المستبصرون » من حياة المستبصرين

محمد عبد الله - بنين - مالكي

فهرس المطالب:

ولد سنة 1402هـ (1982م) في دولة "بنين" مدينة "باكو"، ونشأ في أُسرة تنتمي إلى المذهب المالكي، أكمل دراسته الابتدائية، ثمّ أرسله والده إلى مدرسة دينية وهابية.
يقول "محمّد": كان لي صديقاً منذ أيام الطفولة، قضيت معه فترة طويلة، حتّى أنتهى بنا المطاف إلى الافتراق، وحيث كان صديقي شيعياً فلهذا ذهب إلى مدرسة الشيعة في بلدتنا تعرف بمدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، وحيث كان والدي وهابي المعتقد فلهذا ألحقني بمدرسة دينية وهابية، لتتسع معرفتي بالمذهب الوهابي.
وبعد فترة التقيت بصديقي الشيعي، وكان هذا اللقاء مباركاً ; لأنّه حفّزني للمزيد من التعقّل وترك التعصب الجاهلي.

اللقاء المستمر بين الصديقين:

يقول "محمّد" رأيت صديقي يتوضئ بصورة تختلف في بعض أجزائها عمّا تعلمنّاه من علمائنا، فاستغربت فاعترضت عليه وقلت له: وضؤوك هذا باطل!
فابتسم صديقي، ثمّ بدأ يبيّن لي وبكل هدوء الأدلّة التي دفعته للوضوء بهذه الصورة، فلمّا اصغيت إلى أدلتّه لم يكن لي جواباً أقدّمه إليه، ولكنني كنت واثقاً بأنّ علمائنا أعرف بالحقّ من صديقي، ولكي لا أصاب بالهزيمة أمام صديقي، قلت له بأنّي سأبيّن لهم وسأتيك بالجواب.
وفي اليوم الثاني ذهبت إلى المدرسة وكتبت آية الوضوء على لوحة الصف، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمتُم إِلَى الصَّلاةِ فاغسِلُوا وُجُوهَكُم وَأَيدِيَكُم إِلَى المَرَافِقِ وَامسَحُوا بِرُؤُوسِكُم وَأَرجُلَكُم إِلَى الكَعبَينِ) (المائدة:6).
طلبت من الأستاذ أن يشرحها ويبيّن كيفية الاستدلال بها، فأجابني وفق ما تعلمناه سابقاً، فاعترضت عليه بتلك الأدلّة التي واجهني بها صديقي، فرد الأُستاذ بأدلّة ضعيفة جداً، فبينّت له وجه ضعفها، لكنه تذمّر، وحاول التهرّب من البحث ومن هنا بدات الشكوك تتسربّ في عقيدتي، وبدأت أقتنع بادلّة صديقي.
والذي زاد في دهشتي أنّه كيف يقع الاختلاف في الوضوء الذي مارسه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مدى حياته، وما هو منشأ وزمان هذا الخلاف وما هو الحق؟!
وعندها التقيت بصديقي الشيعي مرة أُخرى، وشرحت له ما جرى بيني وبين الأُستاذ، وقلت له بأنّني لم أصل مع الأستاذ إلى النتيجة المطلوبة. لكني مع ذلك أسعى للكشف عن الحقيقة!
فقال لي: ما رأيك أن تأتي لمدرستنا ولو لمدّة شهر واحد، عسى أن يكون هذا الأمر محفّزاً لك في معرفة الحقيقة التي تسعى للبحث عنها؟
فقبلت أقتراحه وذهبت إلى مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، وبدأت بالتحقيق حول موضوع الوضوء والمواضيع الأُخرى بشوق هائم وتعطش لمعرفة الحقيقة.

أضواء على تاريخ منشأ الخلاف في الوضوء:

لم ينقل لنا التاريخ وقوع أيّ اختلاف في صدر الإسلام في خصوص مسألة الموضوع، فلهذا نستنتج بأنّ وضوء المسلمين آنذاك كان وفق وضوء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيا ترى من أين حصلت هذه التلابسات والإبهامات حول هذا الموضوع؟
فلابد من تتبع ما عقب وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في زمان الخلفاء والثلاث لكي يتضح ما هو الحق في المسألة.

الوضوء من عهد أبي بكر وعمر:

لم نعثر في عهد أبي بكر على وقوع الخلاف أنذاك بين المسلمين في الوضوء، فمن الواضح أنّهم لم يغيروا السنّة بعد في هذا المجال، مع العلم بأنّهم حرّفوا ما حرفّوا منها، ولكن لسنا في صدد بيان التحريفات الواقعة أنذاك وكذا لم نعثر على ما يكشف لنا نشوء الاختلاف في عهد عمر بن الخطاب إلاّ في بعض أجزاء الوضوء وهي المسح على الخفين.

