×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قصة الاستبصار القسم ٤ من ٤ (مقتطفات من كتاب "العودة الى الاصل")

الإسم الكامل: غسان نعمان ماهر السامرائي
الدولة: العراق
المذهب السابق: سني
المساهمة:

قصة استبصار
السيد غسان نعمان ماهر السامرائي
القسم 4 من 4
(مقتطفات من كتاب "العودة إلى الإصل" الجزء 1)

العودة عملياً
هذا الفصل يخص بداية الانتماء فيما يخص العبادات والانتماء إلى الجماعة مما أستطيع أن أضعه خلال العام 1983. ففي ذلك العام كنتُ قد تعرّفت على بعض الأخوة الجدد هناك من عراقيين وغيرهم وذلك في نهاية سنة 1982 ولا شك أن الكلام حول العراق وحول القضايا الإسلامية يدور ويمس هذه المواضيع، والذي ساهم جوّ الكويت في الأمان المتوفر وعدم وجود الخوف المطبق على الأنفاس في العراق من جهة، أيضاً الخروج من بيت العائلة في بغداد والتي أحد أبعادها البعد المذهبي والذي لم يكن طافياً على السطح بشكل واضح كما كان الواقع السياسي فيما يخص الحرب العراقية الإيرانية في النقاشات اليومية التي تدور في بيتنا حيث استبدلنا النقاش المحتدّ اليومي بخصوص فلسطين بإيران والثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية. إذاً كان هذا الجوّ ملائماً لبداية الانتماء إلى الجماعة الموالية لأهل البيت وذلك في إطار الإسلام وفي إطار العلاقات الأخرى العائلية التي ربما تتأثر من قريب بقليل أو كثير.

إلى ذلك الوقت كنتُ لا أزال أقوم بالعبادات على الطريقة السنيّة، وبشكل أخص فيما يخص الوضوء والصلاة على أساس أنهما من العبادات اليومية، وبدرجة أقل فيما يخص الصيام وهو قضية تتجدد سنوياً. أما الأفكار التي لها علاقة بالعقائد فكنت في ذلك الوقت قد قطعت شوطاً كبيراً في الأخذ بمذهب أهل البيت(ع) بحيث كنتُ في ذلك الحين متفقاً مع الشيعة فيما يعتقدون ويقولون، ربما فيما عدا بعض الأمور التي لم تكن قد ترسّخت والتي لي عليها ملاحظات أو تساؤلات إما بسبب ضعف الأساس العلمي لها أو بسبب ارتباطها بأمور إجتماعية لا علاقة لها بالمذهب كما أُسّس على يد الأئمة(ع)، وهو في حقيقته وكما صرت أعتقد منذ ذلك الحين أنه هو الإسلام الذي نزل على رسول اللّه(ص) في أصوله وفروعه ولكن صار يُنظر إليه كمذهب أو طائفة تأخذ به طائفة في قبالة المذاهب التي تأخذ بها الطائفة الكبيرة في العالم الإسلامي.

صديق جديد
من الأصدقاء الذين لهم علاقة بهذا الموضوع ما ينبغي ذكره هم: الأخ العزيز "خضيّر فاضل عباس" وهو عراقي من البصرة وخرّيج اللغة العربية من جامعة البصرة، كان في الكويت يعمل في جريدة القبس الكويتية، وكان لسكننا في محلّتين متقاربتين في الكويت – حيث كنتُ في محلّة الفروانية وكان هو في محلة خيطان المقابلة لها على الطرف الآخر من الطريق السريع – فقد كنّا نتزاور لعدة مرات في الأسبوع، ووجدنا كعائلة أنا وزوجتي مع هذا الأخ وزوجته ومن ثم الأولاد راحة مع بعضنا وانفتاحاً ومحبة كبيرة اشتدت بشكل سريع، ويمكن أن أقول أنه أحد أولئك الأخوة القلّة الذين وجدت فيهم ذلك النقاء في القلب والصفاء في النفس والبساطة في العلاقة الذي افتقدته مع الأخ الذي ذكرته سابقاً.

أذكر أني أول مرة دخلت فيها مسجداً للشيعة في الكويت كان مع الأخ خضيّر في مسجد الإمام الحسين(ع) في منطقة ميدان حَوَلّي، وأذكر إلى الآن أني كنتُ أصلّي متكتّف اليدين وعلى الطريقة السنيّة الحنفية ولم أتناول تربة من صندوق الترب لأسجد عليها، صلّينا سوية جماعة أنا وهذا الأخ العزيز وخرجنا.

