المستبصرون » من حياة المستبصرين

حمادي ناجي - رواندا - شافعي

فهرس المطالب:

ولد في رواندا(1) عام 1965م، ونشأ في أوساط أسرة تعتنق المذهب الشافعي، فشبّ معتنقاً لهذا المذهب وفق ما كانت تمليه عليه الأجواء من عادات وتقاليد.
تشرّف بالانتماء لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) عام 1996م في بلاده بمدينة "تشانكو كاميبي ".

اتساع المدّ الوهابي:

يقول حمادي: " أتذكر تلك الفترة الحرجة التي غزا فيها المدّ الوهابي بلادنا بشكل واسع، ولا أنسى التأثيرات السلبية التي خلّفها هذا التيار على مجتمعنا، لأنني ـ وكذلك الآخرون ـ كنا نرى من هذا التيار ظاهرة الأنيق الداعي إلى التوحيد، في حين غاب عنا الباطن الحقيقي! لكنني بالتدريج اكتشفت عبر البحث والدراسة مدى ابتعادهم عن جادة الحقّ ".
وقد تصدى لهذا التيار الفكري أعلام العامة ـ فضلا عن الشيعة ـ مثل الشيخ محمّد عبده، حيث قال أنّهم: " أضيق عطناً وأحرج صدراً من المقلّدين "(2)، فهم يرون وجوب الأخذ بما يفهم من اللفظ الوارد، والتقيّد به بدون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين.

لابد من التحصّن بالمعرفة:

يضيف الأخ حمادي: " بعد مواجهتي لبعض الشبهات رأيت من الضرورة أن التجىء إلى تحصين نفسي بالمطالعة والدراسة المتأنية للآثار و الأخبار الواردة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الصحابة، لأنني كنت أعتقد بعدالة جميع الصحابة، فإنّ التاريخ الذي درسناه ركّز هذا المفهوم في أذهاننا بشكل ملفت للنظر.
ومن ذلك الحين بدأت أقضي معظم أوقاتي في القراءة، فتفتّحت آفاق رؤيتي وشعرت أنني بذلك أتحرّر من الأطر التقليدية التي تحد من انطلاقتي، ومن خلال ذلك اصطدمت بحقائق ووقائع مريرة! فوجدت نفسي مضطرّاً لمراجعة الجذور الأولى، لنشؤ الاختلاف في أوساط الأُمة الإسلامية، ودور الصحابة في ذلك، وسبب تضارب الآثار المروية عنهم، فبذلت قصارى جهدي لحل هذا المأزق.
فقلت في نفسي: إنّ معرفة الرابط بيننا وبين النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، سوف يدلّيني على الشريعة الحقّة التي جاء بها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
وإذا بي أجد أنّ الصحابة هم الذين قد زادوا الطين بلة!، فعند تتبعي لروايات الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) وجدت أنّ قسماً كبيراً منها مروي عن أبي هريرة!.
فقلت: لابد وأن يكون هذا الصحابي على إطلاع تام بحالة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه مما لا شك فيه قد قضى شطراً طويلا من حياته معه ولم يفارقه، ولكن بعد التتبع والبحث وجدت الأمر عكس ذلك تماماً! ".

أبو هريرة في حجمه الحقيقي:

إنّ المتتبع لتاريخ أبي هريرة يجد أنّه لم يعاصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ سنة وبضعة أشهر، وأنّه رجل خامل الذكر كان يسترزق بوضعه للأحاديث!.
فقد نشأ أبو هريرة في " اليمن " وشبّ فيها حتى جاوز الثلاثين من عمره وهو من أهل الجاهلية الذين لم يستضيئوا بنور الإسلام، ثم هاجر إلى المدينة بعد فتح خيبر في السنة السابعة للهجرة بإتفاق أهل الأخبار، ولمّا أسلم لم يكن له مأوى يأوي إليه فسكن الصفَّة(3)، وأخلد إلى الخمول و الكسل فكان يعتاش على ما تجود به أيدي المسلمين، كما ذكر البخاري عن أبي هريرة قوله: " كنت استقري الرجل الآية كي ينقلب بي فيطعمني "(4).
وكان من سمات شخصيته أنّه مزّاح وصاحب دعابة(5)، وكان يتملق الناس ويسلّيهم بكثرة مزاحه وكلامه، حتى قالت عائشة عنه: "لقد كان رجلا مهذاراً"(6)، وعن أبي رافع، قال: " كان مروان ربّما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب حماراً قد شدّ عليه برذعه وفي رأسه خلبة من ليف، فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق الطريق قد جاء الأمير! "، " وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب، فلايشعرون حتى يلقي نفسه بينهم ويضرب برجليه فيفزع الصبيان فيفّرون! "(7)، وفي رواية: " كأنّه مجنون! يريد أن يضحكهم فيفزع الصبيان منه ويفرّون هنا وههنا يتضاحكون "(8).

أبو هريرة في علم الرجال:

ذكرنا ملامح شخصية أبي هريرة وسماتها البارزة، ولقد حاول البعض إحاطة هذا الرجل بهالة من القدسية العجيبة، رغم طعن كبار الصحابة عليه، فالغريب أنّ قسماً من علماء الجرح والتعديل لم يأخذوا ذلك بعين الاعتبار، وكانوا يكيلون بمكيالين!
فقد أعرضوا عن الراوي لطعون أقلّ من تلك التي وردت في حق أبي هريرة، فخالفوا بذلك قواعدهم وخرجوا على ضوابطهم، فلم يمسوه بجرح أو نقد أو تعريض مثل ما كانوا يفعلون بغيره، فاعتبروه عادلاً صادقاً لايستراب فيه ولافي مروياته التي لم يسمعها من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)!!.
والأنكى من ذلك نجدهم يوثقون هذا الرجل رغم أنّ عمر وعثمان وعائشة والإمام عليّ (عليه السلام) وغيرهم قد كذّبوه(9)!.
فقد أخرج ابن عساكر من حديث السائب بن يزيد أنّه سمع عمر يقول لأبي هريرة: " لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس "، وقد غضب عليه عمر من أجل إكثاره في رواية الحديث، فضربه بالدرّة زجراً له ووبخه قائلاً: " أكثرت يا أبا هريرة، وأحرى بك أن تكون كاذباً على رسول الله"(10)، وقد جاء مثل هذا النهي من عثمان وإن لم يكن بتلك الشدّة كما قابله عمر.
وكانت عائشة من أشدّ الناس إنكاراً عليه(11)، وروي عن الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه قال: " إنّ أكذب الناس ـ أو قال ـ أكذب الأحياء على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أبو هريرة الدوسي "(12).
بل أكثر من الكذب حتى سبّب ذلك إلى زوال عدالته وفقدان اعتباره حتى عن ولاية البحرين ـ التي لم تكن من شأنه، لأنّ ديدن عمر في استعمال الولاة كان يقوم على الصحابة غير الكبار، وذلك لابقاء الشخصيات المرموقة التي لها شأن على العموم في المدينة لأغراض كان يرتئيها(13).
وعاد أبو هريرة بعد عزله من منصبه إلى المدينة وأقام بها من جديد، فتلقفه كعب الأحبار اليهودي وأخذ يلقّنه إسرائيلياته ويغذيه من خرافاته(14)!، فكرع أبو هريرة من هذا المنبع إلى الحدّ الذي قال عنه كعب الأحبار: " ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة "(15).

أبو هريرة في عهد بني أميّة:

بقى أبو هريرة على منواله حتى اشتهر في عهد بني أميّة الذين امتطوه وجعلوه من وعّاظهم، فإنّ معاوية بن أبي سفيان وجد ضالته فيه، فقرّبه وحقق له رغباته، واشترى ضميره ليشهد له بالخلافة، وليضع له الأحاديث، ويدلّس له الروايات(16)، وقبل أبو هريرة هذه الصفقة فجعل يروج للأمويين وينشر لهم المناقب المفتعلة، ويطعن على مناوئيهم لاسيما أهل البيت (عليهم السلام) !، فأكثر أبو هريرة من الإشادة بمن هو ليس أهل لذلك، وشجّع الناس على إتباعهم، فباع آخرته بدنياه!.
فقد ذكر عن أبي هريرة أنّه قال: رسول الله: " أُمناء الله: أنا وجبرئيل ومعاوية! "(17)، وفي رواية: " الأمناء ثلاثة: جبرئيل وأنا ومعاوية! "(18)، فكانت أجرته أن جعله معاوية والياً على المدينة(19).
وقد قدّر الأمويون صنيع أبي هريرة معهم، فأغدقوا عليه من أفضالهم وغمروه برفدهم ومنحوه الكثير من العطايا، فلم يلبث أن تحوّل حاله من الضيق إلى السعة، ومن الشقاء إلى الدعة، وبعد التسكع بين الصفّة و طرقات المدينة أصبح له قصراً بالعقيق، وبعد أن كان يستر جسمه بنمرة بالية أضحى يرتدي الخزّ والديباج و الكتان الممشق و الساج المزرور بالديباج(20)، بل وأكثر من ذلك حيث حاولوا أن يرفعوا من شأنه ومكانته الاجتماعية، فزوجوه بسرة بنت غزوان أخت الأمير عتبة بن غزوان، وكان ذلك من قبل معاوية وعلى يد مروان بن الحكم أيام ولايته على المدينة.
ورغم هذه الحقائق فقد عمد بعض المؤرخين ـ الذي يصيغون التاريخ حسب أهوائهم ـ إلى كتمانها والتغطية عليها، لتبقى مرويات أبي هريرة مصونة من الخدش! لأن الصحاح و كثير من كتب العامة تعج برواياته(21)، ويعني الإعراض عنها هدم لمعظم المباني التي يقوم عليها فقههم وأصولهم وتاريخهم و...، فإن مروياته تمثل حصة الأسد في الروايات عندهم، وقد اعتمدوا على رواياته في الأصول والفروع.

روايات أبي هريرة:

قد روت صحاح العامة كثيراً من أحاديثة الموضوعة المستهجنة التي يستقبحها العقل قبل أن يثبت التتبع كذبها ووضعها.
فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما ـ واللفظ للأخير ـ عنه أنّه قال: " جاء ملك الموت إلى موسى فقال له أجب ربّك! فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، فرجع الملك إلى الله تعالى فقال: إنّك ارسلتني إلى عبد لايريد الموت فقأ عيني... "(22).
كما أخرج الشيخان في صحيحيهما بالإسناد إلى أبي هريرة أنّه قال: " كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوءة بعض، وكان موسى (عليه السلام) يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنّه آدَر ـ أي ذوفتق ـ قال:
فذهب مرّة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففرّ الحجر بثوبه، قال فجمع موسى بإثره يقول: ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوءة موسى، فقالوا والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر بعد حتى نظر إليه، فأخذ موسى ثوبه فطفق بالحجر ضرباً، قال أبو هريرة: فوالله إنّ بالحجر ندب ستة أو سبعة ضرب موسى بالحجر! "(23).
وأخرجا من مرويات أبي هريرة الإسرائيلية أيضاً: " قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة بمائة امرأة!! تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل، فأطاف بهنّ، ولم تلد منهن إلاّ امرأة نصف إنسان! "(24).
كما أخرج مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: " الّلهم إنّما محمّد بشر يغضب كما يغضب البشر! وإني قد اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه فأيّما مؤمن آذيته أو سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له كفارة و قربة تقربه بها إليك يوم القيامة "(25).

الوصول إلى الحقيقة:

يقول الأخ أحمد ناجي: " لقد اعتراني الذهول عندما تتبّعت تاريخ أبي هريرة، حتى وجدت هذا الرجل الذي كنّا نعدّه من خيار الصحابة هو أحد وعّاظ السلاطين لبني أمية والمدافعين عنهم ولو على حساب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)والإسلام".
ويضيف: " بعد بحثي وتتبعي تجلّى لي أنّ السلطات الحاكمة لعبت دوراً مؤثراً في تراث أمتنا الإسلامية، خصوصاً نحن أبناء العامة، فإنّ فقهنا وعقائدنا وتاريخنا كان خاضعاً لإشراف ووصاية السلاطين، في حين أني وجدت التراث الشيعي قد سلم ونجا من هذا الأمر، لأنه تلقى ميراثه من النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته (عليهم السلام) الذين اصطفاهم الله لحفظ شريعته وصيانتها من التحريف.
ومن هذا المنطلق وجدت أنّ السبيل الوحيد للنجاة والفوز بسعادة الدارين، هو سلوك نهجهم والانضواء تحت لوائهم، فأعلنت استبصاري عام 1996م بمدينة " تشانكو كاميبي " في رواندا، ووفقني الله تعالى للأخذ بيد زوجتي للمذهب الحقّ، عملا بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ)".

(1) رواندا: تقع في وسط القارة الافريقية، تحيط بها أوغندا وتنزانيا وبروندي وزائير، يقدر عدد السكان فيها حوالي (8) ملايين نسمة، 68% منهم أتباع الديانة المسيحية، أمّا المسلمون فيشكلون نسبة 16% والباقي من أتباع الديانات المحلية، وأغلب المسلمين في هذا البلد من أهل السنّة، ويشكل الشيعة نسبة 5% منهم.
(2) أنظر: الإسلام والنصرانية لمحمّد عبده، وهامشه لمحمّد رشيد رضا: 97.
(3) الصفة موقع مضلل في المسجد النبوي الشريف، وهو مقر مؤقت للمسافرين أو الفقراء حتى يجدوا سبيلا.
(4) أنظر: صحيح البخاري: 3 / 1359 (3505)، فتح الباري للعسقلاني: 11 / 342 (6460).
(5) أنظر: شذرات الذهب للعكبري: 1 / 64 (حوادث سنة 57)، تذكرة الحافظ للذهبي: 1 / 33 (16).
(6) أنظر: الأحكام في الاصول للآمدي: 2 / 121، المسألة التاسعة (الخبر الواحد).
(7) أنظر: المعارف لابن قتيبة: 277، سير أعلام النبلاء للذهبي: 2 / 614، الطبقات لابن سعد: 4 / 251، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 79.
(8) أنظر: البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 79.
(9) أنظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 27 وقد نقل عن النظام.
(10) أنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 2 / 600، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 75.
(11) أنظر: كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 41، سير أعلام النبلاء للذهبي: 2 / 604، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 75.
(12) أنظر: شرح النهج لابن أبي الحديد: 4 / 68.
(13) أنظر: الطبقات لابن سعد: 3 / 214.
(14) أنظر: الطبقات لابن سعد: 4 / 247، المستدرك للحاكم: 1 / 170 (313)، تفسير ابن كثير: 3 / 104.
(15) أنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 2 / 600، تذكرة الحفاظ للذهبي: 1 / 36 (16)، الإصابة للعسقلاني: 7 / 770 (10674).
(16) قال شعبة بن الحجّاج: ممن اشتهر بالتدليس أبو هريرة.
(17) أنظر: تاريخ بغداد للخطيب: 3 / 399 (1524).
(18) أنظر: البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 83.
(19) أنظر: تاريخ الاسلام للذهبي: 2 / 334.
(20) أنظر: الطبقات الكبرى لابن سعد: 4 / 248، سير أعلام النبلاء للذهبي: 2 / 628.
(21) له في البخاري وحده (446) حديثاً، وقد أشار إلى هذا القسطلاني في ارشاد الساري، وقال: انه روى (5374) حديثاً، وكذا في شذرات الذهب للعكبري: 1 / 63 أحداث سنة 71 هـ.
(22) صحيح مسلم: 4 / 843 (2372)، صحيح البخاري: 14 / 116 (6224).
(23) صحيح مسلم: باب فضائل: 1 / 267 (339)، صحيح البخاري: 1 / 107 (274)، وأنظر: مسند أحمد بطرق كثيرة عن أبي هريرة: 2 / 315، صحيح ابن حبان: 14 / 94 (6211).
(24) صحيح البخاري: 3 / 2007 (4944)، صحيح مسلم: 3 / 1275 (1654)، أنظر: مسند أحمد: 2 / 229، 270.
وروى أبو هريرة في رواية أخرى إنهن تسعون، وأخرى سبعون، واخرى ستون، وهذه كلها في صحيح البخاري ومسلم.
(25) صحيح مسلم: 4 / 2008 (2601).