المستبصرون » مساهمات المستبصرين

الدكتور محمد بن يعقوب - الجزائر - 11 شعبان 1425 - الطبيب (1)
البريد الالكتروني

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله الأطهار الطيبين أما بعد ...

هذا الكتاب تجربة شخصية لطبيب جراح أستاذ مساعد فى كلية الطب احتضنته الحركة الاسلامية فى الجزائر منذ شبابه ولكن بعد الدراسة والمعاناة اكتشف أنه يجب عليه أن يغيّر فكره ويبحث عن طريق آخر للخروج من المآساة فلم يكن هذا الطريق الا مدرسة أهل البيت.

الطبيب (1)

عنوان الكتاب : الطبيب
الكاتب : الدكتور محمد بن يعقوب (اسم مستعار)
الاهداء : اٍ لى أبى و أ مى ...

نزلت من الحافلة , تأملت ساعة المحطة ثمّ سلكت الطريق القصير الذى اٍعتدت عليه نحو الكلّية ورحت أحدّ ث نفسى ترى كيف ستكون النتيجة , وظهرت لى الكلّية شيئا فشيئا , منذ أن وطئت قدماى ساحتها لم أرى اٍلاّ المآسى , ودخلت و قابلتنى ورقة النتائج , شعرت بخوف كبير وبأسنانى تصطك , لو أخسر هذا المقياس فاٍنّى سوف أعيد كلّ السداسى , وتأملت القائمة جيدا , بحثت عن حرف السّين , وجدت اٍ سمى وبجانبه علامتى , وفرحت كدت أطير بالفرحة , سوف أنتقل اٍلى السّداسى القادم , سوف ألتحق بأصدقائى مشرى سعيد , راشد بوعلام وغيرهم .

اٍتجهت صوب محطة الحافلات, قبل ذلك كنت أقول أنه اٍذا كنت ناجحا فسأروّح عن نفسى بالتجوال على شاطئ البحر أو قضاء نصف نهار فى قاعة الحفلات لكن هاهو شيئ فى داخلى يدفعنى بقوة اٍلى مدينتى قديل و شوارعها الهادئة كهدوئى .
وجدت نفس الحافلة تنتظرنى , تأملت ساعة ا لمحطة لم تمرّ الاّ عشرون دقيقة منذ وصولى , ركبت واٍنطلقت الحافلة , وأثناء ذلك رحت أفكّر فى شكل عالم مجهول سوف أقتحمه , وظهر لى جبل ( كهر) الأشم الذى تركع عند قدميه هذه المدينة الجميلة وقلت فى نفسى ساخرا ربّما سيكون مثل هذا .
هاهو شهر فبراير من عام 1987 م ينتهى ويأتى شهر آخر , كانت الأيام تمرّ بسرعة وكنت فى حاجة اٍلى راحة كبيرة . كنت أخرج قليلا من المنزل , فأنا فى مدينتى لا أقرب أحدا ولا أحد يقربنى , لا أعرف المقاهى ولا السّاحات العمومية , كل الناس يعرفوننى ويعرفون عائلتى أمّا انا فلا أعرفهم , أقانيمى الثلاث الكلية , البيت والمسجد .
فى المدينة كنت لا أمشى اٍلاّ مع اٍسماعيل فهو صديق طفولتى المدرسية والحديث معه يدور كلّه حول الفكر والعلوم . كان يأتينى اٍلى البيت مساء كلّ يوم , أخرج له . كان ينادينى ساخرا : ( لو لم آتيك ما خرجت أبدا ..) كنّا فى لقاءاتنا المسائية نتحدث عن الاٍسلام , عن الوضع المتردّى الذى بدأت تعيشه البلاد , عن سلوكات غريبة لبعض أفراد المدينة , وأحيانا عن قضية سياسية تشغل العالم اليوم . كنت فى أحاديثى ثائرا على القيم المادّية التى بدأت تسيطر على المجتمع وغياب سلطة دينية حقيقية لتوجيه الأ فراد واٍنقاذهم من الانحراف الفكرى والاجتماعى وكنت أحاول كلّ مرّة أن أحرّره من بعض المفاهيم الخاطئة وقد اٍستطعت.
كان اٍ سماعيل يقرأ علىّ على حين غرة فقرات من يومياته فى الجامعة التى كتبها بالفرنسية , كانت تعجبنى كثيرا ممّا اٍضطرنى فى التفكير فى كتابة يومياتى أنا ايضا .
لم تسقط الأمطار منذ مدة وبقيت الأرض يابسة وكنت لمّا ألتفت من نافذة الحافلة اٍلى تلك الأ راضى يقشعرّ جسدى , أحسّ بقوة فى داخلى تجعلنى أراجع نفسى وسلوكى .

بدأنا فى الدراسة , كنت فى فوج مقياس أمراض القلب , كانت الدروس تتوالى علينا يوما بعد يوم دون توقف يقودها كل من قارة و يلس وحمو, كانت الدروس جميلة جعلتنى أفكر كثيرا فى إنشاء جهاز قياس النبضات القلبية والشريانية والوريدية في آن واحد, كان الأمر صعبا إذ يتطلب نموذجا تطبيقيا, على كل حال كانت الفكرة في منتهى الدقة والإعجاب.
كنت ألتقي كل يوم في ساحة الكلية بأصدقائي مشرى سعيد , سنوسى حلول , عمر صديق وراشد بوعلام .كان حديثنا كلّه يدور حول الاٍسلام . لقد سألت نفسى يوما وأنا أدخل المدرج لماذا هذا الاهتمام الكلّى بالاسلام ؟
ربّما لبداية فقدان الأمة لشخصيتها الحقيقية ..والغريب أنّ أحاديثنا تلك كانت تنطلق تلقائيا ومنذ ذلك بدأت أعرف كيف يمكن بخلق وضع ما أن نسيطر على أفكار الأشخاص ونغيرها بتغيير ذلك الوضع . طبعا كنت أعلم بذلك مسبقا ولكن لأول مرّة أتابعه بعينى ...لقد كنا نحبّ الاٍسلام وندافع عنه ونلجأ اٍليه في كلّ محنة أو مصيبة .
خلال أحاديثنا كنت أصمت كثيرا , تلك هى شخصيتى , لا أتكلم اٍلاّ قليلا و اٍذا تكلّمت شعر الأصدقاء بكلام غير عادى , وأحيانا كنت أظهر ثورتى على الوضع المتردّى الذى تمرّ به البلاد فأدخل القلوب بسهولة.

كانت في الكلية شخصيتان فريدتان , سارى على شاهيناز قريبة قارة المتكبّرة التى تظهر طبقيتها وغناها الفاحش وأنا بسرواٍلى الذى لا أغيره طوال السداسى و (البورسة ) التى أضع فيها دفترى بدلا من المحفظة . لقد كنّا غريبان شكلا وعقلا عن بقية الطلاب .
والآن بعد سنوات اٍستخلصت أن الأفكار تعطى غالبا شكلا معينا وبتغيير تلك الأفكار يتغير ذلك الشّكل تلقائيا والعكس صحيح..وأعتقد أنّ هذا لا ينطبق الاّ على وضع خاص كوضعنا .
في ذلك الوقت كان اٍسم (ياماها) قد نال جزءا كبيرا من أحاديثنا وأحاديث الناس , وياماها هذا هو شاب من حى بلكور بالعاصمة معوّق و بدون عمل , كان همّه الوحيد أن يحرّك الجماهير ببنديره ومزماره اٍلى الملاعب لتشجيع فريقه , فيحوّل المدرّجات اٍلى عرس كبير تحضر فيه أعلام فرنسا وبريطانيا وأمريكا . كان ينزل وقت الاستراحة بين الشوطين ليقوم بلقطات مضحكة أرغمت بعض المسؤولين على نقلها في التلفزة , طبعا كان الشباب ينفجر بالضحك وينسى بعض ما يخفى له .
كان سكان بلكور يعرفونه أكثر من رئيس بلديتهم ويحبونه حبّا كبيرا ولوأنّ الديموقراطية نزلت في ذلك الوقت على (بلكور) لفاز بمقعد رئيس البلدية . على كلّ حال , كان (ياماها) بالنسبة لنا أداة بريئة لتحويل عقول و اٍشغالها في أمور أخرى .
وفى ذلك الظرف أيضا , عقد المجلس الوطنى الفلسطينى اٍجتماعا له في الجزائر , كان شغله الشّاغل أن يجمع شمل المشتتون الذين حضروا الاٍجتماع . كان يدور حينئذ شعار ( اٍستقلال القرار الفلسطينى ) . لقد ضحكت على ذلك الشعار حتى كدت أتقيأ ...طبعا بقى بعد المؤتمر الزعماء كما كانوا وبقى أصحاب اليمين وأصحاب اليسار والمقربون والمبعدون وأطلّ علينا في آخر الاٍجتماع محمود درويش بقصيدة مطولة فهمت منها كلّ شئ لدرجة أنّها جعلتنى لا أفهم شيئا .

كانت سوريا والأردن تتابعان أشغال المؤتمر لحظة لحظة , فالاٍجتماع كان رد فعل لتعسف سياسى و مناورات مكشوفة كانت تمارس على الجهاز السياسى الفلسطينى هدفها تحويل القضية اٍلى ورقة سياسية مربحة لا غير ...وفى ذلك الاٍجتماع , حضر عدد كبير من اليهود من فرنسا وبريطانيا وأمريكا وتقابلوا مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية , ولعلّه منذ ذلك المؤتمر بدأ اليهود ( دعاة السلام ) كما كانوا يسمّونهم يحضرون جلسات الاٍجتماعات الفلسطينية وربّما هذا الذى فتح فيما بعد الطريق نحو (مشروع السّلام ) مع اٍسرائيل .
وما أن اٍنتهى المؤتمر حتى تلقّى أصحابه صفعة من سوريا التى راحت تدك المخيمات الفلسطينية في لبنان وتجرّدهم من القوت والسلاح .
وغير بعيد وفى نفس الخضم , كان السينيمائى محمد الأخضر حمينا سعيدا لتمكنه من اٍمضاء عقد مع شريكتين يهوديتين عالميتين لتسويق أفلامه في قاعات السينما في أوروبا و جرى العقد بحضور وزير الثقافة والسياحة . كما كنا نلاحظ في تلك الفترة توقف حافلات سياحية في القرى والمداشر لتنزل سياحا يهود و ( حركى ) و( الأقدام السوداء ) ليطلعوا على مساكنهم القديمة , مقابرهم و ذكرياتهم .

لقد سألنى اٍسماعيل يوما عن هذا التحول المفاجئ والغريب في فكر الدولة فقلت له اٍنّها تصرفات دولة غير مستقرة تهدّد بديونها تركع للخصوم ولو على حساب المبادئ , فهزّ رأسه موافقا .
حتّى التلفزة بدأت تبثّ أفلام روجى حنين و اٍيف مونتون وأغانى بريسلاى وماسياس ربّما كى يشعر هؤلاء النّزلاء أنهم في بلدهم الثانى كما يعرف في التشريفات السياسية .
لم تكن البلاد هادئة , كلّ العلامات كانت تدلّ على تغيرّ في المعتقد السياسى وكانت سياسة الاٍنفتاح طريقة جديدة في التعامل , وبدأت الدولة تحرّر المؤسسات الصناعية من قيود جعلتها في وضع اقتصادى صعب , كما بدأنا نلاحظ بأعيننا حافلات النقل الخصوصية والعيادات الطبية الخاصة وكان رياض الفتح صورة مصغرة لحالة أمّة تقطع مرحلة عسيرة في حياتها . كان كلّ هذا يجرى في سرّية تامة حفاضا على صورة نظام الحكم و نقاء رجاله .

أخبار مدهشة بدأت تصلنا عبر الاٍذاعات الأجنبية حول الجزائر منها اٍطلاق سراح معتقلين سجنوا بعد محاولتهم تأسيس حزب سياسى معارض , والسّماح باٍنشاء رابطة لحقوق الأنسان بعد أن لقى أصحابها المكايد تلو المكايد . وظهرت علامات الاٍنشقاق الداخلى في الحزب الحاكم كشفت عنه الصحف الأجنبية طرف متشدّد محافظ للسّياسة القديمة للحزب وطرف منفتح مختلس , ولعلّ هذا ما دفع بالحكومة بأن تقوم بتغييرات هامة في الجيش مصدر قوة الجبهة ولكن أى طرف سوف يرغم الآخر على الرّضوخ لأفكاره ومناهج عمله ؟
أجرينا اٍمتحان أمراض القلب ولعبت بالأسئلة لعبا وخرجت أضحك وقضيت مساء ذلك اليوم في متابعة مقابلة في الملاكمة قيل عنها أنّها مقابلة القرن جرت بين هاغلر و ليونارد و اٍمتصت بعض ما في جيوب البلدان المتخلفة التى شهدتها كبلدنا .

ودخلنا في مقياس جديد اٍنّه مقياس أمراض الرئة وضحكنا على سلوك الأساتذة الأطباء الذين يقدّمون لنا الدّروس , فمن عادتنا أن نرى زملائهم في الأقسام الأخرى يقبلون اٍلى قاعة المحاضرات في سيارات جميلة تخطف الأنظار أمّا هؤلاء فكان بعضهم يأتى في درّاجة نارية أو في سيارة قديمة أو على الاقل يمشى . كان سلوكهم في المدرّج يثير الدّهشة . لقد تعرفنا على قزة ونقادى وبريكسى , لقد أضحكونا كثيرا .
لقد قدّموا لنا دروسا مفيدة وتعلّمنا أشياءا قيّمة حول الصور الاٍشعاعية وكان الجد والهزل يدفعنا للتعلم أكثر وكسب أصدقاء جدد انّها الطريقة الوحيدة الكفيلة بالنجاح .
لن أنسى أبدا ذلك السؤال السّخيف الذى طرحته مغرورة متكبرة كنّا نحسبها أحد أعمدة العلم في الجزائر و اٍحدى عبقريات العصر وكان لباسها ومظهرها يخدع أنظارنا فنحسب أنّها اٍحدى بنات العائلات المحضوضة جدا , كانت تشبه شكلا وحركة امرأة متميزة بشعرها ولباسها ترافق دائما شارلى شابلين في أفلامه الهزلية القصيرة وهذا ما دفع بأحدنا على أن يطلق عليها لقب مدام شارلو .

لقد حوّل سؤالها حقدنا عليها اٍلى أكبر ضحكة وصل صداها حتى اٍلى مرضى المستشفى المجاور لنا...
حدّد لنا موعد اٍجراء الاٍمتحان وأعطى لنا أسبوع كامل للمراجعة لم أجد ما أفعل فقد كنت ملمّا بجميع دروسى حتى اللحظة الأخيرة من انتهاء المقياس , اٍنّها فرصة يستفيد منها المتأخرين في المراجعة فقط ومع ذلك قضيت ليال في المراجعة .
وقبل أن نجرى الاٍمتحان سمعت بعض الطلاب يتحدّ ثون عن موضوعين هامين سوف يطرحان في الاٍمتحان لم أبالى بكلامهم ومع ذلك فقد طرحا السؤالان وكنت أرى قبل ذلك كثيرا من المتأخرين في المراجعة يكتبون الأجوبة في أوراق صغيرة تدسّ في معاطفهم لتخرج أثناء الاٍمتحان في خفاء ...
كم كانت تألمنى نفسى عندما أقضى سداسى كامل في المراجعة حتىّ أضعف وأهن ثم أجد في النتائج بعض المتأخرين يفوقنى علامة , طبعا بطريقتهم الخاصة...
في كل ليلة كنت أمسك المذياع وأتابع برنامج ( قرأت لكم ) وقد تتبعت بشغف كتاب ( تحت راية القرآن ) لمصطفى صادق الرّافعى وكانت تلك اللّيالى الجميلة تبث في حنان ودفء خاصين و تجعلنى أفكر في البحر والصيف والطيور كانت لحظات جميلة عشتها مع أخى الصغير زهير الذى كان ينام بجانبى .
كنت مواضبا على قراءة جريدة الجمهورية فهى جريدتى المفضلة فقد نشرت لى وأنا تلميذ في المتوسطة قطعتين أدبيتين وكنت أتابع باٍهتمام صفحة الدّين والحياة التى كان يعدّها أسبوعيا أحمد بن علو وأيضا المقالات التى كان يكتبها صالح رويبى حول الفرونكوفونية ومحاولات التغريب .

لقد كانت جريدة الجمهورية بالنسبة لى في ذلك الوقت الجريدة الوحيدة التى تكشف الحقائق للشعب وتفضح الممارسات التعسفية للاٍدارة وتدافع عن حقوق المواطن البسيط وقد سمعت في جماعتى في ساحة الكلية أن صحفيا بهذه الجريدة أوقفه النظام عن ممارسة مهنته بسبب طرحه لأحد الوزراء في مقابلة تلفزيونية سؤالا كان بمثابة الزلزال الذى عرّى النظام .
لم تدم صفحة الدّين والحياة طويلا ربّما لتعرّضها لبعض القضايا السياسية والتدنى الأخلاقى الذى بدأت تعيشه البلاد و أيضا الحملة العنيفة التى كانت تشنّها على أتباع جان دارك . لقد كانت الصفحة أكسير أوكسجين يثلج صدر المسلم البسيط الضعيف المنسى , وفى الجزائر كلّها لم يكن هناك ما يشبه معارضة اٍلاّ صفحة الدّين والحياة التى كان يعدها أحمد بن علو .
وتعرفت في تلك الفترة بواسطة عمر صديق على طالب في الكلية , كان لا يقرأ , كان همّه الوحيد الضّحك والسخرية من الآخرين . كان لا يحمل معه لا محفظة ولا قلم و كنّا عندما ندخل المدرّج يطلب قلما من طالب و ورقة من آخر ولمّا نفرغ من الدرس يثنى ورقته ويضعها في معطفه . كان معطفه مليئا بالأوراق المطوية . كان يكره سارى على وصديقتها مدام شارلو وكلّما نلتقى به في ساحة الكلية اٍلاّ ويحدّثنا عن مغامراته في فرنسا مع صديقه اليهودى التونسى الأصل وأحيانا كثيرة نكون غارقين في الكتابة ورؤوسنا متدلية في اتجاه أوراقنا فيخرج على رؤوس قدميه في هدوء , نرفع رؤوسنا فنغرق في الضحك ...
تعجبنا يوما قدم اٍلى الكلية بحقائب يودعنا , اٍنّه ذاهب اٍلى مرسيليا لقضاء أسبوعين للبزنسة ثمّ يرجع اٍلى الكلية للدّراسة ...

لقد أعجبتنى كثيرا دروس الأمراض المتنقلة رغم ثقلها وطولها , كنت أنتهى من حفظها في دقائق كنت أضحك على الأصدقاء حين أجدهم يعتكرون مع الجمل والعرق يتصبب على جبينهم , كان اٍعجابهم بى كبيرا لكن ذلك الاٍعجاب كان غالبا ما يتحوّل اٍلى حسد وغيرة , في جماعتى كنت أنا صاحب العلامات الممتازة .
وأدخلنا قاعة الامتحان ووجدت سارى-على مقابلة لى تنظر في . لم أعرها أى اٍهتمام لكنّ شخص من خلفى وهو معيد كان ينصحنى بأن أضع ورقتى جانبا حتى ينقل بعض الأجوبة....
وزعت الأوراق , نسيت مدينتى , نسيت جماعتى , نسيت حتى نفسى , كان الذى من ورائى يخزنى لكننى لم أقدم له اٍلاّ الريح...
خرجنا , في الساحة اٍنتظرت جماعتى , ودّعت مشرى سعيد وسنوسى جلول , كان الوداع عسيرا بعد عام من التآلف , وفى لحظات قصيرة مرّت في مخيلتى صور الرفاق طول السنة...
وعدت التقى بصديقى اٍسماعيل ورحت أحدثه عن عالم الكلية . كنّا نسلك طريق رأس العين ونتجه نحو غابة سيدى سنوسى , نجلس في مكان ما نتذكر مراحل الدراسة والوجه القديم للمدينة لكن قضايا الفكر والمجتمع كانت تشدنا غالبا وتنمى في نفوسنا يوما بعد يوم منهجا دقيقا لتقييم الأوضاع والأشخاص .
وحتى ذلك الوقت لم يكن لدى في مدينتى أى صديق أمشى معه عدا اٍسماعيل . كنت لا أخرج من المنزل الا مساءا . كان يأتينى ونخرج معا . كان دائما ينصحنى بتغيير سلوكى وكسب أصدقاء جدد..

كنت أصلّى المغرب في مسجد سيدنا بلال الواقع في وسط المد ينة وحين نفرغ من الصّلاة أنتظر صديقى عمر بلوالى كى نترافق ونشتغل في الحديث عن أحوالنا حتى نصل اٍلى بيوتنا وقد تعرفت بفضله على كل من خالد بلكدروسى وبوزناد ورابح حفصاوى .
حاولت مع مرّ الأ يّام أن أخرج من دائرتى الضيقة وأتخلّى من سلوك الاِعتزال والوحدة وكم كنت أنشرح لمّا ألتقى بصديقى عبد القادر قدّار فيمسك بيدى ويعرفنى بأصدقائه الملتحين . كنت أتألم حين يحدثهم عن دراستي الجامعية اذ أشعر بنوع من التفوق وظهور عقدة في بعض النفوس الضعيفة كان قدّار شاب ملتحى كنت أحبه وأحترمه . كان الحديث معه جدّ ممتع . كان يتكلّم في أى شيئ يخطر بباله ويسلّم على جميع الناس . كان لا يعرف حدودا لسلوكه وحين يلتقى بالأطفال في الطرقات يلعب معهم الكرة أو يعانق أحدهم وأحيانا يلتقى بفتيات فيداعبهن بكلمات لطيفة . كان يحبنى يضحكنى يعانقنى في الشوارع , كلّما رآنى يفرح وكأنه رأى ملكا نزل من السّماء . كان يترك أصدقاءه الملتحين ويأتينى ويأخذنى معه اٍلى ما يشاء . لم أرى في مدينتى مسلما بريئا كالملاك مثل قدار . كانت براءة الاطفال التى يتصف بها تغرقنى حبا له . لم يكن يحمل عقدة تجاه أى شخص أو جماعة . كان يلاطف كلّ الناس .
كنت في كل ليلة أتابع برنامج " مساحات مغناطسية " في اٍذاعة فرنسا الدولية وقد لقى هذا البرنامج نجاحا باهرا في فرنسا ولعلّ هذا ما دفع ببعض المقلدين عندنا لاٍنشاء برنامج مماثل في القناة الثالثة بعنوان ( بقلب مفتوح ) . لقد تعرفت من خلال ذلك البرنامج على كثير من الجوانب الخفية للاٍنسان الأوروبى والمجتمع الفرنسى و لقد تأكد لى وأنا أتابع البرنامج كلّ يوم أنّ الاٍهتمام بالا ِنسان هو المحرك الرئيسى لاِ نطلاق أى حضارة .

ووجدت نفسى بعيدا كلّ البعد عن اٍ سماعيل منذ أن تعرفت على هؤلاء . كان حديثى معهم ممتع , اٍنّه حديث رجل صاحب معرفة علمية واسعة , لا تخفى عنه خافية . كان صمتى أعظم درس أقدّمه لهم حين أراهم يتخاصمون في أشياء تافهة .
ولعلّ أبرز الأشياء التى كان يشتدّ فيها النزاع هى قضية الزاوية التى أنشأت في حيّنا والتى كسبت مع مرور الوقت مريدون كثيرون . كان ذلك يالمنى كثيرا . كان الخصام يتحوّل أحيانا اٍلى عراك كلامى , سبّ وشتم ومقاطعة . كنت أخاف أن أقع في أحد الطرفين فتعلن الحرب ضدّى .
وعدت أستنجد بصديقى اٍسماعيل , كنت أطمئن كثيرا لنصائحه , كانت أفكاره كلها تجد صدى في قلبى , كان يعجبنى فيه احتكاكه بالشباب العاطل عن العمل , المتشردين , والعمال البسطاء, ومع كل هذا كنت أختلف معه وأقع معه في مناقشات حادّة لا تنتهى الا بقدوم الليل و افتراقنا .

في العالم كانت قضية محاكمة كلوس باربى تشدّ أنظار العالم , كان هذا الألمانى الأصل في زيارة سياحية لفرنسا فألقت السلطات الفرنسية القبض عليه بتهمة مشاركته في اٍرتكاب المجازر ضدّ الاٍنسانية خلال الحرب العالمية الثانية وسرّ القضية أنّ هذا الألمانى كان لاجئا في اٍحدى بلدان أمريكا اللاتنية وكانت تتابعه المنظمة العالمية لليهود منذ مدة لاٍصطياده , ولم يكن يعتقد أنّه حين ينزل ضيفا على بلد الحرية والديموقراطية وحقوق الأنسان فرنسا سوف تنقض عليه مخابراتها بضغط من اللّوبى الصهيونى .
ومنذ اٍنتهاء الحرب العالمية الثانية فقد اٍصطادت هذه المنظمة العشرات واعتقلتهم سرّا وقادتهم اٍلى اٍسرائيل ليحاكموا ويعذّبوا وبعض هؤلاء لم يفعلوا أى شئ سوى أنّهم ألمان كانوا مجنّدين ككلوس باربى وغيره . ولقد دافع محامى كلوس باربى منطلقا من أطروحة أنّه لماذا لا يحاكم بيجار ولاكوست ولوبان وشارون الذين اٍرتكبوا المجازر الجماعية في حقّ الأبرياء .
ومن خلال تلك المحاكمة , أحسست أنّ الشّعب الجزائرى لا يحتلّ أى مكان في قلوب أولائك الّذين يدّعون بالحرية والعدالة والكرامة .

° ° °

بدأ أصحاب الزاوية يشنون الحرب على فقد رأونى أجلس مع اٍخوانى الملتحين وأتحدث معهم و قد تألمت كثيرا فبالنسبة لى فقد بدأت أكسب أعداءا , وفى الجهة الأ خرى رحت ألاقى وابلا من الأسئلة الغريبة : لماذا تمشى مع اٍسماعيل اٍنّه مازال في جاهلية ؟ لماذا لا تصلّى معنا الفجر ؟ الجمعة القادمة سوف تأتى معنا الى وهران عند الشيخ بن عايشة ..لماذا تصلى في مسجد سيدنا بلال , اٍنّ اٍمام المسجد طرقى و حزبى ؟ ..

طبعا لم أفعل بكل هذا , فقد بقيت أمشى مع اٍسماعيل ولم أصلى الفجر معهم ولم أذهب لصلاة الجمعة عند الشيخ بن عايشة في وهران ولم أغيّر المسجد و بقيت أنا أنا ووجدت نفسى مع مرّ الأيام بين نارين , نار رابح حفصاوى ورفاقه ونار الطرقيين أصحاب الزاوية .
وهكذا وفى وقت قصير بدلا من أن أكسب أصدقاء كسبـت أعداء , على كل حال لم يكونوا أعدائى ولكن هم الذين حوّلوا أنفسهم اٍلى خصوم .
وفى البيت رحت أقارن بين عالم اٍسماعيل المملوء بالثقافة والفكر والعلوم وعالم اٍخوانى الملتحين المملوء بالأفكار التافهة والجرى وراء الشهرة و حبّ الزعامة .
لقد قررت أن أغير سلوكى , وهكذا بدأت أتردد قليلا على المسجد وأقلّل من عدد الأصدقاء , أصبحت لا أمشى اٍلاّ مع بلكدروسى وبوزناد وطبعا اٍسماعيل ومع مر ّالوقت استطعت أن اتخلّص من النظرات الحقودة للطرقيين وكسبت شيئا فشيئا مودّتهم أمّا صديقى رابح حفصاوى وبعض رفاقه فقد قرروا أن يواصلوا حربهم ضد شخصى . لقد حكيت يوما لأخى عن ذلك السلوك الغريب فقال لى : ألا تعلم أن الاسلام هو ملك لرابح حفصاوى وعشيرته...

كانت تلك الأمور بالنسبة لى تافهة لا تستحق الذّكر لكنّها أحيانا كانت تجنّنى وتحط من شخصيتى وتهين كرامتى فأنقطع عن الصلاة في المسجد ..
وجاءنى مساءا عبد القادر مراح ليخبرنى بنجاحه في شهادة البكالوريا . كان نجاحه غير مألوف , فقد تقدّم اٍلى الامتحان خمس مرات وفشل في كلّها , لكن هذه المرّة لم تفلت الشهادة منه . كان يمشى في الشوارع فرحا مبتهجا كمن افتتح له عالم آخر بعد ضيق وظلام , لقد علم بنجاحه كل شباب المدينة .
كان مصرّا على نيل الشهادة ولقد اٍستحقها رغم انشغاله بالعمل اليومى . طلب منى بعض عناوين المدارس والمعاهد الأوروبية أعطيته واحدا من كندا .
كان مراح ذكيا يعرف كيف يقيم الأشياء , مثابرا ومجتهدا , لم يكن يهتم بمواصلة الدراسة في الجامعة , كان قلبه معلقا باحدى جامعات أوروبا , كان قلبه معلقا بصديقه المغربى .
لقد فتح ذلك الشاب المغربى الطريق أمام شباب المدينة للتعلم في الخارج , كان شبابنا يتذمر كثيرا من انحطاط مستوى التعليم الجامعى وضيق أفق المتخرجين من الجامعات , واصدار قوانين لا يفلت منها اٍلاّ أبناء العائلات المحضوضة , لقد فرّ أغلب أبناء الفقراء من التعليم العالى لأنّها قوانين موجهة ضدّهم .

كانت ذكرى جميلة حينما كنّا نلتقى بمراح في السّاحة العمومية للمدينة فيحدّثنا عن أسواق ستوكهولم وطرق كوبنهاغن وجبال الألب والغابات الخضراء في ألمانيا وحدائق سويسرا ويفاجئنا في الأخير بحديثه عن مزرعة ( الفيرما ) التى أحرقتها حرارة الشمس وسوق الفلاح المكدّس فيه الحمص واللّوبياء وسقف المنزل الذى سقط على أحد جيرانه والفياضانات التى حملت دوار ( المنادسية ) معها . كان يقدّ م لنا صورتان لعالمان مختلفان جدا , عالم في القمة وعالم في الحضيض , كانت كيفية نسجه لذلك التصوّر جدّ دقيقة مؤلمة ومضحكة فعلا .
اٍشتقت اٍلى أصدقائى في الكلية , اٍشتقت اٍلى مشرى سعيد , راشد بوعلام وعمر صدّيق كما اٍشتقت أيضا اٍلى مدام شارلو و اٍلى عبد الرزاق ومغامراته ..
مرّ شهر كامل عن الامتحان , أحسست كأنّه عام , الأيّام في حياتى عسيرة , أغلب الوقت أقضيه في البيت , كنت على أحرّ من الجمر لرؤية نتائج الاٍمتحان .

وظهرت أخيرا النتائج , كنت ناجحا في جميع المقايس خاصة في مقياس الأمراض المتنقلة حيث تحصّلت على علامة الاِمتياز ..كانت فرحة كبيرة رحت أحدث بها أصدقائى وأكشف لهم عن بعض وجوه الكلية . لكن في تلك الأثناء ومع الظرف العسير الذى تمرّ به البلاد والانشقاقات الداخلية في نظام الحكم وصراع الكواليس, عقد الطلبة اٍجتماعا مع وزير التعليم العالى بطلب منه , وكنا ننتظر أن يطرح الممثلون للطلبة مشاكل التعليم العالى كضرورة الرفع من مستوى التعليم و التّكفّل بالطالب أثناء دراسته و بعد تخرجه بدلا أن تطرح هذه القضايا وغيرها توالت الخطب العرجاء الواحدة تلو الأخرى حول الأزمة الاقتصادية وضرورة تعبئة الطلاب لموجهتها وتجنيدهم ضد أولائك الذين يحاولون حسب زعم الوزير اٍفراغ الجامعة من محتواها الثورى ونسى الكل القرار 412 الذى حول الطلاب اٍلى بطالين , القرار الذى سجن من أجله العشرات في مظاهرات قسنطينة و تيزى وزو . لقد تحدثنا كثيرا عن ذلك الاجتماع الذى خيّب أمالنا واٍستغلّه متطفلون للدّفاع عن نظام مضطرب وكان يعجبنى صديقى عمر بودام حين يحلّل لى بطريقته الخاصّة كيف يحرّك النظام هؤلاء كعرائس القراقوز و كأنّه صنعهم في مختبرات الجيش . كان عمر بودام عضو نشط في الاتحاد الوطنى للشّبيبة الجزائرية لكنه كان يعرف أين يضع قدميه وكيف يفلت من أولائك الذين يتقنون اللعب بالمواطنين كقطع الشطرنج ويحسنون المتاجرة بالمبادئئ مقابل اٍمتيازات .

ونحن منهمكون في نبش واقعنا اليومى كعادة الناس في كلّ صيف , فاجأتنا فرنسا بقطع علاقتها مع اٍيران من جراء قضية سفارتها في باريس, وملخّص القضية أنّ وحيد قورجى مترجم في السفارة اٍٍتهم بأنّه مسؤول مباشر عن الانفجارات التى هزّت العاصمة باريس في الصيف الماضى ورفض الامتثال لأوامر الشرطة التى حاصرت السفارة وطلبت وحيد الذى كان لا يحمل جواز سفر دبلوماسى بتسليم نفسه .
ونحن متجهون بعقولنا وتفكيرنا اٍلى باريس اٍلتفتنا كلّية اٍلى طهران حيث اٍتهم السّفير الفرنسى بالتجسّس وحوصرت السفارة الفرنسية .
وممّا زاد الطين بلّة أنّ أحد الدبلوماسيين الايرانيين لمّا قصد المطار متوجها اٍلى جنيف لقيه البوليس الفرنسى بالضرب بالعصى والأرجل .
طبعا كانت الخاسرة هى فرنسا فقد بدأت قضية الرهائن في لبنان تظهر على السطح وتزداد حدّة كلمّا قام أولائك بتصرفات تهين من كرامة العرب والمسلمين .
وعدنا بعقولنا اٍلى واقعنا المرّ حيث كانت الدّولة تحضّر للاٍحتفال بالذكرى الخامسة والعشرون للاٍستقلال لقد حضر الاحتفال نحو ثلاثة ألاف مدعو من بينهم يهود فرنسيين وحضر الحفل أيضا نحو أربعون فرقة فنية عالمية كلّ هذا تحت نفاقة خزينة الدّولة لمدّة شهر تقريبا .
وأبرز الحفلات الضخمة التى أقيمت في تلك الفترة هى حفلة وردة الجزائرية , اٍذ تسلمت الملايين من الفرنكات مكنتها من دفع ديونها المتراكمة والسّماح لها بالعودة اٍلى مصر..
في تلك الأثناء كانت تجرى محاكمة لنحو مائة شخص في محاكم المدية.

لقد تالمت كثيرا لذلك الوضع , فمن جهة أشخاص يلعبون بالوطن وأمواله تصرف على غرباء و من جهة أخرى يقمع آخرون ويسجنون لمجرّد اٍبداء رأى مخالف .
صلّيت الظهر في منزلنا , جاءنى اٍسماعيل اٍلى البيت , خرجنا , ونحن نمشى خطرت ببالنا فكرة للذّهاب اٍلى قرية ( كريشتل ) . ونحن في الطريق المؤدى اٍلى هذه القرية الساحلية توقفت حافلة للنقل العمومى بالقرب منّا فعزمنا على الركوب , طبعا كان دفع الثمن من طرفى كالعادة مع هذا المارد ..
وبينما نحن ندخل قرية كريشتل شعرت كأنّى أقتحم عالما مجهولا , وكنت أتأمل أفق البحر و قمم الجبال العالية التى فوق رأسى فيعجبنى المنظر و يجتاح جسدى خوف غريب , لأوّل مرّة أقف أمام منظر جميل كهذا , كان البحر أزرقا كالسماء , هادئا كهدوء هذه القرية التى تجثم عند أطرافه في خشوع .
نزلنا من الحافلة , مشينا قليلا , أعجبتنى الحدائق والينابيع والبيوت التى أنشئت بطريقة تقليدية و عشوائية, تمنيت لو كنت محضوضا لوقفت هنا وحملت ريشة لأرسم تلك اللوحة الرائعة .
وصلنا اٍلى أقرب شاطئ , كان الناس يسبحون , رأيت نساءا شبه عاريات , وكنّا أحيانا كثيرة نمرّ على شاب ممسكا بحبيبته في مكان منعزل .
وهكذا قادنى اٍسماعيل على مسافة كيلومترين اٍلى آخر شاطئ عبر الصّخور الوعرة نتسلّق هذه ونهبط على تلك , كان اٍ سماعيل ماهرا في التسلّق يستعمل فقط قدميه بينما كنت أنا بطيئا أستعمل يداى في كلّ تسلق ونزول ولو رآنى أحدهم لأطلق :( ياله من قرد شجاع ).

لا أعرف لماذا نفى البحر هدوئه عندما لمسته بيدى و كأنّه يعلن غضبه لمجيئ ..فضلت أن أجلس بعيدا أتأمل صديقى اٍسماعيل وهو يلعب مع الأطفال على حافة البحر , قال لى قبل ذلك أنّه يمكنه الاٍبتعاد في السباحة مسافة كيلومترين , طبعا لم أصدقه , وها أنذا أراه يخبئ رأسه كا لسّلحفاة كلّما رأى الموج قادم في اٍتجاهه .
أعطانى ثبانا وذهبت لأسبح , نصحنى رجل بالابتعاد قليلا عن الصّخور , فعلا كان ذلك المكان جدّ خطير فقوة الأمواج يمكن أن تحمل على ظهرها جسدى النحيف وترتطم به على صخرة متمردة , لكن الغبى مثلى لا يعرف مثل هذه الأ شياء . دخلت قليلا , رميت بنفسى , وقفت واٍذا بى أشعر بدوار ويكأن الأرض تدور من حولى , ولّيت هاربا , كنت أترنح كالثمل , فقدت السيطرة على حركاتى .

رحت أندب نفسى على مجيئ , لبست وقفلت راجعا , لحقنى اٍسماعيل , رحت أصبّ عليه جام غضبى على طول الطريق المؤدى اٍلى محطة الحافلات ...
خلال الطريق صادفنا مقبرة , عند مدخلها كان شبان جالسين يضحكون ويستمعون اٍلى أغانى بوب مارلى , كان الناس يمرّون على هذا الطريق وهم يغنّون يرقصون يضحكون ويلعنون وأحيانا تمرّ سيارات بسرعة جنونية .
وصلنا اٍلى ( منبع المياه) شرب اٍسماعيل , شرب آخرون , لم أشرب , كانت عيناى معلقتان بقبر منعزل على تل مرتفع .
أذن لصلاة العصر كانت جماعة من المسنين بجانب المسجد يثرثرون وكنت ترى الفتيات المتبرجات يطلن من شرفات المنازل العالية أو يمرن عليك بسيارة اٍلى البحر .
هذه هى كريشتل قرية أجدادى ..

لقد قضيت تلك الليلة استغفر الله وأعظمه وأصلى وأقرأ القرآن , لقد قررت في ذلك الظرف أن لا أعود أبدا اٍلى قرية كريشتل و لكن مع نضج فكرى اٍستطعت أن أفسّر ذلك السّلوك البريئ واليوم ها أنذا اشتاق الى أرض أجدادى وأحرك قدماى لأرى وأسمع وأحدث و أغير..
في اليوم التالى اٍنقلبت أحوالى وأصبحت مريضا , كامل النهار قضيته ملقيا في الفراش .
كنت أرتاح قليلا عندما أتوضأ بالماء البارد , كنت أشعر في نفسى بعظامة الدين الاسلامى , اٍنّ هذه العملية قد اٍكتشفها الطب الحديث وتعرف الآن باٍسم التداوى بالماء .

ذهبت اٍلى المسجد وأعدت كتاب ( ظلام من الغرب ) لمحمد الغزالى ولمّا وصلت اٍلى البيت سقطت كخشبة في الفراش , كان المذياع الذى اعتدت أن اضعه بجانبى يرسل أغنية لأم كلثوم , نمت , استيقضت في منتصف الليل واذا بمرضى يشتد , كنت أصدر صراخا خافتا, أفاق أبى فأقبل على أمّا أمى فقد أعجبها النوم , وكنت في ذلك الوقت في أزمة مالية حادّة , لم تشفق علىّ أمّى حتىّ تنزع من محفظتها بعض الوريقات لكن في الصباح وجدت في جيبى ورقة وضعها أبى .
لقد فكرت كثيرا في هذا السؤال : كيف تزوج أبى أمى ...كانت أمى قاسية , أمّا أبى فكان رجلا متوسط الثقافة يقرأ الجرائد ومتمكن من اللغتين ينتقد الاوضاع يكد ويجد , يعرف كيف يتصرف مع الأحداث والطوارئ , لا يجلس في المقاهى , لا يعرف الا ثلاثة العمل , المسجد والبيت . ولقد قالت عنه يوما اٍمرأة هرمة تعيش في حينا : ( لقد كثر الحجّاج في هذا الزّمن العجيب لكن في عينى لا يوجد اٍلاّ حاج واحد اٍنّه عبد القادر بن الحبيب ).

ذهبت اٍلى الطبيب , اٍشتريت الدواء , في المساء بدأت أسترجع قواى المحطمة , قست الضغط الدموى وجدته مرتفعا نوعا ما , قمت بتمارين رياضية اٍرتاح لها جسدى وأنعشته .
لم يكن ثمة جديد يلفت الاٍنتباه في عالم متقلب سوى الحرارة التى قتلت في اليونان عشرات المواطنين أغلبهم مسلمين مصابين بامراض القلب وأيضا زيارة الكونت دوخوان بوربون كونت برشلونة لوهران حيث اٍطلع على أثار أجداده الاسبان وصفّق للراقصات في (الأندلسيات )...أمّا في وطنى فقد اٍستمرت ( الجزائر-الأحداث ) في شنّ حملاتها المغرضة ضد المسلمين الملتزمين , واستمرت جريدة ( آفاق ) في نشر صور شاريهان وتحياتها لبلد الثوار و أيضا صور سامية جلال وصور أخرى .

ومرّت أيام ....
وتتبعنا مظاهرات الحجّاج الايرانيين في مكّة المكرّمة ضدّ أمريكا والموالين لها في الشرق الأوسط لكن الشرطة حاصرتهم وأطلقت الرّصاص عليهم ممّا أثار غضب عائلات الحجّاج الايرانيين فهاجموا السفارة السعودية فى طهران وأحرقت سفارة الكويت .
وفى ذلك الظرف العسير من حياة الأمة العربية سمعت صاحب دكان يسخر من أحد زبنائه :
- يظهر أنك اٍيرانى ؟
فسأله عن السبب . فردّ عليه ساخرا : ( اٍنّك لم تدفع نصف دينار فالجرائد زاد ثمنها ) .
اٍنّها صورة بسيطة من العشرات الصور التى ألصقها الغرب والموالين له من العرب والمسلمين على الشعب الايرانى منذ اٍنقلابه عليهم .

لكن الشيئ الغريب الذى بدأ يسترعى اٍنتباهى في مدينتى هو سلوك أبناء مدام قوجيل الذين يسكنون بجوار مسجد سيدنا بلال , أمّهم ألمانية لا تتخلّى ابدا عن البنطال , وأبوهم طبيب طلّق أمّهم وتزوّج عربية وهرب كلّية من هذه المدينة التى أصبحت متوحّشة في نظره . كانوا في البداية محافظين لا يخرجون كثيرا ولا يتكلمون مع الناس أمّا الآن فتجدهم مع أرذل الخلق , يجالسون هذا ويشربون الخمر مع ذاك.
لعلّ أمّهم هى الوحيدة التى تخزن في ذاكرتها لحظات تطور المدينة ولعلّ اٍندهاشها كان أكبر عندما لاحظت تلك الفترة التى كثر فيها الشباب الملتحى . كانت لها بنت أقامت المدينة وأقعدتها وكنت أراها بعينى في الجامعة تعانق شبابا وتدخن ثم ذهبت الى ألمانيا لتحضر شهادة على يد الحكومة .
كان لها اٍبن معوق وأبكم يمشى كالثمل في الطرقات , كان يقف أحيانا في وسط الطريق كشرطى ينظم حركة مرور السيارات ويستمع اٍلى مذياع في جيبه , وكان كثيرا ما يتردد على المسجد ليصلّى خاصة صلاة الجمعة .
وأغرب ما قرأت فى تلك الفترة فى صحيفة من صحفنا هو أنّ شابا سكر حتى سقط على الارض وأخذ يتقيا فصعد بعض الجيران لاٍبلاغ أمّه التى تسكن في الطابق الثالث عن حال ولدها الشّاب فنزلت مهرولة فظنّ الناس أنّها سوف تضربه أو تقتله أو تطرده من البيت ولمّا اٍقتربت منه ورأته يتمرغ في التراب والخمر تخرج من فمه , أرسلت زغرودة في السّماء لتعلن عن سعادتها لأنّ اٍبنها في نظرها أصبح رجلا .
وما قرأت يتفق مع بعض ما رأيته وسمعته عن شباب سكّير حين تنهره عن ذلك يقول لك أنا رجل ( وما في الرجولة من معنى ) .

وفى ذلك الصيف لمّا كنت أصعد من المسجد اٍلى دارنا بعد أن أكون قد فرغت من صلاة العشاء أجد على حين غرة بعضا من شباب حينا في مكان خفى كلّ واحد ماسك قارورة خمر بيده وكثيرا ما كان ينظم اٍليهم بغداد ميمون وأحمد الشاسى ونورى المرساوى ولعلّ الشيئ الوحيد الذى كنت أستغرب منه هو حين تمرّ عليهم وتسلّم يردّون السّلام بينما كان في زمن مضى اٍذا قلت لذلك الجيل السكير ( السلام عليكم) لحقك أحدهم بخنجر أو أرسل عليك قارورة أو سمعت منه ما تهتزّ له الأرض أو اندهشت أمام صمت ونظرات وحش مفترس .
لكنّ شيئا جديدا بدأ يشدّ اٍنتباهى وهو أنّ اٍخوانى الملتحين كانوا يستعملون كثيرا الدرجات النارية في تنقلاتهم , لقد أصبحت موضة جديدة وكثيرا ما تشاهد شاب ملتحى بقميص ناصع البياض يجوب الطريق الوطنى الرئيسى وأحيانا يلاحقه صديقه بنفس المظهر فينتابك شعور جميل ولكن الذى كان يضحكنى أن أجدهم يجوبون الطريق بسرعة جنونية اٍلى اٍتجاه غير معلوم ولا تمرّ لحظات اٍلاّ وأراهم عائدين من حيث أتوا..
وكنت أراهم يجتمعون كلّ مساء عند محمد الزيانى في حانوته وهو تاجر ثرى وقد دخلت مرّة اٍلى حانوته فوجدت آيات قرآنية مكتوبة على ورق ملصوق على الجدار , اٍندهشت عندما قرأتها اٍذ لم يراعى فيها قواعد النحو فجعل المنصوب مضموما والمجرور منصوبا وظهرت لى سورة النّصر غريبة فاستغفرت الله .
وكنت أراه يذهب بسيارة الهوندا مع بعض اٍخواننا الى وهران لصلاة الجمعة في مسجد مطلع الفجر عند الشيخ مصطفى فامام مسجد سيدنا بلال ليس كفؤا كى يحضر خطبه التى لا تتعدى فرائض الصلاة والوضوء وشروط الزكاة , وكنت أمرّ بجانب حانوته كل يوم فتصل مسامعى من داخله آيات قرآنية مرتلة وأحيانا أغانى عبد الحليم حافظ وأحيانا أخرى موسيقى البوب أو الراى ربّما كان الحانوت الذى كان يتداول عليه اٍخوته يمشى على هذه الوتيرة حتى يتلقف جميع الناس أيا كانت توجهاتهم مبيعاته .

ولما كنت أنزل اٍلى " الفيلاج " ( وسط المدينة ) , أصادف دائما موستاش كعادته نصف جالس عند باب منزله سارح الفكر لا أعرف فيما كان يفكّر ربّما في عبّاس الذى اٍحتلّ له جزء من المنزل مستغلا ضعفه ووحدته , أجل كان يفكر في ذلك لاسيما عندما فتح عباس محلاّ للميكانيك وأخذ يوسع مسكنه ويبنى في الطابق الأول .
كان عباس هذا يعمل في شركة حكومية وكان المحل في نفس الوقت يذرّ عليه أرباحا كبيرة وهكذا مع مرّ الأيام أصبح رجلا ثريا . كان يالمنى منظر أطفال يعملون منذ مطلع الفجر حتى غروب الشمس , يضيعون جمالهم وحيويتهم من جراء عراكهم اليومى مع العجلات المختلفة الأحجام وفى النهاية لا يقدّم لهم اٍلاّ بضع دنانير .
لقد دخل صاحبنا المدينة وفى جعبته لا شيئ , يبكى ويشكى من سوء الاقدار والمحن فكرى له موستاش ليسكن واٍذا به يستغل سكوت موستاش و وهنه ليحلّ محلا ويفعل مالم يستطع اٍبن المدينة أن يحققه في أربعين سنة ..
كان موستاش يجلس في نفس المكان مع الدرقاوى وكانت الأحاديث لا شك تدور حول ذلك الذئب وكان موستاش يستعين بالدرقاوى ليكتب له حروزا لعلّ توقف أطماعه ..
لازلت أتذكر جيدا عندما كنت طفلا , كان يثنى قميصه ويضع طرفى سرواله داخل حذاء ( البوتيون) ويسوق حماره مع العربة المحمل عليها بقايا فضلات أبقاره حيث يرميه في أراضى الفلاحة خارج المدينة . لقد كبر موستاش كنت أحسب بعوده الصلب ورزانته في الستين ورغم كبر سنه فهو لايزال يحتفظ بحيوية الشباب وقد سمعت عمّى يقول عنه يوما أنّه منذ طفولته لم يعرف المشاق والمهن العسيرة , حياته كلّها قضاها بين الأبقار .

اٍشتقت اٍلى الدّراسة وكنت أفتح دفاترى لأ قرأ بعض الدروس المهمّة أو أطا لع كتاب السيميولوجيا لروز مارى حملاجى , وكنت أحمل قلمى و أبدأ برسم المسدسات المختلفة وقد كانت تدور فى رأسى فكرة عجيبة وهى لماذا لا نثبت بمسدس منظار دقيق يتصل باداة شبيهة بالفبروسكوب المستعمل في عملية التشخيص لأمراض المعدة وبذلك يستطيع المصوّب أن يحقق هدفه مع أمكانية تعديل الفبروسكوب ...

وعلمنا أنّ السعودية أرسلت برجالها للالتفاف على الطائرات الايرانية التى حطت لتنقل جثث الحجاج القتلى اٍلى اٍيران وقد اٍتهمت اٍيران السعودية بمحاولة اٍخفاء الحقائق عن اٍطلاق الرصاص على المتظاهرين واٍعتبرت ذلك اتفاقا مبرما مع المخابرات الامريكية . وفى لبنان وبموازاة ما يحدث في مكة المكرمة ينسف مقر السفارة السعودية ومكتب الخطوط الجوية ..

وافقت على سؤال أخى وصديقى بوزناد : محمد لماذا لا تلتحى ؟ ..كم ألمنى ذلك السؤال , وأمضيت ذلك اليوم في التفكير , لقد غضبت غضبا شديدا وما حزّ في نفسى هذا السؤال لكن الذى ألمنى لمّا استخلصت أن هذه السنة أخذت نصيبا كبيرا في التوجه الا سلامى وشغلت عقولا جمّة وأضحت معيار يزيد أو ينقص من اٍيمان المسلم وقيمته . وهكذا و بعد تفكير طويل وجدت أنّ اللحية قد ألحقت هى كذلك اٍلى جملة العوامل الأخرى التى تسكن عروق هذا المجتمع الصغير الذى يبحث عن نفسه و تنخر جسده : الفقر , الجهل , العشائرية , حب الزعامة , الطرقية , السلفية ...كل هذا جعلنا حين نلتقى بصديق في طريق ما نضعه دون شعور في خانة مناسبة له ونتعامل معه وفق ذلك ..

لقد أدركت نفسى خطط اللعبة الجديدة التى وصلت الى القرى والمداشر والأسر وراحت تمزقهم تمزيقا , لقد كنت متفتحا على جميع الناس وأعتبرهم كلّهم اٍخوتى ولكل ظروفه الخاصة يجب معرفة كيف التعامل معها برفق وحكمة , لقد تحدثت مع الأئمة , مع الشباب الملتحى , شباب المقاهى , المتشردين والعاطلين عن العمل وحتى السكارى , ربما كنت الشاب الوحيد في مدينتى الذى يقتحم أبواب المستحيل , كنت أتمعن أرائهم ووضعيتهم , سلوكهم , وأقيم تفكيرهم وأقدم لهم مساعدتى العلمية والمادية والروحية ..

كنت أنظر اٍلى الدّين الاسلامى على أنّه دين واحد لا يتغير بينما كنت أنظر اٍلى مجتمعنا على أنه مازال مضطهدا بأفكار اٍستعمارية قديمة , مشتت , يفكر بدون عقل , ويستغل ضعفه وتشتته أشخاص يعملون خلف الستار , هدفهم الأساسى البقاء في الحكم يتحكّمون في رقاب الناس باسم الثورة والوطنية أحيانا وباسم الشعب أحيانا أخرى .

هكذا كان تفكيرى وهكذا كان سلوكى , لكن هذا التفكير وهذا السلوك جعل بعض الأغبياء من اٍخوانى الملتحين سامحهم الله ينفرون منّى وينظرون اٍلى بنظرات تجرح النفس وتدمى الفؤاد .
في مدينتى لم أجد أحدا يفهم لغة المخابرات , لا عبد الرحمن الذى تحصل على رسالة الماجستر وأصبح اٍسمه على ألسنة الناس ولا الأستاذ خليفة ولا رابح حفصاوى وعشيرته .
كم تعذبت في ذلك الصيف , ورحت أفكر: الفقر , العشائرية , الجهوية ,الطرقية , السلفية , اللحية , الجهل , حبّ الظهور , لماذا هذا كلّه ؟ كنت أتصور كأننى في متحف كبير مليئ بالأوثان والأوهام يحرسه أسد ضخم الجثة , قبيح المنظر , سيئ الطباع , وكان علىّ اٍمّا أن أقتل الأسد فيسهل علىّ القضاء على الأوثان والأوهام وأمّا أن أهرب خارج المتحف وذلك هو أضعف الايمان .
وأعتقد اليوم أن الصورة لم تتغير بتاتا فقط تغير شكل الأسد .

وفى البيت كنت عندما أستمع اٍلى كلام يشير الى حادثة وقعت في المدينة تمسّ من قريب أو من بعيد بذلك أسخط وألعن فتحتار أمّى وتقول :( سوف تمرض اٍفتح قلبك واٍنسى الهمّ ..).
كرهت , خرجت وجدت نفس الوجوه نفس الأفكار نفس الأحاديث , سئمت , الأيام طويلة والحرارة مرتفعة .
اشتعلت الحرب بين ليبيا وقوات جيش تشاد بقيادة حسن هبرى التى هاجمت الحدود الجنوبية لليبيا وكان الضباط الفرنسيون يدعّمون هذه القوات ويدربونها .
لقد وقعت تلك الحرب في وقت ظهرت فيه ملامح ما يسمّى بالوحدة بين الجزائر وليبيا وكان من الطبيعى أن تصدر خارجية الجزائر بيانا ترضى فيه الأطراف الأربعة المتنازعة وهى ليبيا , تشاد , فرنسا والشعب الجزائرى .

عندما سمعت ذلك البيان خرجت من قاعة التلفزة أعدو وأسخر من دولة عاجزة , غير مستقرة تهتز لهبوب عواصف تملكها المخاوف تكاد تحسب الذباب طائرات والضفادع دبّابات اٍلاّ من الشّعب فهى تجلده صباح مساء بقوانينها المجحفة , طبعا كانت فرنسا تراقبنا وتضغط علينا بديونها وأذنابها ..
لقد عجزت القوات الليبية من ردع قوات حسن هبرى الهشّة التى كانت تقف وراءها فرنسا ولو أنّ القوّات الليبية كانت تحارب باٍيمان قوى ومن أجل قضية و هدف نبيلين لدحرت هبرى والعجوز فرنسا وطهّرت اٍفريقيا من براثن الاٍستعمار .

لقد اٍستغلّت فرنسا هذه الحرب لتكشف عن عظلاتها وتشهّر من نجاعة أسلحتها الفتاكة , ولكن السلاح ماكان سببا في انتصار الأمم في يوم من الأيام , فهو مهما كان مصدره واحد ولكن الذين يحملونه هم الذين يختلفون , وللمسلمين سلاح أفتك اٍنّه سلاح الاٍيمان بالله الذى يخلط الأوراق ويربك الأعداء ويفشل خططهم , هذا السلاح هو الذى جعل جندى مجهول يقول لأحد الطغاة المتكبّرين في الأرض عندما ساله من أنتهم فقال : نحن قوم اٍبتلانا الله بكم كما اٍبتلاكم بنا , اٍن كنتم على سحابة لصعدنا اٍليكم أو تنزلون, وهو الذى جعل ذلك القائد يقول لعدوه : ( جئناكم بقوم يحبّون الموت كما تحبون الحياة ) .
وأعتقد أنّ هذا السلاح مازال موجودا و يحاولون قلعه من قلوب الناس , ورأينا مع مرّ الايام كيف أنّ لهذه الأمة رجال يؤمنون بالله اٍيمانا صادقا وراسخا يهجمون على دبابات و مستوطنات الأعداء ويفجرون أنفسهم... هذا الايمان هو الذى حيّر أمريكا وحلفائها وجعلها عاجزة عن اٍستخدام قنابلها الذرّية التى كادت أن تكون خرافة يخوفون بها الأ طفال الصغار وأمام هذا الوضع لم يستطع كلب اٍسرائيل المسعور رونالد ريغن اٍلاّ أن يقول أنّها بربرية و كنت أتمنى أن يردّ عليه خادم الحرمين الشريفين فهد أو حامى العروبة والاسلام صدام حسين أو أمير المؤمنين الملك الحسن الثانى أو المجاهد الأ كبر بورقيبة...

و أمام هذا الفشل والعجز , بدأت في تلك الفترة أفقد الثقة في كل شيئ , اٍنقطعت عن قراءة الجرائد وهاجرت الاذاعة الوطنية التى أغرقت باغأنى الراى أمّا التلفزة الوطنية فقد أصبحت مرتعا للصعاليك والمنحلين أخلاقيا يقدّمون برامج منافية للذوق الرفيع والآداب العامة , وظهر في ذلك الوقت بما يعرف بموجة ( تشى تشى ) التى خرّبت البيوت والمدارس والشوارع .
وحتىّ أريح نفسى من متاعب الصيف , قررت زيارة جدتى بقرية حسيان الطوال ولقد سمحت لى تلك الزيارة من الاستماع كثيرا اٍلى أشرطة مسجلة لخطب الشيخ أحمد بن عايشة التى اٍشتراها أحد أقربائى هناك . كان الشيخ أحمد بن عايشة يخطب بالعامية وحين يتحدث بالفصحى يتكلم بلغة عربية ركيكة لا احترام فيها لقواعد اللغة العربية . كان قريبى يهتزّ لسماعه بينما كنت أنا أتأ لّم من كثرة اٍستعمال اللّغة الدارجة .

كان أحمد بن عايشة يحاول تقليد عبد الحميد كشك في مصر ورغم الفارق الكبير بين الرجلين اٍلاّ أنّ قاسم واحد مشترك كان يجمعهما . لقد اٍستطاع الشيخ بن عايشة أن يهزّ بعض الشباب أمثال قريبى ..وقد تعرفت من خلال خطبه وبعض من اٍحتكّوا به من مدينتى أنّه يعارض الصلاة في المساجد التى بنتها الدولة ويرفض سماع ومشاهدة القرآن الكريم في التلفزة ويطالب بعدم الصلاة وراء أئمة موظفين عند الدولة . كلّ هذا كان يعجب الشباب ويذكّى حقدهم على هذه الدولة التى تخدعهم بالأوهام لكن بن عايشة ما أن يخطب مرّة فى مسجد حتى يزجّ به في السّجن لمدّة ثلاثة أشهر أو أكثر . لم يخفه السجن ولم تخفه المضايقات . لقد بعث له يوما رجال الدّرك باٍستدعاء اٍلى مكتبهم فلم يأتى فذهبوا اٍليه وسألوه : ( لماذا لم تأتى ؟ ) أجابهم : ( وأنتم لماذا لا تأتون وتسمعون الآذان خمس مرّات في اليوم ؟ )

عدت اٍلى مدينتى ورحت صباح كل يوم أسال نفسى : ( ماذا أفعل ؟).
كنّا فى شهر أوت وكنت ألاحظ فى المدينة كثرة الفتايات المتبرجات , اٍنّه فصلهن , اٍنّهنّ بنات عائلات المغتربين الذين قدموا من فرنسا , وقد اٍمتلأت أركان الشوارع بالشباب الملهوف وكثيرا ما كنت أرى فتاة يلاحقها شاب يغازلها بكلمات فرنسية وأغلبهن يردن عليهم .
كان سوق الفلاح لبلدتنا ملتقى العشاق صباح كلّ يوم ولأنّ سوق الفلاح يعمّ فيه ظلام فترى عند القسم المخصص لمعجون الخوخ شاب يتحدث مع فتاة وهناك عند قسم الألبسة شاب آخر يحاور عشيقته وهنا وهناك اٍلاّ قسم الزيت والقهوة فهنا يتزاحم المشترون وليس العشاق .
ولعلّ مجيئ هؤلاء الفتيات في كلّ صيف هو عن قصد من والديهن لعلّهن يجدن رجلا يظفر بهنّ , ففى فرنسا يمكن أن يتزوجن بفرنسى كما أنّ الشاب المغترب غالبا ما يختار أجنبيات ولا يعطى لهنّ أدنى قيمة .

كنت كلّ يوم أرى الشابان الطرقيان عبدى والميسوم اللذان يترددان بكثرة على زاوية حيّنا , كنت أراهما يجوبان الشوارع بلباسهما الأنيق ذهابا واٍيابا بحثا عن غزال تائه وكنت أنفجر ضاحكا لمّا أرى الميسوم في ركن ما يدوّر في رأسه يمنة ويسرة خلفا وأماما ويرسل بنظرات بعيدة وقريبة كالصّياد الذى اٍختفت عنه الأرانب..
وفى المساء , كنت أخلد اٍلى المسجد لأداء صلاة المغرب , وكانت فرصة التقى فيها ببلكدروسى لندردش قليلا , ولقد قلت له يوما بعد أن فرغنا من الصلاة : (اٍنّنا فى بداية الطريق وماتراه يجب أن لا يبهرك , وكلّ ما تتمنّاه لا يتحقق اٍلاّ بمرور أجيال) ...ومرّة كنت في المسجد فأقبل على وتحدثنا عن الاسلام وعن أشياء أخرى , وقد عرفت من خلال أحاديثى أنّ أرائى وأفكارى ينقلها اٍلى أشخاص ربّما يستحيون أن يجابهوننى . قلت له بصريح العبارة : (اٍنّى آمن بالثورة لكنّى تخليت عن هذه الفكرة لأ نّنا لسنا في مستواها , ولسنا أهلا لها , هل اٍتحدنا فقط وتجنّدنا لمحو مفهوم العشائرية والجهوية التى تعشعش في عقولنا ؟ وهل شبابنا تحرّر من عقدة الانفعال واٍستعمل عقله وحيويته وتخلى عن أنانيته المفرطة ؟ ).
وحتى ذلك الوقت اٍلتقيت كم من مرّة بشباب مثقف لم يكلّمنى أحدهم أبدا في موضوع تقنى أو رياضى أو طبّى , كان همّه الوحيد هو في أىّ مسجد يصلّى الجمعة المقبلة , متى زفاف فلا , ماذا قال الشيخ بن عايشة , هل ظهر الهلال أم لا ؟

ولقد حدث يوما أن أردت أن أشرح لأحدهم بطريقة رياضية مبسطة نظرية حول القذائف فى الفزياء فحسبها الرجل مسالة طرحتها عليه وأريد منه الاجابة فصرخ في وجهى : ( اٍتركنى , لقد نسيت كلّ الفزياء ولا أريدك أن تتكلم معى حول هذا الموضوع ). فاستعجبت ورحت أطمئنه بأنّها ليست مسالة اٍنّما شرح مبسط لدرس قد يساعده غدا اٍذا دخل مدرسة تكوين عسكرية أو واجه عدوّا ..
هكذا كنت أنظر اٍلى الأمور , ولقد شعر البعض أنّى أتّهمه أو أنّى قرأت عنه أشياء خاطئة أو أنّه مشكوك في أمرى , وما كنت في حياتى أبدا حقودا أتّهم الناس وما أعجبتنى أبدا أفكار عقيدتى أمّا اٍن كان مشكوك في أمرى فالله هو الذى سوف يحكم بيننا .

كنت منذ مدّة لم أضحك ولكن في ذلك اليوم اٍنفجرت كالقنبلة الذرية حتى شعرت بوخز في المنطقة الصدرية وبالم في الكبد والسّبب كلّه هو اٍنبطاحات ( سطولو ) ورفاقه من المعممين . لقد اندهش كل من شاهدهم في الحديقة العمومية مرميين على الأرض كالقطط الجائعة يلفتون اٍنتباه المارّة وسائقو السّيارات التى تجوب الطريق المحاذى للحديقة . كانت الحديقة العمومية هى مقرهم الرئيسى وكانوا أحيانا يمشون واٍذا ( بسطولو) يرمى بجسمه على الأرض تلقائيا ويتبعه الآخرون والذين يريدون الصعود من ( الفيلاج ) اٍلى ديارهم عليهم أن يشقوا بعناء جمع ( سطولو) الكريم ...
كان لسطولو سيارة قديمة من نوع ( بيجو404باشى) كانت السّيارة مليئة بالأسلاك التى يستعملها لربط المحرك والمكباح و المقود كما اٍستعمل حزاما من القماش كى يقيه من الصدمات .
كان لمّا يرى منعرجا على بعد أمتار , يبدأ من مكانه بتدوير المقود لأ نّه لو فعل ذلك على مسافة متر من المنعرج فاٍنّ سيّارته لن تدور اٍلاّ بعد بضع أمتار وبذلك يمكنه أن يصطدم بحائط منزل أو بشجرة كما حد ث له أوّل مرّة ..
وكان حين يريد اٍقلاعها عليك أن تنتظر ربع ساعة واٍذا أرادت السيارة أن تتحرّك فعليك أن تنتظر نصف ساعة ومع الضجيج الذى يبعثه المحرك تحسب أنّ صاروخا سوف يصعد اٍلى السّماء وترى جموع الناس يتامّلون ويضحكون حتىّ النّساء تجدهنّ يطلن من النّوافذ لعلّهنّ يسرن خاطرهن .
و حدث يوما أن أوقف سطولو سيارته هذه بالقرب من منزله واٍذا بالأميرة الحسناء تتدحرج وحدها وسمع سطولو بالخبر فخرج مسرعا ليمسك بسيارته الهاربة و أخذ بمؤخرتها وراحت تدحرجه على طول الطريق فطلب من أطفال الحىّ مساعدته وأخيرا تمكّن سطولو من اٍيقافها ومنذ ذلك اليوم وجب عليه أن يضع حجرة متوسطة الحجم بمحاذاة أحد العجلتين .
لم يكن سطولو معروفا من قبل ولكن حين اٍشترى هذه السيارة وأصبح يجمع أصدقائه في الحديقة العمومية كلّ يوم ويقوم بلقطات الانبطاح , عاد مشهورا بين الناس ..
كان سطولو ورفاقه يحبون الشيخة الجنية وكانوا كثيرا ما يسكرون ومرّة سكروا ليلا وجلسوا بالقرب من دارنا وأحضر قائد الجماعة سطولو الكسكسى وأخذوا ياكلون , يضحكون , ويثرثرون والناس نيام وبعدما اٍفترقوا هاجم سطولو على زوجته وضربها كعادته لمّا يسكر وفى الصباح كان كلّ الناس يتحدثون عنهم ..
في ذلك الشّهر ( أوت) , قدم عمى مع أبنائه من فرنسا وكان معهم أجنبى اٍسمه كريستيان وهو شاب فرنسى متزوج ثخين ومؤدب , وقد عرفت من خلال عمّى أنّه متزوج مع بنت (حركى ) من تلمسان وقد أنجب معها أربعة أطفال يحملون أسماء فرنسية . كان يعرف تاريخ الجزائر جيّدا منذ دخول الفرنسيين اٍلى الجزائر حتّى الاستقلال . ولقد أقامت أمّى مادبة عشاء على شرفهم كنت رفضت الانضمام وبقيت وحدى أكتب يومياتى ..

تحدثت مع اٍبن عمّى حول وضع البلاد ومستقبلها فقلت له بأن التغيير لن يكون اٍلا بالرجوع الى الدين فهو المحرك الاساسى للنهوض بالانسان الجزائرى وبعث طاقته الحقيقية , فعارضنى ورأى أنّه هدم للبلاد وحرب ضروس يخوضها الأخ ضدّ أخيه فقلت له بأنّ الاسلام لا يعنى العنف وأنّ تربية الأجيال والرفع من مستواها العلمى والفكرى وتحصينها من الجراثيم المختلفة هو السبيل الوحيد للوصول اٍلى الهدف فقال لى بأنّ ذلك يتطلب زمنا طويلا فحرّكت رأسى مأكدا .
ووقفنا عن الكلام , لم أتكلم ولكن كنت أرى فرنسا في كلّ مكان , كنت أراها تلبس القميص والسروال تشرب الشاى والويسكى تندس بين الحكام والجماهير تطلّ علينا من التلفزة والجرائد تسكن في الكتب المدرسية وتعشعش في المكاتب الادارية والوزارات , اٍنّها فرنسا التى لا تدركها الأعين والابصار ولا جوابى عن سؤال ابن عمى , كنت أعتقد أن ثورة في الأفكار هى التى تجعلها تنفجر , تندثر أو تنتحر .

أحيانا حادثة بسيطة يمكن أن تكشف للمرء درجة تفكيره أو درجة خطئه و أثناء حديثى مع اٍبن عمى اٍكتشفت أنّ الاسلام هو ظلى , يسكن دمى , بل هو الرئة التى أتنفّس بها , كما اٍكتشفت أنّ اٍبن عمّى هو وجه من وجوه حضارة عظيمة يحاول أن يتمعن في الحركات الداخلية لأمّة ومصيرها وأثناء محاولا ته كنت أكتشف فهمه للغة الاستعمار , هذه اللغة فهمها في بلد الحريات..وشبابنا لم يفهم هذه اللّغة لأنّ عقولنا مضطهدة وكلّ شهيق عندنا يحسب زفير الديناصور .
المهم أنّ اٍبن عمّى فهم ميلى الاسلامى خاصّة عندما كنت أعرّفه ببعض اٍخوانى الملتحين وكان يسألنى : ( هل لديك نفس أفكارهم ؟) فأسكت ولا أجيب .

أما الشاب كريستيان الذى قرأ كثيرا عن تاريخ الجزائر فقد اٍندهش , كان ينتظر مطاردة بالحجارة والعصى لأنّ أجداده قتّلوا وشرّدوا لكن لم يلاحظ هذا وفرح وتابع بشغف فيلم ( الأ فيون والعصا) . لقد كنت أشعر أنّ أبناء عمّى وكريستيان تحدّ ثوا في مجلس لدى عمّى الآخر عن ميلى الاسلامى وحدثهم بنات عمّى الآخر عن سلوكى وعن اٍخوانى الملتحين , تأكد لى ذلك حين اٍلتقيت يوما بكريستيان اٍذ قابلنى وهو يفتح قميصه ويكشف عن صليب كبير من ذهب يتكلّم معى ويحرّك صليبه حتى يلفت اٍنتباهى ويمرّر رسالته , ابتسمت له في وجهه وودعته .
أخذ ابن عمّى مع مرّ الأيام يزيد في شتم الفتيات الجزائريات ودرجة الانحلال التى وصلن اٍليها وقال لى بأنّه اٍلتقى كم من مرّة بفتيات في العشرين حكين له مغامراتهن مع الرّجال في الفنادق والملاهى الليلية , لقد حدثنى عن ذلك بينما كنت أنا أفكّر في سلوك أخته التى كانت تجوب شوارع المدينة تتبختر في مشيتها وتضع نظارة الزينة وكانت جموع الشباب تلاحقها وكان شارع عمّى الآخر حيث يقيم هؤلاء الزوّار يشهد حركة غير عادية ..

ولا أعرف لماذا أخته كانت تفعل ذلك رغم أنّى سالتها يوما قائلا : (هل أعجبتك المدينة ؟ ) فردّت علىّ : ( يعجبنى أن أقضى العطلة فيها أمّا أن أعيش هنا فهذا مستحيل ) .
ولكن لماذا كانت هذه الفتاة المتجنّسة تحرّك غرائز الشباب رغم اٍدراكها أنّه لو خطبها شابّ لرفضت لصعوبة العيش هنا كما قالت ..
اٍنّها أرقام بسيطة لا يدوم دورها اٍلاّ عطلة الصّيف ولكن هناك أرقاما كبيرة وخطيرة تشاطرنا التفكير والعمل والاستراحة ولكن في اٍتجاهها الخطير ..
كنت أحلّل الأمور وفق تفكير علمى دقيق وكنت عندما أسال أمّى : ( لماذا كريستيان كان يحرّك صليبه ؟) أو ( لماذا نادية تلعب بالشباب كالكرة ؟ ) تقول لى دائما : ( اٍنّك تخرّف ) فأغضب وأندم على أسئلتى .

اٍنّ أعظم رجل علّمنى دينى هو خالى أحمد , اٍنّه لم يعرف المدرسة في حياته ولم يسافر ليستمع اٍلى دروس الشيخ بن عايشة ولم يقرأ المجلّدات الاسلامية الغليظة , كان رجلا بسيطا يكلّمنى عن أشياء أعرفها لكنّ كلامه كان يكشف لى عذوبة الاسلام وصفائه . كان خالى أحمد يتفاعل بقلبه ووجدانه مع الاسلام , كانت طريقة دعوته اٍلى الحقّ مثلى في الاقتداء , اٍنّه قبل أن يدعوك يكشف لك عن بعض جوانب شخصيته البسيطة ويظهر لك اخلاقه وتواضعه ويفضح لك هموم الدنيا وغرورها وضعف الانسان .
كان ذكيا يعرف كيف يدعوا اٍلى الحق ولقد اٍقتنعت كثيرا باٍرشاداته في الحياة وأخذت باٍهتمام بنصائحه الجادّة التى لم يدلنى عليها أحدا في مدينتى ...
هذه كانت طريقته في الدعوة , كان يبدأ بنفسه ثمّ أسرته ثم محيطه , لا يستعمل الكلمات الجارحة يقدر ظروف الناس , بساطته في الحياة وقناعته تعرّفك برجل طلّق منذ مدّة الدّنيا وضربها بوخز قدمه .

اٍستمرت في الصلاة في مسجد سيدنا بلال , وكنت ألاحظ في تلك الأيام الملتحى رابح حفصاوى يدعوا بطريقة غير سليمة اٍلى الصلاة شابا أصيب باٍنهيار عصبى , كان الداعى ينطلق على أساس أنّ الحق ينقذه من المشاكل التى يتخبط فيها هذا الشاب , هذا صحيح لكن أن يقع سرد الأفكار كخطبة في مجلس الأمم المتحدة فهذا ما لا يقبله عقل رجل ( سريع الانكسار ) , وبالطبع رأيت ذلك الشخص يصلّى ولكن لم يمر أسبوع حتى أخذ عطلته ..

في زاوية حينا كنت أرى أشياءا تألمنى , وفى شوارعنا كنت أرى أشياءا تصرعنى , وفى مسجدنا كنت أرى أشياءا تجننى , لقد اٍنشرحت كثيرا اٍلى قول أخى عندما كنا نتحدث أثناء العشاء عن الاسلام , قال لى: ( لقد أصبح الاسلام بالنسبة اٍلينا لباسا بعضنا يلبسه على شكل قميص والبعض الآخر على شكل سروال وآخرون يفضلون لبسه على شكل جلباب مغربى ..).
وفى تلك الأيام , كانت زغاريد النساء تصل الى مسامعنا , فسألت أمى عن مصدرها فقالت لى بأنّ شيخ الزاوية رجع من الحج , وكنت أرى النّساء يذهبن اٍلى بيته لتهنئته , حتّى أمّى ذهبت لعلّها تظفر ببراكاته , أمّا فى المساء فكان دور مريدو الزاوية كلّ واحد ممسك بقفة مملوءة بالطعام واللّحم , كنت أقول فى نفسى متحسرا : ( آه لو أعطيت للفقراء والمحتاجين والمتشردين الذين تمتلئ بهم الطرقات ) .

لقد دفعنى ذلك السلوك الى أن اطرح على نفسى سؤال غريب بدأ يشغل بالى ويرافقنى فى تنقلا تى و تأملاتى : ( هل لى مستقبل ؟ ) ..كنت أشعر بخوف عظيم لمّا أرى شبابا من حيّنا فشل فى التعليم وطرد من المدرسة يسوقون السيارات الجميلة وأنا لا أملك دجاجة ..
مرّ أسبوع كامل وشيخنا الفاضل قابع فى بيته يستقبل الناس كالطفل الذى أجريت عليه عملية الختان وسواء كان حاجا أو قائدا للزاوية فانّى لم أحسّ فيه عذوبة الاسلام و صفائه التى وجدتها عند خالى أحمد وكنت حين أفكّر فيه وفى مريديه وفى اٍخوانى الملتحين أتذكّر قول أخى : ( لقد أصبح الاسلام بالنسبة اٍلينا لباسا بعضنا يلبسه على شكل قميص وبعضنا الآخر على شكل سروال وآخرون يفضلون لبسه على شكل جلباب مغربى ) .
كان يمكننى أن أعلّق على هذا القول لكن الأجمل فيه هو أنّه خفف عنى بعض الألام التى شعرت بها وأنا أتأمل تصرفات وظواهر لا تمتّ بصلة اٍلى الدين الاسلامى الحنيف .
أعتقد أننىّ كنت على حق حين أقلعت فكرة الثورة الاسلامية عن ذهنى فى تلك الفترة , فالثورة تتطلب جماهير تدرك هدفها وأبعادها لكن جيلنا كان لا يعرف من الثورة اٍلاّ حمل الفأس والهجوم على أسواق الفلاح ولا يعرف من الاسلام اٍلاّ الحركات وحب الزعامة والقيادة , كنت ادرك أنّنا لو حملنا ذلك الفأس وحطمنا ما يعشعش فى تلك العقول لقطعنا شوطا فى الوحدة والنهضة.

لم نعرف لماذا تاخر العدد 597 من جريدة آفاق للوصول اٍلى بلدتنا ولم يظهر اٍلا فى اليوم التّالى ليطلع عليه بعض الشباب , حاولت أن أعرف السبب , فى أول صفحة كتب بالبنط العريض ( مادونا تحرق باريس ) لم أندهش لأ نّى عرفت منذ مدّة ليست بالبعيدة أنّنا نهاب كثيرا الرأى العام الفرنسى ومثل هذا الحادث على بساطته ذكّرنى بشريط بثّ فى التلفزيون حول حرب التحرير بأسلوب هزلى بعنوان ( كم أحبكم ) لعزّ الدّين مدور واٍذا بسعادة السفير الفرنسى فى الجزائر والمسؤولون فى فرنسا يحتجون و يوبّخون الحكومة الجزائرية و ينذرونها . لقد قلت لاسماعيل مرة : ( لن أعترف باستقلال الجزائر طالما نحن عاجزون عن بث شريط كم أحبّكم , فهزّ رأسه متعجبا .
ولو أنّ هذه الأفكار وجدت مثيلاتها عند اٍخوانى الملتحين واٍخوانى الطرقيين لفرحت وحسبت شهر الهرج والمرج ( شهر أوت ) شهر مولد فكر ويقظة لكن لم أصادف كعادتى سوى هذه الأسئلة : ( فى أى مسجد نصلى الجمعة القادمة ؟ , متى زفاف فلان ؟ , ماذا قال الشيخ بن عايشة ؟ هل ظهر الهلال أم لا ؟ )

فى ذلك اليوم من شهر أكتوبر وقعت حادثة لن أنساها ما حييت بثها التلفزيون العالمى , لقد بكيت خفية وأنا أرى فى ساعة الأخبار الشباب الدانماركى يضمون بعضهم البعض , يرفعون اللافتات المنددة , يصرخون , يواجهون ضربات البوليس الحكومى الذى أحاط بالفندق الذى حلّ به الوزير الأول الاسرائيلى بيغن فى زيارة لمملكة الدانمارك . لم يقف هذا الشباب الشجاع عند هذا الحدّ بل راح يرمى بنفسه على الأرض جماعات جماعات اٍستنكارا لممارسات النازية الجديدة وتأييدا لحق الشعب الفلسطينى المضطهد...
نعم بكيت خفية .. بكيت لأننى تذكرت أشياء , تذكرت أنّ الوزير الأول الاسرائيلى هذا قد اٍستقبله من قبل أمير المؤمنين فى قصره ثمّ حلّ بعد ذلك فى القاهرة وتبعه فيما بعد الوزراء ثمّ السفراء ثمّ السّياح . ..ماذا فعل الشعب العربى ؟ ولا حركة ولا كلام ..يا للخزى , يا للعار .
لقد أكّدت لى الوقائع فى الكلية والشارع الجزائرى والعربى أنّ التفكير فى البطن و بالبطن بدلا من التفكير فى العقل و بالعقل قد شغلنا كثيرا بل أذلنا ..
هدأت الحرب بين ليبيا وتشاد وأعلن عن وقف اٍطلاق النار اٍلى أجل مسمّى وهدّأت بلادنا من روعها وأصدرت الخارجية بيانا منعسا وتأسف المغرب وتونس ومصر على وقف الحرب حقدا على عدوهم اللّدود القائد المفكر القومى ...

أمّا فلسطين فلم أعد أسمع بهجومات الفدائيين ومظاهرات المسلمين ولم أعد أسمع أيضا خطب أبو فلان الرنانة وكثرت قصائد محمود درويش وسميح القاسم متضمنة خمر ووطن ضائع .
لقد كشفت لى الأيّام أنّ كلّ ما وقع فى جلسات المؤتمر الفلسطينى الذى اٍنعقد فى الجزائر لم يحقق أدنى هدف وأنّ شعار ذلك المؤتمر ( الوحدة الفلسطينية ) لم يرى النور , اٍزداد التشتت, ازداد الاغتراب, علمائنا متفرقون , حكّامنا أكثر تفرّقا والاستعمار يضحك علينا واٍسرائيل تتسردك علينا .

وكم كان أسفى عميقا عندما صرّح الرّئيس الفرنسى فى تلك الفترة فرنسوا ميتيران أثناء اٍختتام عهدته الرئاسيه الأولى بأنّه كان عضوا فعالا فى حركة ( اٍرغون ) وقام بدور هائل عندما كان يحتل منصبا وزاريا فى الحكومة الفرنسية فى تهجير يهود ألمانيا اٍلى فلسطين وقتئذ والغريب كلّ الغرابة أنّه لمّا تسلّم مقالبيد الرئاسة قرّر أن يزور أوّلا الجزائر ثم بعد ذلك اٍسرائيل فحلّ فى ديارنا واٍستقبلناه اٍستقبال الفاتحين وأعطيناه مفتاح مدينتنا الكبيرة وصفقنا له وأكلنا معه وضحكنا ولكن نسينا و نسينا ...نسينا أنّه كان وزيرا للعدل أثناء الثورة ووقف عدوا للشعب وجبهته وأعطى الأوامر لقتل العربى بن مهيدى بطريقة بشعة وقال فى أواخر أيّامه فى الجزائر : (اٍنّ الجزائر هى أرض فرنسية ولا يمكن لفرنسا أن تعترف باستقلال جزء منها .)
أعتقد أنّ فرنسوا ميتيران كان فى قرارة نفسه لا يؤمن بأنّ الجزائر بلد مستقل عن فرنسا ولا يريده أن يكون كذالك وما جاء اٍلى الجزائر اٍلاّ ليكون وسيطا بين حكّامها و المسؤولين الاسرائليين الذين يتطلعون ما يحمله لهم الوسيط من مفاجآت .
وفى مدينتى لم اسمع أحدا تكلم عن هذا الموضوع , كل ما وجدته خصام حول أفكار تافهة وكانوا أولائك فوق الشجرة ينتظرون أى الخصمين سينقض على الآخر ليتفرغوا له نهائيا بذكائهم وقوتهم وأذنابهم .

وفى تلك الأ ثناء , بدأ الناس يتحدثون عن ( جيلا ) الذى أطلق سراحه بعد أن قضى سنتين فى السجن بسبب مشاركته فى السطو على أحد المنازل , وليست هذه المرة الوحيدة التى يدخل فيها السّجن .
وجيلا هذا شاب غريب الأطوار يستهزأ كثيرا من الحياة , قضى نحو خمس سنوات لاتمام الخدمة العسكرية التى هى سنتين ومع ذّلك لم يتمها. كان اٍذا قضى فى الثكنة ثلاثة أيام أخذ ( اٍجازة ) لمدّة ثلاثة أشهر فى مدينتنا , ولقد حكى أنّه كان يحمل معه متاعه ويأخذ القطار اٍلى الشرق حتى اذا قرب من الثكنة نظر اٍليها متأملا فيملكه حنين العودة فيأخذ القطار ويقفل راجعا..
كان حين يعود لا يعرف المدينة أبدا خوفا من رجال الدرك . كان يقضى أيامه فى غابة رأس العين وفى حينا وعندما يريد الدّخول اٍلى البيت يرسل أحد اٍخوته ليخبره اٍذا ماكان رجال الدّرك فى البيت ينتظرونه لأخذه نحو الثكنة . لقد عانى كثيرا ضباط الثكنة من تصرفاته طيلة الخمس سنوات وعانى أيضا رجال الدرك فى مدينتنا , لذلك أعطى له نهائيا بطاقة اٍعفاء من الخدمة الوطنية .

وما أن سكت الجميع عن الضحك على جيلا حتى أتت قضية سرقة سيارة ( فولسفاغن ) الخضراء التى يملكها رجال الدرك الوطنى لتفجرنا تفجيرا ..وكثرت الاسئلة : ( أين ذهبت السيارة ؟ من البطل الشجاع الذى قام بهذا العمل الجريئ ؟ ..وكم ضحكنا حين رأينا فى الأيام الموالية رجال الدرك فى وسط الطريق يراقبون السيارات ويحملون أسلحة رشاشة .
لقد اٍستعمل الجميع عقولهم لمعرفة البطل المحنك الذى قام بعملية السطو لكن لم نعرفه ..
وحتىّ آخر الشّهر اٍطلع الناس على آخر أخبار السيارة المخطوفة اٍذ وجدت فى منطقة مهجورة فى حالة كحالة سيارة سطولو , فى ذلك اليوم ضحكنا...

لقد تعذبت كثيرا فى ذلك الصيف , لكنّى تعلمت دروسا كثيرة فى الحياة ونحن ندق أبواب فصل الخريف صرخت فى وجه أمّى : ( فى الصيف القادم سوف لن أبقى هنا تحت أشعة الشمس ونظرات الأعين سوف أذهب الى الخارج ) فانتفضت صارخة:( أين تريد أن تذهب , تريد أن تهرب ؟ ) ومع بداية موسم الخريف , بدأت أطالع اٍلى جانب جريدة الجمهورية جريدة المساء التّى أعجبنى فيها هجوماتها على دعاة الفرنكوفونية وكشفها لخطط المتآمرين واهتمامها بيقضة الشباب بعكس جريدة آفاق و الجزائر-الأحداث خاصة هذه الأخيرة وما كانت تشنه من حملات دورية على العربية والحجاب وكنت أشعر كأنّها تصدر فى باريس وأن مديرها تلقى مبادئ الانحراف الفكرى فى موسكو أو تل أبيب .

أما اذاعتنا فقد هجرتها منذ مدّة ...
لقد كان جزء هائل من اٍعلامنا يحرّكه غرباء ودخلاء ولم أستغرب حين قال أحد الوزراء المهملين (اٍنّ ثمّة قوة أجنبية تعمل ليل نهار لهدم كل مانقوم به من محاولات التعريب ) وقد شعرت أنّ صاحبنا يعرف بعض وجوه هذه القوة الاجنبية الخفية التى أهملته وأعطته منصبا للتعريب ووزارته والوزارات الأخرى مخربة بالحرف اللا تينى وهى التى وقفت موقف التشديد عندما أعلن رغبته فى تأسيس أكادمية جزائرية للّغة العربية ولا أعرف حتى الآن اٍن كان لهذه المؤسسة وجود أم لا ..

هناك ملاحظة كانت تراودنى حين اقرأ الصحف الفرنسية وأسمع لاذاعاتها ...لم أقرأ أو أ سمع أبدا قرارا حكوميا يمس الشعب الفرنسى كل القرارات تجلد رجال الدولة ورؤساء الأحزاب ومدراء المؤسسات , كنت تجد صحفهم تنقد الرئيس وتفضح الوزير والمدير وتدافع عن أفكار الجماهير ولو كانت خاطئة ..
لقد علّمنى الشاب كريستيان كثيرا ما معنى الحرية وكان يضحكنى لمّا يرى نشرة الأخبار الجزائرية اٍذ يقول ساخرا : ( كل شيئ حسن كل شيئ حسن ..)
رجع عمى اٍلى فرنسا واٍستمرّ سطولو ورفاقه فى لقطات الانبطاح وركب أخى دفعته لأداء واجب الخدمة الوطنية ودخل أخى الأصغر منه الى مركز التكوين المهنى وغاب عنّى اٍسماعيل وبقيت وحيدا أصارع ذلك السؤال الرهيب : ( هل لدى مستقبل ؟ )

لكن الكلية بدأت ترسل اٍلى حبالها كى تنتشلنى من ذلك الوضع المتردى .. بدأنا فى الدراسة , وعاد كل واحد يسخط على الصيف الجزائرى وهمومه وعلى البلاد و مصائبها . و وجدت جماعتى قد تغيرت كثيرا . فى السداسى السابق كان الحديث كلّه يدور حول الاسلام وأوضاع البلاد واٍذا به يتحوّل اٍلى اٍفتخار بالأصل و حبّ الظهور والتدخل فيما لايعنى وكنت أحيانا أتدخل بفكرة صائبة أو جواب صحيح فلا يلتفت اٍلى كلامى وكأننى لست حاضرا . ودخل جماعتنا طالب يحاول فى كل مرّة أن يشهّر شخصيته لكنّه بفشل ..
لقد تغيّرت وهران كثيرا واٍنتشرت الفرنسية بين شبابها واٍنحصرت العربية بين الشيوخ والكهلة وزيّن شوارعها الحرف اللا تينى وكثر التبرج واٍزداد عدد المتشردين فى الطرقات واٍزداد عدد رجال الشّرطة .

لن أنسى أبدا ذلك السؤال الذى طرحته على عمر صديق ونحن نركب الحافلة اٍذ قلت له : ( لماذا هذا الاهتمام الكبير بالشرطة , اٍنّ عددهم يزداد والانظمام اٍلى صفوفهم لا يتطلب من الشباب أى مستوى دراسى سوى لياقة بدنية ) لم يجبنى , قلت له : ( اٍنّه بداية تحوّل اٍلى نظام آخر, اٍنّه بداية لتغيير قوانين جامدة , اٍنّه بداية اٍنسحاب الجيش من معارك الدولة اليومية , اٍنّه بداية تحول شكلى سوف تتبعه تغييرات عميقة ) ولقد صدقت تنبئاتى .
وهاهى أسبوعية الجزائر-الأحداث تنشر مقالا مطولا حول الظواهر الحميدة التى بدأت تغزو الشواطئ ومنها ظاهرة التعرية واٍعتبرتها تقدّما كبيرا فى أفكار المجتمع وتبعتها جريدة آفاق بأسلوب آخر حتى ( المجاهد ) المتزمتة فى زيّها القديم نالها هذا المسّ الشيطانى .

لم تسمح لى الدراسة بان أطلع على ما يجرى فى المسجد ولم تسمح لى أيضا بأن أعرف الجديد فى فكر اٍخوانى الملتحين واٍخوانى الطرقيين ..
وفى تلك الأيام اٍجتاح الجراد الجنوب الجزائرى وهلك الأخضر واليابس وانتظرنا خبرا فى تلفزتهم وجرائدهم ولكن كيف ذلك والأصلع مدنى عامر ونايت مازى نورالدين تحركهما مخابرات الجيش. كنت آمل لو أنّ رئيس الدولة أقلّ طائرة عمودية ليتفقد الأراضى المتضررة ويتخذ قرارات حاسمة بدلا من أن يزور سطيف وبرج بوعريريج ليدشن اٍنطلاق مشروع جديد ..
كنّا فى شهر نوفمبر , ولم تسقط الأمطار , كان الجو صائفى , وبمناسبة هذا الشهر وما يحمله من معانى , أخذت القناة الوطنية تبثّ الأناشيد الثورية فرحت ثمّ حرّكت المؤشر باتجاه القناة الثالثة فوجدت أغانى مائعة وضحكات المذيعين , ياله من عالمان غاربان وكأنّنا نملك شعبين فى دولة واحدة .

أما التلفزة فقد بثت تحقيقات مع مجاهدين ومجاهدات يتحدثون بالفرنسية ولا كلمة عربية واحدة و كنت أقول فى كل كلمة ينطق بها هؤلاء )اٍيه عليك يا جزائر , طردناهم من الباب فعادوا اٍلينا من النافذة ) . كان عدد المجاهدين يزداد سنة بعد سنة مثل النّمو الديموغرافى و كنت آمل لو طبقت عليهم برامج تحديد النسل ..
لقد أصبح كل من شتم فرنسا فى تلك الحقبة وسط جماعة من دوّاره فى غياب العسكر الفرنسى يقطع مساحات الوطن طلبا لبطاقة الانخراط فى سلك المجاهدين ولا أعرف لماذا أنشئت وزارة للمجاهدين وكأنّ بقية الشّعب لم يكونوا مجاهدين أى بمعنى آخر كانوا عملاء . بالطبع كانت بطاقة الانخراط هذه عصا سحرية فى وضع ممزق يرثى له .
وأنا أتابع آخر المهازل التى لحقت بجبين نوفمبر الذكرى اٍسترجعت بعض ما تعلّمته فى الكلية , لقد تعلّمت أنّه من ضمن عمليات تشخيص المريض أن يطلب الطبيب بعملية تحليل الدم أو البراز ( همو أو كبرو كيلتير) ويقوم به اٍخصائيون فى مخابير التحاليل فينكشف بعملية زرع بسيطة نوع الجرثوم المسبب للمرض ويعمل له مضادات حيوية للفتك به , وهكذا فاٍنّ كثيرا من الرؤوس التى كانت تخدم فرنسا بالأمس بدأت تفرض عليها حرّية التّصرف الظهور فى الساحة التى خليت من الأكفاء والمخلصين ولعلّ أهم ما دفع بها اٍلى ذلك هو تخلى حكامنا عن الكثير من المبادئ الأصيلة للثورة والتاريخ فتكوّنت أرضية صالحة للتنقل والتكاثر بدون قيود ..
وهكذا أيضا أصبحت اٍيزابيل آجانى وروبير حمو وروجى حانين وأبناء لاكوست يزوروننا , يجالسون الولاة والوزراء ويشربون على جماجم الشهداء بل ويتكلّمون باسم الشهداء ..
فهل أنشئت لهؤلاء مضادات حيوية ؟

كان العالم صامتا وكان شعبنا أيضا وبتلك المناسبة ترقب الجميع بمشروع الوحدة بين الجزائر وليبيا الذى طال اٍنتظاره , واٍنتظرنا بفارغ الصّبر الرّد على القذافى , أستدفعهم الشجاعة ؟ كان حكّامنا صامتون واٍستمروا فى الصّمت , اٍنّه الحل الوحيد لمواجهة مثل هذه المشاكل..
وفى ذلك الظرف العسير من حياتى , أنجبت قرائحى شعرا مطلعه :

سائلى لا فرق بين الأمس واليوم ***** نأكل التراب ونشرب بول الأبقار

وأجرينا الا متحان الأول لمقياس أمراض العظام والروماتزم , طرحت فيه أربعة أسئلة , لم أكن مقتنعا بعملى لكنّى وعدت نفسى بالعمل الجدى فى الامتحان الثانى ..
فى تلك الأثناء توقفت الجامعات الجزائرية عن الدراسة واٍمتنع طلاب الكلّية عن أخذ الدروس نتيجة للقرار الوزارى 412 الذى جعل آلاف الطلاب بطالين , وكان الأساتذة المساعدون حين يدخلون المدرج لا يجدون أحدا فيرجعون من حيث أتوا...

لقد فكرت كثيرا فى سلوك سارى-على شاهيناز ومدام شارلو وطالب لمياء اٍذ رفضن مغادرة المدرج وحين طرد الأستاذ بن زاوى ودخل الطلبة لعقد اٍجتماع غادرت هذه الوجوه المدرج تحدّيا لمطامح الطلاب ولحقهم بعض قليل لا أعرفهم جيدا ..لقد شعرنا ونحن نتابعهم بأعيننا أن هؤلاء لقّنوا مبادئ الكره الخفى لمطامحنا نحن ( الأنديجان ) الذين نريد أن نصبح أطباء . لقد ألمنى ذلك المنظر وعلى التو قابلتنى صور الشباب الدانماركى وقارنتها بصورة سارى-على وأتباعها .
وفى تلك الأثناء أيضا , انعقد مؤتمر القمة العربى فى الأردن وتكلم ملكها باٍسم الفلسطنيين واٍستطاع أن يعقد صلحا بين العراق وسوريا وفرح الأسد لأنّه حقق هدفين , لقد تلقى مساعدة مالية خيالية لتقبله الصلح وبدأ فى نفس الوقت يتخلص تدريجيا من المعارضين من الحركة الاسلامية المقيمين فى الأردن . البيان الختامى ندّد باٍيران وطالب الدول العربية قطع علاقتها الاقتصادية معها .

وكنت ألتقى كلّ يوم فى محطة الحافلات بصديقى عمر بودام , كان حديثنا يجمعنا حول الاسلام الوطن و الشباب العاطل عن العمل وعن آخر القرارات المجحفة فى حقّ الشعب . كان الاسلام يبثّ فينا قوة عظيمة ويكشف لنا فظاعة الأوضاع التى تعيشها البلاد , كان يعجبنى فيه اٍطلاعه على الأحداث وتقييمها تقييما صحيحا , لم أقع معه أبدا فى خصام , كنّا ننطلق من نقطة واحدة ونسلك مسارا واحدا فى تفكيرنا وتنستخلص نتيجة واحدة .
وكنت أنتظر يوم الخميس بفارغ الصبر كى أتابع محاضرات ملتقى الفكر الاسلامى كما يحدث فى كلّ سنة فى التلفزة لكن هذه المرة كل شيئ تغيرّ, لقد حذفت محاضرات الملتقى من البرامج لحاجة فى نفس يعقوب , وأصبح الاسلام غائبا وحصص القرآن الكريم لا يتعدى بثها الخمس دقائق , حتّى حصة الحديث الدينى التى كانت تبث كلّ يوم اٍثنين اٍنحرفت عن مسارها الصحيح وعاد أصحابها يتناولون مواضيع تاريخية وتربوية أكثر منها دينية , لم يبق لى أمام هذا الفراغ الرّهيب اٍلاّ أن أقتنى من المسجد كتب الشيخ محمد الغزالى لأكتشف عمق التفكير وغنى التجربة وأتابع خطط الأعداء وتحركات العملاء ومواقع الانهيار .

اٍنخفضت قيمة الدولار الأمريكى ونجحت خطط الأعداء فى اٍمتصاص ما تبقّى من دماء عالمنا الاٍسلامى المريض الذى كان يعتمد على النفط وما يذرّ عليه من الملايين من الدولارات , واٍستمرت المساومات السرية والعلنية وأصبحت وفود الدول العربية تبايع الكويت والعراق ضد اٍيران , كلّ الحكام متفقون على تدمير الاسلام فيها قبل أن يدمّرهم ...
وغابت فلسطين فى دوامة من الضحكات المتبادلة بين أصحاب الفخامة وغاب القرار الحاسم لفتح الحدود للمتطوعين واٍنشاء مصانع مشتركة للصناعات الحربية وتدعيم المسلمين المضطهدين فى اٍسرائيل بالسلاح والأموال لكن حكامنا يهدّدهم الاسلام أكثر من اٍسرائيل , لقد وجد فى كلّ بلد عربى اشتراكيون وشيوعيون ولائكيون وليبراليون ودعاة الانفصال وجمعيات حقوق الانسان وحتّى جمعيات الشذوذ الجنسى بينما يمنع منعا باتا أن تنشأ جمعية اٍسلامية أو حزب اٍسلامى وينظر اٍليها كأنّها ( خلا يا هتلير ) .

وعادت صور الشّباب الدانماركى تؤرّقنى وعاد الغضب يجتاحنى , كم خسيسة هذه النماذج : سارى- على وأتباعها , حكّامنا , مؤسساتنا المفلسة , جامعاتنا الجامدة , شوارعنا القذرة , مقاهينا الغاصة ..كلّ هذه الأفكار كانت تملأ رأسى وكنت أقول فى نفسى : ( لماذا أعذّب نفسى بينما الآخرون فارغى الرأس يضحكون ويمرحون لماذا لا أتفرغ لدروسى ) ولكن صور الشباب الدانماركى وهو يواجه الشرطة فى الشوارع من أجل قضية لا تمت له بصلة كانت تقوّى فىّ ذلك الالتزام الصادق فأقول :
( سحقا لهذه الدروس اٍذا كان فيها الاسلام مسجونا فى المساجد والوطن يباع , سحقا لهذه الدروس , اٍنّها دروس للتخذير ) .

اٍستمر طلاب الجامعات فى الاٍضراب وقد شهدت تلك الأيام بردا قارسا ولم تسقط الأمطار , كانت تظهر لى الدراسة طويلة لا تنتهى وكان واقعنا المتردّى يألمنى فأشتاق اٍلى الهجرة ومرّة غضبت فانفجرت قائلا لأمى ) محال أن أبقى هنا سوف أهجر اٍلى السعودية ) لم تعطى لكلامى أدنى قيمة.. ومرّة كان أحد الناس يسخط ويلعن بسبب اٍنقطاع بعض المواد الغذائية فقلت له غاضبا : ( يجب أن تعاملوا أشد من ذلك أنتم رضيتم بهذا . ألستم أنتم الذين أنتخبتم كم من مرّة ب 99 فى المائة بنعم , ألستم أنتم الذين تستيقضون عن بكرة أبيكم يوم الاٍنتخاب وتزدحمون على صناديق الاٍقتراع ؟) وعاد ذلك السّؤال الرهيب يقلقنى : ( هل لى مستقبل ؟ ) كم مرعب هذا السؤال ...

كم تعذبت فى تلك الأيّام التى وقفنا فيها عن الدراسة , لقد عذبنى وضع بلدى , عذبنى حكام بلادى , عذبنى جهل المسؤولين , وكان عذابى يشتد لمّا أرى مثقفين فى مدينتى يتحدثون فى أتفه الأشياء . وفى مساء كل يوم , كنت أطرح على أمّى تلك الأسئلة لعلّها تفيق من غفوتها ولعلّ اٍخوتى الصغار يدركون درجة التفوق والضعف فاقول لها :
( أنظرى فى اليابان يألفون قاموسا فى حجم حصاة ونحن ننشر كتابا تافها كل ثلاثة أشهر ..أنظرى فى اليابان يصنعون مسجّلا قدّ أنملة ونحن عاجزون عن صناعة شفرات الحلاقة ونستورد اٍبر الخياطة من الصّين....)
بالطبع كانت تستغرب وتستفيق و شيئا فشيئا اٍستطعت أن أجعلها ثائرة على التخلف , على الجهل وعلى النفاق ..

وفى الصباح حين أقصد محطة الحافلات للذهاب اٍلى الكلّية , كنت أتعجّب من تصرّفات كلب نحيف الجسم , مرهق , كنت دائما أجده منبطحا مثل انبطاحات سطولو فى نوم عميق لا يفكر فى قوته ولا فى شيئ آخر , كان أحيانا ينام فى وسط الطريق فتضطر السيارات لاٍجتنابه وكان السائقون والمارّة يتعجبون و يضحكون ..
ومرّة وقف أحدهم سيارته ليتكلم مع صاحب محل الميكانيك فأقبل الكلب كالثمل وتمدد ووضع رأسه عند العجلة الأمامية كأنّه يريد الاٍنتحار وكلّ من رآه فى تلك الحالة سقط مغميا من شدّة الضّحك عليه .. لكنّ أطفال الحى بدأت تشغلهم سيارة ( لابروس ) التى كان يوقفها أحيانا بالقرب من أحد الدكاكين ليشترى تبغا أو خبزا , اٍنّها سيارة قديمة من نوع ( دو شوفو ) تشبه نوعا ما سيارة سطولو اٍلاّ أنّها أكثر ملئا بالأسلاك ولا تقدر على حمل اٍلاّ صاحبها . كان لابروس اٍذا أراد اٍقلاع سيارته يلمس سلكين كهربائيين ويربطهما . كان يوقف سيارته هذه ليلا بجانب بيته ولمّا كان لا يملك مفتاحا لاٍغلاق أبوابها , كان يحمل معه مقود السيارة اٍلى بيته خوفا من جشع السراق ..

ولازلت أحتفظ ببعض الذكريات عن سيارة لابروس حين كنت مراهقا اٍذ أتذكّر مرّة مسك مؤخرتها شابان من حينا فلم تستطع الاٍقلاع وراح لابروس يضغط على مستند السرعة لكن دون جدوى وبقيت العجلات الأربع تدور فى مكانها واٍذا بلابروس يخرج من سيارته ويلاحقنا حاملا فى يدّه قضيبا من حديد .
كان يقول عنها أبناء الحىّ أنّ سيارة كهذه تستحقّ أن توضع فى متحف زبانة , اٍنّها سيارة حملت المجاهدين وصعدت الجبال وقطعت الوديان وهاجمت على مخازن الأعداء وحملت جموع الناس يوم الاٍستقلال ليعبرّون عن فرحتهم , على رئيسنا الموقّر أن يرفض ركوب جميع السّيارات المستوردة ويفضل سيارة لابروس المجاهدة ..
كان الجوّ باردا فى تلك الأيام وقد اتخذ شباب الحى مكانا خاصا للقاءاتهم اللّيلية , اٍذ أصبحوا يجتمعون بالقرب من منزلنا فى مكان منزو ويحكون , يستهزؤون حتّى يفترق الجميع . كانت لحظات جميلة يعيشها شبابنا ينسى فيها المشاكل اليومية من فقر وبطالة ونزاعات عائلية .

ونحن منشغلون فى مشاكلنا اليومية كبقية المواطنين العرب , أتت عملية جريئة قام بها شاب فلسطينى ضد الاحتلال الاٍسرائيلى لتنقذنا من سباتنا وتردّ لنا بعض من ما ضاع من شرفنا وكرامتنا. كل صحف العالم تحدثت عنه , الصحف الغربية وصفته بالاٍرهابى المجرم أمّا الصّحف العربية فلم تصفه الا بالعبارة المالوفة ( أحد أفراد المقاومة الفلسطينية ) .
اٍخترق البطل حدود اٍسرائيل المحصنة بالرادارات والعساكر والطائرات الحربية بواسطة طائرة شراعية وهبط فى أحد معسكرات العدو فقتل ستة جنود ورمى بقنبلتين يدويتين على مخزنين للذّخيرة ففجرهما وأطلق النار على سيارة عسكرية وواصل حتى اٍلتم حوله الغافلون وسقط الشاب شهيدا وبعده أعلنت حالة الطوارئ فى دولة اليهود وقال أحد عساكرهم : ( لن أنسى هذا أبدا ) وبالطبع اليهودى لا ينسى أبدا أمّا نحن العرب فمصابين بمرض النسيان لدرجة أننا نتحالف مع أعدائنا لضرب ٍ اخواننا ونستقبلهم فى عقر دارنا دون خجل .
اٍنّها بطولة نادرة فى وقت لم يبق فيه للعرب كيان , أخترقت حدودهم وأخترقت عقولهم , واحد يزرع الرعب فى دولة كاملة , هذا هو الأسلام اٍنّه ينشئ أسودا لا خفافيش .
هذا الحادث رجع بى اٍلى كلام قاله حاكم اٍسرائيلى : ( اٍننى لا أخاف من العرب مطلقا , لكن أخاف من ذلك الشباب الذى يتردّد بكثرة على المساجد )
ذلك الشّاب لم يتلقّى دروسا فى فنون القتال فى كلّية لومومبا العسكرية الروسية ولا فى مدرسة سان سير الفرنسية ولم يقرأ كتب ميشال عفلق ولم يستمع اٍلى خطب جمال عبد الناصر , لقد تلقّى مبادئ الحرب فى مدرسة الاسلام ...هذا آخر سلاح بقى لنا لنثبت به وجودنا .
هكذا كان واقعنا وهكذا كان تفكيرى ..

وأجرينا الاٍمتحان الثانى لمقياس أمراض العظام والروماتزم واٍنقضت على سؤال بن زاوى وقطعته اٍربا اٍربا وأرسلت خنجرا على سؤال بن يعقوب ليتمرغ فى دماء غزيرة وضربت سؤال حميدو فى الأشعة بعقب الأديداس التى أرتديها .
ودخلنا فى مقياس علم النفس التحليلى , تعذبت كثيرا مع هذا المقياس لكنّى تعلّمت دروسا قيّمة فى الحياة وأكتشفت أشياءا لم أكن أعرفها من قبل ..
وتواصلت الدروس يوما بعد يوم وتواصل عراكى مع حافلات النقل , كنت أنتهى من الدرس على الساعة الرابعة مساءا , أنتظر فى محطة الحافلات مدّة ساعة ونصف السّاعة لأصل اٍلى الدّار فى جنح الليل.