وأذكر أني كنت لا أزال على هذه الحال حتى أخذت رأي العلاّمة المرحوم السيد "أمير محمد الكاظمي القزويني"، وكان علاّمة البصرة والكويت، في هذا الموضوع حيث كنت أرى أن هذا يشكّل ربما علامة فصل بيني وبين من يمكن أن أتكلم معه في هذا الموضوع في نطاق مكان العمل أو غيره، فالسيد رحمة اللّه عليه قال لي بأن هناك من السنة وهم أتباع الإمام مالك من يصلّون مُسبلي اليدين، وهذا هو فعلاً الذي نجده في معظم أتباع المذهب المالكي في شمال إفريقيا وفي جنوب شرق آسيا، وقال لي بأن من الضروري أن تكون الصلاة وفق مذهب أهل البيت(ع).
وبعد ذلك أذكر جملة من الأخ العزيز خضيّر عباس قال لي: "خذ راحتك، من الآن فصاعداً أنت صلِّ كما ينبغي أن يصلي من يتبع مذهب أهل البيت(ع)".

كانت تلك هي نقطة التحوّل في هذه المسألة اليومية التي لو يُنظر إليها بشكل بسيط يجد أنها ليس فيها الكثير من الفروقات إلا في الشكل، ولكن في حقيقة الأمر هناك بالإضافة إلى الإختلافات الفقهية في تفاصيل الأركان (حيث أن الأركان هي نفسها الأركان السبعة في الصلاة عند الفريقين وللّه الحمد) ولكن القضية في عمقها هي قضية عبور حاجز آخر وهو حاجز بدأ يخرج عن نطاق الفكر والنظر العقلي في الأمور إلى تطبيقات ذلك على أهم أمر وهو العبادات بل وعلى الشكل الأهم من ذلك وهو في الصلاة التي هي عمود الدين.
وهكذا أستطيع أن أقول أنه بدأت رحلة العودة إلى الأصل، وأقول بدأت لأنها مستمرة طولاً وعرضاً حيث أن مثل هذا الأمر من السعة ومن الأهمية ومن العمق وما يحوي من التفاصيل الكثيرة ما لا يمكن أن يُقال – بالنسبة لي على الأقل – بأن هذا شيء يمكن أن ينتهي وإنما هي رحلة تصاعدية بإذن الله تعالى، ينفتح فيها المرء على جوانب جديدة وعلى تفاصيل جديدة وحتى على رؤى جديدة، خصوصاً عندما يواجه تحديات فكرية جديدة.

التحوّل العبادي
التحوّل في العبادات يمكن أن نضعه في نقاط وأذكره بشكل سريع كالآتي:
أولاً: التقليد، أي تقليد مرجع شيعي في أمور العبادات والمعاملات، وهو أمر غير موجود عند المذاهب السنيّة فيما يخص العلماء الموجودين المعاصرين على أساس أن التقليد هو لمؤسسي المذاهب الذين سُدّ معهم باب الإجتهاد. بمعنى أن الحنفي يقلّد أبا حنيفة، وإنما يرجع إلى العالم من علماء المذهب الحنفي فيما يتوقف عنده من مشاكل في المعاملات أو فيما يريد التوضيح فيه من العبادات وفقاً لما قد انتُهي منه في زمن أبي حنيفة، وهكذا فيما يخص المذاهب الأخرى. أما هنا فقد وجدتُ نفسي أمام أمر لا مناص منه حيث تسالم الشيعة الإثني عشرية جميعاً على وجوب تقليد مجتهد جامع للشرائط أصبح الكثيرون يرجعون إليه فصار مرجعاً للتقليد. وهذان المصطلحان، المرجعية والتقليد، هما مصطلحان جاءا من نصوص عن أئمة أهل البيت(ع)، وبالتحديد النص الذي ورد عن الإمام الحادي عشر الحسن العسكري(ع): ‹‹فأمّا مَنْ كانَ مِنَ الفُقَهاء صائِناً لنَفسِه، حافِظاً لدِينِه، مُخالِفاً لهَواه (روي أيضاً: مخالفاً على هواه)، مُطيعاً لأمرِ مَولاهُ فلِلعَوامِ أنْ يُقَلِّدُوه›› (الوسائل ج27 ص131)، وفي رواية (تفسير العسكري(ع) ص300): ‹‹... مُخالفاً لِهَواه››، والحديث عن الإمام الثاني عشر الإمام المهدي(ع): ‹‹وأمّا الحَوادِثُ الواقِعة فارجِعوا فِيها إلى رُواةِ أحادِيثِنا فإنَّهُم حُجَّتِي عَلَيكُم وأنا حُجَّةُ اللّه›› (الوسائل ج27 ص140)، وفي رواية (كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ص483) ففي آخرها ‹‹... وأنا حُجَّةُ اللّهِ عَلَيهم››. هذا الأمر ربما من أهم الأمور التي تجعل الصلة بمذهب أهل البيت مسألة مفروغاً منها بمعنى أن الارتباط مع مرجع معين ينهي العلاقة المذهبية السابقة والتي كانت على كل الأحوال بطبيعتها علاقة مع مرجع قديم مات منذ قرون متطاولة فتكون أقل أثراً فيما يخص ذلك القيد على الإنسان.

