المستبصرون » من حياة المستبصرين

ادريس حام التيجاني - نيجيريا - مالكي

الترجمة الأولى   (راجع: الترجمة الثانية)

فهرس المطالب:

ولد بمنطقة " اوكني " في ولاية " كوغي " في نيجيريا(1)، ونشأ في أسرة تعتنق المذهب المالكي، حصل على شهادة الثانوية في المدارس الأكاديمية، ثم انتمى إلى احدى المدارس الدينية في منطقته، فدرس العديد من الكتب الفقهية على مذهب الإمام مالك وعلوم القرآن، ومارس نشاطات تبليغية في خدمة الإسلام في منطقته.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) عام 1988م في ولاية " كوغي ".

التعرف على التشيع:

يقول الأخ إدريس: " كانت هوايتي المفضلة مطالعة الكتب وقراءة البحوث الدينية، فكنت أقرأ كل كتاب يقع في متناول يدي مهما كان انتماء مؤلفه المذهبي والثقافي، وكنت أقرأ بعقل منفتح وذهنية واعية لأوسع بذلك آفاق رؤيتي للكون والحياة، واستمر بي الأمر على هذا المنوال حتى اطلعت على الكثير من أفكار ورؤى الأمم الأخرى.
وفي أحد الأيام كنت أسير مع مجموعة من الأصدقاء في طريق الذهاب إلى المدرسة الثانوية، قال أحدنا: إنّي قد سمعت أمراً عجيباً لم أسمع به من قبل!.
فقلنا له: وما ذاك؟
قال: سمعت من أحد أصدقائي أنّ الخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت من حقّ الإمام عليّ ولم تكن من حقّ أبي بكر، وهناك أدلة قوية على ذلك، ويجب على كل مسلم أن يتفحص هذا الأمر بنفسه ولا يبقى تابعاً أعمى يقوده المجتمع حيث يشاء.
فتأثرت كثيراً بهذه المعلومة الجديدة، ورغم مطالعاتي التي كنت اعتبرها كثيرة وجدت نفسي أمام أمر محيّر يمس عقائدي في الصميم، وأنا لا أعرف كيف أواجهه، ولا أهتدي السبيل في علاجه، فذهبت إلى بيت ذلك الشخص لأستفسر منه الأمر بدقة.
فرحب بي أجمل ترحيب، واحتفى بقدومي إليه بكل حرارة، ولمّا استقر بنا المجلس أخذ يبيّن لي بعض الحقائق التاريخية، فسلط الأضواء على بعض الأحداث بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي نهاية المجلس أهداني كتاب " نهج البلاغة " المترجم إلى اللغة الانجليزية وكتاب آخر تحت عنوان " الإمامة " وكتاب " المراجعات " للعلامة عبد الحسين شرف الدين، فأخذت منه هذه الكتب بعد تقديمي جزيل الشكر له وعدت إلى البيت.
أخذت بمطالعة هذه الكتب التي كانت بالنسبة لي من نوع آخر في الطرح والمحتوى ومغايرة للكتب التي قرأتها سابقاً، وكان أكثر مالفت انتباهي في هذه الكتب هو حديث الثقلين المنقول بالتواتر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والذي يوصي فيه أمّته بالتمسك بكتاب الله وعترته أهل بيته (عليهم السلام) ، وكانت كلمة " العترة " مفردة لم تطرق سمعي من قبل، ومصطلحاً جديداً، فبدأت بالبحث لمعرفة مصاديقهم ليتبين لي الأمر الذي صاروا به عدلاً للكتاب السماوي العزيز.

البحث عن مصداق العترة:

بدأت بالبحث في كتب أهل السنة حول أهل البيت (عليهم السلام) ، فوجدت البعض يذهب إلى أنّ أهل البيت هم آل عباس أو آل عقيل، والبعض الآخر يذهب إلى أنّ أهل بيت الرسول (عليهم السلام) نساؤه.
وراجعت كتب الشيعة فرأيتهم يحصرونهم في أصحاب الكساء وذرية الحسين (عليه السلام) ، واستدلوا لإثبات قولهم هذا بآيات من القرآن كآية المباهلة والتطهير.
فكلمة ( أَنْفُسَنا ) في آية المباهلة تشير إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام عليّ (عليه السلام) ، لأنّه نفس الرسول كما ذكر ذلك المفسرون من أبناء العامّة وغيرهم، وكلمة (نِساءَنا)تشير إلى فاطمة(عليها السلام)، وكلمة ( أَبْناءَنا ) تشير إلى الحسن والحسين(صلى الله عليه وآله).
وآية التطهير قد ورد فيها ذكر أهل البيت (عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس في سياق يختلف عن ذكر نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
فبضم هذه القرائن بعضها مع بعض، وجمع كلام المفسرين فيها، يتبيّن للباحث بأنّ عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) هم الذين باهل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بهم نصارى نجران، حيث لم يخرج سواهم في هذا الأمر الخطير مما حدا بالنصارى أن يتراجعوا أمام هذه الوجوه النورانية".