وجائت الطامة الكبرى حين كنت أنتظر مع المنتظرين فى حافلة لم يعرف مصيرها بعد , اٍذ جاءنى صديقى عمر بودام وأخذنى اٍلى مكان خفى , فتح محفظته وأخرج لى نشرة تتضمن بضع صفحات مكتوب عليها : ( تأسست عام 1965 م ) واصلت القراءة : ( حزب الطليعة الاٍشتراكية ) اٍندهشت , ثمّ واصلت : ( يوم 27 نوفمبر 1987 م ) . بحثنا عن العنوان , لم نجده , بحثنا عن الأسماء التى تذيل المقالات لم نجدها .
كانت صدمة عنيفة رحت أحدث أصدقاء الكلية عنها , لم ينفعلوا لحديثى , سالت نفسى : ( لماذا هؤلاء صامتون كالصّخر أو أشد منه ) ومرّة قال لى عمر صديق وأنا أتحدّث عن الموضوع : ( اٍنّك مجنون أنت , أتحدث فى جماعة , ربّما يسمعك رجل مخابرات مندسّ بينهم ) ومثل هذا الكلام كنت أسمعه من مشرى سعيد حين نتحدّث فى أمر يخصّ الشعب , كان يشير لنا بأصبعه للسّكوت فيقول : ( ربّما واحد منهم يسمعنا من النافذة ) .

وأتاحت لى الظروف أن أرى ذلك الكلب مرتين , مرّة كنت راكبا فى حافلة نقل متجها اٍلى الكلّية بوهران وكنت واقفا بجانب السائق واٍذا بالكلب يقطع الطريق ويقف فى وسطها فيضطر السائق لأن يمسك بالمكباح واٍذا بالأنفس تتدحرج وبائع التذاكر يسخط على ( كلب آخر الزمان ) ووقف الراكبون مشدوهون , يتأمّلون ذلك الأمير الذى نزح عن الطريق متثاقلا .
أمّا المرّة الثانية فكنت متوجها اٍلى المنزل ووجدته بالقرب من مستودع الميكانيك فى نوم عميق ..
ذلك الكلب لم يكن بالنسبة اٍلىّ سوى صورة مصغرة لبلد مضطرب , فاقد لوعيه , يجرى فى مختلف الاتجاهات , تتجاذبه الاديولوجيات , وحقل للتجارب , لا يعرف مصيره لأ نّه ليس بيده , يعيش فى عالم لا مكان فيه اٍلاّ للأ قوى .

وأتاحت لى الظروف أيضا أن ألتقى باٍسماعيل ولاحضت جديدا فى فكره اٍذ أصبحت أتفق معه فى كل صغيرة وكبيرة واتذكر أنّنا تحدثنا فى تلك الأيام كثيرا عن الموت و قلت له تلك العبارة التى رددتها كثيرا فيما بعد : ( ما أتعس الاٍنسان , اٍنّه يبنى منزلا طوله عشرات الأمتار ذى طابقين أو أكثر وعشرات الحجرات بمئات الملايين ثم يترك كل هذا ليسكن فيما بعد بيتا موحشا ضيّقا تحت الأرض فى مقياس متر مربع ويصبح نسيا منسيا )

هكذا كان الجو العام أمّا فى المدرّج فقد كانت الأعين تتكلّم أكثر من الأفواه ورحت أتابع نظرات سارى-على ومدام شارلو وطالب لمياء وغيرهن وأسال نفسى ألف سؤال ...
بدأنا فى اٍجراء التربّص فى مستشفى سيدى الشحمى للأمراض العقلية وكان كلّ واحد منا يفكّر فى كيفية اٍلفات أنظار الآخرين نحوه , البعض يفكر فى سيارة أبيه والبعض الآخر يحاول أن يصل بطريقة ما قبل المجموعة وكان الاٍشتباك يقع على مقاعد الجلوس للحافلة التى تنقلنا اٍلى سيدى الشحمى وكنت أقف وأتأمل أسخط وألعن , لقد شعرت أنى ألفت للنظر أكثر من الآخرين والسّبب أنّى كنت مقيدا بسروال وقميص من نوع الجين منذ أمد بعيد .
وفى اليوم التالى , وقفنا ننتظر الحافلة واٍذا بأحد يأتينا ويخبرنا بأن سارى-على ومدام شارلو وطالب لمياء فى اٍنتظارها فى طريق آخر , فتحرك جمع الطلاب متجها نحوهن وبقيت حائرا وتحركت فى المؤخرة ساخطا ولمّا وصلنا اٍلى مكانهما تحرّكن فى الاٍتجاه المعاكس لنا بقصد منهن , فتحرّك الجمع لاحقا سارى-على التى كانت تمشى مشى الحمار .
فى مستشفى سيدى الشحمى للأمراض العقلية , تعرّفت على عبد القادر عوّام وهو شاب من تغنيف كان يملك أراض فلاحية ويستخدم أبناء بلدته وكانت تذرّ عليه أموالا كبيرة . كان يقضى معظم أيّامه فى التّرف والسّكر حتّى تأزّمت حياته فنقل اٍلى المستشفى...كان عوّام نشطا يلقى علينا آخر ما قاله الشيخ صابر والشيخة الجنّية , كان يطلق العنان لصوته الرّخم ( سعيدة بعيدة ) وكان يختم بصوت البنادق ( لوى لوى دوف ) .

وتعرّفت أيضا على جبلى قويدر وحدّثنى عن مآسيه حاولت أن أفهم شخصيته , كنت أعطيه أسئلة , كان يجيبنى جوابا صحيحا وكأنّه ليس بمريض وبذلك لم أنجح . غيّرت طريقة محاورتى له فكنت أعطيه مجموعة من كلمات مختلفة وأطلب رأيه فى كلّ كلمة , كان جوابه أيضا مقنعا فلم أنجح فى الحصول على أدنى معلومة وفى المرّة الأخيرة جلست معه على الأرض وطلبت منه أن يعطينى نصائحا أنتفع بها فى الحياة ففرح الرجل وقال لى اكتب هذه النصائح فى ورقتك : ( لا تشرب الخمر لا تكثر من المخالطة , لا تجرى وراء الفتيات , لا تدخل الملاهى )
وبذلك اٍتضحت لى بعض معالم شخصيته وقلت له أنّ الورقة التى كتبت عليها هذه الكلمات هى مرآة حقيقية لشخصيته وأجبرته على أن يحدثنى عن علاقة كل واحدة بشخصيته . لقد تعجب الرجل كثيرا وحسبنى كاهنا حين قلت له : ( أتتذكر كان يوم خميس موعد عرس أحد أحبابك , اٍنّك التقيت بأصدقاء تعرفهم واتفقتم على موعد وأخذت أنت حقيبة فيها قارورات خمر أين خزنتها ؟ ) ردّ على : ( فوق سطح المنزل ) قلت له : (وزوجتك لم تراك ؟ )
وواصلت حديثى كساحر مجنون , لقد حدثه عن المرأة التى يحبّها عن الملهى الذى يلتقى فيه بأصدقائه وعن خصومه ..
كان الرّجل فى حيرة لا توصف , لم يقاطعنى أبدا نافيا , كنت أعتمد على طريقة تصويرية تتضمن سلوك هذه الشخصية وتفاعلها مع العوامل الخارجية فى اٍطار زمنى محدّد ..
كان المرضى متحابون فيما بينهم , كان حين يغيب أحدهم ثم يعود يسلّم على الجميع ويأتى من منزلهم بعد الاٍجازة بالطعام والهدايا , كانوا يعاملوننا بكلّ ودّ واٍحترام .

سألت عمر صديق : ( لماذا سارى-على منزوية هكذا ؟ ) أجابنى : ( تمييز عنصرى ).
لم تكن تعجبنى دروس علم النفس التحليلى , كنت أشم فيها رائحة فرويد النتنة , وأحسست وأنا أتابع دروس الأستاذ عايد أنّ كلّ الجزائريين مرضى اٍلاّ هو , وقد اٍستطاع يوما أن يقنع بطريقة غير مباشرة الطلاب بأراء علماء النفس حول الجنس وكنت أتمنى لو طرح عليه أحدنا سؤالا حول بيوت الدعارة لأجاب مؤكدا ضرورتها فى كل مدينة وفى كل حى جامعى .
راح عايد يحطمنا تحطيما عندما شرح لنا طرق الحصول على الشهوة الجنسية خارج العملية المعتادة ووصل اٍلى موضوع الشذوذ الجنسى والتحولات الجنسية وشعرنا كأنها أمور عادية ليس فيها عيب ولا هجوم على تقاليد وثقافة مجتمع بل أنّه قال لنا يوما أنّ الشذوذ الجنسى يمكن أن يكون مرتبطا بثقافة معينة , لم يقف أستاذنا الفاضل عند هذا الحدّ بل راح يسرد لنا تاريخ الشذوذ الجنسى فى أروبا وتاريخها فى الحضارة الاٍسلامية وقال لنا أنّه ثمّة أئمة كبار فى تاريخ الحضارة الاٍسلامية كانوا يمارسون الجنس فيما بينهم لم يقدم لنا اٍلاّ اٍسم واحد كمثال: ( أبو نواس ) ..

وجاء درس ( دلير ) وكتبنا فقرة حول أحد فروعه ( فناتك ) : هم المتشددون فى الدّين أو السياسة اٍنهم أناس يمثلون خطورة كبيرة ..
ثم جاء درس ( سكيزوفرينيا ) الذى حطم الجميع مما اٍضطر أحد الطلبة الأغبياء لأن يسأل عايد اٍذا ماكان هذا ينطبق على ( موآمد ) أى محمد صلى الله عليه وسلم وكنت جالسا فى آخر المدرج فأصدرت صوتا خافتا : ( اٍنّه يقول موآمد وكأننا خيتانوس , تعلّم حرفا فحسب نفسه عالما ) وقد شعرت أنّ سؤاله هو نتيجة طبيعية لتلك الأمثلة التى كان يقدمها صاحبنا عن وجود فى مستشفى سيدى شحمى مصابين بسكيزوفرينيا يدّعون النّبوة ...
جاب الأستاذ : ( اٍنّ محمّد رجل عظيم ) واٍذا بالطالب الغبىّ يردّ : ( لكن هذا بالنسبة للمسلمين فقط ؟) يا له من خداع ... يا له من تشكيك ...

وطرحت على نفسى سؤالا محيرا : ( هل علم النفس التحليلى يدرس فى اٍسرائيل بهذه الطريقة ؟ )
اٍنتهت دروس علم النفس التحليلى وانتهت معها خدع فرويد وخرجت الأول من قاعة المحاضرات فرحا مسرورا وما كدت أتخطى باب الكلّية حتى شعرت بدوار وكدت أسقط وأنا اقرأ عبارة كتبت على حائط المستشفى المقابل للكلّية بالفرنسية بخط واضح : ( تحيا اٍسرائيل )
فى تلك اللحظة فشلت , لم أٌقدر على تحريك قدماى شعرت بأنّ مجتمعنا لم يعد يدبّ فيه الأمان ...
كان الناس يمرّون ولا يعطون أهمية لذلك فتعجبت : ( لماذا أنا هكذا ؟ ) .. لماذا أنا هكذا .. لماذا كلمة كهذه قتلتنى ولا يشعر بها الآخرون ؟
وحين وصلت اٍلى الدار رحت أناجى : ( أين أنت يا اٍبن باديس , أين أنت يا بن مهيدى ؟ )
وقابلتنى صور الشباب الدانماركى , اٍنّه يتظاهر من أجل قضية لا صلة له بها أمّا نحن فنبيع القضية ..
فى تلك الأيام كرهت كل شيئ وعاودنى الحنين اٍلى الهجرة , لكن من كتبها ولماذا على جدار المستشفى بالذات ؟ ..
وملئا بالحزن والغضب , أجريت اٍمتحان مقياس علم النفس التحليلى وطرح علينا العبقرى سؤالان أحدهما حول التطور الجنسى والاحساسى لفرويد وعندما خرجنا قلت لأحد الأصدقاء مستهزءا : ( اٍنّ اليهود فى كل مكان , اٍحذر أن يخطب أختك يهودى ) .

كان عام 1987 م على مقربة من أفوله وكانت الجرائد مملوءة باٍعلانات الفنادق والملاهى تدعوا فيها الشباب الى قضاء ليلة عيد الميلاد , ومزقتنى فى تلك الأيام أحاديث رشيد بوجدرة فى مجلة الوحدة واليوم السابع , اٍنّه يصرّح فى جرءة متناهية أنّه ملحد وأنّه لا يعترف بالأجداد ..
وقبل أن ينتهى العام , كان الناس يتحدثون عن الزيادة فى أسعار المواد الغذائية وكانت محطة الحافلات مليئة بالفقراء والمجانين ورجال الشرطة . لقد مزّق قلبى منظر اٍمرأة متشردة كانت تضمّ اٍبنها الصغير اٍلى صدرها ووراءها طفلان يبكيان , قدمت اٍلى مقاعد الجالسين وقدم أحد الطفلين ومدّ يده قائلا : ( أعطونى أريد أن أشترى حليب الرضاعة لأخى ) , كم ألمنى ذلك المشهد...
ومات فى تلك الأيام ذلك الكلب الغريب , رأيته مرميا على قارعة الطريق . لقد فضل الموت بدلا من تلك الحياة التعسة التى كان يحياها وكأنه اٍختار قارعة الطريق كى يكشف للناس جميعا قوته فى التحدى وجدارته لنيل مكان تحت الشمس .

وعاد ذلك السؤال الرهيب يطرق أذناى : ( هل لى مستقبل ؟ ) . كان ياتينى كلما قابلنى ذلك الشاب الذى طرد من المدرسة ففتح له أبوه محلا ليجنى منه أرباحا طائلة فى أيام قليلة ...
عام يمر ولا شيئ تغيرّ , اٍزداد التشتت وعمّت الفوضى وقلّ التسامح ...
وفى زحمة الفوضى التى كانت تغمر شوارعنا , كانت تنتابنى مشاعر الهجرة , علىّ بأرض الحجاز , علىّ بدينى , علىّ بعروبتى ...
عام كامل يمرّ ونفس الوجوه , نفس الاشكال , نفس الرّموز , نفس الأدوار , نفاق , فساد, كفر..
عام كامل يمرّ , ماذا قدّم حكامنا لشعوبهم , غير القهر والضغط والقمع والمغالطات ..
عام كامل يمرّ ماذا قدّم حكّامنا لأنفسهم , سيّارات جميلة , سكنات فاخرة , أموال فى الداخل والخارج مناصب لأ فراد العائلة ..
عام كامل يمرّ ونفس الكلام , نفس الشعار , نفس الضحكات ..
وأنا ماذا قدّمت لشعبى , ماذا قدمت لدينى ...

اٍنتهى عام 1987 م بسلام واٍحتفل الشباب بعيد الميلاد واٍحتفل حكامه أيضا , ونشرت الصّحف صور الرئيس وهو يقوم بزيارة خاصة للهقار مع حرمه ...
واٍختفت عن أعين المارة العبارة التى قتلتنى :( تحيا اٍسرائيل ) وقد محيت بالدهن الأبيض وكنت أرى أنّه حين أضيف اٍليها عبارة : ( يسقط الرئيس ) تجرأ أحدهم فمحهما ..
وأخذت أطرح على نفسى وابلا من الأسئلة : ( ترى من سيدافع عن البلاد اٍذا أبتليت باستعمار ؟ هل سيدافع عنه ذلك الوزير صاحب البطن المنتفخة ؟ أم مغنيو الراى ؟ أم الشباب الراقص فى رياض الفتح أم جماعة حقوق الاٍنسان , من سيحمل السلاح ويصعد اٍلى الجبل ؟ أين هو الشباب المخلص الذى سيقوم بهذا العمل مثل أجداده ؟ )
طبعا وبكل تأكيد سوف نرى هؤلاء يسارعون للا ٍقلاع فى أوّل طائرة نحو أمّهم فرنسا وهؤلاء يسارعون لتقبيل الأقدام للفتح العظيم , وهؤلاء يسارعون لاٍ خراج جنسياتهم الأخرى .
من سوف يحمى البلاد ويدافع عنها حتى يموت ؟ ضبّاطه الكبار , ساساته المحنّكين , دكاترته العظام , أدباءه الخالدون , أم مناظلوه المتحمسون , من ؟ ..اٍنّه سوف يدافع عنه بلا شك أولائك البسطاء مثل على لابوانت الموجودين فى القرى والقاطنين فى البيوت القصديرية , والعاطلين عن العمل , وأولائك الشرفاء مثل العربى بن مهيدى ولطفى وأولائك المخلصين مثل العربى التبسى , اٍبن باديس والطيّب العقبى ورضا حوحو....وأمثال هؤلاء قليلون ولو بحثت فى مدينة كبيرة من مدننا لوجدت أنّ عددهم لا يتعدّى أصابع اليدين ..

بدأت أشعر أنّنا مثل ذلك الشاب الذى أعجبنى فيه ضخامة جثته وقوة عظلاته وكنت حينئذ فى الثانوية ومرّة رأيته فى شجار مع سائق حافلة للنقل العمومى ضعيف البنية , هزيل , رفض أن يحمله لاٍكتضاض الحافلة بالمسافرين , فشتمه الشاب واٍذا بالسائق يدفعه بيده بقوة فيسقط ذلك الشاب سقوطا لم ينهض بعده حتى أتت سيارة اٍسعاف لحمله , فاٍندهشت وملكنى العجب .
وبدأت أحدّث الأصدقاء عن الشاب والحادثة التى وقعت له وكان البعض يعرفه يقول لى أنّه يدخّن ( الكيف ) أى الحشيش .
هكذا أصبحنا نملك جيشا وطائرات ورجال الشرطة ومؤسسات واٍعلام ولكنّها كلّها خاوية ..
من سيدافع عن البلاد ؟ لقد حيّرنى ذلك السّؤال وبقى يرافقنى مدّة طويلة , ووجدت أنّه يجب علىّ فى نظرى أن أحذف حرف السّين لأ نّنا مستعمرون حقا , وأنّ كلّ ما شهدته الجماهير فى ماضيها تعيشه الآن وتراه أمام أعينها ويقتحم ديارها ..

هكذا كان واقعنا , وهكذا كان تفكيرى , كانت قضايا الاٍسلام والمسلمين تشغلنى حتى النّخاع ولمّا ظهرت نتائج الاٍمتحانات كنت ناجحا فى كلّها ولم أبدى أى شيئ بل كرهت الأساتذة , كرهت الدروس كرهت المدرج , وخرجت أعدو نحو محطة حافلات النقل العمومى .
دخلنا فى مقياس علم الأعصاب ودخل علينا بلقندوز . فيما سبق كان المدرّج يشهد بعض الضجيج أثناء اٍلقاء المحاضرة , لكن أمام بلقندوز الكلّ ساكت ولا يتنفس الطلبة الصعداء اٍلاّحين يصدر هو بعض الضحكات .

كان يتكلم بلغة أهل ( الميدى ) الفرنسى حتى نقول عنه أنّه متخرج من كلّية الطب الممتازة التى تظمها المنطقة . كان لا يستقر فى مكان واحد , كان يصعد اٍلى آخر الصف فى المدرج , يقطع المساحة التى تفصلنا عن مكتبه ذهابا واٍيابا , وهو أثناء كلّ هذا يملى علينا دروسه ..
كنت أحيانا أتأمّل بعمق شكله , كان أسمر اللّون , طويل , نحيف , اٍنّه شكل لا ينمّ بصدق عن ثقافة علمية راقية . لقد رسم فى قلبى شكلا خاصا لم أستطع أن افصح عنه اٍلاّ عندما كنّا جماعة من الطلاب ومرّ علينا , فنطق أحد القدماء من الطلاب قائلا لصديقه : ( أنظر ألا تشعر أنّه يشبه شكلا وحركة بائع الخردوات المتجوّل ؟ ) فانفجرنا بالضحك , اٍنّها الصورة الحقيقية التى كنت أبحث عنها ..
أثناء الدرس , كنت فى غالب الأحيان لا أنتبه اٍلى كلامه , كنت أطرق رأسى , كنت أخاف حين أتابعه بنظرى وهو يزحف فى اٍتجاه سارى-على أن تقع عيناى عليها فيغلبنى الضحك .
لقد حدثنا يوما عن مسألة علمية لا أتذكرها جيدا وضرب لنا أمثلة منها أنّ الاٍنسان ينحدر أصلا من القرود , سمعت خلال هذا وشوشة فى آخر المدرج , فهمت أنّ صاحبها لم يعجبه الحال ..
أمّا أنّا فلم أتعجب من مقولة البروفيسور لأننى سمعت بها منذ وطئت قدماى الجامعة ...
ومنذ ذلك اليوم أطلقت عليه لقب القرد ..
وهكذا اٍستمرّ القرد فى دروسه , اٍستمرّ فى حركاته واٍستمرّ فى ضحكاته..

وفى تلك الأثناء بدأ اٍسم هتلير يتردد فى أوساط الطلاب , كنت أندهش وكنت أسألهم هل هتلير الذى تتحدثون عنه مازال حيا يرزق فيضحكون . كان حديثهم عن هيتلير آخر غير الذى عرفته ألمانيا والعالم كله , اٍنّه شخص يدرس معنا , اٍنّها سارى-على قريبة الأستاذ قارة , التى تتكبّر علينا هى و أتباعها بأصلها و انتمائها . كان الاٍسم يتداول بين الطلاب فى سرّية تامة . لقد اٍعترفنا جميعا بذكاء رويبى تيجينى فهو الذى أطلق عليها اللّقب , كانت فيها جميع أوصاف هتلير من الشعر والوجه المكور والسروال شبه العسكرى والمشى الفريد ...
أقرّ القرد أن نحضر صباح كلّ يوم اٍلى قاعة التطبيقات وحذف برامج التربص فى مصلحته وبهذا لم نتلق خلال مدّة المقياس مايفيد ولم يسمح لنا برؤية والتحدث مع أى مريض وأصبحت عقولنا مكدسة بالدروس النظرية , كلّنا يعرف مرض ( البركنسون ) ولكن لا أحد رأى مريضا بهذا الداء وشتان بين السّمع والنظر .
بدأنا نحظر حصص التطبيقات وكانت فرقتنا المكونة منى ومن راشد بوعلام , عمر صديق , تيجينى رويبى , ترفض الجلوس فى المقاعد وتجلس على طاولة واسعة تسمح لنا بأن نسند ظهورنا على الحائط .

كان المساعد ينادى بالاٍسم ويطرح على صاحبه سؤالا درسه فى النظرى وذلك بناءا على التعليمات الجديدة التى أصدرها سيّده القرد .
كرهت فرقتنا من هذه الطريقة , فنحن لسنا أطفال التعليم الاساسى , لقد اٍتفقنا بعدم الاٍجابة حتى ولو كان الجواب معروفا , كنا ثائرون ولقد بلغت بى ثورتى اٍلى حد الاٍستهزاء بالجالسين فى المقاعد , وكان يزيد من غضبى بعض الجهلة الذين يحاولون أن يتظاهروا بالتفوق والاٍمتياز بينما اٍنتقالهم اٍلى السداسى المقبل مهدّد نتيجة خسارتهم لمقياس علم النفس التحليلى .
كانت هتلير ومدام شارلو وطالب لمياء من ضمن الجالسين فى المقاعد , وكنّ ينظرن اٍلينا بنظرات فيها اٍحتقار وعنصرية , كنّ يعلمن أنّ هذا التصرف من جانبنا موجّه ضدّهن . وكانت هتلير تعلم أنّ مخ جماعتنا ومقررها هو أنا . وذات يوم لمّا خرجنا من القاعة وقفت عند باب الخروج تتأملنى جيدا كمنتقم حنوق .

فى تلك الفترة , اٍمتنعت حافلات النقل العمومى عن المرور ببلدة سيدى بن يبقى التى تقع بين بلدتى المحقن و حاسى مفسوخ وقد قيل أنّ السبب هو عبارة كتبت بالفرنسية على أحد الجدران فيها سبّ وشتم لرئيس الدولة .
ولفت اٍنتباهى ذروة اٍنتشار التدخين بين الشباب وكنت حين تجوب الشوارع تجد فى كلّ مكان عاطلون عن العمل يبيعون التبغ الأمريكى والفرنسى , ولقد قلت يوما لاٍسماعيل : ( كم نحن ضعفاء يمكن للأعداء أن يحطمونا دون اٍراقة للدماء , عليهم فقط أن يمنعوا تصدير تبغهم اٍلينا وسترى كيف سيتحول الشاب المدخن اٍلى حيوان مفترس ) وأعتقد أنّ الأ عداء فى أى وقت لن يقوموا بهذا العمل أبدا لأن التبغ أخطبوط يمصّ دماء الشباب ويفتك بقوّة الأمّة , اٍنّه سلاح بطيئ المفعول , فيه ربح كبير للأموال كما يحافظ على اٍستمرار التسلط و التبعية .

ولعلّ أغرب الأشياء التى حدثت فى تلك الفترة فى بلادنا هو أن أحد النوادى المختص فى علم الفلك طلب من الوزارة رخصة المشاركة فى الملتقى العالمى لعلم الفلك ببلد أروبى فرفض طلبه وبعد أسابيع أكتشف أنّ رخصة المشاركة وتكاليف السفر والاٍقامة تسلمها بطريقة ما أحد المسؤولين وقضى أياما لا تنسى وراء البحر .
اٍنّ مثل هذا كثير لم أكن أهتم به لكن الذى كسّر رأسى فى تلك الأيام المقارنة التى كنت أجريها كلّ يوم فى الحافلة وأنا متوجه اٍلى الكلية بين فرنسا والجزائر , كنت أضع الجزائر فى طرف المعادلة مع جميع العوامل الحضارية والديموغرافية والجغرافية وغيرها وأضع فرنسا فى الطرف الآخر للمعادلة بعواملها الخاصة وكنت فى كل مرة أتعجب وأستخلص اٍلى نتيجة واحدة : اٍنّه الذّكاء, هذا الذكاء لن يأتى اٍلاّ بالاٍهتمام بالأنسان , المحرّك الأساسى لكلّ نهضة .

واٍستمرّ القرد فى دروسه واستمرّ فى حركاته واٍستمرّ فى ضحكاته..
أدخلنا اٍلى قاعة الاٍمتحان كالماشية , طرح علينا أكرمكم الله ثلاثون سؤالا فى مدّة ساعة ونصف الساعة , كلّنا اٍندهش لكثرة الاسئلة وتنوعها ومع ذلك فقد خرجت وأنا مسرورا بعملى ..
أخذنا عطلة لمدة اسبوعين فى شهر فبراير . كنت فى صلواتى أتضرع اٍلى الله كى يذهب عنى القرد وشطحاته , اٍنّه رجل غريب الاطوار..
وهاهى الهمّوم التى أعيشها فى كلّ عطلة تلوح فى سمائى , وها أنذا أتذوّق مرارة ( حرب السلام ) و أصارع ليلا ذلك السؤال الرّهيب : ( هل لى مستقبل ؟). لقد عانيت كثيرا فى تلك الأيام من عطلة فبراير . كان لابدّ أن أخرج وألاحظ ماذا تغيّر فى مدينتى ولكن نفس الوجوه , نفس الحديث , نفس الأفكار..

عندما أتجول فى المدينة , كنت أتحاشى المرور بجانب المقاهى حتى لا ينادينى صديق , كنت أمشى وحيدا , أدخل سوق الفلاح , أمرّ بجانب مدرسة رأس العين , أتذكر طفولتى المدرسية , وأحيانا أسلك طريق سيدى بن يبقى وأحيانا أخرى أسلك الطريق الجنوبى المؤدى اٍلى الملعب البلدى ..
كنت أمشى وحيدا , كنت أحتار من التغييرات العميقة التى تشهدها المدينة وسكّانها وفى كلّ هذا كنت أحسّ أنّى ذرّة تائهة وأفكارى ضرب من الوهم , كنت أحسّ أنّى غير قادر أن أتنفس فى وسط فقد أغلب قيّمه الخلقية وطغت عليه المادة .
ووجدت ( بوشويشة ) كعادته يجلس بالقرب من حانوته , يضمّ ذراعيه فوق بطنه المنتفخ , يتأملّ حركات الناس والسيارات وينادى بأعلى صوته : ( ربحناكم , البطولة والكأس , المقابلة القادمة سوف ترون ) . كان بوشويشة عميد مشجعى مولودية وهران , كان صباح كل يوم جمعة يرتدى لباس بألوان الفريق , الأحمر والأبيض , وينزل اٍلى مدينة وهران محرّكا معه جموع الشباب لينشط أعضاء الفريق بأهازيجه و شطحاته , ويحكى أنّه كان أحيانا يغمى عليه حين يرى هدفا سجل على فريقه ويرمى بجثته الضخمة كصخرة من فوق جبل على المتفرجين ..
كل شيئ تغيّر فى المدينة اٍلاّ موستاش دائما عند عتبة باب منزله نصف جالس كلّما فكّرت فيه وجدت ذاكرة خالدة لأيّام عظيمة فى تاريخ المدينة ..
كانت أيّاما قاسية عشتها فى مدينتى حتى اسرتى الوديعة اٍنقلبت على...

لم يكن العالم صامتا , كان المجاهدون الأفغان يواجهون الآلة العسكرية الروسية وبيادقة كابول , حتى العالم الغربى الذى كان يتبجح بمعارضته للغزو الشيوعى وتنكيله للمسلمين سكت , ألا تكون خدعة متفق عليها بين زعيمى المعسكرين اللذان اٍلتقيا قبل هذا فى واشنطن ؟ لقد وجدا أنّ عدم التدخل الروسى يعنى قيام دولة اٍسلامية لا يلقيا منها سوى المآسى .
لقد عانى كثيرا الجيش الأحمر من الضربات العنيفة التى كان يصوبها له المجاهدون , واٍتفق وزير خارجية موسكو مع نظيره الأمريكى بمساعدة بيادقة كابول على تشكيل حكومة مؤقتة تضمّ بعض الوجوه الاٍسلامية المجاهدة , وفعلا تشكّلت الحكومة وسألت نفسى : ( ماذا يريد الدّبان ولمن سترجع كفة النصر , أليست خطة للقضاء التدريجى على المجاهدين ونزع الأسلحة من أيديهم ؟ ) كيف يعقل أن تتكوّن حكومة مؤقتة تضمّ شيوعيين ولائكيين اٍلى جانب ثلّة من المجاهدين ثمّ كيف يقبل هذا و عميل الرّوس يحكم البلاد ؟ . ويظهر أن الناطق باٍسم المجاهدين اٍكتشف الخدعة وأصدر بيانا يشكك فيه نوايا الذئاب .
ولا تحرك عربى وكأنّ أفغانستان جمهورية روسية أو ولاية أمريكية , ولا تعليق اٍذاعى , فعالمنا الاٍسلامى يديره رجال الكرملين ورجال البيت الأبيض ...

هؤلاء هم حكّام وطنى لا أستطع أن أقول عنهم أكثر ممّا قاله اليهود لمّا نشروا خططهم للاٍستلاء على الأراضى العربية ووزّعوها فى العالم , فسألهم الصحفيون : ( ألا تخشون أن يطلع على خفايا الوثيقة العرب ؟ ) فأجابوا : ( اٍنّ العرب لا يطالعون واٍذا طالعوا لا يقرأون واٍذا قرأوا لا يفهمون واٍذا فهموا لا يطبقون ) ..هؤلاء هم حكام بلادى .
واٍستمر الغليان الشعبى فى فلسطين واٍستمرت اٍجتماعات وزراء العرب واٍستمر المواطن العربى فى الجرى وراء الأسواق وملاعب كرة القدم واٍستمرت مظاهرات بعض الشباب السويدى والفرنسى , وعندما قامت مظاهرة لطلاب اٍحدى جامعات المغرب تصدّى لهم البوليس بالضرب وأقحم عدد كبير منهم فى السّجون كما أنّ صحفنا اٍختلطت عليها الأوراق فوضعت ( جداول ) للتفريق بين اليهود والصهاينة و الاٍسرائليين .

وهاهى مملكة الدانمارك تعلن عن قطع علاقتها الاٍقتصادية مع اٍسرائيل ويهبّ الشباب الدانماركى حاملا صنادق منتوجات اٍسرائيل ويرميها فى الطرقات ...
وهاهو سعادة سفير النرويج يفضح ممارسات اليهود ويصفها بأنّه تذكّره بأعمال النازية فى الحرب العالمية الثانية ...
واٍنتظرت الرّد العربى , لا كلام , صمت فى صمت , وكأنّ الأرض العربية تحوّلت اٍلى مقبرة...

كم نحن تعساء , أمّة تقع قرب القطب المتجمّد الشّمالى ليس لها صلة بواقع العرب وبدم العرب يحمى الدّم فيها رغم البرودة و الثلوج وتفعل هذا ونحن تحت شمس محرقة دمّنا مسموم بتبغ المالبورو كأنّنا فى اللّحظة الأخيرة من الحياة ...
وبحثت عن الذى يشغل هذه الأمّة عن قضيتها المركزية , فرحت أتنقل بين محطات الأثير , كان المغرب غارقا فى اٍحتفالات عيد العرش وكانت بلادى تحضر لمؤتمر الحزب الذى سينعقد بعد أيام وكانت تونس تشرح لشعبها سبب تغيير الحزب الدستورى الاٍشتراكى الى الحزب الدستورى الديموقراطى وكانت مصر تحاكم شبّان أعدموا جواسيس أمريكان يعملون لصالح سفارة ( الموساد) و لم أستطع أن أمسك بالمحطات العربية الأخرى ..
وصرخت فى وجه أخى : ( آه لو أنّ القبائل العربية لا زالت تعيش الآن لرفضت هذا الذّل وتوجّهت بخيولها وسيوفها ورماحها تهاجم طائرات اٍسرائيل وأساطيل أمريكا حتّى يقتلون جميعا ) .

وظهرت النتائج أخيرا , كنت ناجحا وقد تحصلت على علامة رائعة اٍندهش لها كلّ من يعرفنى وضحكت على غبيين كانا يملآن قاعة التطبيقات من قبل أسئلة ونقاشا ويتظاهران بالتفوق..
فى ليلة ظلماء من ذلك اليوم , خرجت الى ساحة المنزل , كانت ريح باردة تهبّ اٍقشعر لها جسدى وأمطار خفيفة زادت من رهفة اٍحساسى , ورحت أتأمل النجوم , الأشجار, الهواء , الاٍنسان , التأمل , قلت فى نفسى : ( سبحانك يا ربّ , اٍنّك تستحق أن أعبدك ليل نهار, سرّا وجهرا , واقفا وجالسا , مستقرا ومتحركا , نائما ويقضا , أحيانا أعفس دون قصد على حذاء جميل أثناء الزّحام لركوب حافلة فينظر اٍلى صاحبه بنظرات شرسة , فأطلب منه السّماح فلا يرد ويستمر فى نظره كأنّه يريد أن ينتقم أن يقتلنى , فأنا لا أعادل أبدا حذاءه الجميل الذى شوهت جماله , وأنت يا الله , يرتكب الاٍنسان فى حقك ذنوبا وكبائر , يقتل , يسرق, يفسق , وحين ينطق يا الله يجدك قريبا منه (عبدى) فتغفر له كلّ هذا ويصبح كيوم ولدته أمّه..

فى تلك اللّحظة شعرت أنّ القوانين , البوليس , العدالة , الحرية أكبر كذبة يعيشها العالم المتحضر.. بدأنا فى الدراسة , اٍنقسمنا اٍلى ثلاث مجموعات , ذهب عنى أصدقائى وبقيت وحيدا فى مجموعة غريبة السنحة , كان همّ الطلبة فيها هو التظاهر بالتفوق العلمى والاجتماعى . لم أعد ألتقى بهتلير , شعرت بحنين الى السداسى السابق .
مرّت أيام ومرضت بنت أختى نصيرة , كنت ألاحظ عليها اٍرتخاء كلّى مع اٍسهال وحمى واٍضطرابات فى النظر , بحثت فى دفاترى , عرفت أنّه مرض اٍلتهاب السحايا فنصحت أختى بأن تذهب بها اٍلى المستشفى , فالمرض خطير ويقتل أحيانا ولا تنفع معه مضادات ( علامات المرض ) , لكنّ كلامى ذهب فى مهب الريح .
هناك حقيقة لازمتنى منذ أن فتحت عيناى على هذا العالم , كنت كثيرا ما أتدخل بفكرة صحيحة فى جماعة فلا يلتفت اٍليها ولا يأخذ بها , وفى أسرتى كنت أرى بعينى حقائق فأدلى بها فلا ينتبه اٍلى كلامى , كان كلامى مرّا ولكنه الحقيقة .
وأعتقد اليوم أنّ كلامى مازال مرّا , لا يريح النظام ولكنّه الحقيقة عينها.

حملت نصيرة اٍلى طبيب عام , قال لأمّها أنّه مجرّد حمى تيفويد وأعطاها دواءا لم ينفع ثمّ أخذت اٍلى طبيب ثان قال لها أنّه مرض الحصبة فى طور الظهور أعطاها مضادات حيوية لم تنفع فى شئ .
كنت كل مساء حين آتى من الكلية أصيح فى وجوههم بأن يحملوها اٍلى المستشفى واٍلاّسوف تموت .
واٍستمرت نصيرة فى مرضها واٍستمرت فى نصائحى واٍستمر العناد .
مرّت أسابيع وقدمت أختى اٍلى بيتنا , كانت نصيرة تبكى رأسها متدلّ الى الخلف , اٍنّ الفتاة لا يفصلها عن الموت اٍلاّ لحضات وتكلّمت وكأنّى لم أتكلم .
أخذت نصيرة اٍلى طبيب ثالث ولمّا رأى تدلّى رأسها اٍلى الخلف وعدم قدرتها على المشى عرف أنّه مرض اٍلتهاب السحايا فقدم لها نفس النصائح وحملت فى سيارة تاكسى اٍلى مستشفى ( المحقن) , فلم تقبل بدعوى عدم توفر أدوات الفحص والتشخيص والدواء أيضا .

أخذت اٍلى مستشفى وهران ولم تقبل لأنّ ورقة الطبيب تدلّ على مستشفى المحقن وشرحت لهم أختى الموقف فلم يذعنوا لطلبها وراحوا يسبّون زملائهم الأطباء ويتهمونهم بالكسل وعدم رغبتهم فى العمل .أخذت المسكينة اٍلى طبيب خاص أعطاها رخصة الدخول اٍلى المستشفى وقدمت أختى اٍلى رئيس مصلحة طب الأطفال فرفض قبولها , فقبلت رأسه , رفض , راحت تدعوا له بالخير والعافية وترحّم على والديه وأجداده , رفض والفتاة فى اللّحضات الأخيرة من الحياة .
كانت جميلة نصيرة وكنت حين آتى من الكلية تنادينى ( حميد حميد ) لكنّ المرض شّوه صورة وجهها الجميل .
وعندما أرادوا مغادرة قسم طب الأطفال ناداهم أحد مساعدى الدكتور المحترم و أمضى ورقة الدخول اٍلى المصلحة .
قضت نصيرة أسابيع فى المستشفى , وتحسّنت صحتها و أخذت أسرتى تحاول أن تكفّر عن خطئها وتسألنى فى كلّ مرّة عن أسرار المرض .
وحين أتت بها أمّها اٍلى دارنا كدت أطير بالفرحة ورحت أقبلها و أضمّها اٍلى صدرى , نصيرة العزيزة تنتصر على مرضها , لكن بقى أثر خاص لمرضها وهو اٍزدواجية النظر .
تأمل فتاة تناديك وأنت داخل اٍلى بيتك ( بابا , بابا , بابا ) اٍنّها الحياة كلّها .

واٍستمرّ الغليان الشعبى فى فلسطين , واٍستمرّ الصمت العربى المميت . واٍستمرّت الشعوب العربية فى الجرى وراء القوت وملاعب كرة القدم .
كان المغرب العربى منهمكا فى مكافحة الجراد وسمح للاعلام الجزائرى بأن ينشر ويذيع الأخبار عن المدن التى اجتاحها واٍستعانت البلاد بتدخل فرنسى وأمريكى لمساعدتها , وقضى الشباب فى تلك الأيام التى زحف فيها الجراد على مدن الجنوب والهضاب العليا يستمتع بأغانى الشاب خالد والشابة الزهوانية فى ذلك الحفل الصاخب الذى أقيم بقصر الرياضة فى وهران والذى نقله التلفزيون مباشرة الى متفرجيه الكرام .

اٍنّ مقياس أمراض الدّم مقياس جميل , لقد كشف لى شيئين هما عظامة الخالق وذكاء العلماء , قطرة دم صغيرة تطلعك بأرقام كبيرة وبواسطة حسابات رياضية تصلك اٍلى مرض له علاقة بالدم .
كنا نجرى حصصا للتمارين وكانت الأرقام الكبيرة تخرج من قطرة الدّم الصّغيرة لتملأ قاعة التطبيقات وقعا ورنا .
على كل حال , كان أساتذة المقياس طيبين. وأجرينا الامتحان وكالعادة خرجت مكلّلا بالنّجاح .

ودخلنا فى مقياس أمراض الكلي وفاجأنا فليتى ببطنه المنتفخ كبطن بقرة وبسخرياته منّا , وكان لا ينجوا من طرح عليه سؤالا , كانت جميع الدروس يقدمها هو وكنت أجده دائما فى قسم أمراض الكلي بالمستشفى ينتقل هنا وهناك فأدركت أنّه متخن بالراحة .
جمعنا يوما فى قاعة خاصة وكنا ننتظر منه أن يعلمنا أشياء عن الصور الاٍشعاعية الخاصة بالكلى واٍذا به يمدّ واحدة اٍلى طالبة ويطلب منها أن تشرح له الصورة فلم تقدر فراح يصبّ عليها أسئلة وشتائم ثمّ حوّل غضبه علينا , كنّا واقفين اٍلاّ هو جالسا يتوسطنا ويرشف قهوة . وبسبب سلوكه العنيف هذا اٍمتنعنا عن التربص فى الأيام الموالية وبذلك زرع فينا ثغرة سوداء دفعنا ثمنها غاليا .
على مدار أسابيع ثلاثة , اٍستخلصت أنّه يجب على المحترم فليتى أن يتردّد على قسم بلقندوز ليجرى له فحصا لعلّه يكتشف خللا فى دماغه .

ودخل فليتى اٍلى قاعة الا متحانات وطرح علينا أسئلة ختمها بضحكة عجيبة ذكرتنى بلقطات الاشهار التى تقدمها اٍذاعة البحر الأبيض المتوسط عن البقرة الضحوكة ( لا فاش كيرى ). بالطبع لم أعمل كما ينبغى وخفت أن يفلت منّى المقياس ورحت مساء كلّ يوم اتخذ مكانا منعزلا فى ساحتنا وأبدا بالتضرّع اٍلى الله كى ينصرنى ويفتح لى أبواب الخير والفلاح .
لم يغادر فليتى رأسى وكلّما فكّرت فيه شعرت بخوف من الاعادة ومن ضحكات أصدقائى فى الكلية. كانت الحرارة شديدة نهارا وكنت أحيانا أصعد اٍلى سطح المنزل فأرى سحبا قادمة توعد بمطر غزير وحين تصل اٍلى سماء المدينة تغيّر اٍتجاهها كأنّها ترفض السّقوط , وحين أسال أمّى عن ذلك تقول لى : ( اٍنّه الزمن الرديئ الذى لم ينجب رجالا ) .

وأفاق الناس على خبر مجيئ الطائرة الكويتية المحوّلة نحو الجزائر وكان المحولون يطالبون بالافراج عن رفقائهم المسجونين فى الكويت الذين حكم على ثلاثة منهم بالاعدام مقابل الافراج عن الرهائن , وحين وصلت اٍلى المنزل قلت لأخى ساخرا: ( هل صحيح قدمت الطائرة اٍلى الجزائر ؟ ) فأجابنى مؤكدا . قلت له : ( لماذا لم تلوّح لها بمنديل لعلّها تحطّ فى حديقتنا ؟ )
تابعت بعض الأخبار عن الطائرة المختطفة منها أنّ المختطفون كتبوا على الطائرة :( طائرة الشهادة) ومنها أيضا أنّهم هدّدوا بحطها على القصر الملكى فى الكويت اٍذا لم يستجاب لمطالبهم , ثمّ اٍنقطعت عن متابعة المفاوضات بينهم وبين المسؤولين الجزائريين والسّبب أنّ اٍعلامنا اٍستغلّ الفرصة لينفخّ فى دبلوماسية بلاده الحكيمة .

ومرّت أيام و اٍتفق الطرفان بعد مدّ وجزر وتمّ اٍطلاق سراح جميع الرّكاب .
ووصلتنا رسالة مفرحة من أخى الذى كان يؤدى فى الخدمة الوطنية بالجنوب الجزائرى , قال لنا أنه عين رقيبا مكلفا بحساب كميات الوقود المستهلكة يوميا , وقال لنا أنّه حين يركب سيارة (لاندروفير) ليتفقد بعض مخازن الوقود فى الثكنات الأخرى تتقدمه سيارة عسكرية وتتبعه سيارة أخرى كوزير أول , وقال لنا فى الرّسالة أنّ المسافة التى تفصل بين الثكنة التى يقيم فيها ومدينة وهران نحو مئات الأميال وأنّ جنود الثكنة عازمون على الفرار لقضاء يوم العيد مع عائلاتهم وطلب من أخى أن يبعث له طائرة ليضعهم فيها , فكتب له أخى : ( لا تقلق سوف أرسل لك ثمانين حمارا ) .
ورحت أشجّع نفسى وأعدها بالعمل الجدّى فى مقياس أمراض الغدد الملحقة , كما غيّرت مكان جلوسى فى المدرج تحاشيا لنظرات طالب لمياء التى كنت أتعجّب من تأملاتها فى , وحتى أتفاداها نهائيا , كنت آسلك طريقا آخر يؤدى الى محطة نقل المسافرين .
وفى كل ليلة , كنت فى مكانى المنعزل أذكر الله و أعظمه محذ لقا فى سماء غاصّة بالنّجوم , ومع مرّ الأيّام , أنجبت قرائحى شعرا كنت أقرأه على حين غرة فى مكانى المنعزل , وكان مطلعه :

محمد أفـــــــديــك بدمــى ***** أنت الحب والخير والرشاد
يانبع الهدى ياخيرالأنــــام ***** يا معلم الفضائل والسداد
هاك يدى اٍنّى عزفت عن ***** دنيا جهالة وكفـر وجحود
هاك يدى لم أعــــد أطق ***** الهزائم والجروح والجمود
الله أكـــبر أنـــت قائدنـــــــا ***** بك نعلو الكواكب وبك نسود
لا يغنى السّيف ولا الكلام ***** اٍنّما الايمان ليأتى الخلود
حب الالاه قـــــــــوة تشـــق ***** البحار تنشا الدّيار والسدود
فضمّوا يدّكــــم اٍلى محمّد ***** ندكّ الأعداء والشّرف يعود

وسمحت لى الظروف أن ألتقى باٍسماعيل ورحنا نقطع شوارع المدينة فى الحديث عن كلّ شيئ يخطر ببالنا وكنت ألاحظ توافق تفكيرنا وسألت نفسى : ( هل اٍسماعيل تغيّر فعلا أم يسلك هذا السلوك فقط ليرضينى وينزع من جيبى بعض الدنانير ليشترى بها تبغا أو يشرب بها قهوة ؟ ) .
ولقد قلت له يوما : ( الرجل يموت من أجل مبدأ ونحن لسنا رجال لأ نّه ليس لدينا مبادئ ) فهزّ رأسه موافقا , وأحسست أنّه تأثر كثيرا لصدق فكرتى .
هناك عادة جميلة فتحت لى قلبى كنّا نعتاد عليها , ففى لقاءاتنا المسائية كنّا نشترى كيلوغرام برتقال ونملأ جيوبنا ونمشى فى الشوارع نتحدّث ونأكل .

لكن أتعس ما سمعت فى تلك الفترة هو أنّ مذيعا فى القناة الثالثة الناطقة بالفرنسية قال :( بمناسبة مرور أربعين سنة على اٍنشاء اٍسرائيل أقدم لكم قطعة موسيقية بعنوان ( أرض الميعاد ) ثم سعل بقصد منه . ولقد كتب صحفى فى جريدة عن الحادث فى فقرات .
ولم يحدث أى شيء ولم يتغير أى شيء , وأنا أيضا لم أتغير فمثلما قتلتنى تلك الكلمة التى كتبت على حائط المستشفى قتلتنى أيضا عبارة المذيع .
واٍستمرّ الغليان الشعبى فى فلسطين ورفض حكام العرب اٍنعقاد ( مؤتمر القمّة ).

وجاء الموعد الحاسم , كنّا فى أواخر شعبان 1988 م, تسلّلت مجموعة مسلّحة من ثلاثين يهوديا عن طريق البحر وقدمت اٍلى احدى أحياء بلدة سيدى بوسيد فى ضواحى العاصمة تونس بواسطة سيارات سياحية وتابعتهم طائرات اٍسرائلية لحمايتهم وللتشويش على الرادارات وقطعت جميع الاتصالات الهاتفية التى تصل اٍلى مركز الشرطة , فاقتحموا منزل أبو جهاد ( خليل الوزير ) بعد أن قتلوا شخصين من حرسه الخاص ووقف أمامه سبعة أشخاص من بينهم اٍمرأة واٍلتمّ الباقون فى جنح الظلام خارج المنزل يحرسون .
ودافع البطل عن نفسه بمسدسه الصغير حتى أفرغ مافيه وجاء دورهم وأفرغوا فى جسده سبعين رصاصة أمام أنظار زوجته واٍبنه الصّغير وهربوا ولم يعثر عليهم البوليس التونسى . وصرخت : ( يا ويح العرب , يا ويح العرب , يا ويح العرب ).
غضبت غضبا شديدا وحزنت حزنا عظيما , كنت كلّما فكرت فى الموضوع أضرب بيدى بقوة على الحائط متحسرا : ( يا ويح العرب , يا ويح العرب , يا ويح العرب ) أبو جهاد تخترقه سبعون رصاصة , أبو جهاد الذى كان يعتقد أنّه فى حماية وأمان و لن تلحقه محاولات الغدر الاسرائلية , أبو جهاد .

لكن هذه الحادثة كشفت لى أوراق عديدة منها أنّ صحيفة من صحفنا المكتوبة بالفرنسية شنّت حملة شرسة على مدراء وكالة الانباء الفرنسية وصحيفة ( نوفل أوبسرفاتور ) ومحطات اٍذاعات فرنسا واٍتهمتهم بمعاداة العرب وبالانتماء اٍلى اسرائيل ونشرت مقتطفات من يوميات كتبها هتلير فى آخر أيامه كما تزعم الصحيفة , فقامت قائمة اليهود فى فرنسا ونشروا ردودا عنيفة وطالبوا باٍيقاف هذه الهجمات والا سيكون الردّ عنيفا ولمّا لم تذعن الصّحيفة لأوامرهم , هاجمت عصابة على محلات مواطنين جزائريين مقيمين بفرنسا فقتلوهم وتركوا فى أماكنهم كلمة ( اٍ ر غون ) وفجّروا أحد القنصليات الجزائرية بفرنسا فكفت هذه الصّحيفة نهائيا عن مهاجمتهم , ومنذ ذلك اليوم لم أقرأ موضوعا فيه كلمة معادية لليهود واٍسرائيل بعيدة عنّا بألاف الأميال وبعد الحادث مباشرة أصدر مجلس الوزراء قرار ( تأشيرة النشر ) .
يا ويح العرب , يا ويح العرب , يا ويح العرب.
من دفع بالمذيع ليقدّم ( أرض الميعاد ) فى اٍذاعة وطنية ومن دفع بذلك الذى كتب على جدار المستشفى ( تحيا اٍسرائيل ) ؟
وتذكرت صوّر الشباب الدانماركى وهو يتلقّى الضّربات على رأسه وفى ظهره , وينام فى الطرقات , و يرفع اللا فتات المندّدة , ويلعن رجال دولته ويطالب برؤوسهم .
أيحقّ أن آكل الخبز العربى , أيحقّ أن أشرب الماء العربى ؟
ورحت أسخط على فليتى ومن دار فى فلكه , أسخط على سارى-على وأتباعها , أسخط على الشارع العربى , أسخط على المؤسسات الصناعية وعلى حافلات النقل العمومية , وتلك الفتاة لماذا تنظر اٍلىّ هكذا , لماذا تتكبّر علىّ وأنا لا أعرفها وهى لا تعرفنى ..

وجاء شهر رمضان وخفّ ألمى قليلا لكن صورة الانهزام العربى لم تغادر رأسى , وتعجّبت من شاشة تعرض آ خر ما نتجته اٍصطبلات ( هوليوود) و( مترو غولدين ماير) بينما شعب أعزل يقتل ويهجّر من دياره و أراضيه .
وضحكت من فقرة كتبها غبىّ فى جريدة ( لوموند ) الفرنسية عن الانتفاضة فى الاراضى المحتلة : ( يريد هؤلاء العرب أن يقيموا أمّة على أنقاض اليهود , اٍنّهم يزعمون أنّهم سينتصرون لكن من أين أتوا بهذه الهراءات ؟ )

وجاء الموعد الحاسم , اٍثنى عشر ألف جندى اٍسرائيلى مدجّجون بالدبابات والطائرات يجتاحون جنوب لبنان لتطهيره من الضربات التى كان يصوبها أفراد المقاومة الاسلامية . لقد تخلّصوا من أبو جهاد ويريدون الآن أن يتخلصوا من الجنوب اللبنانى ليعيشوا مطمئنين هانئين , فالجنوب اللبنانى هو البوابة الوحيدة لتحطيم اٍسرائيل وعندما تغلق فى وجه المقاومة وتعزل الانتفاضة ويقتل مدبّروها ماهو مصير منظمة التّحرير الفلسطينية ؟
ولا كلام عربى ...صمت كصمت القبور , أين هى الجيوش العربية ؟ ..وهدأت من نفسى قائلا : ( العرب صائمون ولقد اٍختار اليهود شهر رمضان لانهم أدركوا أنّ هذا الشهر بالنسبة للعربى هو شهر الكسل والملل والنوم وشهر التفكير فى البطن لا غير ) .
وتعجبت عندما عرفت أنّ طالبة فى الكلّية فلسطينية , وكنت أراها تضحك وتمرح وكل يوم فى لباس أنيق ودائما تعبث بشعرها الطويل وحين يعطى لنا أيّاما للمراجعة فى بيوتنا تقضيها فى ساحة الكلية فى الحديث مع من هبّ ودبّ .
وطرحت على نفسى هذا السؤال : ( لماذا أنا هكذا ؟ )
هذا السؤال طرحه على كثيرا فيما سبق اٍسماعيل وأيضا والدتى لمّا كنت أقع معهما فى مناقشات حامية الوطيس وعراك كلامى شديد , كنت لا أريد الانسحاب من الحلبة وأنا على حقّ. لماذا أنا هكذا ؟
وعاد اليهود اٍلى اسرائيل بعد رحلة سياحية فى الجنوب اللبنانى لتمشيطه من أفراد المقاومة . لكن كانت هناك أستاذة فى غاية الانحلال تتردد بين الفينة والأخرى على المدرج لتقدّم لنا دروس أمراض الغدد الملحقة ( الأندوكرينو ) . وحسب الأحاديث التى كانت تتداول فى أوساط الطلاب والتى مصدرها صحيح فى أغلب الأحيان فانّها شوهدت فى الحانات الكبرى والكباريهات المشهورة .
واثناء رمضان , كانت تاتى بالبسة مكشوفة عرفت من خلالها أنّ هذه السّيدة تواضب على مراقبة كلّ لباس نسائى جديد تنشره مجلة ( المرأة اليوم ) الفرنسية التى تباع باعداد كبيرة فى الاكشاك , كما عرفت أنّها سيدة محضوضة .
ومرّة دفعت بالمقعد اٍلى الخلف وجلست فوق مصطبة عالية وكانت تلبس لباسا قصيرا ودفعت بساقيها اٍلى الأمام وقابلتنا وظهر كل شيء ونحن صيام .
كان كل الطلبة الاقدمون والجدد يشكون من اٍنحلال أخلاقها أمّا أنا فقد كنت أحبّ دروسها فقط لأنّها قصيرة جدّا وتسمح لى بالوصول اٍلى البيت فى أسرع وقت .

لم ينفع تبديل مكان جلوسى و تاخرى المقصود ببضع دقائق عن الدّروس لأ تخلّص من نظرات طالب لمياء وكانت الصدفة تزيد الطين بلّة , فقد حدث كثيرا وأنا أتكلّم مع أصدقاء أن ألتفت ألى شمالى فاجدها قادمة تنظر فى وكانّى فعلت لها شيئا , وأحيانا أخرى أكون أتامل باب المدرج فتخرج هى وتسقط نظراتها على ّ.
لقد أحسّت كانى أريد أن أقترب منها وأنا لم أقصد هذا أبدا ثمّ أنّ ماضيها فى السّداسى السابق ألمنى كثيرا أثناء توقف الدّروس وأيضا محاولاتها الكثيرة لاظهار تفوّقها العلمى والاجتماعى و اٍفتخارها باصلها وانتمائها مثلها مثل هتلير ومدام شارلو .
ومرّت أيام وأجرينا اٍمتحان ( الاندوكرينو ) وكما كان متوقعا فقد عملت بجدّ وفرحت بعملى لكن فليتى كان يزعجنى يقلق راحتى ولمّا ظهرت نتائج المجموعات السابقة فى هذا المقياس كدت أنهار قليل من نجح .

فى تلك الفترة , كنت أقرأ القرآن الكريم كلّ يوم قبل خروجى من المنزل لأذهب اٍلى الكلّية وكنت كثيرا ما أردّد وأنا أمشى الآية الكريمة ( اٍن أريد اٍلاّ الاصلاح ما اٍستطعت وما توفيقى اٍلاّ بالله ) كما كانت تعجبنى الآية الكريمة ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا واٍذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) .
وتلك الفتاة عذبتنى بنظراتها , أنا لاأريدها , وكانت تتكبر علىّ , وأحيانا وحتّى لا تسلك طريقى المؤدى اٍلى محطة حافلات النّقل العمومى تأخذ سيارة أجرة أو تختفى فى المستشفى .
ومرّة خرجت غاضبا من الكلّية وركبت حافلة مرهقة وزاد غضبى وأنا أرى بنى جلدتى يزجّون فيها كالخرفان , شعرت بالبكاء ورحت أفكّر فى مستقبلى , أفكّر فى وجوه المدرج التعسة , أفكّر فى الهجرة ولم أغضب فى حياتى مثل ذلك الغضب واٍذا بى أشعر بقوّة تربّت على كتفى وظلالة فوق رأسى واٍحساس عميق يقول لى : ( اٍصبر قليلا الفرج بيد الله ) .

كنّا فى أواخر شهر رمضان , وكان قلبى يتوهج اٍيمانا . وذات مرّة نمت , أثناء المنام غمرنى شعور عظيم كأنّ نور من السماء نزل ليحط على جسدى النحيف ورأيت نفسى فى المنام أدعوا . فى الصباح سقطت الأمطار غير عادة وظهر فى مدينتى قوس قزح , حملت دفاترى وأقبلت على الكلّية , وفى ذلك اليوم كم تعجبت من نظرات طالب لمياء عيناها لم يفارقانى لحظة حتى دخلنا المدرّج ولمّا خرجنا كانت تمشى ورائى وتنظر .

اٍقترب موعد عيد الفطر , تفسحت قليلا فى المدينة , اٍلتقيت ببوزناد وبلكدروسى وجدتهما يسخطان على علماء هذه الأمّة ويطرحان على كل من لقيهما هذه الأسئلة : ( لقد رأينا الهلال يوم السبت وأصحاب العلم فى العاصمة لم يروه فصمنا الاثنين ..غريب ) , ( على أن اتخذ كلّ اٍحتياطاتى قبل قدوم شهر رمضان , علىّ أن ألصق أذنى باٍذاعة السّعودية حتى أعرف الصّحيح , هذا هو الأ فضل أليس كذلك؟) لم أعط فى حياتى أىّ قيمة لمثل هذه الأحاديث , وكنت أشعر بمرارة حين يشتدّ الجدال حدّ العراك والتنافر , على كلّ حال لم أنطق ببنت شفة حول هذا الموضوع , طريقتى فى مثل هذه المواقف هو الصّمت .

فى وطنى الكبير كنت أعلم أنّنا مشتتون , ممزّقون أشدّ التمزق , كنت أحسب فيما مضى أنّ تعدد اللّهجات يمكن اٍحتوائه بطريقة ما فاٍذا بى أكتشف مع مرّ الأيّام أشياء أخرى بليغة الخطورة تفرّق حتّى بين سكان القرية الواحدة اٍن لم أقل العائلة الواحدة . كنت أقول : ( اٍنّ شعوبنا تريد شيئا واحدا حتّى تأمن القرارات وتحترم الأفكار اٍنّه الرّجوع اٍلى الهوية الحضارية , اٍنّ كلّ مانراه هو خلاصة التخلى عن الاسلام , وليس الحكام وحدهم يتحمّلون المسؤولية ولكن العلماء أيضا بل وأكثر ) وفى ذلك الوقت كتبت فى مفكرتى : ( اٍنّ اٍيمانى بالله تعالى هو اٍيمان عقل واٍيمان قلب , ليس اٍيمان وراثى تتلقفه الأجيال جيل عن جيل أو اٍيمان أشكال وألوان وروائح ) .

واٍنعقد أخيرا مؤتمر القمّة العربى فى الجزائر بعد اٍنتظار طويل ورفع شعار ضخم ( مؤتمر القمّة العربى غير العادى – مؤتمر الأمل ) , واٍمتلأت الفنادق بالصحفيين الأجانب وتكلّمت أجهزة الاعلام عن النتائج العظيمة التى سيخرج بها المؤتمر طالما يحظره قطط وفئران واٍلتمّ الحكماء على طاولة واحدة وتبادلوا الضّحكات والصّور التذكارية وأطرشونا بالتصفيق والكلمات الغريبة لم نسمع بها من قبل ( أصحاب الفخامة, المعالى , السّمو ..) ثم تناولوا الملفات السّرية فى جلسات مغلقة واٍنتهى المؤتمر بسلام .
وفرغت الفنادق من الصحفيين وكفّت الصحف والاذاعات عن الكلام المباح واٍفترق ( الحكماء ) وعاد الصمت العربى المقيت .

ومرّت شهور وبحثت عن الأمل فلم أجده لكن وجدت حقيقة وهى أنّ العرب يتنافسون لعقد مؤتمر القمم العربية مثل تنافسهم لعقد مباريات الكأس لكرة القدم أو لرياضة أخرى وما تذرّه تلك التظاهرات السياسية أو الرياضية من مدخول كبير بالعملة الصعبة أمّا القضية المركزية فهى قناع سياسى لا غير , اٍنّهم يأكلون ويشربون على روح هذه القضية .
وهكذا أصبحت مؤتمرات القمّة العربية مجرّد صفقات تجارية ضخمة وحنكة اٍشهارية فى غاية السّرية والخداع . ثمّ لنعد قليلا , ( حكيم ) عربى كشف النقاب عن تخاصمه مع جميع نظرائه , و ( حكيم ) عربى آخر تحدث وضحك مع زعيم منظمة التحرير الفلسطينية وبعد مؤتمر القمة تغيّر كلّية حرّك جيشه ليدكّ المخيمات الفلسطينية فى لبنان ويجرّدها من السّلاح والحياة , و ( حكماء ) آخرون اٍستغلوا فرصة الاجتماع للهجوم على اٍيران والدعوة لقطع العلاقات معها . وغابت فلسطين . لم أسمع أبدا فى خطب (الحكماء) فى البيان الختامى اٍسم أمريكا أو اٍسرائيل كأن ليس للعرب عدوا ..هؤلاء هم حكامنا .
لقد قلت لأصدقائى فى الكلّية : ( لو اٍتفق الحكّام العرب على اٍرسال بواخر مملوءة بالحجارة اٍلى الأراضى المحتلة لأغرق اليهود فى البحر ) فضحكوا لصدق الفكرة .

ومرّت أيّام وجاء الموعد المحتوم , اٍنّه اٍنطفاء شعلة الانتفاضة فى الأراضى المحتلة وعدت أسترجع ضحكات الحكام , خطبهم الرنانة , جلساتهم المغلقة , فحمدت الله الذى لم يحملنى مسؤوليات كهذه .
كنّا فى الأيّام الأولى من صيف 1988 م ورغم ذلك سقطت أمطار غزيرة وعدت أسال أمّى عن تقلّب الأحوال وعدم قدرتى على التفريق بين الفصول , فكانت تردّ على كعادتها : ( اٍنّه الزّمن الرديء الذى لم ينجب رجالا ) .
غيّر سطولو سيارته بأخرى تشبه اٍلى حدّ كبير سيارة ( كولومبو ) المشهورة , وحزن أخى وأصدقائه من أطفال الحى , بالنسبة اٍليهم فاٍنّ سطولو اٍرتكب حماقة لا تغتفر , كيف تجرأ على تبديل سيارة عظيمة كتلك باخرى أقلّ ما يقال عنها أنّها لو سلكت منعرجات وعرة لتجزأت اٍلى ألف قطعة ولاترى اٍلاّ سطولو ماسكا مقودا مرميا فى آخر المنعرج .
لكن ديك الحاج بن عبد الله أخذ يتألّق نجمه ويشغل أحاديث سكّان الحىّ , كان ديك ضخم الجثة نشيط الحركة مصارع قوى وهو لاشك من مدينة معسكر أرض الفلاحة وتربية الحيوانات وحديث العهد بالمدينة . لقد عانت منه زوجة الحاج بن عبد الله عناءا كبيرا , لهذا السّبب وضعته فوق سطح المنزل وأبعدت عنه كل سبل نزوله . وكان يصعد اٍلى قمّة سطح المنزل الهرمى الشّكل المبنى بالقرميد القديم ويبدأ ( يزغرد) كما يقول سكان الحىّ , وكان الطفل ( كاموس ) وأصدقائه يردّون على كلّ ( زغرودة ) يصدرها بحجارة يرمونها عليه , ومع ذلك كان عنيدا لا يحرّك ساكنا ويجابه الحجارة برأسه الصلد , ولأنّ ساحة المنزل ضيقة فقد وضعت دجاجها فوق سطح المنزل أيضا , وبدأ الناس يجتمعون عند دكان ( أحميدة ) يتمتعون بمنازلات فى المصارعة بين الدّيك وخصومه .

وظهرت نتائج مقياس أمراض الكلى وكان جلّ الطلبة ناجحون وكنت من بينهم واٍلتمّ حولى أصدقائى يعاتبوننى لأنّى وعدتهم بالخسارة وهكذا ذهب عنى فليتى اٍلى غير رجعة ولم أعد أحفظ له شكلا اللّهم اٍلاّ بطنه المنتفخ الذى أغرقا عينا صديقى طالب ناصر دموعا من شدّة الضّحك .
كنّا نتابع دروس المقياس الجديد ( أمراض المعدّة والأمعاء ) فى المدرّج (س) الواقع داخل المستشفى الجامعى , كانت الدّروس طويلة مملّة وثقيلة مع حرارة الصيف ممّا اٍضطرنى اٍلى وقف ( خلواتى ) فى مكانى المنعزل فى ساحة منزلنا كلّ ليلة وأكتفى بقراءة القرآن كعادتى قبل خروجى من المنزل قاصدا الكلّية .

وعندما آتى اٍلى المدرّج , كنت أجلس على دكّة مقابلة للمدرج وأصبح المكان مع مرور الوقت مكانى الخاص , واٍستطعت أن أجمع فيه مجموعة من الأصدقاء الجدد لنتحدث وندردش قليلا ولقد قلت لهم يوما ساخرا : ( لماذا لا نكلف بناءا ليقيم لنا تمثالا على هذه الحجرة ويكتب فيه أسماء مجموعتنا ؟ ).
لقد أضافت هذه الدّكة اٍلى شخصيتى المعروفة باللباس المداوم فيه طول السداسى و( البورسة ) التى أحمل فيها دفترى المطوى واٍرادتى القوية فى التّعلم سمة رجل غريب وكنت أعلم أنّ أسئلة معلّقة تدور فى رؤوس الكثير من الطلبة وعلى رأسهم طالب لمياء التّى حيّرتنى بنظراتها السهمية . قرّرت مع الأصدقاء أن نتاخر عن دخول المدرج ونخرج منه الأولون تفاديا للنظرات وعلامات الاستفهام لكن تلك الفتاة كانت تتابعنى وأنا أدخل المدرج , تلاحقنى , تبحث عنى, فتعجبت أشدّ التعجب بل أحيانا كنت أجلس فى مقعدى فأرى صديقتها تنظر فى وتتحدث معها وأحيانا كانت تصدر اٍشارات فهمت منها أنّها تودّ التحدث معى و التعرّف علىّ .
كانت جميلة , ناصعة البياض , كانت كلّ يوم تأتى اٍلى الكلّية فى لباس أنيق لكنّها كانت تتكبر علينا ممّا كان يثير فى اٍعتقادنا أنّها من عائلة غنية . اٍشتدّت النظرات والاشارات وقضيت ليال بيضاء أفكّر , أبحث , أفسّر وقائعى ووقائعها , هل القدر يريد أن يجمعنا ؟

لا أعرف كيف أمرتنى نفسى فى الأيام الموالية أن أنزع لباس أهل الكهف عنّى وألبس سروال من آخر طراز وقميص قصير وقدمت اٍلى المدرج ووجدت كلّ الطلبة ينظرون , يتحدثون فيما بينهم يشيرون اٍلىّ باصابعهم وجاءنى صديقى اٍيقاش ياسر يسلّم علىّ ويهنئنى وكأنّى قدمت من زيارة لهونغ كونغ .
لم أهتم بنظرات وأحاديث الطلاب , كنت أتابع نظرات تلك الفتاة التى بدأت تستولى على كيانى شيئا فشيئا . كنت أحاول أن أختفى عنها فتقابلنى مع صديقتها فى كلّ مرّة وتبتسم لى .
عرف أصدقائى منذ اللّحظة التى غيّرت فيها شكلى , وبدأوا يضحكون حين يرونها تمرّ ذهابا واٍيابا من حولى . لقد استولت الفتاة شيئا فشيئا على كيانى وصورتها لم تغادر قلبى , أصبحت أفكّر فيها فى كلّ وقت ولمّا قدمت يوما اٍلى قسم أمراض المعدة والامعاء لاجراء دورى فى المناوبة , مررت على المدرج كان خاليا اٍلاّ من القطط وكان يوم خميس شديد الحرارة والصمت مميت , مررت على المدرج قابلتنى صورتها أحسست بخنجر يمرّ على جسدى . لقد اٍستولت على مشاعرى كنت أريد أن أرى صورتها كلّ لحظة وأحيانا كنت أطيل التفكير فيها فاشعر باختناق .

وقد حدث أن تطرّق ممثل الطلبة يوما فى حديثه عن تغيبات الأساتذة وضرورة اٍدراج التربصات فى المصالح الاستشفائية وفتح بابا فى السياسة وكنت أوافقه فى كلّ ما يقوله وكان الطلبة يصفّقون عليه فيغضب ويقول : ( اٍنى لست فى حاجة اٍلى تصفيقاتكم اٍنّى فى حاجة اٍلى أن تقفوا بجانبى , اٍنّى لا أدعوكم اٍلى خوض حرب اٍنّى أدعوكم لنيل حقّ ) واٍذا بالفتاة التى اٍستولّت على كيانى تنهض وتغادر المدرج تحت أنظار الطلاب وعاد بى هذا اٍلى ذلك التصرّف الذى قامت به مع هتلير ومدام شارلو وأخريات أثناء توقف الدّروس فى السّداسى السّابق .
أعطى لنا أربعة أيّام للمراجعة فى بيوتنا, تعذبت , ومن شدة تفكيرى فيها ولهفى عليها وحتّى أنهى المشكلة بصفة قطعية , كتبت فى ورقة صغيرة هذه العبارة : ( بعد الامتحان فى المدرج (س) نلتقى ).
وأثناء الامتحان رأيتها تغيّرت كثيرا . حين أتممت الامتحان خرجت وبدأت أنتظر حتّى خرجت هى وكانت صديقتها فى اٍنتظارها , لم تلتفت اٍلىّ وذهبت توّا مع صديقتها ولا نظرة , بقيت مشدوها , لم أعرف ماذا أفعل .
تألّمت فى نفسى , و عندما كنت أتجوّل مع أصدقائى فى شوارع وهران أدخلت يدى اٍلى جيبى وأخرجت منديلا لأمسح به العرق واٍذا بالورقة تنسل وتسقط على الأرض , حاولت أن ألتقطها , قرّرت تركها لتعبث بها الرياح فى شوارع مظلمة .
فى تلك اللّحظات اٍسترجعت قواى الحقيقية وعلمت أنّ الفتاة أبعدتنى قليلا عن دينى وجعلتنى أنا اٍبن الأهالى لا أفكّر كثيرا فى أمّتى وفى الذين اٍختاروا أن يتخندقوا مع المستضعفين فى الأرض .

واٍشتقت اٍلى ذلك الشخص المتواضع فى لباسه لا يهتم بمغريات الحياة الدنيا , عيناه معلقتان بالله عزّ وجلّ قلبه كبير يضمّ عطف الفقراء والمساكين واٍشتقت أيضا اٍلى مدينتى ولمّا وصلت اٍلى البيت نزعت ألبستى ووضعت لباس أهل الكهف .
مرّت أيام من العطلة , لم يكن ثمّة جديد يلفت الانتباه فى مدينتى , كنت حين أخرج من المنزل أجد بعض الشباب يتأملنى كأنّى كنت فى بلد أجنبى وجئت لأقضى عطلة الصيف مع أهلى , حقّا فأنا مثل السنونوة لا أظهر اٍلاّ فى موسم الصيف .
اٍسترجعت بعض قواى الحقيقية لكنّ المشكلة الكبيرة أنّ الفتاة لم تغادر رأسى , ورحت أسترجع بعض المواقف كمن شغفته رواية يعيد قراءتها كلّ لحظة .
لقد تغيّرت كثيرا فى البيت , ورحت ألزم الصّمت , وكنت فى كلّ ليلة ألقى بنفسى كخشبة فوق سطح المنزل , أفكّر و أفكّر .
كانت الحرارة شديدة وحين أفرغ من صلاة العشاء كان جسدى كلّه يتصبب عرقا , كنت أستغل لحظة العناء هذه للدّعاء .
وقدم شهر الغمّ والهمّ ( أوت ) وقدم معه المغتربون بسياراتهم الجميلة الملصق فى مؤخرتها حرف ( ف ) مع بناتهم المتبرجات وتحوّل شباب المقاهى اٍلى مغامر شغوف بالاصطياد وحين تميل الشمس الى الغروب يظهر شبان قادمين من البحر محمّلين بأدوات الصيد والأكل وأجهزة الراديو تنبعث منها أغانى ( الراى) .

لم أغلق دفاتر المقياس وقرّرت أن أذهب كلّ يوم اٍلى الكلّية لأريح نفسى من كابوس اٍنتظار النتائج لقد كلّفنى ذلك عشرات الدنانير وظهر لى محمودى أخبث رجل فى العالم , كيف يعقل أن يذهب اٍلى الحجّ والأوراق مكدّسة فى مكتبه دون تصحيح ونفوس أحرقتها حرارة الصيف وعناء المراجعة وتعب السّفر ؟.
وانقلبت أسرتى علىّ واٍمتلأ رأسى بالمناوشات بين الوالدين وصراخ اٍخوتى وبكاء أبناء أختى وتحول بيتنا اٍلى ( لبنان) وأنا منزو فى صمت أسمع باذنى وأتحسّس بقلبى وأكتب بيدى . لقد حوّلتنى أمّى اٍلى دجاجة فذبحتنى وسلختنى وقطعتنى . كانت أمّى قاسية وكان غضبها من جاراتها تحوله علىّ رصاصا و طعن خناجر . لم أتعلّم من أمّى أىّ شيء , كان عطفها لا أعرفه اٍلاّ حين أقدّم بين يديها منحة الدراسة كاملة . تلك هى أمّى عانيت منها ما عانيت , لم تقدّم لى شيئا فى حياتى وحين أفكّر قليلا أقول : ( اٍنّ الألم يلد الابداع وأمّى كانت بالنسبة اٍلىّ كمن يصنع ريشة لأديب أو لوحة لرسّام أو قيثارة لفنان ) .

واٍستغرب سكان الحى حين سمعوا أنّ دحمان اٍبن الحاج بن عبد الله ترك منزلهم واٍنخرط فى صفوف الجيش , و اٍتفق الناس على أنّ أمّه وأخيه عبد الباقى هما اللذان دفعاه اٍلى الانخراط وقد لاقى الحاج بن عبد الله فى تلك الأيام من اللّوم ما لا قى . لقد عللنا ذلك اٍلى أنّ أمّه كانت تغير من زوجة النقيب الذى بنى ( فيلا ) دون أن يصرف سنتيما واحدا طالما أنّ الأسمنت والقرميد والماء يقدّم له مجانا من الجيش وبينهما حقد دفين .
وغارت أمى وحسبت أنّ دحمان على التو سوف يقلّد رتبة جنرال ويعطى له مسكنا وأجرة شهرية وسوف تتباهى به أمّه أمام سكان الحىّ ويبنى لها ( فيلا) فخمة تطلّ منها على أحواش الجيران ويشترى لأبيه سيارة بنصف ثمن من لدن الحكومة .
لم نعد نسمع موسيقى ( البوب ) التى كانت تنبعث من دكانهم , ولم نعد نرى اٍجتماعات الشباب يتزعمها دحمان يضحكها ويبكيها , حتى ذلك الديك الشجاع خرص وكأن بينه وبين دحمان صداقة . ومرّ أسبوع وحدث العجب ...دحمان يعود أصلع الرأس فى عباءة ...وحين دخل على أخيه المختار فى الدكان اٍرتمى أخوه على الأرض من شدة الضحك وأقبل عليه أصدقاءه : ( مالك دحمان ؟ ) فيجيبهم بكلمة واحدة : ( الميزيرية اٍخوتى الميزيرية ) .
دخل دارهم وظهر على أصدقائه فى المساء , وقصّ عليهم مغامراته : ( لقد أعطيناهم ألبستنا فاعطونا حذاء ثقيل وألبسة عسكرية و بدأنا فى التدريب الشّاق كأننا سوف نأخذ اٍلى معركة وفى الفطور قدموا لنا حبّة فلفل وبذنجان وخبز لكلّ فرد وكان المكلّف بالتدريب يقول لنا : من فضلكم فهمونى من أتى بكم اٍلى هنا , لماذا لا تذهبوا لبيع الكاوكاو , فاتفقت مع أصدقاء للهروب فلبست عباءة وهناك من أصدقائى من تسلّل عاريا سوى من ثبان وقفزنا من الحائط ).
كلّ الناس ضحكوا ولكن سلوك أخيه المختار حين يضحك كان يدهشنى , اٍنّه يفضل أن يرمى بنفسه على الأرض ليفرغ كلّ ما فى صدره .

ومنذ ذلك اليوم حين يلتقى شباب الحىّ بدحمان يجيبه بهذا المثل التاريخى : ( زعيط قفز من الحيط ) وتحوّل شارع فرول عبد الله ليلا اٍلى ساحة للعب كرة القدم واٍلتقى أبناء الحاج بن عبد الله وأبناء الحاج المطروش واٍنظمّ اٍليهم بعض من المغتربين وجلس المشجعون عند دكّان الحاج بن عبد الله يصفقون ويرقصون وكان اللقاء ينتهى اٍلى منتصف الليل, كانت لحظات جميلة يجتمع فيها أبناء الحىّ لا تفرّقهم ضغينة .

وعاد سطولو ورفاقه اٍلى عادة الانبطاح على الأرض وظهرت فى الحىّ سيارتان غريبتان , الخنفوسة لصديقى عبد القادر مراح و ذات الحصانين ( دو شوفو ) لأحد اٍخوة بلكدروسى .
أمّا الخنفوسة فهىّ التى أغرقت سكّان الحىّ ضحكا , اٍنّها سيارة اٍيطالية قديمة ظهرت فى بداية الخمسينات لا تسع اٍلاّ لشخصين ..كان مراح يستحى أن يظهر بها فى الطرقات العريضة أين ازدحام السيارات من كل نوع وكان يسلك طريق الغاب بين الأخشاش والشوارع الضيقة الخالية جاذبة وراءها قوافل من الاطفال وهم يصرخون : ( خنفوسة , خنفوسة ) .
لقد سألت يوما صديقى مراح اٍن كانت سيارته تستطيع أن توصله الى البحر بكريشتل فأجابنى: (اٍنّها تستطيع لكن علىّ أن أحملها على ظهرى حين أعود صاعدا اٍلى قديل ) .
ولعلّ السّؤال الذى لم يلق جواب عند الاطفال هو من أسرع وأجمل وأغلى سيارة ؛ سيارة سطولو , مراح أم لابروس ؟

وظهرت النتائج وكنت ناجحا كعادتى , لكن صورة الفتاة فى ذلك الصيف لم تغادر رأسى وبقيت تلازمنى فى كل مكان ,كنت بعد كلّ صلاة أدعوا : ( اللّهم لا تجعلها فتنة فى دينى ) .
ومرّة ذهبت اٍلى وهران , تجوّلت فى الشّوارع ثمّ قفلت صاعدا اٍلى محطة الحافلات وحين تقدّمت من شباك بيع التذاكر كانت جميع التذاكر قد نفذت وبقيت أنتظر واٍذا بالعون يقول : ( لقد بقيت واحدة نحو أرزيو ) لا أعرف كيف دفعتنى نفسى لشرائها رغم ثمنها الباهض , نزلت اٍلى ساحة وقوف حافلات النقل العمو مى وجلست بالقرب من محطة القطار المقابلة للحافلات أتامل المارّة ولمّا لاحظت حافلة قادمة أمرتنى نفسى أن أتدحرج قليلا نحوها واٍذا بى أرى الفتاة جالسة فى فستان أحمر اللون جميل تنتظر الحافلة لتنقلها اٍلى مدينة تلمسان وتبتسم لى .
واٍنقلبت أسرتى علىّ ثانية وتحوّل عالم بلكدروسى وبوزناد اٍلى عجينة واٍشتقت اٍلى الدّراسة لعلّها تريحنى من متاعب البيت والشّارع , ما أجمل الدراسة .
ولقد اٍعتدت فى تلك الايام على قراءة القرآن بعد صلوات الظهر والعصر والمغرب , كنت أستعذب لحلاوة قراءة الآيات ولشفافية الكلمات وبساطتها وقد قرّرت أن أقرأ القرآن فى ذلك الصيف على أساس شخص ملمّ بعلوم الطب و العلوم الفزيائية يقرأ للأول مرّة المصحف الكريم وحين أتممت قراءته كتبت فى مفكرتى : ( اٍنّ عالم الذرة يعرف جيدا الذرة كمعرفته لأمّه , ربّما للذرّة طعم ومشكلة العالم الوحيدة أنّه لا يستطيع أن يتذوّق طعمها ولكن حين يقرأ الكتاب فانّه يتذوقها فعلا ) .

