المستبصرون » مساهمات المستبصرين

د. احمد راسم النفيس - مصر - 7 رجب 1425 - عن المرجعية الدينية للشيعة
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : دكتور احمد راسم النفيس
الدولة : مصر
المساهمة :

عن المرجعية الدينية للشيعة

منذ أن التهبت الأحداث في العراق أصبح الحديث عن (المرجعية الدينية) الشيعية وما يصدر عنها من مواقف سياسية أو دينية جزءا من قاموس الأخبار اليومي فما هي المرجعية ولماذا تحتل مثل هذه المكانة لدى المسلمين من أتباع مذهب أهل البيت.
المرجع الديني هو الفقيه المجتهد المسئول عن بيان الحكم الشرعي الذي يحتاج المؤمنون معرفته في عباداتهم ومعاملاتهم وقد أكد الفقه الإمامي على هذه الحقيقة حيث يبدأ أي كتاب فقهي بتلك العبارات: (يجب على كل مكلف غير بالغ مرتبة الاجتهاد في غير الضروريات من عباداته ومعاملاته ولو في المستحبات والمباحات أن يكون مقلدا أو محتاطا.... والتقليد هو العمل مستندا إلى فتوى فقيه معين... يجب أن يكون المرجع للتقليد عالما مجتهدا عادلا ورعا في دين الله بل غير مكب على الدنيا ولا حريصا عليها وعلى تحصيلها جاها ومالا) تحرير الوسيلة لآية الله الخميني.

والشاهد أن مسألة الاجتهاد والتقليد هي من كبريات المسائل التي أثرت تأثيرا كبيرا في مسار العالم الإسلامي حيث نلاحظ أن المسلمين من غير شيعة أهل البيت لا يهتمون بمثل هذه القواعد التي تضبط عمل الفقيه ولا الفارق بين المذاهب الفقهية المختلفة ولا عجب إذا أن تكون كل فتوى فيها قولان وثلاثة وربما أربعة وأن يكون أئمة الفقه المجتهدين هم أربعة أشخاص ماتوا قبل أكثر من ألف ومائتي عام من الآن ناهيك عن أن دعوى وجود (أربعة مذاهب حية) هي دعوى تفتقر إلى أساس راسخ خاصة بعد أن أغلق باب الاجتهاد فهناك أقوال وأقوال داخل المدرسة الواحدة مما قد يؤدي إلى الفوضى الفقهية وهو ما أفلحت مدرسة أهل البيت في اجتنابه عن طريق التزام تقليد الأعلم المجتهد في غير أمور الاعتقاد حيث يوجب المذهب على كل مسلم أن يكون مجتهدا في أصل معتقده مثل إثبات الألوهية والنبوة والإمامة والمعاد.
وأذكر أن سائلا سألني عن السبب الذي يجعل من يقوم بعقد الزواج يقول (على كتاب الله وسنة ورسوله ومذهب أبي حنيفة النعمان) فقلت له السبب أن المذهب الحنفي هو المذهب الوحيد من بين المذاهب الأربعة الذي أجاز إمامة غير القرشي ولذا فقد اعتمدته الدولة العثمانية التركية مذهبا رسميا لها بالرغم من أن أغلب المصريين كانوا وقتها على المذهب الشافعي ثم سألني عن قيمة هذا من الناحية الشرعية فقلت هذا لغو لا قيمة له ولو أنصفوا لقالوا (على كتاب الله وسنة ورسوله وقانون الأحوال الشخصية الذي هو خليط من المذاهب الإسلامية ومن بينها مذهب أهل البيت عليهم السلام).
ولذا فإن من أتيح له الاحتكاك بالوسط الشيعي يسمع من يقول (أنا أقلد السيد السيستاني أو أنا باق على تقليد السيد الخميني) حيث لا يجيز المذهب تقليد الفقيه الميت ابتداء بل يوجب تقليد الفقيه الأعلم الحي.

