنده، وكنا له طلاب ومرافقين في السفر، وبعد عام طلب السيد منا مرافقته لليمن فقبلت ذلك، ثم طلب مني الذهاب إلى منطقتنا، لأنّه قرر أن لا يعود إلى منطقته خشيةً من ردود فعل أهلها الذين تأثروا بالوهابية، فوافقت على ذلك، فتوجهنا معاً إلى اليمن ثم للجوف، وبعد أسبوع من وصولنا تحركت بعض الجهات الرسمية مطالبة بخروج السيد الحوش من الجوف، وتعهدت له بالتأمين والحراسة وعدم السماح للوهابيين بالتعرّض له، وبالفعل عاد السيد الحوش إلى دياره آمناً مستقر البال، وبقيت أنا في المنطقة أفكر في شأن الاختلافات التي بين الزيدية والجعفرية، وكان يشدّني على التفكير في هذه المسألة سؤال الناس عن الجعفرية وعاداتهم ومذهبهم، وكان البعض ـ مع الأسف ـ يطلب مني أن أتّهمهم بما يشينهم ولكنني كنت أقول الحقيقة، فلهذا كان البعض يبدون عدم ارتياحهم من ذلك.

الاندفاع للبحث عن التشيع:

يقول السيد يحيى: "كانت معلوماتي عن المذهب الامامي الاثني عشري لم تصل الحد المطلوب، فلهذا كنت غير قادر على إجابة اسئلة المثقفين الذين كانوا يوجهون لي الأسئلة العقائدية والفكرية حول هذا المذهب، فدفعني هذا الأمر للتعرف الأعمق على هذا المذهب، ومن هنا توجهت إلى البحث بصورة جادة حول مسائل الخلاف بين المذهب الزيدي والمذهب الجعفري، وبمرور الزمان اكتشفت نتيجة البحث أن اساس الاختلاف والتفرق بين الطوائف الاسلامية هو مسألة الخلافة والحكم. فسلّطت أضواء بحثي على هذا الموضوع وركّزت جهدي في البحث على هذه المسألة، وبدأت ابحث عن الذين اختارهم الله للزعامة والقيادة والخلافة الإلهية".

اكتشاف الحقيقة:

يقول السيد يحيى: تبيّن لي خلال البحث أن الحجج لم تنطمس مع ما بذله أرباب المذاهب ووعاظ السلاطين وحكّام الجور من جهود في تضييع الحقيقة، وتبيّن لي أنهم قد اضروا كثيراً، ولكن الباحث المنصف يعرف كيف يستفيد من تلك النصوص الممزقة التي يراها هنا وهناك.
ويضيف السيد يحيى: ومن خلال تجميع النصوص المتناثرة أيقنت بأنّ الأمر الإلهي والخلافة الإلهية قد جُعلت في الإمام علي(عليه السلام) وأولاده الطاهرين، وتبيّن لي خلال البحث أن رواة أهل السنة قد حاولوا بكل جهدهم تضييع النصوص الدالة على امامتهم، لكن ما ورد فيهم(عليهم السلام) قد بلغ الحدّ الذي لا يمكن اخفاؤه كلّه، فلذا حاول هؤلاء تمزيق وبعثرة ما تواتر من تلك النصوص وتضييع ما أمكن تضييعه.
ويقول السيد يحيى حول أهم الأدلة التي دفعته لاعتناق المذهب الجعفري: أنني وجدت الروايات الواردة عند الزيدية في أهل البيت(عليهم السلام) على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الروايات العامة، وهذه الروايات من قبيل ما ورد فيهم(عليهم السلام)من أنّهم قرناء القرآن وأمان أهل الأرض وسفينة نوح و... وهذه الروايات ونظيراتها كثيرة جداً عندهم وهي تشكّل الجزء الأساسي في العقيدة عندهم ولا يشك فيها أحد منهم.
القسم الثاني: الروايات المحددة بالوصف، وهي روايات مقبولة عند الزيدية، وهي تعطي لأهل البيت صفات عظيمه من قبيل أنّهم أفضل الخلق بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)، وأنّهم رزقوا علم وفهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأنّهم يقتلون على أيدي الأمة وغير ذلك.
وهذه الروايات بشكل عام تعتبر من ركائز العقيدة الزيدية، ولكن الباحث المنصف لا يرى لتلك الروايات من مصاديق في الخارج، بل يُلاحظ أنّ أئمة الزيدية لم يدّعوا تلك المقامات ولا ذلك العلم لذا تعاملوا مع بعضهم تعامل المجتهدين.
القسم الثالث: الروايات المحدّدة بالعدد، وهذه الروايات قليلة جدّاً ولا يعتبرها أغلبهم جزء من العقيدة، ولكن بعض قدمائهم حاول أن يأول تلك الروايات، وهي من قبيل حديث الأئمة بعدي اثني عشر، والتي حاول بعض علماء الزيدية من خلال تلك الروايات تقسيم الأئمة إلى ستة من أولاد الحسن(عليه السلام)وستة من أولاد الحسين(عليه السلام)، ولكن ذلك التقسيم كان عاجزاً عن حل المشكلة، والمهم أنّ الباحث يلاحظ أن تلك الروايات من القسم الأول والثاني ليس لها مصداق قابل للتطبيق عليه، ويرى ان القسم الثالث قد قدم الحل لتلك المشكلة، وهو الاشارة إلى الأئمة المختارة من قبل الله وهم الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام).