الوضوء في عهد عثمان بن عفان:

قد تبين من خلال المراجعة للكتب المعتبرة عند مذهب أهل السنّة أن الاختلاف قد نشاء في زمان الخليفة الثالث، فيعتبر هو الذي قام بالتحريف في السنّة النبوية الشريفة في خصوص الوضوء.
فقد أخرج البخاري ومسلم بسندهما عن ابن شهاب: أنّ عطاء بن يزيد الليثيّ أخبره أنّ حمران مولى عثمان أخبره، أنّ عثمان بن عفّان بن عفّان (رضي الله عنه) دعا بوضوءـ فتوضّأ ـ فغسل كفّيه ثلاث مرّات، ثمّ مضمض واستنثر، ثمّ غسل وجهه ثلاث مرّات، ثمّ غسل يده اليمنى إلى المرافق ثلاث مرّات، ثمّ غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثمّ مسح رأسه، ثمّ غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرّات،ثمّ غسل اليسرى مثل ذلك، ثمّ قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) توضّأ نحو وضوئي هذا، ثمّ قال رسول الله: "من توضّأ نحو وضوئي هذا، ثمّ قام فركع ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدّم من ذنبه"(1).
أخرج المتّقيّ الهنديّ، عن أبي مالك الدمشقيّ قوله: "حُدثت أنّ عثمان بن عفّان اختلف في خلافته في الوضوء"(2).
أخرج مسلم في صحيحه، عن قتيبة بن سعيد وأحمد بن عبدة الضبي قالا: "حدّثنا عبد العزيز ـ وهو الدراوردي ـ عن زيد بن أسلم، عن حمران مولى عثمان قال: أتيت عثمان بن عفّان بوضوء، فتوضّأ ثمّ قال: إن ناساً يتحدثون عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأحاديث، لا أدري ما هي! ألا إنّي رأيت رسول الله توضّأ مثل وضوئي هذا ثمّ قال: "من توضّأ هكذا غفر له ما تقدّم من ذنبه"(3).

الأحاديث تحت المجهر:

الملفت للنظر في خصوص الأحاديث الواردة حول الوضوء أنّها تتضمّن العديد من الإشارات الواضحة التي تبيّن لنا حقائق نشير إليها:
أولاً: ما رواه البخاري أنّ عثمان بين لنا كيفيّة وضوء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
كيف أن عثمان مع أنّه لم يروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سوى 146 حديثاً، يروي لنا في كيفيّة وضوء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من 20 حديثاً، مع أن أبا هريرة المعروف عنه أنّه لم يترك شاردةً ولا واردة إلاّ رواها عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والذي روى 5374 حديثاً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لم يذكر هذا النوع من الوضوء، حتّى لم تنقل عنه ورواية واحدة في هذا المضمون؟!!
ثانياً: قول المتقي الهندي في كنز العمال: إنّ عثمان اختلف في خلافته في الوضوء!
كيف يحق لعثمان أن يختلف في الوضوء الذي كان يمارسه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مدى حياته؟!! يا ترى هل كان وضوء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غير صحيح أم أنّ اجتهادات عثمان كانت في مقابل النصّ؟!
ثالثاً: ما رواه مسلم في قول عثمان: إنّ أناساً يتحدثون بأحاديث لا أدري ما هي...؟!!
يظهر جلياً لنا من خلال هذا النصّ أنّ عثمان لم يكن يعرف أحكام الوضوء بصورة كاملة، فكيف مع عدم علمه كما يصرح بأنّه لا يدري يطرح نوعاً من الوضوء ويخضع الناس إلى هذا النوع من الكيفية الخاصة في الوضوء؟!!

الحقيقة تتجلى:

يقول "محمّد" بعد البحث والتحقيق الذي بذلت فيه قصارى جهدي توصّلت إلى النتائج التالية:
1- أنّ وضوء الشيعة هو الوضوء الصحيح، وأنّهم اتبعوا الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه.
2- أنّ الشيعة هم المستمسّكون بالسنّة الصحيحة.
بعد معرفة هذه الحقائق رفضت المذهب الذي كنت أعتنقه، والتحقت بمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) وأعلنت تشيعي وسرت على منهجهم.

(1) صحيح البخاري 1: 52، صحيح مسلم 1: 204 ـ 3.
(2) كنز العمال 9: 443 ـ 26890.
(3) صحيح مسلم 1: 207 ـ 8، كنز العمال 9: 423 ـ 26797.