الاجتهاد عند الشيعة:
تختلف المدرسة الفقهية عند الشيعة عن غيرها من مدارس الفقه الإسلامي في رؤيتها لأسس الاجتهاد أي استخراج الأحكام من أدلتها ومن ثم فإن (الفقيه المجتهد) لم يظهر إلى حيز الوجود إلا بعد غيبة الإمام الثاني عشر أي في منتصف القرن الثالث الهجري والشيعة كما هو معلوم يستدلون بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به بعدي لن تضلوا أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي) وبالتالي ففي وجود إمام أهل البيت لم تكن هناك حاجة للاجتهاد أي النظر في كتب التفسير أو كتب الأحاديث لاستخراج الأحكام منها بل كان التعرف على الحكم الشرعي يتم إما باللجوء إلى الإمام مباشرة أو لأي من تلاميذه وعلى سبيل المثال فإن الإمام الصادق (جعفر بن محمد بن علي بن الحسين) ولد في ربيع الأول سنة 83 هـ وتوفاه الله في شوال سنة 148 هـ وعاصر الأحداث الجسام التي مرت بها الأمة الإسلامية في ذلك الوقت من سقوط للأمويين وصعود للعباسيين وما نشب في وجههم من ثورات تحت راية الولاء لأهل البيت مثل ثورة زيد بن علي وثورة النفس الزكية وكان له دور فاعل في كل تلك الأحداث.

على الناحية الأخرى فإن تأسيس المذاهب الفقهية الأخرى بدأ بطلب من الحكام العباسيين ومن بينها المذهب المالكي والمذهب الحنفي حيث يروي ابن قتيبة في الإمامة والسياسة أن أبا جعفر المنصور عندما حضر إلى الحج عام 163 للهجرة اجتمع بمالك بن انس فقال له (يا أبا عبد الله ما زال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم وإني أخالك أمانا لهم من عذاب الله وسطوته ثم قال يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه ودون منه كتبا وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس وشواذ ابن مسعود واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضي الله عنهم لنحمل الناس على علمك وكتبك ونبثها في الأمصار ونعهد إليهم ألا يخالفوها ولا يقضوا بسواها فقلت أصلح الله الأمير إن أهل العراق (أي الشيعة) لا يرضون علمنا ولا يرون في علمهم رأينا فقال أبو جعفر يحملون عليه ونضرب على هاماتهم بالسيف ونقطع طي ظهورهم بالسياط فتعجل ذلك وضعها فسيأتيك ابني محمد المهدي العام المقبل ليسمعها منك فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله قال مالك ثم أمر لي بألف دينار عينا ذهبا وكسوة عظيمة وأمر لابني بألف دينار ثم انصرف مالك) ص 179.
ونزيد الأمور إيضاحا عن المرجعية ومؤسساتها.

يقول الشيخ محمد مهدي الآصفي (المرجعية الدينية عند الشيعة الإمامية كيان فقهي كبير يحتل من حياتنا السياسية والدينية مساحة واسعة جداً يرتبط بها الجمهور بأوثق العلاقات وأمتنها، وتكتسب تعليمات المرجعية بالنسبة للفرد الشيعي صفة الأمر والحكم الشرعي الملزم دينياً والذي لا يجوز التخلف عنه ومخالفته وللشيعة طريقتهم الخاصة في انتخاب المرجع الديني الذي يتصدى لشؤون التقليد فلا يتم اختيار المرجع من قبل النظام الحاكم وإنما يتم انتخاب المرجع بصورة تدريجية عبر الزمن والسبب في ذلك أن ارتباط (المقلّد) الفرد المسلم بالمرجع يتم بعد اكتمال الثقة الكافية في نفس الفرد تجاه المرجع في كفاءته الدينية والعلمية والإدارية وامتداد هذه الثقة في مساحة واسعة من المجتمع يحتاج إلى زمن غير قليل).
إذا فالمرجعية لا يجري تعيينها بقرار رئاسي أو ملكي بل يجري طرحه من قبل علماء الدين الذين يزكون واحدا من أبرز علماء الحوزة والذي تتوفر فيه الشروط التي ذكرناها سابقا وعادة ما يكون هناك أكثر من مرجعية على الساحة.