اعتناق الحق:

يقول السيد يحيى: وبسبب وجود هذه الروايات الصحيحة عند الزيدية حسب مبانيهم، ومسائل اُخرى اتجنبها نظراً للاختصار، رأيت ان الحق واضح، وان العناد من عمل أهل النار، لذا آمنت بالاختيار الإلهي الذي يتمثّل في الأئمة المعصومين الاثني عشر، وسلّمت الأمر لله، ولم اتكبّر على حكم الله، والحمد لله المعين الناصر لعباده المؤمنين، والهادي له إلى اقوم السبيل والله ولي الهداية والتوفيق.

مؤلفاته:

(1) "في ظلال الاسلام ـ السر الكامن وراء الاختلاف بين المسلمين": مخطوط.
سيصدر عن مركز الأبحاث العقائدية ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.
يعالج هذا الكتاب ظاهرة الاختلاف والتفرّق بين المسلمين ويبحث المؤلف فيه اسباب نشوء الاختلاف الديني الذي مزّق كيان المسلمين، وجعلهم من أضعف الأمم في مواجهة اعدائهم.
ويتضمن هذا الكتاب مواضيع عديدة منها: الاختلاف بين المسلمين، سرّ الافتراق بين المسلمين، قصة آدم(عليه السلام) وابليس، موقف قريش من الاسلام، الاختيار الالهي بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله).

وقفة مع كتابه: ((في ظلال الإسلام ـ السر الكامن وراء الاختلاف بين المسلمين))

يقول الكاتب في تعريفه بموضوع الكتاب: "هذا الكتاب يعالج ظاهرة خطيرة ظهرت بين المسلمين، وهي ظاهرة الاختلاف والتفرّق والتمزق التي انهكت المسلمين وطعنتهم من الداخل، وجعلتهم من اضعف الأمم في مواجهة اعدائهم...".
ثم يضيف: "وهذا الكتاب يكشف عن السر الذي تفرّق المسلمون من أجله وليس هو من عند المؤلف، بل من النصوص القرآنية المحكمة...
فالكتاب يثبت أولا ان الاختلافات العقائدية ـ بمالها من الاتساع في كل المجالات ـ ما هي إلاّ فروع تفرّعت بعد وجود أصل واحد، وهو أصل التفرّق، و... تفرعت عليه الاختلافات العقائدية والسياسية، بل الكثير من المسائل الفقهية...".

