المستبصرون » مساهمات المستبصرين

د . احمد راسم نفيس - مصر - 26 جمادى الاولى 1425 - العقيدة والسلطة
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : دكتور احمد راسم النفيس
الدولة : مصر
المساهمة :

نقلا عن جريدة القاهرة بتاريخ 6-7-2004.

العقيدة والسلطة

ارتكب العرب ونعني الناطقين بلسان الضاد سلسلة من الخطايا الأخلاقية التي يمكن إدراجها في لائحة أم الكبائر التي لا تبقي ولا تذر لواحة للبشرية والبشر ومن بين تلك الخطايا والآثام التي لا تمحى ولا تغتفر كانت خطيئة الازداوجية الأخلاقية وأنهم جعلوا من دينهم وعقيدتهم تابعة لأهواء السلطة السياسية.
الازدواجية الأخلاقية أن ترى القشة في عين خصمك ولا ترى الخشبة في عينيك الزرقاويتين التي أنجبت للبشرية أبو حمزة المصري وأبو قتادة الفلسطيني وأبو مصعب الزرقاوي.
إنها الازدواجية الأخلاقية التي حذرنا منها رب العزة عندما قال (ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين) المطففين.

أحد مظاهر الازدواجية الأخلاقية و التبعية للسلطة هو إحياء وترويج تلك الأكذوبة التاريخية القائلة بالطعن في نسب الخلفاء الفاطميين إلى فاطمة الزهراء عليها السلام (وأنهم أبناء عبيد القداح الملحد المجوسي الذي تسمى بعبيد الله وزعم أنه علوي فاطمي وكان زنديقا عدوا للإسلام متظاهرا بالتشيع متسترا به حريصا على إزالة الملة الإسلامية قتل من الفقهاء والصالحين جماعة كثيرة وفي أيامه كثرت عقائد الرافضة).
فماذا قال الأستاذ العقاد رحمه الله في رده على تلك الفرية؟؟.

(وظاهر بغير عناء أن الوثيقة العباسية "التي أوردت تلك الأكذوبة" لا قيمة لها من الناحية التاريخية لأن الذين وقعوها من العارفين بالأنساب قد أكرهوا على توقيعها ومن وقعها من غيرهم من فقهاء القصر والحاشية لم يكن أي منهم حجة في الأنساب والتاريخ وقد أضعفوا دعواهم غاية الضعف بنسبة جد الفاطميين إلى ديصان الثنوي وهو من أبناء القرن الثالث الميلادي ذهب إلى التوفيق بين المسيحية والزرادشتية قبل البعثة الإسلامية بأربعة قرون ولم يظهر أحد بهذا الاسم على عهد العباسيين غير من يسميه المؤرخون حينا بديدان وحينا بزندان ولا شأن له بدعوة الثنوية وإنما قيل عنه أنه كان على ثروة كبير وعاون إسحق بن إبراهيم بن مصعب على الثورة في عهد الخليفة المأمون وادعاء الوثيقة أن خلفاء الفاطميين أباحوا المحرمات واستحلوا الموبقات لم يقم عليه دليل قط من وقائع التاريخ بل ثبت من هذه الوقائع أن بعض هؤلاء الخلفاء اكتفى بزوجة واحدة ولم يبح لنفسه ما كان يباح في قصور الخلفاء من التسري ولعله لا يخفى على أحد من النظرة الأولى قصة التبشيع و التشنيع في نسبة الفاطميين تارة إلى المجوس وتارة إلى اليهود وكأنه لا يكفي أن تسقط دعواهم في الخلافة حتى تسقط دعواهم في الإسلام وترجع نسبتهم إلى أبعد الملل عن الديانة الإسلامية) الزهراء والفاطميين ص60.

ثم يقول العقاد: (وصح من أجل ذلك قول ابن خلدون إن شهادة الشاهدين في نسب القوم كانت على السماع) أي أنها كانت شهادة زور ص61.
أما المقريزي فيرد على هذا القول: " إن بني علي (رض) قد كانــوا إذ ذاك على غاية من وفور العدد وجلالة القدر عند الشيعة فما الحامل لشيعتهم على الإعراض عنهم والدعوة لابن مجوسي أو يهودي؟ فهذا مما لا يفعله أي أحد ولو بلغ الغاية في السخف والجهل وإنما جاء ذلك من قبل ضعفة بني العباس عندما غضّوا بمكان الفاطميين فأنهم كانوا قد اتصلت دولتهم نحواً من مائتين وسبعين سنة وملكوا من بني العباس بلاد المغرب ومصر والشام وديار بكر والحرمين واليمن وخطب لهم ببغداد نحو أربعين خطبة وعجزت عساكـر بـني العبـاس عـن مقاومتهـم فلاذت حينئـذ إلى تنفـير الكافـة عنهم بإشاعة الطعن في نسبهم ".وعندما عجزوا عن مقاومة الفاطميين والوقوف في وجههم أثناء حكمهم عمدوا إلى الطعن في نسب الأئمة الفاطميين ليسودوا صحائفهم وليجروا الناس إلى كراهيتهم وان القضاة الذين سجلوا شهادة الطعن على السماع في بغداد كانوا من ألد أعداء الفاطميين ومن اخلص شيعة بني العباس ولم يعرف عنهم التجرد والنزاهة والصدق بل اشتهروا بكراهيتهم وبغضهم ونقمتهم على آل علي بن أبى طالب منذ ابتداء الدولة العباسية فتآمروا عليهم وطاردوهم وبطشوا بهم أينما وجدوا .
أما المستشرق الروسي فلاديمير ايقانوف فيستنتج من بحوثه حول الإسماعيلية: أن ميمـــون القداح وولده عبــد الله لم يكونا من الفاطمييــن أصلا ولــم يجمعهما بهم أية صلة رحم وأنهما لم يكونا ديصانيين او زنديقين بل كانا فقيهين ورعين وان الدعوة السرية الإلحادية التي تنسب إليهما لم تكن إلا من نسج الخيال ويرى ايقانوف أن الخلفاء الفاطميين أخفوا أنسابهم وفروع ذوي قرباهم خوفا من أعدائهم في البلاد الخارجة عن سلطانهم على أولئك الأقربين وان قصة ميمون القداح وولده هذه ما هي إلا أسطورة وخرافة.

ويخلص ايقانوف إلى أن الأحاديث المنقولة في الكافي برواية ميمون القداح توضح أنه كان على صلة بالإمام محمد الباقر وهناك ما يدل على انه كان ضمن خدم أسرة الإمام وكان الإمام الباقر يصحبه في جولاته وكان إذا سار استند إلى ابن القداح ويستدل ايقانوف على ذلك بما ورد في الحديث الرابع حيث يوصف ميمون القداح صراحة بأنه مولى الإمام محمد الباقر وغلام الإمام جعفر الصادق ويستدل أيضا ببعض الروايات السنية التي تصف عبد الله بن ميمون بأنه " مولى الإمام جعفر الصادق " هذا من ناحية ومن ناحية ثانية ينفي ايقانوف تهمة الإلحاد عن عبد الله بن ميمون ويستدل على ذلك بان اسمه ورد في كتب الحديث السنية مثل ابن النجار والذهبي وابن حجر المتوفى.

وإذا كان البعض قد فتح باب معارك الأحساب والأنساب والطعن في أعراض الآخرين تلميحا أو تصريحا فمن حقنا أن نعرض للناس بعض ما ورد في كتب التاريخ عن بعض من حكام العرب والمسلمين من (ذوي الحسب والنسب) وعلى رأسهم بطل الإسلام يوسف بن أيوب فمن هو صلاح الدين إذا؟؟.
إنه يوسف بن أيوب بن شاذي ثم وقف النسب فلا حسب ولا نسب وكما قال أبو شامة المؤرخ الأيوبي المتعصب في كتاب الروضتين نقلا عن ابن أبي طي الحلبي عن أبيه نجم الدين (هو الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي ولا يعرف في نسبه أكثر من والده شاذي وقد ادعى ابنه سيف الإسلام "ابن صلاح الدين يوسف" لما ملك اليمن أنهم من بني مروان بن محمد الجعدي المعروف بالحمار آخر خلفاء بني أمية قال وقد نقبت عن ذلك فأجمع الجماعة من بني أيوب أن هذا كذب وأن جميع آل أيوب لا يعرفون جدا فوق شاذي وكذلك أخبرني السلطان الملك الناصر صلاح الدين) ونعم الحسب والنسب.

وعلى كل حال فإن هذه الطريقة التي مارس بها الأقدمون السياسة بأسلوب البلطجة (واللي تغلب به إلعب به) ولو كان قذفا للأعراض وطعنا في الأنساب من دون بينة ولا برهان ذلك الأسلوب اللاأخلاقي الذي وجد امتداده في الطريقة التي يقرأ بها البعض التاريخ ويجري تقديمه للناس فالخوض في الأعراض عمل باطل ومحرم إذا كان الأمر متعلقا بمن يوظف الكاتب أو المؤرخ نفسه في خدمتهم من السادة الملوك والرؤساء أما خصوم السياسة وأضداد العقيدة فلا حرمة لهم ولا لأعراضهم فهم ديصانيون ثنويون ومجوس وأحفاد عبد الله بن سبأ ابن السوداء وهم دائما أكثر بياضا.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة