المستبصرون » من حياة المستبصرين

كوليبالي سياكا - ساحل العاج - مالكي

فهرس المطالب:

ولد عام 1391هـ ، (1972م)، في ساحل العاج، ونشأ في أسرة مالكية المذهب، واصل دراسته حتّى المرحلة الثانوية، ثُمّ درس العلوم الدينية وفقاً للمذهب المالكي.
بدأت قصّة استبصاره بعد ذهابه إلى المركز الثقافي اللبناني الواقع في مدينة آبيدجان لمواصلة الدراسة، والتعرّف على العقائد الشيعية.
بدأ يطرح "كوليبالي" المسائل الخلافية التي تخطر على باله مع مسؤول المركز، فكان المسؤول يعطيه الإجابات الكافية والمقنعة، ويرشده إلى مراجعة المصادر السنية المؤيّدة لقول الشيعة.

كيف تعامل الشيعة معنا؟

يقول "كوليبالي": كنّا مع باقي أتباع السنّة نمارس أعمالنا المذهبية وفقاً للمذهب السني في المركز الثقافي، ولم نواجه أيّ لون من ألوان التعصّب للعقائد الشيعية من قبل مسؤول المركز، بل كان المسؤول يعرض علينا عقائد الشيعة بهدوء وتأنّي وبدون استعجال أو استفزاز.

لماذا لا تأخذ الشيعة بمذاهب أهل السنّة؟

قرأ "كوليبالي" بعض الكتب الشيعية من قبيل: المراجعات، عقائد الإمامية، "ثُمّ اهتديت"، فتأثّر بهذه الكتب، ومن أهم المواضيع الملفتة للنظر في كتاب المراجعات:
قال الشيخ سليم البشري للعلاّمة شرف الدين في المراجعة الخامسة:
"أخذت كتابك الكريم مبسوط العبارة، مشبع الفصول، مقبول الأطناب، حسن التحرير، شديد المراء، قوي اللداد، لم يألو يدّخر وسعاً في بيان عدم وجوب اتّباع شيء من مذاهب الجمهور في الأصول والفروع، ولم جهداً في إثبات بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً.
فكتابك قوي الحجة في المسألتين، صحيح الاستدلال على كلّ منهما، ونحن لا ننكر عليك الإمعان في البحث عنهما، واستجلاء غوامضها، وإنّ لم يبق منّا التعرّض لهما صريحاً، والرأي فيهما ما رأيت.
وإنّما سألناك عن السبب في إعراضكم عن تلك المذاهب التي أخذ بها جمهور المسلمين فأجبت بأنّ السبب في ذلك إنّما هو الأدلّة الشرعيّة، وكان عليك بيانها تفصيلاً، فهل لك أن تصدع الآن بتفصيلها من الكتاب أو السنّة أدلة قطعية تقطع ـ كما ذكرت ـ على المؤمن وجهته، تحول بينه وبين ما يروم، ولك الشكر والسلام.

فأجابة العلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدين:

إنّكم بحمد الله ممن تغنيه الكناية عن التصريح، ولا يحتاج مع الإشارة إلى توضيح، وحاشا لله أن تخالطكم ـ في أئمّة العترة الطاهرة ـ شبهة، أو تلابسكم ـ في تقديمهم على من سواهم ـ غمّة، وقد آذن أمرهم بالجلاء، فأربوا على الأكفّاء، وتميّزوا عن النظراء، حملوا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) علوم النبيين، وعقلوا عنه أحكام الدنيا والدين.
ولذا قرنهم بمحكم الكتاب، وجعلهم قدوة لأولى الألباب، وسفناً للنجاة إذا طغت لجج النفاق، وأماناً للأمّة من الاختلاف إذا عصفت عواصف الشقاق، وباب حطة يغفر لمن دخلها، والعروة الوثقى لا انفصام لها.
وقد قال أمير المؤمنين: فأين تذهبون وأنّى تؤفكون؟ والأعلام قائمة والآيات واضحة والمنار منصوبة فأين يتاه بكم؟! بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم؟! وهم أزمة الحقّ، وأعلام الدين، وألسنة الصدق، فانزلوهم بأحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش.
أيها الناس خذوها من خاتم النبيين(صلى الله عليه وآله وسلم): أنّه يموت من مات منّا وليس بميت، ويبلى من بلي منّا وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون، وأعذروا من لا حجّة لكم عليه وأنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر، وأترك فيكم الثقل الأصغر، وركزت فيكم راية الإيمان؟!(1)
وقال(عليه السلام) انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم واتبعوا أثرهم فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم في ردى، فإن لبدوا فالبدوا، وإنّ نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم فتضلّوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا"(2).
وذكرهم(عليه السلام) مرة فقال: "هم عيش العلم وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخافون الحقّ ولا يختلفون فيه، هم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام، بهم عاد الحقّ إلى نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية، فإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل"(3).
وقال(عليه السلام) من خطبة أُخرى: "عترته خير العتر، وأسرته خير الأسر، وشجرته خير الشجر نبتت في حرم وبسقت في كرم لها فروع طوال وثمرة لا تنال"(4).
وقال(عليه السلام):: نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب، ولا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمّي سارقاً، إلى أن قال في وصف العترة الطاهرة: "فيهم كرائم القرآن، وهم كنوز الرحمن، إنّ نطقوا صدقوا، وإنّ صمتوا لم يسبقوا، فليصدق رائد أهله، وليحضر عقله"(5).
وقال(عليه السلام) في خطبة له: "واعلموا أنّكم لن تعرفوا الرشد حتّى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتّى تعرفوا الذي نبذه، فالتمسوا ذلك من عند أهله، فإنّهم عيش العلم، وموت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق"(6).
إلى كثير من النصوص المأثورة عنه في هذا الموضوع نحو قوله(عليه السلام): "بنا اهتديتهم في الظلماء، وتسنّمتم العلياء، وبنا انفجرتم عن السرار وقر سمع لم يفقه الواعية"(7).
وقوله: "أيها الناس استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متّعظ، وامتاحوا من صفو عين قد روقت من الكدر"(8).
وقوله: "نحن شجرة النبوّة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم وينابيع الحكم، ناظرنا ومحبنا ينتظر الرحمة، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة"(9).
وقوله: "أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى.
إنّ الأئمّة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم ـ إلى أن قال عمن خالفهم ـ : "آثروا عاجلاً وأخروا آجلاً، وتركوا صافياً، وشربوا آجناً"(10).
وقوله: "فإنّه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حقّ ربّه وحقّ رسوله وأهل بيته مات شهيداً ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النيّة مقام إصلاته لسيفه"(11).
وقوله(عليه السلام): "نحن النجباء، وأفراطنا أفراط الأنبياء، وحزبنا حزب الله عزّ وجلّ، والفئة الباغية حزب الشيطان، ومن سوّى بيننا وبين عدونا فليس منّا"(12).
وخطب الإمام المجتبى أبو محمّد الحسن السبط سيّد شباب أهل الجنّة فقال: "اتّقوا الله فينا فإنّا أمراؤكم"(13).
وكان الإمام أبو محمّد عليّ بن الحسين زين العابدين وسيّد الساجدين إذا تلا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119)، يدعو الله عزّ  وجلّ دعاءً طويلاً، يشتمل على طلب اللحوق بدرجة الصادقين والدرجات العلية، ويتضمّن وصف المحن وما انتحلته المبتدعة المفارقة لأئمّة الدين والشجرة النبوّية، ثُمّ يقول "وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا، واحتجّوا بمتشابه القرآن، فتأوّلوا بآرائهم، واتّهموا مأثور الخبر فينا ـ إلى أن قال ـ : فإلى من يفزع خلف هذه الأمّة، وقد درست أعلام هذه الملّة، ودانت الأمّة بالفرقة والاختلاف، يكفّر بعضهم بعضاً والله تعالى يقول: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاختَلَفُوا مِن بَعدِ مَا جَاءهُمُ البَيِّنَاتُ) (آل عمران:105)، فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة، وتأويل الحكم؟ إلاّ أعدال الكتاب، وأبناء أئمة الهدى ومصابيح الدجى، الذين احتج الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجّة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلاّ من فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وبرأهم من الآفات، وافترض مودّتهم في الكتاب"(14).
هذا كلامه(عليه السلام) بعين لفظه، فامعن النظر فيه، وفيما تلوناه عليك من كلام أمير المؤمنين، تجدهما يمثلان مذهب الشيعة في هذا الموضوع بأجلى مظاهره. واعتبر هذه الجملة من كلامهم نموذجاً لأقوال سائر الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) فإنّهم مجمعون على ذلك، وصحاحنا عنهم في هذا متواترة، والسلام(15).

إعلان الاستبصار:

أعلن "كوليبالي" استبصاره عام 1407هـ ، (1987م)، ثُمّ سافر إلى سوريا لإكمال دراسته الدينية، وبعد التخّرج من الحوزة العلمية في سوريا عاد إلى مدينة آبيدجان، وبدأ نشاطه الثقافي والإعلامي في المركز اللبناني الثقافي، وأصبح من الخطباء والمبلغين والمدرسين. واستبصر العديد من الأشخاص على يده.

(1) نهج البلاغة، شرح محمّد عبده 1: 153، رقم 87 .
(2) نهج البلاغة شرح محمّد عبده 1: 189، رقم 98.
(3) نهج البلاغة شرح محمّد عبده 2: 232، رقم 239.
(4) نهج البلاغة شرح محمّد عبده 1: 185، رقم 94.
(5) المصدر السابق 2: 43، رقم 154.
(6) المصدر السابق 2: 32، رقم 147.
(7) المصدر السابق 1: 38، رقم 4.
(8) المصدر السابق 1: 201، رقم 105.
(9) نهج البلاغة شرح محمّد عبده 1: 215، رقم 109.
(10) المصدر السابق 2: 27، رقم 144.
(11) المصدر السابق 2: 133، رقم 190.
(12) ينابيع المودّة 2: 376.
(13) مجمع الزوائد 9: 172.
(14) ينابيع المودّة 2: 367.
(15) المراجعات، العلاّمة عبد الحسين شرف الدين: 65 ـ 70.