ثانياً: الصلاة وقد ذكرنا أن الصلاة أصبحت تأخذ شكلها بحسب مذهب أهل البيت(ع)، وذلك بتفاصيل الأركان، وأيضاً في ذلك الأمر الهام الآخر وهو أوقات الصلاة حيث هناك فرق في مواقيت بدء صلاة العصر وصلاة العشاء وأيضاً صلاة المغرب مما له الأثر على الترقب والقيام بهذه الفريضة ذات الأهمية القصوى والتي هي مسألة يومية لا بد من القيام بها.

ثالثاً: الصيام، وهذا بالإضافة إلى بعض الأحكام المختلفة، وهي ليست كثيرة، هناك مسألة تُرسِّخ الانتماء إلى الطائفة وهي مسألة رؤية الهلال وإعلان شهر رمضان أو شوال أو ذي الحجة بالخصوص، حيث أن المسلمين السنّة في البلدان الإسلامية وبالتأكيد في العراق حيث نشأتُ وكبرتُ يتّبعون الدولة فيما تعلن عنه من ثبوت الرؤية أم عدم ثبوتها، وذلك وفقاً للهيئات الدينية الحكومية التابعة لوزارات الأوقاف أو أي هيئة شرعية هي المعتمدة في هذا المجال. أما فيما يخص المسلمين الشيعة فهم ينتظرون الإعلان من مرجع تقليدهم، وهو أمر يؤدي أحياناً كثيرة إلى أنهم هم أنفسهم لا يبدأون الشهر الجديد سوية. هذه النقطة رؤية الهلال صارت بالنسبة لي أمراً جديداً يُنتظر ولا يُحسم إلا في ليلة الشهر ربما في وقت متأخر بعد أن كانت مسألة غير موجودة أصلاً لأنها مسألة متروكة للإعلام الرسمي الذي يعلن عنها من خلال الهيئات الشرعية الرسمية. الأهم في ذلك هو الارتباط وزيادة الارتباط بالمرجعية واشتداد البعد عن الهيئة الرسمية أو عن الدولة أو على السلطة، وهو أمر لم يكن ليزعجني بعد أن بيّنت في فصول متقدمة من الكتاب بأني لم أكن أثق بالجهات الرسمية ولم أكن معجباً بحالها على أقل تقدير، ولكنه أمر يؤدّي إلى بعض التساؤلات أو المفارقات أو الحرج حتى أحياناً لشخص مثلي ذي علاقات متنوعة مذهبياً ولاسيما إذا كان المتوقع مني أن أكون متمذهباً بالمذهب السنّي.
كما وجدت من خلال تجربتي فإنه على الرغم بأني لم أجد تلك الصعوبة في نفسي للانخلاع من جملة من الأفكار في إطار معين والأخذ بجملة أخرى من الأفكار في إطار آخر إلا أن هذا الانخلاع النفسي يبقى تدريجياً يستغرق فترة غير قليلة من الزمن، ثم يجد الإنسان نفسه وقد صار مؤمناً بأمور لم يكن يؤمن بها، ويكتشف أنه قد جرى تغيير كبير جوهري في جملة من أفكاره ولاسيما التي تتعلّق بالطائفة الأخرى.

مجمل التغير في النظرة إلى الشيعة والتشيع
من ذلك:
أني بعد أن كنت أرى أن الشيعة طائفة لها طقوس غير مقبولة صرت أعتقد أنها هي الطائفة المحقة التي تتبع الطريق الأصوب نحو إصابة تفسير الكتاب العزيز والسنّة الشريفة وما الطقوس إلا شيء جانبي في حقيقة التشيّع (وسأتناول في كتاب "ما بعد العودة" مدى نجاح أو فشل الطائفة الشيعية في التعبير عمّا عندها).
وبعد أن كنتُ أعتقد أن الخلافة الصحيحة هي حسب ما جرى في التاريخ من تقدّم ثلاثة من الصحابة على أمير المؤمنين(ع) ومن ثم بإمكانية أن تصبح وراثة تؤخذ بالغلبة والقوة كما حصل فعلاً، صرتُ أرى أنها أمر ليس له علاقة بذلك التاريخ وإنما هي إمامة ونص من اللّه ورسوله(ص).
وبعد أن كنت أرى وأعتقد أن الشيعة شيء له علاقة بإيران، صرتُ أرى أنهم عراقيون – فيما يخص شيعة العراق – لهم نفس مذهب إيران ليس إلا.
وعندما كنت أرى أن هؤلاء الشيعة يكرهون ويحبون لأسباب غير واضحة لي، أصبحت أعرف أنهم إنما يفعلون ذلك على أساس الموقف من أهل البيت(ع) ومن الشريعة.
وبعد أن كان لدي أفكار غير واضحة مفادها أن هؤلاء الشيعة يحبون ويقدمون علياً(ع) على النبي(ص)، صرتُ أرى بوضوح أنهم على العكس من ذلك لا يخدشون صورة النبي(ص) كما يفعل غيرهم.
وبعد أن كنت أرى أنهم يبكون على رجل مات قبل أربعة عشر قرناً، صرت أعرف أن الأمر أعمق من ذلك وأن له امتدادات في النفس وفي ترسيخ العقيدة وفي ترسيخ التعامل مع الظلم بأشكاله المختلفة.
وبعد أن كان عندي بعض الحساسية من كلمة هنا أو كلمة هناك أو بعض الممارسات، أصبحت أتفهم كيف يمكن أن تأتي هذه الممارسات أو هذه الكلمات حتى وإن كنت لا أوافق عليها لأني لا أراها مستمدّة من سيرة النبي(ص) والأئمة الأطهار(ع).
بالجملة فإني لا أتذكر أنه كان هناك يوم شعرت فيه فجأة بأني صرت منتمياً إلى هذا المذهب وهذه الطائفة، وإنما الأمر حصل شيئاً فشيئاً وبعد مكابدة ومجاهدة ودراسة وبحث كما أشرتُ هنا وما سبق من الفصل إلى مراحله.

