المستبصرون » من حياة المستبصرين

كريشا باباليان - روسيا - مسيحي

فهرس المطالب:

يقول "كريشا" في رسالة يشرح فيها كيفية إسلامه.
"إنّني من الجالية الروسية، ولدت في أسرة مسيحية ملتزمة بدينها، فلمّا كثر الاضطهاد الديني من قبل التيار الشيوعي المهيمن على دفّة الحكم، قرّرنا الهجرة إلى إيران ليكون لنا الحريّة الكاملة لممارسة طقوسنا الدينية، ثُمّ التحقت في إيران بالمدرسة، فكان كافّة زملائي من المسلمين، فحصل لي نوع من حبّ الاستطلاع لمعرفة الإسلام.
قرأت القرآن وحفظت بعض سوره، كما أنّني طالعت بعض الكتب المدوّنة حول الإسلام، فأعجبني من الإسلام قانون المساواة بين البشر، والأخوّة بين المسلمين، ومبدأ الحثّ على العفو والإيثار والتعاطف والمحبّة.
أعجبني من الاسسلام أيضاً تحريمه للخمور والفسق والفجور والانحطاط، ودعوته إلى الكمال والتسامي والارتقاء، فلم أسمح لنفسي لحظة واحدة بعد معرفتي بالإسلام أن أبقى في دائرة الضلال التي كنت فيها، فقررت أن اعتنق الإسلام، وبقيت فترة على هذه الحالة حتّى وفّقني الله لذلك، وأنا أفخر حالياً أن هداني الله إلى سواء السبيل.

تحمّلت الغربة فلماذا لا استبصر؟!

عرف "كريشا" بأنّ هجرته إلى إيران وتحمّله للغربة لم تكن إلاّ للحفاظ على دينه المسيحي الذي ورثه من آبائه، ولكنه بعد تعرّفه على الإسلام، ومقارنته بين ما عليه من المسيحية والإسلام وقع الشك في قلبه إزاء أحقّية الدين المسيحي.
وطرء هذا التساؤل في قلبه: هل يستحق الدين المسيحي هذا الاهتمام ليتحمّل من أجله عناء الهجرة ومرارة الغربة؟!
ومن هذا المنطلق عرف "كريشا" فراغ معتقداته الموروثة وعظمة الدين الإسلامي، وعرف بأنّ العبادة في المسيحية عبارة عن عبادة ساعات في يوم الأحد من كلّ أسبوع، وبمجرد أن يخرج الإنسان من الكنيسة فإنّه يقبل على حياة مليئة بالكفر والإلحاد وتحدّي تعاليم المسيح، ولكن الإسلام عبارة عن عقيدة متجدّدة دائماً، وهي التي تدعو معتنقيها ليعيشوا مع الله، وليس دين الإسلام مجرد مفاهيم وتعاليم نظرية فقط .

تعاليم القرآن:

وجد "كريشا" بأنّ تعاليم القرآن عبارة عن مرشد أبدي للبشرية، وأنّه كتاب هداية لكلّ من يريد الاهتداء بنوره.
وأكبر دليل على ثبوت نزول القرآن من قبل الله تعالى، أنّه تعالى تحدّى البشرية ليأتوا بمثله، وقد مرّت قرون مديدة ولكن لحدّ الآن لم يتقدّم أحد لمقاومة هذا التحدّي.
وتمنّى "كريشا" أن يكون ممن يفهم اللغة العربية ليستمتع بحلاوة بلاغة القرآن وفصاحته وتأثيره المباشر، ولكنّه عرف بأنّ الله تعالى لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها، فأخذ يطّلع على مضامين القرآن عن طريق قراءة ترجمته، والتأمّل في محتوى ما يريد الله تعالى إخبار الإنسان به.

مقارنة الحقيقة الإلهية عند المسيحية والإسلام:

وجد "كريشا" بأنّ المسيحية تؤمن بأنّ الله ثلاثة، وعبادة المسيحيين لله تعالى لا تنسجم مع عظمته ولا جلالة قدره، فإنّهم يقولون في الصلاة الربانية:
"أبانا الذي في السماوات، ليتقدّس اسمك، لتأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا في تجربة ولكن نجّنا من الشر"(1).
وعندما يتأمّل الإنسان في هذه الصلاة يجد بأنّها خالية عن التمجيد لله تعالى والثناء عليه، وأنّها لا تليق بعظمة الله تعالى.
ولكن عندما يتأمّل الإنسان في الحقيقة الإلهية في الإسلام يجد أنّ الله تعالى واحد أحد صمد، وهو الرحمن الرحيم، وهو المتنزّه عن المكان والزمان والجهة وغيرها من الصفات السلبية.

ويقرأ المسلم في صلاته: بِسمِ اللّهِ الرَّحمـَنِ الرَّحِيمِ (الحَمدُ للّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * الرَّحمـنِ الرَّحِيمِ * مَـلِكِ يَومِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعبُدُ وإِيَّاكَ نَستَعِينُ * اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ * عَلَيهِم غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلاَ الضَّالِّينَ) (الفاتحة:1-7).
وتتضمّن هذه الصلاة الثناء على الله والحمد له ووصفه بالربوبية والرحمة والتصريح بعدم وجود جهة مستقلة لداتها في القوّة والقدرة ليحق للإنسان الاستعانة بها من دون إذن الله تعالى.
فالله تعالى هو الوحيد المستحق على نحو الاستقلال وبالذات بالقوّة والقدرة والعلم والحياة، وسائر الكائنات كلّها تستمد منه القوّة والقدرة والعلم والحياة فلا يحق الاستعانة بغير الله على نحو الاستقلال.
وهذا بعكس ما تقوله المسيحية بأنّ الله ثالث ثلاثة، وأنّ المسيح هو الله، وروح القدس هي الله، وغير ذلك من الأمور التي تنافي عظمة الله وقدرته وتنسب ألوهيته إلى غيره.
وبصورة عامّة فعقائد الإسلام تنسجم مع العقل والفطرة على خلاف العقائد المسيحية التي لا يقبلها العقل، ولا تنسجم مع فطرة الإنسان السليمة.

(1) الكتاب المقدّس (العهد الجديد)، إنجيل متى: 10.