حديث الثقلين ودلالته:

إنّ هذا الحديث متواتر لدى الفريقين، وقد اعترف به العامة والخاصة، ورواه ما يزيد على ثلاثين صحابياً، وقد ذكره الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في أكثر من موطن، كيوم عرفة في حجة الوداع، ويوم الغدير في خطبته، وفي مرض وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعليه فقد تعدّدت روايته عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونورد هنا ثلاثة نصوص شريفة.
1 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وأهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض "(2).
2 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي أو شك أن أدعى، فاجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزّوجلّ وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وأنّ اللطيف الخبير أخبرني إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما "(3).
3 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " يا أيّها الناس، إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي "(4).
والثَقَل: كل شيء نفيس مصون(5)، وقال النووي: " سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل: لثقل العمل بهما "(6).

وأمّا دلالة الحديث:
1 ـ عصمة العترة من الخطأ، حيث أخبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ عترته مع القرآن دائماً، وكل من كان مع القرآن دائماً مصيب دائماً، وكل مصيب دائماً معصوم، فأهل البيت (عليهم السلام) معصومون، فلو جاز عليهم الخطأ لأمروا بالخطأ، ولا شيء من الخطأ يجوز التمسك به، ولمّا وجب التمسك بهم مطلقاً كالقرآن وجب أن يكونوا معصومين.
2 ـ إنّ العترة (عليهم السلام) عندهم علم القرآن الذي فيه تبيان كل شي، فيتعيّن الرجوع إليهم في أخذ معارفه وعلومه وسائر أحكامه لا إلى غيرهم، وقد صرّح الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأعلميتهم بصورة مطلقة في حديث قائلا: " ولا تعلّموهم إنّهم أعلم منكم "(7).
3 ـ عدم صحة التمسك بأحدهما دون الآخر، لأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) رتب الضلال على تركهما معاً، وهذا يعني عدم هداية من يتمسك بالقرآن وحده وتخلف عن العترة، بل لا يكون التمسك بالقرآن تمسكاً به بدون العترة لما يقتضيه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " ولن يفترقا ".
4 ـ وجود إمام من البيت النبوي في كل زمان يجب التمسك به كالقرآن، وهو دليل على وجوب وجود الإمام الثاني عشر (عليه السلام) بدليل قوله: " لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ".
وخلاصة القول في الحديث: هو وجوب إمامتهم دون غيرهم، لوجوب التمسك بهم وأخذ معالم الدين منهم واتباعهم، وعصمتهم ووجود علم القرآن عندهم وأعلميتهم.

حديث " كتاب الله وسنتي ":

حاول البعض معارضة حديث الثقلين المتواتر(8) بحديث " وسنتي "، المذكور في كتب القوم بنصوص هي:
1 ـ رواية مالك بن أنس المتوفى عام 179هـ، وهو أوّل من روى هذا الخبر! حيث ذكره في الموطأ: " وحدّثني عن مالك أنّه بلغه أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنّة نبيّه "(9).
2 ـ رواية الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405 هـ في المستدرك: " حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أنبأ العباس بن الفضل الاسفاطي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، وأخبرني إسماعيل بن محمّد بن الفضل الشعراني، ثنا جدّي، ثنا ابن أبي أويس، حدثني أبي، عن ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خطب الناس في حجة الوداع فقال: " قد يئس الشيطان بأنّ يُعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا يا أيّها الناس، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبداً:
كتاب الله وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ان كلّ مسلم أخ المسلم، المسلمون إخوة، ولا يحل لأمرىء مال أخيه إلاّ ما أعطاه عن طيب نفس، ولا تظلموا ولا ترجعوا من بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض... ".
إلى أنّ قال: وذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة غريب، ويُحتاج إليها. وقد وجدت له شاهداً من حديث أبي هريرة: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ محمّد بن عيسى بن السكن الواسطي، ثنا داود بن عمرو الضبّي، ثنا صالح بن موسى الطلحي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض "(10).
3 ـ رواية ابن عبد البرّ المتوفى سنة 463 هـ، والتي وصل بها خبر الموطأ: " وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا محمّد ابن إبراهيم الديلي، قال: الديلي عليّ بن زيد الفرائضي، قال: حدثنا الحنيني، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) "(11).

هل يعارض حديث " وسنتي " حديث الثقلين؟

في الحقيقة، إنّ هذا الحديث لا يقوى لمعارضة حديث الثقلين، وذلك لعدّة أُمور:
1 ـ هذا الحديث لم يخرجه البخاري ومسلم في كتابيهما، وإنّ مجموعة كبيرة من علماء أبناء العامة يتركون الحديث بتركهما له ولو صح اسناده!
2 ـ إنّ الحديث لم يخرّج أيضاً في الصحاح الستة عندهم!
3 ـ إنّ الحديث لم يخرّج في مسند أحمد بن حنبل، وقد نقل عنه قوله: " انّ ما ليس في المسند فليس بصحيح ".
4 ـ قد صرح غير واحد بغرابته! كالحاكم بقوله الذي مرّ: " ذكر الاعتصام بالسنّة في هذه الخطبة غريب "، وقال أبو نصر السجزي: " غريب جداً "(12).

أمّا الكلام في الأسانيد:
فخبر الموطأ الذي هو عمدة ما ورد فيه لاسند له! وقد قال السيوطي بشرحه: " وصله ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه "(13) وسنذكره في رواية ابن عبد البر.
أمّا خبر المستدرك بروايته ابن عباس، فالمدار فيه على " إسماعيل بن أبي أويس " وهو ابن أخت مالك ونسيبه، ونكتفي بذكر كلمات بعض أئمة الجرح والتعديل، التي ذكرها ابن حجر العسقلاني في كتابه:
" قال معاوية بن صالح، عن ابن معين: هو وأبوه ضعيفان، وعنه أيضاً: ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث، وعنه: مخلّط، يكذب، ليس بشيء ; وقال النسائي: ضعيف، وقال في موضع آخر: غير ثقة ; وقال ابن عديّ: روى عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد ; وقال الدولابي في الضعفاء: سمعت النصر بن سلمة المروزي يقول: ابن أبي أويس كذّاب، كان يحدّث عن مالك بمسائل ابن وهب ; وقال الدارقطني: لا اختاره في الصحيح ; وقال سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل ابن أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم"(14).

وكذا رواية أبو هريرة التي ذكرها الحاكم، ففيها " صالح بن موسى الطلحي الكوفي "، وإليك كلمات الأئمة فيه كما ذكرها ابن حجر العسقلاني أيضاً:
" قال ابن معين: ليس بشي، وقال أيضاً: صالح وإسحاق إبنا موسى ليسا بشي، ولا يكتب حديثهما ; وقال هاشم بن مرثد، عن ابن معين: ليس بثقة ; وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ضعيف الحديث جدّاً، كثير المناكير عن الثقات ; قلت: يُكتب حديثه؟ قال: ليس يعجبني حديثه ; وقال البخاري: منكر الحديث عن سهيل بن أبي صالح ; وقال النسائي: لا يكتب حديثه، ضعيف، وقال في موضع آخر: متروك الحديث ; وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد ; وقال الترمذي: تكلّم فيه بعض أهل العلم ; وقال العقيلي: لا يتابع على شي من حديثه ; وقال ابن حبّان: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات حتى يشهد المستمع لها أنّها معمولة أو مقلوبة، لايجوز الاحتجاج به ; وقال أبونعيم: متروك، يروي المناكير "(15).

أمّا الخبر في التمهيد لابن عبد البر، ففي سنده الكثير من المجروحين، مثل كثير بن عبد الله بن عمر ـ الذي وصل ابن عبد البر الخبر من حديثه ـ وهذه كلمات أئمتهم فيه كما ذكرها ابن حجر العسقلاني كذلك:
" قال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث، ليس بشيء ; وقال أبو خيثمة: قال لي أحمد: لا تحدث عنه شيئاً ; وقال الآجري: سئل أبو داود عنه فقال: كان أحد الكذّابين ; وقال أبو حاتم: ليس بالمتين ; وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه لايتابع عليه ; وقال ابن عبد البر: ضعيف، بل ذكر أنّه مجمع على ضعفه.

مضافاً إلى أنه يروي الحديث عن أبيه عن جدّه، وقد قال ابن حبّان: روى عن أبيه عن جدّه نسخة موضوعة لا يحلّ ذكرها في الكتب ولا الرواية إلاّ على جهة التعجب.
وقال الحاكم: حدّث عن أبيه عن جدّه نسخة فيها مناكير "(16).

وفوق كل هذا لو سلّم بصحته هذا الحديث، فهو خبر آحاد لا يقتضي علماً ولا عملا، ولا ينهض لمعارضة حديث الثقلين المتواتر الذي رواه ما يزيد عن ثلاثين صحابياً كما تقدم.
وأيضاً لو سلّم بصحته، فإنّه ـ من ناحية المدلول ـ لا منافاة بين الوصية بالكتاب والسنة، والوصية بالكتاب والعترة، بل أنّ مفاد حديث الثقلين هو أنّ السنة يجب أن تؤخذ من العترة لا من غيرهم.
وهذا ما فهمه علماء العامة كابن حجر الهيتمي، حيث قال: " وفي رواية " كتاب الله وسنتي " وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب، لأنّ السنة مبيّنه له، فاغنى ذكره عن ذكرها.
والحاصل: انّ الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء من أهل البيت، ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة "(17).
ومما يدل على ذلك أيضاً أن المتقي الهندي ـ مثلا ـ يورد كلا الحديثين في باب الاعتصام بالكتاب والسنة(18)، وايراد حديث الثقلين في هذا الباب يدل على أنّ الاعتصام بالعترة هو أيضاً اعتصام بالسنة، وأنّ السنة الواردة عنهم هي السنة الصحيحة التي يجب التمسك بها.

مناقشات في مدلول الخبر:

أولا: اتفق محدثوا أبناء العامة ومؤرخيهم على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن كتابة أحاديثه لئلا تختلط بالقرآن، فعلى هذا المبنى كيف يصح الجمع بين أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بالتمسك بالسنة ونهية عن كتابتها وجمعها؟!.

ثانياً: لو صح قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين: " تركت فيكم كتاب الله وسنتي"، فكيف جاز لعمر أن يقول: " حسبنا كتاب الله "(19)؟!.
ومن هنا نفهم أنّ الحديث وضعه بعض المتاخرين المعادين للعترة، أو الذين أرادوا توجيه ترك الصحابة للعترة.

ثالثاً: إنّ التمسك بالقرآن والسنة لوحدهما لم يمنع أكثر المسلمين عن الضلال، وقد رأينا أنّ الصحابة قد اختلفوا بينهم في مواقف عديدة، وكان كل منهم يدعم ما ذهب إليه بحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذا وقوع الاختلاف بين فقهاء المسلمين في المسألة الواحدة من الكتاب والسنة، مع أنّ حكم الكتاب والسنة في المسألة الواحدة ثابت لا يتغير ولا يتبدل، وهذا يعني ضلال وخطأ أحد المختلفين!
وقد قال الله سبحانه: (فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ) (يونس: 32)، وقد نهى الله سبحانه عن التفرّق والاختلاف في الدين فقال ـ عزّ من قائل ـ: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (آل عمران: 105).

رابعاً: كيف يأمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسك بالسنة وهو يعلم أنّ المنافقين والمنحرفين سوف يكذبون عليه، حيث قال: " قد كثرت عليَّ الكذّابة فمن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار "(20)، فإذا كانت الكذّابة كثرت عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته فهل يعقل من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يضع لهم مرشداً يدلهم على صحيحها، ويميّز لهم بين غثّها وسمينها، ويبيّن لهم صادقها من المكذوب عليه فيها؟!.

خامساً: إنّ الله سبحانه صرّح في محكم كتابه أنّ القرآن الكريم يحتاج إلى مبيّن، بقوله تعالى: ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل: 44)، فالمسلمون يحتاجون بيان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وشرحه وتوضيحه لدلالات القرآن ومقاصد آياته.
فاذا كان القرآن الذي لا اختلاف فيه ولا يأتيه الباطل من أي جهة بحاجة إلى مبيّن، فكيف بالسنة النبوية؟!، فهي أحوج من القرآن إلى من يبيّنها لكثرة وقوع الاختلاف والدسّ والكذب فيها من قبل المنافقين والمنحرفين.

مرحلة التحرّر من التحجر الفكري:

يقول الأخ إدريس: " كان هدفي أن أكون على بصيرة من ديني كما قال الله سبحانه على لسان نبيّه(صلى الله عليه وآله): ( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) (يوسف: 108)، وبذلك بذلت قصارى جهدي لئلا أكون تابعاً أعمى لعقيدة الآباء، فاجتهدت لتوظيف عقلي في طلب حقائق الدين إذ لا تقليد في العقائد والأصول.

وأحمد الله كثيراً أن هداني إلى طريق لم يدفعني إليه سوى الدليل والبرهان، وهو طريق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأحمده على نعمة العقل، فالعقلاء لا يحجرون أنفسهم على ما لديهم من عقائد وأفكار، بل يبحثون عن الحقّ بشكل متواصل حتى يجدوه وقد قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) (العنكبوت: 69).

(1) نيجيريا: تطل على المحيط الأطلسي قرب خليج غينيا في غرب افريقيا، يزيد عدد سكانها على (130) مليون نسمة، وتعتبر من أكبر دول افريقيا من حيث السكّان، يشكّل المسلمون نسبة 70% من السكّان تقريباً، يتّبع أكثرهم المذهب المالكي، ويشكّل الشيعة نسبة 5% منهم وينتشرون في أغلب المدن النيجيريّة.
(2) أنظر: مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي: 234 (281)، المناقب للخوارزمي الحنفي: 154 (182)، فرائد السمطين للجويني الشافعي: 2 / 143 (436).
(3) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة: 2 / 779 (1383)، والهندي في كنز العمال: 1 / 186 (944) وابن المغازلي في مناقب علي بن أبي طالب: 235 (283)، ويوجد في الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 438، وذخائر العقبى للطبري: 16، وإسعاف الراغبين للصبان الشافعي بهامش نور الأبصار: 103، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 1 / 102، 119، 123، ومجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 163، والطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 150، ومسند ابي يعلى: 2 / 297 (1021).
(4) أنظر: سنن الترمذي: 6 / 124 (3786)، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي: 232، ينابيع المودة للقندوزي: 1 / 99، تفسير ابن كثير: 4 / 110، مصابيح السنة للبغوي: 2 / 457 (2726)، المعجم الكبير للطبراني: 3 / 66 (2680).
(5) أنظر: القاموس المحيط، مادة ثقل: 3 / 342.
(6) أنظر: صحيح مسلم بشرح النووي: 15 / 175 (6175)، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عليّ.
(7) أنظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 163، الدر المنثور للسيوطي 2 / 60، كنز العمال: 1 / 188 (947)، المعجم الكبير للطبراني: 5 / 166 (4971).
(8) أنظر: كتاب " حديث الثقلين وفقهه " لعلي أحمد السالوس.
(9) موطأ مالك: 2 / 321 كتاب القدر.
(10) مستدرك الحاكم: 1 / 171 (318).
(11) فتح المالك بتبويب التمهيد لابن عبد البر: 9 / 283 (682)، التمهيد لابن عبد البر: 1 / 525 (824).
(12) أنظر: كنز العمال، في الاعتصام بالكتاب والسنة: 1 / 188 (955)، نقلا عنه.
(13) أنظر: تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك للسيوطي: 648 (1594).
(14) أنظر: تهذيب التهذيب: 1 / 310 ـ 312.
(15) المصدر نفسه: 4 / 404 ـ 405.
(16) المصدر نفسه: 8 / 421 ـ 423.
(17) أنظر: الصواعق المحرقة، في الآيات الواردة عنهم (عليهم السلام) : 2 / 439..
(18) كنز العمال، في الاعتصام بالكتاب والسنة: 1 / 188.
(19) قال عمر ذلك في يوم وفاة رسول الله وقد ذكرها أصحاب الصحاح والسنن.
(20) أنظر: الكافي للكليني: 1 / 62، الخصال للصدوق: 1 / 225.