دخول نواح جديدة
الإنتماء إلى هذه الطائفة من خلال هذا المذهب الشريف الذي أخذتُ به أدخل نواحي جديدة في الحياة فيما عدا القضايا العبادية. من ذلك ما يخص العلاقات وما يخص بدء الإحساس بما يجري على أفراد هذه الطائفة من ملاحقة أو تنكيل أو تمييز ما كنتُ أشعر به ولا أعرفه عندما كنتُ في الطائفة الأخرى. فبعد أن كان خبر يخص اعتقال شخص أو إعدام شخص أو هرب شخص لا يأتي إلا بين الحين والآخر أصبحت أسمع عن مئات من المصائب النازلة للناس ولاسيما في العراق من سجن وإعدام وملاحقة وهرب والذي يصل إلى الهرب على الأقدام إلى خارج العراق، وهو أمر عرفته فيما حصل مع والدي عندما هرب إلى سوريا عام 1959 وحكم عليه بعد ذلك بالإعدام غيابياً وبعدها بسنتين عندما تم تهريب أخي الكبير إليه إلى سوريا مشياً على الأقدام، في حالات فردية هنا وهناك. ولكن عندما صرت في وسط الطائفة الشيعية وإذا بهذه المسألة لا تكاد تجد شخصاً من شيعة العراق إلا وله فيها قصة معه أو مع أهله أو أصدقائه أو أقربائه، وهو أمر جعلها مصداق لما تدّعيه من اتباع أولئك الصفوة من أهل البيت(ع) وغيرهم من أبطال أهل البيت في التاريخ الذين وجدوا أن على عاتقهم تقع مسؤولية إنقاذ الأمة والوقوف مع المظلومين ضد الظالمين، وبالتالي كان هذا أمراً آخر يضاف إلى سلسلة الأمور التي زادت من اندكاكي في وسط هذه الطائفة وفي جملة الأفكار والامتدادات الفكرية لمذهب أهل البيت(ع).
ولعل في الذهاب إلى الحسينية، كمكان للعبادة ولإقامة الشعائر الدينية بالإضافة إلى المسجد، من الأمور التي ميّزت هذه الطائفة بحيث جعلت وجود هذه النوادي المسماة الحسينيات المشاركة في الاحتفالات الدينية، وهي كثيرة في هذه الطائفة، جعلت منها أمراً ميسّراً مشجعاً عليه للجميع من الرجال والنساء والكبار والصغار وبدون القيود الشرعية للمسجد وآدابه، وهو أمر يبدو أنه يجد صعوبة في القبول لدى الكثيرين من أهل السنة، وربما لعدم فهم الأسباب وراء وجود مثل هذا المكان بالإضافة إلى المسجد، وربما في حالات أخرى ليس قصورًا في الفهم وإنما كجانب من الحملات المستمرة لمحاصرة التشيّع عبر الأجيال. فإننا نجد الهجوم المستمر على الحسينيات وأنها أمر لم يكن على عهد رسول اللّه(ص) وكأنما هم يتكلمون عن ملاهٍ ليلية أو كازينوهات للقمار، ولا يتكلمون عن أماكن تقام فيها الصلوات ويقرأ القرآن ويدعى فيها اللّه تعالى بأجمل الدعاء الذي لا يعرفه هؤلاء.
لذا فإن الاحساس بهذا الانتماء ازداد في مثل هذه الأجواء الجديدة وبوجود الرفقة من هؤلاء الإخوة الأعزاء المحبين والمخلصين، وهو ما يعوّض على كل حال خصوصاً عندما يكون الإنسان في الغربة ويشعر أنه يعيش الغربة. بل لعله لو وجد نفسه وحيداً كان هذا الولاء لهؤلاء الصفوة من آل محمد(ص) مما يكفي عن الناس، كما قال دعبل الخزاعي:
وفي مَوالِيكَ لِلمَحزُونِ مَشغَلَةٌ مِنْ أنْ تَبِيتَ لمَفقُودٍ عَلى أَثرَِ

محاولة تقديم شيء ما
أخيراً، ينبغي القول أنه في هذا العام أو بُعيد هذا العام، ربما في عام 1984، بدأت بالنشاطات محاولاً تقديم بعض العطاء لما أصبحت أعرفه وآخذ به وأنا مسرور به مرتاح إليه واثق منه. وقد كان من ذلك أول الطريق في مجال التأليف، حيث قمت بتأليف كتاب سمّيته "حُجَجُ النَّهج"، بمعنى حججنا من نهج البلاغة، ليس فقط من "نهج البلاغة" نفسه أي مجموع خطب ورسائل وكلمات أمير المؤمنين(ع) التي اختارها وجمعها السيد الشريف الرضي رحمة اللّه عليه، ولكن أيضاً من "شرح نهج البلاغة" لإبن أبي الحديد المعتزلي والشرح الآخر للشيخ محمد عبده مفتي مصر في بداية القرن العشرين. وكان هذا الكتاب مناسباً للتحوّل الذي حصل معي حيث هو في الحجج التي تثبت ما يذهب إليه شيعة أهل البيت مما يخص الإمامة والنص عليها ودور الأئمة في الإسلام. على أن ذلك الكتاب لم ير النور إلا بعد أربع سنوات بعد أن تركت الكويت وانتقلت إلى إنكلترا فكان هو فاتحة الخير لمجموعة من المؤلفات في هذا الموضوع وفي غيره.

خلاصة الكلام في هذا الفصل هو أن العودة عملياً قد بدأت وذلك في اتباع المرجعية الشيعية في العبادات والمعاملات وأيضاً في تأسيس العلاقات الجديدة وفي حضور مجالس الدعاء والمجالس الحسينية في الحسينيات والمساجد وأيضاً في بداية العطاء الفكري، مما شكّل بداية الاحساس بالانتماء بشكل كامل لهذه الطائفة المسلمة من خلال اتباع مذهب أهل البيت(ع) في الأصول والفروع وفي تفسير التاريخ ومع الأمور الأخرى مما يشمل العلاقة مع اللّه تعالى والأمور الخاصة بتفاصيل أصول الدين وفروعه وفي جانب تكوين هذه العلاقة عن طريق الفكر وأيضاً عن طريق العاطفة وأيضاً عن طريق الدعاء وما تركه الأئمة(ع) من إرث لا نظير له في هذا المجال.