المستبصرون » من حياة المستبصرين

موريس جل - البوسنة والهرسك - حنفي

فهرس المطالب:

ولد عام 1388هـ (1969م) في مدينة متيس في فرنسا، ونشأ في أسرة حنفية المذهب، واصل دراسته حتّى حصل على شهادة الثانوية، ثمّ هاجرت عائلته إلى البوسنة فدرس في المدارس الدينية في "سراييفو" بالبوسنة، وتخّرج منها مبلّغاً وخطيباً.

لقاؤه بالشيعة:

يقول "موريس": كنت مغرماً بالشرق، وأحبّ السفر إليه، ولم أكن أعرف الشيعة قبل مجيئي إلى دول الشرق، وكان من جملة الدول التي زرتها إيران، فالتقيت بها بالشيعة، وتعرّفت على مذهبهم الذي كان جديداً عليّ فشغفت بالبحث عنه والتحقيق حوله.
بدأت بالبحث والسؤال، وكنت أكتشف كلّ يوم شيئاً جديداً لم أسمع به من قبل، وراجعت الكتب السنية والمصادر الأساسية فوجدت إمكان إثبات الكثير مما يذكره الشيعة من خلال الكتب والمصادر السنية.
ومن هذا المنطلق عرفت مظلومية أهل البيت(عليهم السلام)، وكيف حاولت السلطات الجائرة إخفاء مناقبهم، وجعل الحواجز بينها وبين المسلمين، ولكنني بعد الاطلاع على هذه المناقب قرّرت التحرّر من موروثاتي العقائدية، والانتماء إلى مذهب يفرض نفسه عليّ بالدليل والبرهان، ولهذا لم تمض فترة بعد البحث إلاّ وجدت نفسي من أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، فأعلنت استبصاري عام 1997م في إيران، ثمّ بقيت فيها لطلب المزيد من علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام).

الصعوبات التي واجهتها:

يقول "موريس": قد يظنّ البعض أنّ عملية الاستبصار سهلة ويسيرة ويمكن اجتيازها ببساطة، ولكن الأمر ليس كذلك.
وأمّا بالنسبة إلى تجربتي فإنّني كنت شيخاً ومدرّساً ومبلّغاً في المدرسة الدينية في "سراييفو" لمدّة ست سنوات، وفي "البوسنة" لمدّة أربع سنوات، وفي "المانيا" لمدّة سنتين، ولم يكن من السهل عليّ تحطيم كلّ تلك المكانة التي امتلكها، والبقاء في أرض الغربة من أجل الدفاع عن العقيدة، ولكنه تعالى يسّر لي هذا الأمر ووفقني إليه ومنحني القوّة لمواجهة كلّ العقبات التي اعترت طريقي حين وبعد الاستبصار.

لماذا ترك مدرسة الخلفاء:

وجد "موريس" بأنّ تقديسه للخلفاء قبل الاستبصار كان من منطلق الاتّباع الأعمى لموروثة العقائدي، ولكن عندما اتّضحت له الأمور بعد البحث والتحقيق، وعرف الحجم الحقيقي للخلفاء، وجد من السهل الإعراض عنهم والالتحقاق بركب أهل البيت(عليهم السلام) ولا سيّما اتّباع الإمام علي(عليه السلام) بدل اتّباع غيره.
ومن أهم الأمور الملفتة للنظر في خصوص معرفة مقام الإمام علي(عليه السلام) هي كيفية تعامل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) معه(عليه السلام)، والفضائل التي بيّنها(صلى الله عليه وآله وسلم) بامر من الله تعالى لمن يريد معرفة المصدر الذي يمكن الوثوق به بعد التحاق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى.

حديث المنزلة:

يعدّ حديث المنزلة من أبرز الأحاديث المبيّنة لمكانة الإمام علي(عليه السلام)، ولا يخفى أنّ هذا الحديث من الأحاديث المتّفق عليها بين الشيعة وأهل السنّة وقد ورد في الصحيحين.
وجاء في هذا الحديث أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال للإمام علي(عليه السلام): "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي"(1).
ولا يخفى أنّ من أبرز منازل هارون من موسى هي الخلافة، حيث قال هارون لموسى (اخلُفنِي فِي قَومِي) (الأعراف:142).
ومنها: الوزارة، حيث قال موسى في دعائه: (قَالَ رَبِّ اشرَح لِي صَدرِي * وَيَسِّر لِي أَمرِي * وَاحلُل عُقدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفقَهُوا قَولِي * وَاجعَل لِّي وَزِيرًا مِّن أَهلِي * هَارُونَ أَخِي * اشدُد بِهِ أَزرِي * وَأَشرِكهُ فِي أَمرِي) (طه:25-32).
وقال تعالى: (وَلَقَد آتَينَا مُوسَى الكِتَابَ وَجَعَلنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً) (الفرقان:35).
والحديث الشريف الوارد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يكشف بوضوح ثبوت كلّ هذه المنازل للإمام علي(عليه السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما كانت ثابتة لهارون.
ولا يخفى بأنّ وفاة هارون قبل موسى لا يضرّ في دلالة هذا الحديث ; لأنّ الحديث عام ولو كان هارون حيّاً بعد موسى لكان هو الخليفة من بعده.
كما ظنّ البعض بأنّ هذا الحديث ورد فقط في غزوة تبوك عندما خلف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام علي(عليه السلام) في المدينة فقال له هذا الحديث، ودلالته هو الخلافة الموقّتة على المدينة فترة غياب الرسول عنها، ولكن هذا الحديث غير مختص بغزوة تبوك، بل قاله الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في موارد متعددة، منها: قاله لأمّ سلمة(2)، ويوم سدّ أبواب دور الصحابة إلاّ باب دار الإمام علي(عليه السلام)(3)، ويوم المؤاخاة(4)، و...
ومن هنا نستنتج بأنّ هذا الحديث من الأحاديث الدالة بوضوح على أحقّية الإمام علي(عليه السلام) بالخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأحقّية اتّباعه بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن أبرز الأدلة هذا الحديث على مقام سام للإمام علي(عليه السلام) أنّ معاوية بن أبي سفيان أمر سعد بن أبي الوقاص بسبّ الإمام علي(عليه السلام) وهذا الحديث من أبرز الأدلّة التي تدل على مقام الإمام عليّ(عليه السلام) السامي أن معاوية فامتنع سعد من ذلك.
فقال له معاوية: ما منعك أن تسب أبا تراب؟
فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهن أحبّ إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي: خلفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي(5)...

الأدلة مقنعة:

عندما وجد "موريس" الأدلة المقنعة التي تفرض عليه اتّباع الإمام علي(عليه السلام)وأهل البيت(عليهم السلام) لم يتردد أبداً في الاستبصار، ولم يتمهّل في هذا الأمر ليفسح للشيطان المجال لوسوسته وصرفه عن اتّخاذ قرار تغيير انتمائه المذهبي.
وفي عام 1416هـ (1997م) أعلن "موريس" استبصاره، ثمّ التحق بالحوزة العلمية ليكتسب المزيد من علوم آل محمّد(عليهم السلام)، وليوسّع آفاق معرفته الدينية، وليكون بعد ذلك قادراً على دعوة الآخرين إلى الحق والحقيقة.

(1) صحيح مسلم 4: 1489، ح2404.
(2) تاريخ مدينة دمشق 42: 169.
(3) تاريخ مدينة دمشق 42: 141، 165.
(4) المناقب، الخوارزمي: 140، ح159.
(5) صحيح مسلم 4: 1490، ح2404.