الاختلاف بين المسلمين:
يقول الكاتب في هذا المجال: "من يتأمل قليلا وينظر إلى التاريخ بدقة سيجد:... ان الرسول(صلى الله عليه وآله) ترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وان الصحابة لم يكن بينهم أي اختلاف عقائدي. إذاً ما هو السبب الذي أدى إلى الاختلاف فيما بينهم؟!
ومن يقول انهم لم يختلفوا فهو إما جاهل لم يطلع على تاريخ الاسلام، أو معاند لا يزيده العلم إلاّ جهلا، فمن الواضح أن الخلاف وقع بين الصحابة بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) مباشرة ثم تطور إلى مرحلة نفي وطرد فيها بعض الصحابة كما حصل لأبي ذر، وقتل بعضهم البعض كما حصل للخليفة الثالث، وحارب بعضهم بعضاً كما في حرب الجمل وصفين وغيرها...
وكما قلنا ان تفرّقهم لم يكن من أجل الاختلافات العقائدية المطروحة كما نراها اليوم، بل هناك أمر خفي وخطير لم يلتفت إليه إلاّ القليل.
ويؤيد ما ذكرنا ان الخلافات العقائدية ما هي إلاّ فروع تفرّعت من أصل الفرقة قوله تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: 105)...
وقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَ حِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَـبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَا...) (البقرة: 213).
فالاختلاف لم يكن عقائدياً، وانما هو اختلاف من نوع آخر، انّه البغي، انه عدم التسليم وعدم التواضع للحكم الإلهي.

سر الافتراق بين المسلمين:
يتحدّث المؤلّف عن ذلك السرّ بما ملخّصه:
انّه سرٌ يشمل الأمم السابقة على الاسلام أيضاً وكان السبب في افتراقها، وهو السبب الذي جعل قريشاً تحارب الرسول(صلى الله عليه وآله)، وكذلك هو السبب الذي جعل اليهود يحاربون الإسلام ويواجهونه ويلجأون إلى تحريف كتبهم ونبذها ورا ظهورهم.
إن هذا السر هو: النزاع على الاستخلاف على هذه الأرض والحكم والتسلط وعلو الكلمة الذي يؤدّي بالتالي إلى نزاع على المنصب الإلهي الذي خصّه الله لبعض عباده. فمن أجل هذا قامت الدنيا وقعدت، وتفرّقت الأمم وتشتّت، وتشكّلت المذاهب وتشعّبت، وهناك أدلة قرآنية كثيرة تدعم هذا القول، نورد منها البعض:

قصة آدم(عليه السلام) وابليس:
يوضّح المؤلف هذا الدليل بما ملخّصه:
ذكر القرآن هذه القصة لتكون عبرة للعالمين، وبالأخص المسلمين، وكذلك لتوضيح أسباب نشوء النزاع بين الشيطان والإنسان وما هي جذورها؟
يتوضّح في هذه القصة مسألة الاصطفاء والاختيار الإلهي، وضرورة الخضوع والتسليم لهذا الحكم الإلهي، وعدم المعاندة معه كما فعل إبليس الذي كان مع الملائكة وعبدالله ستة آلاف سنة، لكنه احبط عمله الطويل لكبر ساعة واحدة، يقول الإمام علي(عليه السلام): "فمن ذا بعد ابليس يسلم على الله بمعصيته؟ كلا، ما كان الله سبحانه ليدخل الجنّة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً. انّ حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد. وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمىً حرمه على العالمين"(1).
فكلام المعصوم هذا يوضّح أهمية مسألة الخضوع لاحكام الله باصطفاء من يصطفيه، ويبين العواقب الوخيمة لرفضها من أي كان وان جللته أغشية القداسة الظاهرية.
ورفض إبليس للاختيار الإلهي لم يكن لأسباب عقائدية، وان حاول توجيه موقفه بقياس باطل مفاده ان النار خير من الطين، كلا انه لم يستطيع تحمل هذا الاختيار وفضل نفسه على آدم المختار من قبل الله، فوقع ابليس في اللعنة والرجم رغم علمه بعاقبة الامور، قال تعالى: (قَالَ يَـإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّار وَ خَلَقْتَهُ مِن طِين * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (ص: 75 ـ 78).
وأما نحن فما هو موقفنا من هذه القصة؟ هل يجوز لنا الوقوف على الحياد، ونقول تلك امة قد مضت، وهذين شخصين عظيمين كلاهما مجتهد، وهو على الصواب بل وله أجر؟ أم يجوز لنا القول ان ابليس له المقام العالي فهو الأول والأكثر عبادة؟ أم نقول انهما لو كانا صالحين ما تنازعا اذن فلنتركهما معاً؟ كلا ان الموقف الصحيح والواضح هو أن آدم صفوة الله وخيرته فيجب التسليم بذلك والاعتراف له بما أراده الله له.
ثم أورد الكاتب أدلة اخرى كقصة ابني آدم عندما رفض أحدهما اختيار الله لقربان اخيه فقتله نتيجة هذا الرفض، وكذلك قصة يوسف واخوته الذين حسدوه لمحبة أبيه له التي كانت بسبب اختيار الله له دونهم، وكذلك ما فعله اليهود مع نبيهم موسى(عليه السلام) الذي اختاره من دونهم للمناجاة، ومع نبينا الخاتم(صلى الله عليه وآله) حيث رفضوه وهم الذين كانوا يستفتحون به على الذين كفروا من قبل، ثم يأتي إلى قريش وموقفها من رسول الله(صلى الله عليه وآله) ودينه المبين.

موقف قريش من الاسلام:
يتساءل الكاتب عن موقف قريش ويقول بما ملخّصه:
لماذا حاربت قريش الدين الاسلامي؟ ولماذا بذلت الغالي والنفيس من أجل الاطاحة بالاسلام؟ ولماذا ضحّت بأعز رجالها وقدمتهم للموت؟
إذا سألنا كبار قريش عن السبب فيسغلفون جوابهم بواجهة عقائدية ويقولون: ان محمداً سفّه احلامنا وكفر بالهتنا، ولكن القرآن لا يقبل منهم ذلك ويفضحهم ويبين السبب الأساسي في آيات عديدة منها: (وَ قَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـذَا الْقُرْانُ عَلَى رَجُل مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم) (الزخرف: 31) و (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِى مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً) (المدثّر: 52). فهم يريدون أن يشركهم الله في اختياره، والله لا يقبل أن يعبد ويطاع إلاّ من حيث يشاء، قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (آل عمران: 31).

الاختيار الالهي بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله):
يوجّه الكاتب خطابه إلى الباحث عن الحق، ويقول بما ملخّصه "ينبغي للباحث عن الحق أن يركّز جهده في البحث عن مسألة واحدة فقط وهي: هل اختار الله للامة الاسلامية بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) هداة وأئمة؟ وإذا كان قد اختار فمن هم أولئك الهداة؟
إذا عرفت الذين اختارهم الله واصطفاهم لقيادة الأمة فيجب عليك طاعتهم والانضمام إلى حزبهم والبراءة من أعدائهم ومن لم يسلم لهم، وليس لك الحق ـ بعد ذلك ـ ان تعترض على علم من اختارهم الله فهو ادرى بما يريد، نعم لك الحق ان تستفهم وتتعلم منهم فلا يجوز التقدم عليهم والتأخر عنهم.
والمسألة واضحة فالخلافات بين الصحابة ـ كما قلنا ـ لم تكن عقائدية، بل حسد البعض من اختارهم الله ونازعوهم ما منحه الله لهم دون سواهم، فكان ان افترقت هذه الأمة وسارت حذو الأمم السابقة، ثم تغلف النزاع بمسائل عقائدية لا تعد ولا تحصى يضيع فيها الباحث عن الحق فلا توجد مسألة وإلاّ وفيها خلاف إلاّ القليل من الاجماعات البديهية.
إذاً النزاع الأصلي في الواقع بين المسلمين على مسألة الامامة والولاية، وقد صدق الشهرستاني حيث قال: "واعظم خلاف بين الامة خلاف الامامة، إذ ما سل سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الامامة في كل زمان..."(2) .

(1) نهج البلاغة: 386، تعليق صبحي الصالح، دارة الاسرة للطباعة والنشر.
(2) الملل والنحل: 1 / 24.