وبعد أن انتصرت الثورة الإسلامية في إيران وحملت معها أطروحة ولاية الفقيه إلى الساحة السياسية ظهرت عدة أطروحات تختلف مع أطروحة ولاية الفقيه التي تجعل من الفقيه المجتهد في موقع الإمام الغائب ويحق له أن يقيم الدولة الإسلامية إلا أن هذا لم يلق قبولا لدى المرجعية التقليدية التي وقفت من نظرية ولاية الفقيه موقف التحفظ أما السيد محمد الشيرازي فقد طالب بأن تكون ولاية الفقيه بيد مجموعة من المراجع وليس بيد مرجع واحد كما هو الحال في إيران حيث يقول في كتابه "الفقه السياسي" ما نصه: (الولي الفقيه هو الفقيه العادل الجامع للشرائط والذي يكون مورد ثقة الناس وأهل الخبرة فإذا كان هناك جماعة من الفقهاء العدول اختار المسلمون أحدهم رئيساً أعلى للدولة ويحق لهم أن يختاروا لهم جماعة ليكونوا رؤساء الدولة بالاستشارة فيما بينهم وهذا الثاني أقرب إلى روح الإسلام حيث أن نظام الإسلام استشاري).
إلا أن آية الله الشهيد السيد/ محمد باقر الحكيم كان له نظرية جديدة طرحها عام 1999 للميلاد وقبل استشهاده عام 2003 عن التخصص المرجعي حيث يقول (لقد ظهر لنا أن تصدي المرجعية الدينية العامة للعمل السياسي قد يكون عسيراً بسبب التحولات العالمية أو بسبب الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي وأنَّ ذلك سيؤدي إلى نتائج وآثارا خطيرة في المجتمع الإسلامي والعلاج هو الالتزام بفكرة (التخصص) في المرجعية الدينية، ووجود (المرجعية السياسية الدينية)، لأنَّ المرجعية الدينية بالأساس،

تتحمل مسؤوليات ثلاث:
الأولى: هي الفتيا وتشخيص العقائد والمفاهيم والأفكار الإسلامية والأحكام الشرعية، وتعليم الناس.
الثانية: مسؤولية الولاية وإدارة شؤون المسلمين السياسية والاجتماعية والعمل التغييري.
الثالثة: مسؤولية القضاء وحل النزاعات بين الناس.
ثم حدد وظائف المرجعية السياسية من خلال القيام تشخيص الواقع الاجتماعي والسياسي القائم.
يضاف إلى ذلك تحديد وتنظيم الموقف السياسي للاُمة في ضوء المصالح والمفاسد والقدرة والإمكانات التي تمتلكها والنتائج والأهداف التي تسعى إليها. فضلا عن التعبئة الروحية والسياسية للأمة من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إذا فالنقاش كان ولا زال دائرا داخل دوائر المرجعية الدينية والمهتمين بشئون الأمة من أجل تعظيم الاستفادة من هذه المؤسسة ومحاولة سد الثغرات التي ظهرت ومن أهمها الأسلوب الفردي الذي أديرت بها شئون هذه المرجعية في العديد من مراحلها ولذا فقد طرح السيد محمد باقر الصدر رحمه الله أطروحة المرجعية الصالحة التي تهدف إلى تحويل المرجعية إلى مؤسسة تدار وفقا لأساليب العصر ولكن يد الغدر الصدامي كانت أسبق لقتله واغتياله.
إذا فالمرجعية الدينية لعبت وما زالت تلعب دورا بالغ الأهمية في الحفاظ على مصالح الأمة ودعم مواقفها السياسية وقد بدا هذا واضحا في المراحل الأخيرة من الأزمة العراقية.
وللحديث بقية.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة