المستبصرون » من حياة المستبصرين

خوشابا شمعون حنا الشيخ (علي الشيخ) - العراق - مسيحي

فهرس المطالب:

ولد عام 1964م في بغداد عاصمة العراق، وترعرع في أجواء عائلة مسيحية ملتزمة بطقوسها الدينية.
يتحدث الأخ خوشابا شمعون حول نبذة عن حياته قائلا:
"في الأيام الأولى من حياتي أجريت لي مراسيم التعميد(1) في الكنيسة كبقية الأطفال، وفي سن السابعة أرسلني والدي لأخذ التناول(2). فكانت هذه الفترة من الفترات الجميلة في حياتي، إذ فيها تعلمت الكثير من الأمور".

التأثر بالأجواء المسيحية المحطية:

يضيف الأخ خوشابا شمعون: "عندما بلغت وأشتد عودي، ترسخت في نفسي هذه العقائد والتعاليم فكنت أمارس الطقوس الدينية من صلاة وصيام، وأذهب إلى الكنيسة بانتظام ولا سيما في (القداس الكبير) عصر يوم الأحد، وتعلمت كيفية اعلان التوبة وطلب المغفرة من الرب، بالاعتراف أمام الأب في الكنيسة، إذ كان الأب يجلس في داخل غرفة صغيرة لا تتعدى متر المربع مصنوعة من الخشب، ولها باب واحد توضع عليه ستارة ذات فتحتين صغيرتين في الوسط منها تقريباً، واحدة للرجال وأخرى للنساء، فكنا نجلس أمام الأب ونعترف له بخطايانا، فيأمرنا بعدم الرجوع إليها ويوجب علينا قراءة بعض الصلوات والتراتيل لمغفرة تلك الخطايا.
وأشتد حبي للمسيحية أكثر حينما بعث والدي أخي الصغير إلى (الدير)، للاشتغال بطلب العلوم الدينية ليصبح (قسيساً). وكان أخي لا يأتي إلى البيت إلاّ مرّةً واحدة في السنة ولفترة قصيرة، ولهذا كان والدي يرسلني لزيارته بين حين وآخر في الدير، فكنت أرى الأجواء الروحية التي كانت تهيمن على ذلك المكان فتترك في نفسي الأثر الروحي، وكذلك كنت أسال أخي عن كيفية الدراسة والموضوعات التي يدرسونها، فكان يحدثني عن مسائل كثيرة لم أكن أفهمها في ذلك الوقت، ولا أخفي فأني كنت في قرارة نفسي أغبطه على تلك الحياة التي يعيشها منزوياً عن الناس والدنيا".

موانع توسيع آفاق المعرفة:

يقول الأخ خوشابا شمعون: "وعندما تجاوزت العشرين تعمقت في المعتقدات المسيحية، ولكن ـ للأسف ـ لا عن وعي وبحث بل عن تقليد أعمى، وقبول كل تعاليم الكنيسة على أنها أمور صحيحة ومسلّم بها على أنها تعاليم سيدنا يسوع المسيح (عليه السلام) .
ولم يكن ليخطر ببالي في يوم من الأيام أن أبحث وأحقق في هذه العقائد، ولعلي لا أكون ملوماً على هذه المسألة، لأني كنت أرى أغلب الناس على هذه الحال، فالانشغال والانغماس في الحياة المادية والدنيوية والتعلق بها، ادى إلى حصر الفكر والعقل في زاوية وجهة واحدة وهي التفكير في تهيئة أسباب ووسائل لحياة سعيدة في الدنيا.
وأما الآخرة والدين والعبادات والعقائد فلم تكن تعدو كونها عادات وتقاليد مأخوذة من الآباء والأجداد ونؤديها تقليداً ليس الاّ.
وكذلك فإن الحضور في الكنيسة لم يكن من أجل تعلم العقائد المسيحية بالشكل الصحيح، بل لمجرد أداء الطقوس التي كانت تأمر بها الكنيسة ولأعلان التوبة وطلب المغفرة، وفي أحسن الأحوال الاستماع إلى بعض النصائح الأخلاقية والتربوية".

عقبة التعصّب والتقديس الوهمي:

يقول الأخ خوشابا: "من أهم المعتقدات التي كنت أؤمن بها بقوة، هي أن المسيحية فقط هي الدين الحق، وباقي الأديان الأخرى كلّها خرافات وأباطيل، فاليهودية باطلة لأن اليهود لم يتبعوا المخلّص يسوع المسيح (عليه السلام) فهم يستحقون غضب الرب، والمسلمون كذلك، وعلى هذا فمن لم يكن مسيحياً فهو لا يدخل الجنة مهما فعل، والمسيحي الذي يؤمن بيسوع المسيح (عليه السلام) ويحبه ويتبعه فإنّ مصيرة لا محالة إلى الجنة مهما كان عمله لأن ذنوبه وخطاياه قد غفرت بالمسيح (عليه السلام) ".

حمل الصورة المشوهة عن الاسلام:

ويضيف الأخ خوشابا: "كانت الصورة التي يحملها أبي عن الإسلام والمسلمين سيئة جداً، فإذا ما دار الحديث حول الاسلام والمسلمين كان والدي يصفهم بشكل سيء، وكان ينقل لنا القصص والحكايات التي تشين بشخصية النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله)، ويقول لنا بأن المسلمين يسيئون إلى يسوع المسيح (عليه السلام) الذي هو ابن الله وإلى أمه، ويكذبونهما ويسخرون منهما، وأني أذكر عندما كان يتلى القرآن من التلفاز كان والدي يأمرنا بأن نغلقه كي لا نستمع إليه.
فكنت أبغض الإسلام في نفسي، وكانت الصورة التي ارتسمت في ذهني عنه هو أنه ليس سوى خرافات وأباطيل جاء بها رجل من الجزيرة العربية اسمه محمّد(صلى الله عليه وآله)، وأن القرآن وهو الكتاب الذي يزعمون أنه سماوي ومقدس كان والدي يقول أنه من كتابة وتأليف محمد(صلى الله عليه وآله) نفسه وينسبونه زوراً إلى الله سبحانه وتعالى، واعتقد بأنّ أغلب المسيحيين متفقون على هذا الاعتقاد!".

توفّر الأجواء المحفزة على البحث:

شاءت الأقدار الالهية أن تشمل الأخ خوشابا رحمة الرب الرحيم بانتقاله إلى إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية، فسنحت له فرصة طيبة للبحث والمطالعة لبعض المسائل الدينية الإسلامية، واللقاء مع الكثير من العراقيين المسلمين في إيران أيضاً، حيث كانت تدور بينه وبينهم النقاشات حول الإسلام والمسيحية ولم تكن تنتهي غالباً بهدوء، إذ أنّهم كانوا يطرحون بعض الاشكالات والتساؤلات عن المسيحية، فكان الأخ خوشابا يعجز عن الاجابة.
فكان يقول في نفسه: أن لكل هذه الاشكالات أجوبة وأن العلماء المسيحيين وآباء الكنيسة هم الذين يقدرون على تفسير المفردات الدينية كالبنوّة والتجسيد والتثليث وغيرها لأنها تعتبر من أسرار المسيحية التي لا يستطيع فهمها وأدراكها الاّ المسيحي المملوء بروح القدس.

التوجه الجاد لمعرفة الاسلام:

يقول الاخ خوشابا: "مضيت في مطالعتي للعقائد الاسلامية، ومن ضمن الكتب التي كان يدفعني الشوق لقراءتها القرآن الكريم وخصوصاً عندما عرفت أن في هذا الكتاب المقدس آيات كثيرة تتحدث عن قصة يسوع المسيح (عليه السلام) وأمه العذارء مريم(عليها السلام).
وشرعت في قراءة الكتاب السماوي (القرآن) ولا سيما الآيات التي تخص عيسى المسيح (عليه السلام) وأمه العذراء(عليها السلام)، فملكني الاعجاب عن الصفات العظيمة التي يصف القرآن الكريم بها المسيح (عليه السلام) وأمه، ولم أكد أصدق فأني كنت أعتقد أن المسلمين ـ وكما ذكرت ـ يسيئون إلى المسيح وأمه(عليها السلام)، ولكني وجدت عكس ذلك تماماً، فالآيات القرآنية التي تتحدث عنهما تذكرهما بكل عظمة ووقار، كما بحثت عن الآيات التي تتحدث عن العقائد المسيحية الاخرى كالتثليث والبنوّة والصلب والفداء وغيرها، فرأيت الأدلة القوية التي يقيمها القرآن الكريم على بطلانها".

بوادر الاقتناع بالدين الاسلامي:

يقول الأخ خوشابا: "بعد هذه المطالعات بدأت أشعر في نفسي بميل نحو هذه الأفكار والمعتقدات التي يطرحها الإسلام، ولكني أخفيت هذا الشعور في داخلي، وكنت أحاول قدر الامكان من خلال لقاءاتي مع المسلمين السؤال عن الشبهات التي كانت تراودني ولكن بصورة لا يفهم منها هذا الميل والشعور".

نشأة حالة صراع العقل والنفس:

يضيف الأخ خوشابا: "مرّت الأيام وكنت كلما أطالع وأبحث كان هذا الميل يزداد، فبدأت أعيش قلقاً وأجد في نفسي صراعاً لكننّي لا أدري ماذا أفعل.
وفي أحد الأيام سمعت أحد العلماء يتحدث عن موضوع هداية الإنسان وموانعها، وتلا آية قرآنية هزتني من أعماقي فكأنها تتحدث عن حالتي بالذات، وهي قوله تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) (الزمر: 17 ـ 18).
وبعدها اشتد هذا الصراع في داخلي أكثر، وملكني القلق والاضطراب، فقد بدأت أشعر بأن عقلي قد بدأ يستسلم لهذه الحجج والأدلة التي يطرحها الإسلام، وبدأت أحس أن هذه الاعتقادات الإسلامية هي أقرب إلى فطرتي من عقائد آبائي وأجدادي، وكذلك قلبي هو الآخر قد تغير، فبعد معاشرتي للمسلمين الملتزمين عن كثب انكشف لي حبهم وتعظيمهم ليسوع المسيح وأمه العذراء(عليهما السلام)ولا سيما من خلال النقاشات، فهم لم يكونوا يذكرون المسيح أو أمه إلاّ واردفوهما بـ (عليه السلام) .
وأيضاً بذكرهم الأحاديث الواردة عن نبيّ الإسلام وأئمة الدين بحق المسيح وأمه(عليهما السلام)، من حيث مدحهم وتعظيمهم كل ذلك أدّى إلى أن تتحول تلك البغضاء وذلك الحقد إلى مودة وأنس".

عقبات دون الاستسلام للحقيقة:

يقول الأخ خوشابا: "بدأت أعيش مزيجاً من الفرح والخوف، ولا أبالغ لو قلت أنه كانت تجري في أعماقي معركة حقيقية بين جنود الرحمن وجنود الشيطان، فجنود الرحمن يدفعونني للاستسلام لنداء الفطرة والعقل واتباع الحق الذي انكشف لي، وفي المقابل كانت جنود الشيطان توسوس لي بانك كيف تستطيع أن تترك دين آبائك وأجدادك؟ وهل حقاً كانوا جميعهم على الباطل غافلين عن هذه الحقائق التي أكتشفتها أنت؟ وكذلك الأمر بالنسبة إلى أهلك فهل تستطيع أن تقنعهم بهذه الحقيقة؟ وهل يقبلونك فيما لو عرفوا بأنك قد تركت دينهم واعتنقت الإسلام وأنت تعلم شدة العداوة والبغضاء التي يحملونها إزاء الاسلام؟ فكل هذه الوساوس كانت تعيش في صدري وتقف حاجزاً دون إذعاني للحق".

قمة الصراع بين العقل والنفس:

وراحت هذه المعركة تشتد في سريرة الأخ خوشابا، حيث يصوّرها قائلا: "أذكر أني ولمدة ثلاثة أيام لم أكن اشتهي طعاماً ولا شراباً فكنت لا آكل إلاّ إذا اشتد بي الجوع، وكذلك أصابتني حالة من الأرق في هذه المدّة، وفقدت القدرة على اتخاذ القرار، لا سيما وأنا شاب واتخاذ قرار مصيري في هكذا ظرف يعتبر أمراً شبه مستحيل.
وفي أحدى الليالي بدأت أتضرع إلى ربي وخالقي ببكاء وبصدق واطلب منه المعونة لإخراجي من هذا الصراع ومن هذا الارتباك والقلق الذي أجهدني، وفي صباح اليوم التالي شعرت في نفسي بقوة عظيمة لم أعهدها من قبل، وأحسست انشراحاً عجيباً في صدري، حطمت بها كل الحواجز والوساوس التي كان يضعها الشيطان في طريق هدايتي، واتخذت أصعب قرار في حياتي بكل سكينة واطمئنان وقررت أن اعتنق الإسلام واتبع سبيل الحق، وأترك دين آبائي وأجدادي التقليدي، فبدأت حياتي الجديدة بهذه الولادة السعيدة".

تعميق المعرفة بالدين الاسلامي:

عكف الأخ خوشابا بعد هذا ولسنين على البحث والمطالعة بشكل دقيق ومكثف، للتعمق في أصول الإسلام وفروعه وآرائه وأحكامه، وكذلك بالبحث والتدقيق في ديانته السابقة وبتعمق أكثر، وقام بالمقارنة بينهما من حيث العقائد والتعاليم فرأى الحق واضحاً جلياً كنور الشمس، وأيقن أن العقيدة التي كان يحملها (المسيحية) فيها من التناقضات ما يأبى العقل عن قبولها فيما كان يعتبرها أسراراً لأن العقل لا يدركها، كالتثليث والبنوّة والتجسيد وغيرها من العقائد، وعلى العكس من هذا وجد كل عقائد الإسلام تبتنى على أدلة عقلية ولا سيما الأصل الذي تعتمد عليه وهو التوحيد إذ فيه من المعارف الالهية ما يجعل الإنسان من خلال فهم تلك المعارف يعيش حياة توحيدية سعيدة في الدنيا قبل الآخرة.

تجربته في الاستبصار:

ويقول الأخ خوشابا الذي سمى نفسه "علي" بعد اعتناقه للاسلام الأصيل: "أعتقد أن التعصب والجهل واتباع الهوى والغفلة هي العوامل الرئيسية التي تصرف الإنسان عن الاذعان للحق وقبوله".
ومن هنا فإنّه يرى بأن البحث والمطالعة والتنقيب لا تنفع لوحدها ما لم يوطن ويمهد الإنسان لها أرضية قبول الحق في قلبه بتهذيب نفسه وتطهير سريرته عن جميع الشوائب التي تقف عقبه دون اذعان الانسان بما لا يتلاءم مع مصالحه الشخصية وموروثاته العقائدية المترسخة في كيانه والممزوجه بعواطفه، والتي لا يتمكن الإنسان أن يتخلى عنها بسهولة إلاّ بعد مجاهدته لنفسه واخضاعها لقبول الحق.

مؤلفاته:

1 ـ "هبة السماء، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام":
صدر عن دار الصادقين للطباعة والنشر سنة 1420 هـ ـ 2000 م.
هو نبذة مختصرة على رحلته من المسيحية إلى الإسلام، وما انكشف له فيها من الحقائق.
يقول المؤلف في خاتمة الكتاب: "وفي الحقيقة فالذي دفعني لكتابة هذا البحث هو احساسي وشعوري بالمسؤولية الانسانية اتجاه أبناء جلدتي، عسى أن يكون صوتاً للحق يقرع آذان قلوبهم فيستفيقوا من نوم الغفلة، فالمشكلة التي يعيشها أغلب أفراد العائلة البشرية ـ وللأسف الشديد ـ هي ابتعادهم عن الهدف الأساس الذي خلقنا من أجله، وصار الهم الشامل لهم هو الدنيا والانشغال بزينتها وزخرفها، وأما الدين والمسائل الروحية والحب الالهي، أصبحت أموراً هامشية عند أغلب الناس أو انّهم غفلوا عنها كلياً.
وأيضاً فهذه دعوة لاخواني المسيحيين الذين ابتعدوا كثيراً عن التعاليم والعقائد التى جاء بها السيد المسيح (عليه السلام) فهم يتبعونه بالاسم فقط، وأما ما يحملونه من عقائد وتعاليم في الوقت الحاضر فهي مخالفة له كثيراً، فالعقائد التوحيدية التي جاء بها، تحولت الى عقائد اشبه بالوثنية كالتثليث والبنوة، والشريعة والناموس الذي أكد عليها وأوصى بها مراراً، طرحت أرضاً واكتفي بدلاً عنها بالنواميس الروحية والايمان المجرد.
فهذه الدعوة لكل مسيحي حرّ باحث عن الحق والحقيقة، أن لا يكتفي بقبول ما يلقى إليه من قبل الكنيسة على أنّه من الامور المسلّمة واليقينة، بل ليجدّ في البحث والتحقيق العميق في عقائده وأمور دينه، لأنها مسألة ذات أهمية كبيرة، فإنّ الحياة الأخروية الأبدية التي نحن مقبلون عليها، سعادتها وشقائها ما هي إلاّ نتيجة لعقائدنا وأعمالنا في حياتنا الدنيا "فالدنيا مزرعة الآخرة" فيجب اعطائها اهتماماً كثيراً من فكرنا ووقتنا، وهذا أمر عظيم وخطير فحرّي باللبيب أن يجهد نفسه وفكره في انتخاب الطريق الذي يوصله الى السعادة في ذلك العالم".
ويتألف هذا الكتاب من مدخل وفصلين:
المدخل يذكر فيه نبذه عن حياته وكيفيه انتقاله من المسيحية إلى الإسلام.
أما الفصل الأول فيحتوي على المواضيع التالية: الكتاب المقدس، العهد القديم، العهد الجديد عيسى (عليه السلام) وحياته في العهد الجديد، والصلب والقيامة، الفداء والخطيئة الأصلية، من هو المسيح في العهد الجديد، الثالوث الأقدس، الشريعة.
وفي الفصل الثاني: فقد تم فيه البحث حول الإسلام، حياة النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله)، دلائل نبوته معاجزه، القرآن الكريم، قصة المسيح في القرآن، الشريعة.

وقفة مع كتابه: ((هبة السماء، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام))

يذكر الكاتب في بداية كتابه نبذة من ترجمة حياته ـ التي تقدم الاشارة إليها ـ ويوضح كيفية استبصاره، ثم يذكر بعض المطالب عن الديانة المسيحية ويعرف بعض مشخصاتها ثم يقارنها بمثيلاتها في الاسلام، ويوضح خلال ذلك الفرق بينهما ويستنبط في الأثناء الأدلة التي ساقته إلى الإسلام.

الكتاب المقدس:
وهو ـ كما يعتقد المسيحيون ـ مجموع الكتب الموحاة من الله، والمتعلقة بخلق العالم وتاريخ معاملة الله لشعبه، ومجموع النبوءات عما سيكون حتى المنتهى، والنصائح الدينية والادبية التي تناسب جميع بني البشر في كل الأزمنة(3).
وينقسم الكتاب المقدس إلى عهدين:
1 ـ العهد القديم.
2 ـ العهد الجديد.
ويعتقد المسيحيون أن العهد القديم كان تمهيداً للعهد الجديد، وأنّ العهد الجديد هو المتمم له.

العهد القديم:
كتب أكثر العهد القديم باللغة العبرانية، ووجدت بعض الفصول باللغة الارامية وهي لغة شبيهة بالعبرانية. والعهد القديم الموجود الآن مأخوذ عن النسخة الماسورية التي أعدتها جماعة من علماء اليهودية في طبرية من القرن السادس إلى القرن الثاني عشر للميلاد(4).
ويتألف العهد القديم من (39) سفراً، وقد قسم اليهود أسفار العهد القديم إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ التوراة أو الناموس.
2 ـ الأنبياء.
3 ـ الكتب.
وقد لاحظ الكاتب هنا بعض النقاط التي أوقفته خلال الدراسة.
1 ـ إن هذه الأسفار قد كتبت خلال فترة خمسة عشر قرناً تقريباً، ومعظم النصوص الأصلية أو كلها مفقودة الآن، إضافة الى هذا فان الكثير منها لا يعرف مؤلفوها ولا ناسخوها ولا متى كتبت، وهي مترجمة من اللغة العبرية الى اللغات الاخرى.
2 ـ تجد في هذه الأسفار وفي مواضع كثيرة نسبة المعاصي والخطايا الكبيرة إلى الأنبياء كشربهم الخمر والزنا بالمحارم وغير ذلك من الأمور التي يأبى كل مؤمن التفكير بها فضلا عن مزاولتها.
3 ـ كثرة التناقضات الموجودة في هذه الأسفار فهي تخالف بعضها، بل هناك تناقضات واضحة في السفر الواحد.

العهد الجديد:
كتب بلغة يونانية تسمى (بالكوني) وهي اللغة العامية ممزوجة ببعض الاصطلاحات العبرانية. وهو الأساس لكل العقائد المسيحية.
ويتألف العهد الجديد من (27) سفراً وهي: الأناجيل الأربعة، وأعمال الرسل، وعدة رسائل لبولس وبطرس ويعقوب ويهوذا ويوحنا، مع رؤية يوحنا.
ويظهر أنها كتبت خلال نصف قرن تقريباً (55 ـ 110 م) فهي لم تر النور دفعة واحدة، ومما يلفت النظر فإنّ المسيحيين يعتقدون أن المسيح (عليه السلام) لم يكتب شيئاً ولم يأمر أحداً من تلاميذه بتدوين أقواله وأعماله.
وتعتقد الكنيسة أنّ الأناجيل كتبت بالوحي والالهام الالهي، فقد جاء في مقدمة العهد الجديد: "كتب العهد الجديد بوحي من الروح القدس في مدّة لا تعدى المائة من السنين، ولقد حفظ الله الانجيل في هذه النصوص رغم الاضطهادات والأخطار"(5).
وأما كيفية الوحي والالهام في كتابة هذه الأسفار فيعتقد المسيحيون أن الالهام الكتابي الذي يقصدونه هو غير الالهام النبوي، فالالهام الكتابي يدل على عمل الله (فوق الطبيعي) الذي يمارسه على مؤلفي الكتاب ليدفعهم الى تدوين الحقائق التي أوحاها وأعطاها للبشر وذلك بمساعدته الدائمة والمباشرة.
إنّ وحي الكتاب المقدس يختلف في مفهومه عن مفهوم الوحي في الإسلام، إذ يعتقد المسلمون أنّ النبيّ لم يكن سوى ناقل لكلام الله، ولا دخل له فيه، وأما الوحي الكتابي عند المسيحين فهو من عمل الله والانسان معاً، فالكاتب في هذا الالهام يحتفظ بشخصيته واسلوبه في الكتابة ولهذا نرى التمايز بين الأسفار المكتوبة بالالهام تبعاً لتغاير اسلوب كتابها(6).
وقد أشار الكاتب إلى بعض الملاحظات والتساؤلات التي تدور حول صحة هذه الأسفار ونسبتها إلى الوحي الالهي:
1 ـ النسخ الاصلية مفقودة، وأقدم نسخة موجود تعود الى القرن الرابع الميلادي.
2 ـ إنّ الكنيسة الاُولى وإلى القرن الرابع تقريباً لم تكن تعترف بأنّ هذه الكتب كتبت بالالهام والوحي والالهي، بل تم ذلك في مجمع نيقية المسكوني سنة (325م) وهنا نستطيع التساؤل هل اختار هذه الكتب من بين مئات غيرها بوحي سماوي أم لا!
3 ـ النصوص المعتمدة هي نصوص مترجمة، ومهما كانت الترجمة دقيقة فهي لا تنقل المراد بشكل دقيق فيمكن أن يتغير المعنى المراد أصلاً.
4 ـ الكتاب السماوي يجب أن لا يشوبه التناقض والاختلاف وإن كان بالوحي والالهام الكتابي، ونحن نجد اختلافاً كثيراً، نشير هنا إلى بعض الاختلافات:
أ ـ الاختلاف في نسب عيسى في الاناجيل.
ب ـ الاختلاف في من حمل الصليب هل هو المسيح أو شخص يدعى سمعان.
ج ـ الاختلاف في مسألة القيامة وتعاليم المسيح بعدها.
5 ـ اعتراف عدد كبير من علماء الكتاب المقدس أنّ الأسفار ليست كلّها ـ على الأقل ـ مكتوبة بالوحي الالهي.

الصلب والقيامة:
إنّ قصة صلب المسيح في الأناجيل الأربعة فيها الكثير من الاختلاف، وكذلك قيامته.
وهنا يلاحظ الكاتب بعض النقاط:
1 ـ إنّ من الأمور المتيقنة في قصة القبض على المسيح (عليه السلام) والتي لا تختلف حولها الأناجيل هي أن التلاميذ كلهم هربوا وتركوه(7)، ويذكر بعض الاناجيل أنّ بطرس تبعه من بعيد(8)، ومع ذلك تفاصيل متابعته للمسيح متناقضة ومختلفة في هذه الاناجيل.
فيأتي السؤال هنا: كيف ينقل متي ويوحنا وهما من التلاميذ قصة حوار رئيس الكهنة مع المسيح (عليه السلام) وهما لم يكونا موجودين؟
2 ـ الاختلاف في كيفية موت يهوذا الاسخريوطي الذي خان المسيح ونهايته، فيكون التفسير الإسلامي بأنّ المسيح لم يصلب وأنّه شبه لهم هو الصحيح. ويؤيد ذلك ما ورد في انجيل برنابا أن يهوذا هو الذي صلب بدل عيسى (عليه السلام) ، ويحتمل أنّ نهايته هذه قد ذكرت في الكتب الاخرى التي رفضتها الكنيسة.
3 ـ الأناجيل والأسفار كلها لم تذكر شيئاً واحداً عن رؤية مريم العذراء والدة السيد المسيح بعد قيامته ولم تحضر عند قبره، وهل يعقل أنّ المسيح (عليه السلام) يظهر لمريم المجدلية التي اخرج منها سبعة شياطين، ولا يظهر لأمه العذراء مريم(عليها السلام)ليهدىء ويخفف من الامها وحزنها؟ ألم تكن هي الأجدر بالظهور لها لأنّها أمه أولا ولمنزلتها الرفعية والمباركة ثانياً؟!

الفداء والخطيئة الأصلية:
يعتقد المسيحيون أنّ آدم وحواء(عليهما السلام) وبسبب خطيئتهما منذ الزمن الأوّل فان الانسان قطع علاقته مع ربه وخالقه، وتخلّى عن الله سبحانه وآدم (عليه السلام) بهذه الخطيئة جعل ذريته كلّها في حال ابتعاد وانفصال عن الله، وكان نتيجة هذا الانفصال موت الانسان، وهكذا دخل الموت الى جميع الناس كعقاب للخطيئة.
ولكن بما أنّ آدم (عليه السلام) قد تاب من خطيئته وقبل الله توبته، لم يتخلَ الله عنه نهائياً، وذلك بسبب توبته الصادقة، بل وعده بالخلاص وبانتصاره على عدوه اللدود الشيطان، ووعد بارسال المخلص والمفدي الذي يفدي البشرية عن خطاياها، ويحمل هو تلك الخطايا عنهم، فتفتح أبواب الملكوت بمجيئة وتتم المصالحة بين الله والانسان من خلاله.
وعندما تم الزمان بعد طول انتظار أرسل الله سبحانه ابنه الحبيب ليفدي البشرية كلها عن خطاياها ويفتح عهداً جديداً بين الله والانسان، وبالآلام والصلب الذي يتحمله هذا الابن (الوحيد) ترفع الخطيئة عن كاهل الانسان ويتطهر منها.
ولاحظ الكاتب بعض الملاحظات على هذه العقيدة:
1 ـ لم ترد هذه العقيدة في الاناجيل الأربعة المهمة، وإنما ظهرت في رسائل بولس فهل يمكن القول أنّ المسيح (عليه السلام) تجاهلها أو نساها.
2 ـ ما هو ذنب الناس منذ القرون الأولى للبشرية، أي من زمن آدم (عليه السلام) حتى زمن المسيح، فهل كلّهم خطاة مع أنّ فيهم أنبياء وأولياء وأتقياء وشهداء كما يذكر الكتاب المقدس بعهديه؟!
3 ـ إنّ هذه العقيدة مخالفة للكتاب المقدس أيضاً، إذ نجد عكس هذه المسألة تماماً في كتاب العهد القديم، مثلاً يقول حزقيل النبي (18:20): "من أخطأ فهو الذي يموت والابن لا يحمل خطيئة ابيه، وكذلك الأب لا يحمل خطيئة ابنه فالبار سيحاسب على بره، والشرير سيحاسب على شروره". وغيرها الكثير.

الثالوث الأقدس:
تعتبر هذه العقيدة السر الأوّل في العقيدة المسيحية، فهي الأساس الذي بنيت عليه المسيحية، كما أنّ التوحيد هو الأساس في الإسلام، وهي عقيدة يشكل فهمها فهي بعيدة عن متناول العقل البشري.
والمسيحيون يلخصون عقيدة التثليث في النقاط التالية:
1 ـ الكتاب المقدس يقدم لنا ثلاث شخصيات يعتبرهم شخص الله.
2 ـ هؤلاء الثلاثة لهم شخصيات متميزة.
3 ـ هذا التثليث في طبيعة الله أبدي وحقيقي.
4 ـ للشخصيات الثلاث جوهر واحد وهي متساوية.
5 ـ لا يوجد تناقض في هذه العقيدة(9).
وقد لاحظ الكاتب هنا عدة ملاحظات هي:
1 ـ اغلاق باب العقل وتعطيله بالقول بأن هذه العقيدة لا يدركها العقل البشري بينما الدين الحق يميز بالعقل، والعقل يرفض فكرة التثليث لأنّه لا يقبل أن يكون الواحد ثلاثة والثلاثة واحد.
2 ـ لم تظهر هذه العقيدة الى الوجود إلا في القرن الثاني وعلى لسان (ترتوليان) فالمسيح (عليه السلام) والرسل والتلاميذ لم يشيروا الى هذه العقيدة.
3 ـ هذه العقيدة تخالف ما جاء في العهد القديم الذى يعتبره المسيحيون كلام الله الموحى.
4 ـ كيف يصح أن نقول أنّ الابن (الاقنوم الثاني) هو مساو للأب في الجوهر والالوهية والقدرة والمجد، وهو في نفس الوقت خاضع له في كل شيء، فاين الوهيته؟.
5 ـ كان المسيح (عليه السلام) كثير العبادة كما يذكر العهد الجديد نفسه، إذ كان كثير الصلاة والصيام وله خلوات للعبادة، وهذا يعني كونه عبداً يؤدي هذه العبادات لمعبوده وخالقه، فهل يعقل أن يكون الله سبحانه يسجد ويصلي ويصوم لنفسه!!

الشريعة:
جاء المسيح مكملاً لشريعة موسى، وهذا ما كان يقوله في تعاليمه لتلاميذه والناس: "لا تظنوا أني جئت لاُبطلَ الشريعة وتعاليم الأنبياء، ما جئت لا بطل، بل لاكمل"(10)، وهو عملياً التزم بالشريعة الموسوية بالاختتان وتقديم الذبيحة ودفع ضريبة الهيكل.
ولكننا نرى الآن أنّ المسيحيين قد تخلوا عن الشريعة الموسوية، وهم ينظرون إلى الشريعة والديانة اليهودية بأنها شريعة وقتية وغير كاملة، بل اعدت استعداداً لمجيء المسيح (عليه السلام)(11).
والذي الغى الشريعة هو بولس حيث يقول: "إن الله لا يبرر الانسان لانّه يعمل بأحكام الشريعة، بل لأنّه يؤمن بيسوع المسيح (عليه السلام) ولذلك آمنّا بالمسيح يسوع ليبررنا الايمان بالمسيح لا العمل بأحكام الشريعة"(12).
ويكمل بولس نظريته ويدّعي أن الشريعة وإن كان مصدرها الله ولكنها اعطيت للبشر عن واسطة الملائكة وهذا دليل على ضعفها(13).
ويستمر بولس في بيان عقيدته فيقول: "إنّ الشريعة باعتبارها مؤدبا وحارساً لشعب الله في مرحلة الطفولة (غل 3:23 ـ 24) كانت تجعله يشتهي براً يستحيل تحقيقه، وذلك حتى يدرك بطريقة أفضل حاجته المطلقه الى مخلص العالم الأوحد، فالمسيح (عليه السلام) بمجيئه أنهى الشريعة فهو نهاية الشريعة وغايتها (رومة: 1 ـ 4)".
ولا ندري كيف يرفض المسيحيون وهم أتباع المسيح (عليه السلام) توصياته بحفظ الشريعة ويقبلون بأفكار رجل كان من أشد أعداء المسيح (عليه السلام) واتباعه ثم اعتنق المسيحية، ثم يدعون أنها تعاليم المسيح (عليه السلام) .

الفصل الثاني:
يتحدث الكاتب في الفصل الثاني من الكتاب عن أبعاد شخصية النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله)وسيرته، فيذكر ولادته ورضاعه وطفولته وشبابه وبعثته وهجرته وفتح مكّه ودلائل نبوته ومعاجزه.

دلائل نبوة النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله):
1 ـ البشارة به في العهد الجديد: وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في عدة آيات(14)، فهو يؤكد ويصرح بمعرفة أهل الكتاب للنبيّ معرفة أبناءهم.
ويمكن اثبات هذه الحقيقة في الاناجيل (العهد الجديد) المتداولة الآن، وبالخصوص انجيل يوحنا، فهو يقول على لسان المسيح: "إذا كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الاب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم الى الابد) (يوحنا 14:15 ـ 16).
وأيضاً: "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بامور آتية" يوحنا (16:13).
وهناك نصوص كثيرة اخرى وكلها تشير بالحقيقة الى الاسم الصريح للنبيّ محمد(صلى الله عليه وآله)، وقد استدل على ذلك مؤلف كتاب (انيس الأعلام في نصرة الاسلام)(15) واثبت أنّ النصوص في انجيل يوحنا تشير إلى النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله)، ولكن علماء الكتاب المقدس ومفسريه هم الذين حرّفوا معنى كلمة المحمود الذي يرادف أحمد الى كلمة المعزّي والمسلي والمعين لتقارب الكلمتين باليونانية الذي ترجم إليها انجيل يوحنا من العبرية(16).
2 ـ معاجز النبي(صلى الله عليه وآله): للنبيّ محمد(صلى الله عليه وآله) معاجز كثيرة كرد الشمس وشق القمر واخباره بالمغيبات، لكن أهمها هو القرآن الكريم.

القرآن الكريم واعجازه:
للقرآن خصائص ذكر الكاتب منها:
1 ـ شموليته: اشتمل القرآن على معارف الهية حقيقية رفيعة واخلاق فاضلة وأحكام تشريعية وأخبار بالمغيبات وقصص وأمثال وحكم ومواعظ وعلوم لم تكن معروفة حتى بعد البعثة بقرون عديدة، ثم اكتشف بعضها العلم الحديث.
2 ـ لا اختلاف ولا تناقض فيه، فآياته تعاضد بعضا بعضاً رغم نزولها في ثلاثة وعشرين سنة وفي حالات وازمنة متفاوتة.
3 ـ ذكره للمغيبات كاخباره بقصص الأنبياء السابقين بشكل يختلف في تفاصيله مع الكتاب المقدس، والأخبار عن الحوادث المستقبلية كالأخبار عن انتصار الروم بعد هزيمتهم(17).
4 ـ بلاغته وفصاحته التي تحدى بها الانس والجن فى أن يأتوا بسورة واحدة من سوره، مع نزوله في زمن كان العرب يشتهرون بالفصاحة والبلاغة وكمال البيان لكنهم وقفوا متحيرين ازاء القرآن، وقد مضى على تحدي القرآن أكثر من اربعة عشر قرنا ولم يجرء أحد على معارضته، مما يدل على اعجاز هذا القرآن الذي جاء به رجل أُمي لا يحسن القراءة والكتابة.

كيف وصف القرآن الكريم المسيح وأمه(عليهما السلام):
القاريء للقرآن الكريم يجد أن هذا الكتاب الالهي ذكر صفات للمسيح (عليه السلام) وأمه قل ما ذكرها لأحد الأنبياء أو احدى النساء، يشير الكاتب الى بعضها ويذكر أولاً ما ورد في القرآن الكريم عن الصديقة مريم العذراء:
ـ إن الله اصطفاها وطهرها، واصطفاها على نساء العالمين، كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَـمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) (آل عمران: 42).
ـ كانت مقبولة عند الله وقد تكفل الله سبحانه تربيتها وانباتها، كما في قوله تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسَن وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً...) (آل عمران: 37).
ـ كانت محدثة حدثتها الملائكة (وهي الوحيدة من النساء اللاتي ذكر القرآن أن الملائكة قد حدثتها)، كما في قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَـمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ...) (آل عمران: 45).
ـ كانت من آيات الله للعالمين، كما في قوله تعالى: (وَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَـهَا وَ ابْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الانبياء: 91).
أما ما جاء في القرآن عن السيد المسيح:
ـ كان (عليه السلام) عبداً لله وكان نبياً، كما في قوله تعالى: (قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَـبَ وَ جَعَلَنِى نَبِيّاً ) (مريم: 30).
ـ كان واحداً من الخمسة أُولي العزم صاحب شرع وكتاب وهو الانجيل، كما في قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَ هِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى) (الشورى: 13)، وقوله تعالى: (وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَـرِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَءَاتَيْنَـهُ الاِْنجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ...) (المائدة: 46).
ـ كان (عليه السلام) كلمة لله وروحاً منه، كما في قوله تعالى: (يَـأَهْلَ الْكِتَـبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـلـهَآ إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ...) (النساء: 171).
ـ كان (عليه السلام) مباركاً أينما كان وكان زكياً باراً بوالدته، كما في قوله تعالى: (وَ جَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَ أَوْصَـنِى بِالصَّلَوةِ وَ الزَّكَوةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَ بَرَّاً بِوَ لِدَتِى وَ لَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً) (مريم: 31 ـ 32).
ـ كان (عليه السلام) ممّن علمه الله الكتاب والحكمة، كما في قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَـبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالاِْنجِيلَ ) (آل عمران: 48).
ـ كان (عليه السلام) مبشراً برسول الله(صلى الله عليه وآله)، كما في قوله تعالى: (وَ إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَـبَنِى إِسْرَ ائِيلَ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ مُبَشِّرَاً بِرَسُول يَأْتِى مِن بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصف: 6). وهناك آيات اخرى.
هكذا يتكلم القرآن عن المسيح ووالدته.

أوصاف المسيح في العهد الجديد:
يقول الأخ علي الشيخ: عند مطالعة العهد الجديد يرى الانسان أوصافاً لا يقبلها العقل ولا الذوق السليم.
ـ المسيح (عليه السلام) صانع الخمر (الجيدة). انظر (يوحنا 2/12).
ـ المسيح (والعياذ بالله) عاق لامه. أنظر متى 12:46 ـ 50، و15:4.
ـ المسيح (والعياذ بالله) صار ملعوناً. أنظر غلاطية 3:13.
ـ المسيح تقبل قدميه (الخاطئات). أنظر لوقا 7:36.
ـ المسيح (عليه السلام) مفرق للرحم والاقارب. انظر متي 10: 34 ـ 36 ولوقا 12: 49 ـ 53.
ـ المسيح (عليه السلام) يجزع من الموت ويعاتب الله سبحانه. أنظر متي 26: 37 ـ 40.

الشريعة في الاسلام:
يقول الأخ علي الشيخ في هذا الموضوع:
يتصور كثير من المسيحيين أنّ في الدين الإسلامي أحكاماً وتكاليفاً لا تطاق أبداً، ويتساءلون عن الغرض من كل هذه التكاليف الشاقة كالصلاة خمس مرات يوميا والصيام شهراً في السنة ودفع الزكاة وأداء الحج وغيرها.
وهذه الشبهة ناتجة عن عدم فهم حقيقي وواقعي للشريعة ودورها في تكامل الانسان وارتقاءه مدارج الكمال المنشود له، ولا سيما من قبل المسيحيين الذين طرحوا الشريعة جانباً واكتفوا بالايمان وحده سبيلاً للنجاة.
ومن خصائص الشريعة الإسلامية السمحاء هي شموليتها لكل مجالات الحياة الفردية والاجتماعية، وعدم مخالفتها لفطرة الانسان أبداً فهي رفضت الرهبانية والانزواء عن المجتمع، وكذلك نهت عن الانغماس كلياً في الحياة الدنيا، وتعتبر تعاليمها حداً وسطاً بين هذا وذلك، وفيها جنبة عبادية توجه الانسان إلى الله وجنبة اجتماعية تنظم الأمور الحياتية في المجتمع بشكل يؤدي إلى نشر العدالة والالفة والمحبة بين افراده، ومراعاة المصالح العامة التي تؤدي إلى استقرار النظام في المجتمع.
ورغم أن الشريعة الإسلامية قد جاءت قبل أربعة عشر قرناً، لكنها إلى يومنا هذا تعتبر من أرقى القوانين التي طبقت في المجتمع البشري، وهذا دليل آخر على أن مصدر هذه الشريعة هو السماء والوحي لا فكر وخيال رجل عاش وترعرع في الجزيرة العربية الذي كانت تعيش في ظلمات الجهل.

(1) التعميد هو طقس الغسل بالماء رمزاً للنقاوة، وهو علامة على التطهير من الخطيئة والنجاسة وعلى الانتساب رسمياً إلى كنيسة المسيح (عليه السلام).
(2) التناول وهو المتعارف عندنا في الكنيسة الشرقية وبالتأكيد في بغداد بأن الطفل عندما يبلغ سن السابعة، يرسل إلى الكنيسة في العطلة الصيفية ولفترة من ثلاثة أسابيع إلى شهر وذلك لتعلم الصلاة وبعض الطقوس والاناشيد الدينية.
(3) قاموس الكتاب المقدس: 762.
(4) قاموس الكتاب المقدس: 763.
(5) مقدمة العهد الجديد.
(6) معجم اللاهوت الكتابي: 15.
(7) مرقس: 14 / 51.
(8) متي: 26 / 71 ـ 75.
(9) قاموس الكتاب المقدس: 232.
(10) متي: 5 / 17.
(11) قاموس الكتاب المقدس: 598.
(12) غلو: 2 / 16.
(13) معجم اللاهوت الكتابي: 446.
(14) انظر الاعراف: 157، البقرة: 146، المائدة: 83 ـ 84، الصف: 6.
(15) مؤلف الكتاب هو أحد القساوسة، وألف كتابه هذا بعد اسلامه، طبع هذا الكتاب في إيران باللغة الفارسية.
(16) انيس الاعلام في نصرة الاسلام: 1 / 6 ـ 19، بالفارسية.
(17) الروم: 1 - 6.