لقد علّمنى ذلك الصيف أنّ كثيرا من الناس الذين فتحوا أعينهم بالأمس على الاسلام يريدون أن يكونوا اليوم خطباء وزعماء ومشايخ , اٍنّ كثيرا منهم اٍتخذ من الاسلام وسيلة لقضاء مصلحة ورواج تجارة واٍخفاء لشخصية حقيقية , لقد جعلنى هذا كلّه أثور فى السّاحة العمومية وأحاول نشر أفكارى وقد اٍنبهر الكهلة والشباب لهذا ( العالم الجديد ) لكن ما أكاد أن أفرغ ما فى جعبتى حتى أجد الناس اٍنفضّوا من حولى ولم يبق اٍلاّ بلكدروسى .

فصل الصيف ذاك تزامن مع انعقاد مؤتمر الفكر الاسلامى بمدينة معسكر و الذى طرح فيه موضوع ( الوحدة الاسلامية ) وأغلقت أذناى لأنى أحسست مع الأسف أنّ اٍجتماعات هذه الأمّة لا تختلف فى شيئ عن اٍجتماعات الحكام العرب . وفى تلك الأيام التى انعقد فيها المؤتمر لم تنفذ مسامعى الا كلمة ما أحوج العلماء والشباب أن يتعلمها , لقد سمعتها من الشيخ البوطى وهو يبكى : ( الاخلاص لله تعالى ) , كفانا تقربا من الحكام وبعدا عن الشعوب , كفانا من فتاوى تعطل العقل وتقيّد الأمّة وتثبت حكاما على الكراسى الى الأبد , فتاوى لا تخدم اٍلاّ مصالح أمريكا واٍسرائيل .
واٍنتهى المؤتمر على نفس طريقة القمم العربية .
واٍنتهى شهر ( الغمّ والهمّ ) وفرغت الشوارع من سيارات المغتربين ومن بناتهم المتبرجات واٍنطفأت لوعة المغامرة لدى شباب المقاهى وخلت الشواطئ من المحترقين .
اٍنتهى الصّيف واٍنتهى معه كلّ شيئ .

ووقف المختار عند دكانهم , نظر اٍلى الشّوارع ثمّ نظر اٍلى الشباب المتسكّع ثمّ صرخ كالرّعد :
( آه لو كنت أملك رشاش كلاشنكوف لهبطت اٍلى ( المير ) ورجاله وجمعتهم وأحرقتهم بالرّصاص) فانفجر الشباب ضاحكا .
لم نكن نتوقع أبدا أنّ سيارة سطولو سوف تقضى على الناس جميعا وتفرغ منهم روحهم من كثرة الضحك عليها , فقد أوقفها سطولو أمام بيته شهرا كاملا ولم يقلعها ولو مرّة . كان سطولو فى تلك الأيّام يعانى من أزمة مالية حادة وديون متراكمة ومن كثرة الالحاح عليه لتسديدها فقد وجد الحلّ فى أن ينزع أحد عجلات السيارة ويعطيها لصاحبه الدائن . وظهرت لنا السيّارة كانها قدمت من عالم آخر وسقطت أمطار لوثت الشّوارع والجدران وتحوّلت سيارة سطولو اٍلى شبح مخيف .
يقال أنّ بعض شباب الحىّ دخل غفلة اٍلى سيّارته فاكتشف داخلها وجود فئران وقسم أحدهم أنّه رأى فى داخلها ثعبان .
وتساءل الجميع : ( متى يختفى هذا الشبح المخيف ذى ثلاثة أرجل ؟ ) .
وفى صباح أحد الأيّام لم نجد السّيارة وتنفسنا الصّعداء . وعندما كان أطفال الحىّ يسالونه عن مكانها , كان يمتنع عن الاجابة حتى زوجته كانت تمتنع .

وجاء اليوم الكبير اٍنّه الدّخول الجامعى وقفزت من سريرى مهرولا اٍلى الكلّية وقابلتنى تلك الفتاة بفستانها الأحمر اللّون لعلّها تذكرنى باليوم الذى اٍلتقيت بها صدفة فى محطة نقل المسافرين ولم أكن أتوقع أبدا أنّها سوف تغيّر طريقها لتمرّ علىّ كلّ يوم بعد اٍنتهاء الدّرس مع زميلتها وأنا أنتظر الحافلة .
لم يعجبنى مقياس طب الاطفال منذ البداية وكانت أستاذة فرنسية هرمة تقدم لنا الدروس الخاصة بمراحل نمو الطفل ونماذج الأغذية التى يجب تقديمها له حسب سنّه وكانت دائما تظهر صليبا كبيرا على صدرها . كانت الهرمة ضعيفة النطق بالفرنسية دروسها غير منظمة ولعلّ أضعف أستاذ عرفته فى حياتى الدراسية هى الهرمة جاكلين وكنت أتعجب حين نأخذ اٍستراحة اٍذ يهبّ اٍليها الطلاب ويلتفون حولها وكأنها نزلت من السماء .
لقد أتعبتنى دروس جاكلين وغيابات الاساتذة وتهديدات رئيس المقياس صنهاجى ولن أنسى أبدا سلوك صديقى اٍيقاش ياسر تجاهى , كان حقودا حسودا كلما أخذت درجة عالية , لقد طلب يوما من الله أن يتوفانى حتى ياتى اٍلى بيتنا ويأكل الطعام .
كان اٍيقاش ياسر صورة مصغرة لبعض المشارقة الذين يعيشون فى بلادنا, يفتخرون بأوطانهم ويتكبرون علينا ويعرفون كيف يتقربون من ذوى الامتيازات . لقد اٍستطاع بعضهم بحيل خاصة أن ينجح فى الدراسات العليا ويرتقى فى المناصب ويشكّل عصب ( مشرقية ) فى الجامعات والمستشفيات والمعاملات التجارية . ولا أدرى لماذا كان أغلب المشارقة فى الكلّية يتكتلون وينعزلون وكأنّ الجزائريين ليسوا عربا , وكانوا ينصحون بعضهم البعض بعدم الزواج بجزائريات لأنّهن قبيحات ,وقبل الامتحانات ياتون بالهدايا للاساتذة كما يجدون سهولة فى النّجاح رغم ضعفهم الشّديد . ويعتبر الاستاذ عياش السّورى الأصل واحد من هؤلاء .

لقد اٍحتلّ ( الشّارف ) بائع السمك مكانا خاصّا فى قلوب أطفال الحىّ والسّبب كلّه أنّه حين ينادى بأعلى صوته : ( آيا الحوت ) كان نداءه يخرج من صدره كقطعة موسيقية جميلة تهزّ الوجدان خاصّة الاطفال . كانوا كلّما رأوا الشارف قادم بعربته الصغيرة لبيع السمك يختبئون وينادون على طريقته ( آيا الحوت ) ممّا يثير غضب هذا الآخير فيحمل الحصى ويجرى وراء الاطفال . كان الشّارف جدّ عصبى وكانت أحيانا تنتابه نوبات الصّرع فيسقط وكنا نخاف أن ينقضّ على أحد الاطفال فيزهق روحه .
ولم تمرّ أيّام حتّى اٍندهشنا , الشّارف المسكين يموت . لقد حزنّا كثيرا لوفاته , كان رجلا طيبا همّه الوحيد هو العمل مهما كان نوعه وهذا ما جعلنى أقول لأخى الصّغير الذى كانت تعجبه ترنيمة الشارف : ( لو كان الجزائريون مثل الشّارف يعملون ولا يحتقرون نوع العمل لتقدّمنا ).

كان صدرى يحرقنى كلّما فكرت فيها وكانت حين تهبّ رياح الخريف يكاد قلبى يخرج من صدرى و كنت لمّا أخرج من البيت أكاد أسقط , لقد مرضت , لقد تغيرت , لم أعد أشعر بدفء الشمس ولا بحركات الناس كاننى فى عالم آخر وكنت حين أتحدث طويلا مع الأصدقاء أكاد أختنق .
فى الصباح كنت حين أستيقظ من النّوم أجد نفسى كانّنى مكتف بحبال وحين أغلق باب منزلنا أشعر كأنّى سوف أسلك نفقا تحت الأرض , كنت ميّتا لا وجود للشّمس فى حياتى لا وجود لحركات السّيارات الكلّ معطل , كنت أحسّ كانّى مصاب بالرّبو أو باٍفراط فى الحساسية , كنت ميتا .
لقد ألزمنى كثيرا أصدقائى فى الكلّية للتحدث معها حتّى أقضى بشكل نهائى على الألام والأحاسيس التّى أعانى منها . فكّرت فى الأمر مليا وقرّرت أن أتكلّم معها خارج المستشفى بعيدا عن أنظار الطلاب . انتظرتها يوما خارج المستشفى وفاجاتها فى مكان خفىّ وقلت لصديقتها اٍنّى أريد الحديث معها ولقد سمعتنى الفتاة وقالت لها زميلتها باٍنّى أريد أن أكلّمها فردّت عليها وأنا أسمع بالفرنسية ( لا أستطيع لا أستطيع ) واٍنطلقتا تعدوان . ولقد شعرت وهى تنطق : ( لا أستطيع لا أستطيع ) كأنّها تقول لى : ( ممنوع أن تتكلّم معى أيّها المسكين ) .
بقيت حائرا وحين حدثت زميلى زقرار الشيخ الذى كان ينتظرنى على بعد أمتار وينصحنى لملاقتها بدأت أكرهه وأكره تغيرات أطواره بين لحظة وأخرى كالحرباء .
كان هناك شعور خاص ينتابنى نحو هذه الفتاة كلّما غضبت منها اٍذ أشتاق اٍلى الهجرة وأقلق على اٍنهاء الدراسة لماذا فعلت هذا ؟ لأول مرّة أقوم بهذا التّصرّف فى حياتى , ولم أقم به اٍلاّ بعد ضغط نفسى شديد ودفع قوى من طرف الزملاء . لقد ندمت فيما بعد ندما شديدا.
فى ذلك اليوم الذى كنت فيه محطما نفسيا ومرهقا بدنيا , لاحظت فى مدينتى طوابر كبيرة مدهشة أمام المخابز ومراكز توزيع الأسمدة وأسواق الفلاح وكأنّ البلاد مقبلة على حرب , وكانت تزداد يوما بعد يوم مع تدخّل رجال الدرك والبوليس وعمّت هذه الظاهرة كامل مدن البلاد .

وجاءنا أخى حبيب صارخا : ( تعالوا تعالوا اٍنظروا ماذا يبثّ فى الشاشة ) , تركنا عشاءنا وأقبلنا على الشّاشة , الشّعب فى الجزائر العاصمة ينفجر فى مظاهرات عظيمة , اٍنه لم يطق الصمت ولم يطق الكلام . لقد هاجم مؤسسات الدولة ليدكها دكا . انه سلاحه الوحيد حين تغلق جميع الأبواب فى وجهه فالعنف كما قال ذلك الألمانى هو آخر لغة نستعملها لافهام العصاة المتجبرين .
وأعلن رئيس الدّولة حالة الطوارئ وأخرج العساكر من الثكنات بدباباتهم وطائرات الهيليكوبتر وأذن للجنود المعبئين المؤدين لواجب الخدمة الوطنية لاطلاق الرصاص على المتظاهرين .
اختفى الأصلع مدنى عامر من الجريدة المصوّرة خوفا على نفسه فالجبهة لن تحميه ورجالها منشغلون باخراج أنفسهم من الورطة سالمين قبل كلّ شيئ . وظهرت فى مكانه اٍمراة تركت زوجها وأبناءها بدون عشاء , حتى مقدمات البرامج اختفين .
وراحت الاذاعة تبثّ أوامر القيادة العامة للعسكر واٍختفت هوليوود وعوضت بأناشيد وطنية وأفلام ثورية .
قلت لأبى : ( أنظر اٍنّها الثورة الشعبية حين تهب فى الشّوارع كلّ الرؤوس الخبيثة تهجر أبراجها العالية وترمى فى مزبلة التاريخ ) .

لقد عجبت كثيرا من سلوك أبى فى تلك الأيّام , كان يجرى ليطلع على الأحداث فى التلفزة ومحطات الاذاعات العالمية والجرائد كمن مسّه سلك كهربائى مرتفع الشّحونة وكان يطير بالفرحة حين يسمع أن العسكر ما أن خمد مظاهرة فى بلدية بلكور حتى اٍنطلقت أخرى فى بلدية باب الواد ولم ينم تلك الليالى عندما لحقت الانتفاضة الشعبية الجنوب الجزائرى .
وفى صباح أحد أيّام شهر أكتوبر قصدت وهران حتى أرى بعينى مجرى الأحداث , بالطبع اٍمتنعت حافلات النقل العمومى عن العمل فاخذت سيارة أجرة ونزلنا عند مدخل المدينة وبدأت أمشى على طول ثلاثة كيلومترات وكنت أرى العساكر فى كل مكان مسلّحون , مدججون بأكياس من الرصاص والدبابات الغريبة الأشكال , ويقال أنّه حين كان يقع الاشتباك يطلق الجنود الرّصاص فى السماء لتخويفهم واٍذا بالرّصاص يضرب نوافذ العمارات والمطلّين على الشرفات فيسقط هؤلاء كالذّباب .

وقد حدثنا شاب جامعى أنّه رأى ضابطا فى الجيش لحق طفلا ( من أطفال الحجارة ) ورفع مسدسه نحوه وضغط فأرداه قتيلا لكن هذا الشعب وهو يتامل المنظر سقطت أمامه الأقنعة والرّموز وملأ قلبه الغضب فهبّ اٍلى ذلك العسكرى وحمله على ظهره وأصعده اٍلى طابق فى عمارة ورماه من أحد النّوافذ .
وتعجبت من أفكار صديقى الملتحى سمير تميزار , كان حقودا على الشعب والاطفال خاصة , كان يتمنى لو يقضى على هذه (الجراثيم ) وكنت أتعجب وأحتار لسلوك مثقف مسلم , لكن عرفت فيما بعد أنّ والده محافظ فى الشرطة .

كان الكلّ عاطل اٍلاّ الافواه , وظهر الاطفال فى الشّوارع واٍمتلات السّاحات العمومية بالتّجمعات واٍنتشرت فرق الجيش فى كلّ مكان واٍستطاعت شيئا فشيئا أن تخمد الانتفاضة الشعبية .
لقد أضحكنى كثيرا سلوك رئيس بلديتنا . ففى تلك الأيّام لم يظهر على الناس وأمسى يبيت فى منزل أحد أصدقائه خوفا على نفسه وكان يهتف لمناضلى القسمة : ( اٍحذروا جيّدا , اٍحملوا القضبان الحديدية والعصى , لا تتركوهم يقتربون من القسمة , غيّروا ألبستكم ولا تكشفوا أنفسكم , كونوا متجمّعين ولا تتفرّقوا ) .
ولقد قرأت فى تلك الفترة مقالا كتبه كاتب ياسين فى جريدة ( لومند ) الفرنسية ونقلته عنها مجلة ( أحداث الهجرة ) , يقول كاتب ياسين أنّه أثناء أحداث أكتوبر حطت سفينة فى ميناء الجزائر محملة بكلاب البوليس قادمة من المانيا وقد وجد رجال البوليس مشاكل كثيرة فى دفع الكلاب نحو المتظاهرين فهذه الكلاب مدرّبة فى أرض غير هذه الارض وتفهم لغة غير هذه اللغة وتعرف وجوه غير هذه الوجوه فما كان على هؤلاء اٍلاّ اٍستدعاء متعاونين ألمان لتلقينهم تقنيات القمع بواسطة هذه الكلاب .

ولقد جلست بالقرب من شيوخ فى الساحة العمومية للمدينة وكنت أستمع اٍلي أحاديثهم حول الاحداث المروعة التى تعيشها البلاد . وأعجبنى شيخ هرم حين قال : ( اٍنّه انتقام الدالية ) أى أراضى الكروم , فضحكنا , اٍذ فهمنا ماذا كان يقصد وكان على حقّ اٍلى حدّ ما ( فالدالية) هذه التى كانت تعطيه أجرته الشهرية تهبه العنب بمختلف أشكاله والزبيب ومعجون العنب كما تعطيه أوراقها ليطعم أرانبه وجذورها ليسخّن عليها فى أيّام البرد القارس , هذه (الدالية) رمز حياته حولوها اٍلى فيلات و أماكن للّهو فماتت أرانبه وحطمه البرد القارس ومزّقه الجوع وشرّده عطل أبناءه .
ومن النّوادر التى كان يتداولها شباب المدينة فى تلك الأيّام هو أنّ شباب مدينة من مدننا تدمّر من الوضع المزرى الذى آلت اليه البلاد فانزل علما كان مثبتا عند مدخل سوق الفلاح ورفع مكانه كيس بطاطا .

ولقد أضحكتنى أمى ونحن نحكى ليلا عن الأحداث اٍذ أقبلت علينا بمحفظتى ونظارات وسروال (جين) تحدثنا بالفرنسية وتطلب منّا اٍرشادها الطريق المؤدى اٍلى الكلّية وسالتنى اٍذا كان لدىّ الوقت لأرافقها ..كم ضحكنا .
سألها أخى مستهزءا : ( هل تعرفين أيتها الشابة المتعلّمة من أين دخل الاستعمار الفرنسى اٍلى الجزائر ؟ ) فأجابته : ( من دوّار حسيان طوال ) .
وأقبل اٍسماعيل اٍلى دارنا قبل خطاب الرئيس بلحظات فتحدثنا عن البلاد وعن البلادة . خطب الرئيس وأعلن عن جملة من الاصلاحات وعاد الناس اٍلى حياتهم العادية بعدما أفزعتهم الدّبابات والمظاهرات الصاخبة التى لم يروا مثلها اٍلاّ فى شاشة التلفزيون فى الشيلى والسلفادور , لا أعرف هل هى التى خرجت اٍليهم من الشاشة أم هم الذ ين أخرجوها ؟
وبعد سنوات اٍستطعت أن أجيب عن هذا السؤال .

تكوّنت حكومة ورئيس لها . قيل للشعب أنّها حكومة ميدان . على كلّ حال الأيّام هى التى تفصل فى الأمور .
شرعت الحكومة الجديدة بقيادة قاصدى مرباح فى العمل وطرحت برنامجها على المجلس الشعبى الوطنى وأحس نوابه بالخطر الذى يداهمهم ربع قرن وهم مجمدون لا يعرفون اٍلاّ رفع الايدى والتفكير فى أخر الشهر لتسلم الأجرة وفى عطلة الصيف .
لقد فكرت كثيرا فى أحداث الخامس من اكتوبر .
وها أنذا أجدها تنتظرنى فى الكلية بفستانها الأحمر اللون ومحفظتها البيضاء تنظر فى وتبتسم , كنت أهرب كلّما قابلتنى فبالنسبة لى كان جسدها ملطخا بدم الأحرار الذين قتلوا فى الشوارع وعذبوا فى السجون , لم تفهم جيدا ولكن اليوم الذى لبست فيه سروال ازرق اللون وصنعنا العلم الذى تكلّمت بلسانه فى الخامس من أكتوبر , أدركت محاولتى واٍندهشت لدرجة ذكائى فنزعت فستانها الأحمر . لقد احتارت أمّى من ضعفى ومرضى واٍحتار أبى حين كان يرانى جالسا بالقرب من المدفاة لا أغادرها اٍلاّ نادرا . كان الخروج بالنسبة اٍلىّ الحبال التى تكتفنى , النفق المظلم الذى سوف أسلكه الربو الذى سينتابنى , علامات الارهاق والاختناق التى سوف تصيبنى كلّما فتحت باب المنزل .
كنت ضائعا فى عالم مظلم لا أشعر فيه بالاصدقاء , بحركات الناس , بكلام الاستاذ , وكلّما كثرت فى الحديث كلّما شعرت بشيئ يذبحنى يقطعنى كنت أشعر أنّ حياتى سوف تتوقف فى أحد الشوارع ولن ألحق فصل الصيف .
ولن أنسى أبدا ذلك اليوم الذى ركبت فيه الحافلة وسقط من يدى دينار فانحنيت لأخذه وشعرت كأنّ طنّا من الحجارة وضعت فوق ظهرى ورفعت رأسى واٍذا بى أشعر بدوار .
بدأت ألزم البيت كثيرا حتى لا أسقط يوما فى أحد الشوارع فأحمل ألى المستشفى وبعض الحسّاد والحقاد يضحكون على . كنت أكره أن أذهب اٍلى الدراسة وكدت أن أتوقف .
وعندما أعطى لنا أسبوعا للمراجعة اٍنزويت عند المدفاة واٍحتارت أمّى واٍحتارأبى . لم أطالع , كنت آخذ حافلة فى الصّباح وأتجول فى شوارع وهران المظلمة دون توقف كالمجنون حتى غروب الشمس .
ويوم الامتحان دخلنا اٍلى المدرج , وقابلتنى تبتسم وضعت بين قلم يظهر لى كشخص كبير وورقة اٍمتحان كبحر عميق وأسئلة كمسامير تدقّ رأسى وقاعة مظلمة كأنّها زنزانة تحت الأرض .
لقد خرجت الاول من المدرج كارها , لم يهمّنى الا متحان كنت أفكر فى حياتى , محال أن أعيش سوف أموت .
وعندما وصلت اٍلى البيت اٍنزويت عند المدفاة , لقد أصبحت حياتى بها أعيش ولو تعطلت فى ذلك الوقت لتوقفت حياتى .

وفى تلك الأيام التى كانت فيها حالتى النفسية والبدنية أشبه بامّة تبحث عن نفسها فى وسط عالم لا يرحم , عمّت مؤسسات البلاد الاضرابات اٍثر المصادقة على الدّستور الجديد الذى يسمح بحقّ الاضراب وبالتعددية السّياسية , وبدأ مدراء المؤسسات يستقيلون الواحد تلو الآخر تحت ضغط النقابات العمالية وقد اٍحترت من مؤسسة فالسة يقوم عمالها بالاضراب من أجل المطالبة برفع الأجور . ولم تتوقف موجة الاضرابات على المؤسسات الصناعية فحسب بل وصلت حتّى اٍلى مقرّ الولايات والوزارات .
لقد قلت لأخى مخاطبا ونحن نتحدث عن موجة الاضرابات وحقوق العمال : ( اٍنّنا فى فوضى لا تطاق , اٍنّ الاسلام فى مستوى أعلى منّا , اٍنّنا فى وضع فكرى و حضارى اخفض من منحنى الاسلام , ألا ترى أنّ أمريكا وأوروبا أكثر فهما لديننا وأقدر على تطبيقه , ألا تشعر أنّ المسلم الامريكى أحسن فهما للاسلام من المسلم العربى وأعتقد أنّ أمريكا وأوروبا قد اٍستوعبتا الاسلام منذ قرون فطبقتاه فنجحتا ).
اٍنّها صورة حقيقية لوضع متازم تغافل عن تربية الانسان والارتقاء به اٍلى المستوى الرسالى الحضارى وجعله يهتمّ أول ما يهتم بما يدخل بيته وبطنه فأصبح مثل ما يخرج منهما .

وفى وسط هذا الغليان السياسى الذى بدأت تشهده البلاد , اٍنعقد اٍجتماع للمجلس الوطنى الفلسطينى فى الجزائر و تمّ تأسيس دولة فلسطين وحضر المؤتمر يهود ( دعاة السلام ) وأوّل من اٍعترفت بدولة فلسطين هى الجزائر وقد تلتها دول كثيرة فى اٍفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا اللاتنية وقد نجحت بلادنا فى اٍسترجاع صورتها القديمة التى وسّختها أحداث اكتوبر .
وخلال المؤتمر تعرفت على رجل سياسى محنك , اٍنّه بسّام أبو شريف . أعجبنى كثيرا ردّه على أسئلة اليهود الفرنسيين الذين كانوا يهتفون له من خلال برنامج خاص فى اٍذاعة فرنسا الدولية اٍذ اٍستطاع بحكمة ودقة فى التّحليل كيف يؤثر على الرأى العام الفرنسى ويظهر حقيقة المآساة ويكشف عن ممارسات اليهود فى اٍسرائيل .

وظهرت نتائج مقياس طب الاطفال ورأيت زقرار الشيخ واٍيقاش ياسر عند باب الكلية يضحكان ذهبت توّا اٍلى قائمة الأسماء , كنت من الخاسرين , فشلت , خرجت وجلست وحيدا بعيدا عن الكلية ورحت أتأمل الناس , الطلاب , المستقبل , البلاد , الحياة , وحاول كثير من الأصدقاء الاقتراب منّى فكان زقرار ينصحهم بتركى فى حالى .
وعندما دخلنا المدرّج خرجت الفتاة وهنا تحطمت , اٍنّها تمسّ مباديئ ...وفى تلك اللّحظة كرهت الدراسة وكرهت الأصدقاء وعدت أشتاق اٍلى المدفاة واٍسماعيل حتّى يخفّف عنّى ألامى والأمطار التى اٍشتاق اٍليها قلبى الضمآن منذ أن دخلت هذا العالم المظلم , وبقيت أشعر كأنّ حبال تكتّفنى و تضيّق على صدرى وبقى النفق المظلم وبقى الاختناق وقضيت أسبوعا فى البيت عند المدفاة الحبيبة وكنت أحمل قطع القماش وأضعها على صدرى حتّى تخفّف من لوعتى واٍستعملت مختلف الأدوية حتى المهدءات لكن دون جدوى .

بدأنا فى مقياس جديد , اٍنّه مقياس أمراض النساء والولادة , لم أتخلّص من آثار المقياس السابق ولم أنسى ما فعله فىّ صنهاجى فى قسمه الخاص عندما أردت أن أطلع على ورقتى . على كلّ حال سوف أعيده فى عطلة فبراير .
سقطت أمطار غزيرة لكن قلبى بقى جافا , كنت أحيانا أمشى فتمرّ علىّ شاحنات ( هينو ) الثقيلة أو حافلات النّقل الكبيرة , فأشعر كأن مرّت علىّ ذبابة .
أخذنا أسبوعا للمراجعة فى بيوتنا , وقضيت تلك العطلة القصيرة بالقرب من المدفاة أنصت اٍلى حكايا أمّى عن شبابها . لقد أضحكتنا كثيرا , قالت لنا أنّها لمّا تزوّجت حملت فى سيارة ( دوشوفو) يملكها اٍسبانى وكانت تمشى وراءها قوافل من العربات تجرّها البغال . كانت أمّى محضوضة فهىّ الفتاة الوحيدة التى حملت أثناء زواجها فى سيارة , أمّا أترابها فقد كنّ يحملن على عربات , وكم ضحكنا على تلك الفتاة التى تزوجت آنذاك وحمّلت فى سيارة الاسبانى لتنقل اٍلى بيت زوجها واٍذا بالسّيارة تتوقف فى نصف الطريق بسبب عطب ميكانيكى وقضت الفتاة ذلك اليوم وهىّ محملة على ظهر قريب لها حتى بيت زوجها .
ومرّة جاءتنى أمّى بخبر غريب . لقد قالت لها ( كاهنة ) : ( اٍبنك محمّد , ماله هكذا أسود الوجه يمشى ضائعا فى الطرقات ممزّق , مريض , اٍذا اٍستمرّ على هذا الحال فسوف يموت , اٍسرعى واٍفعلى له شيئا ).
اٍستغربت من الخبر وقرّرت أمّى أن تتكفل بى أمّا أنا فقد اٍستسلمت للأمر الواقع . وأجرت علىّ أمّى أشياء غريبة أراها لأوّل مرّة فى حياتى . ووقفت وأمرتنى أن أضع رجلاى فوق الرّصاص المسخّن أخذت أمّى الرّصاص وأظهرت لى ثقب كبيرة ومسامير وأشياء أخرى وكرّرت نفس العملية ثلاث مرات .
لن أنسى أبدا كيف تغيّرت حالتى بين لحظة وأخرى , لقد تحوّل كلّ شيئ , اٍنقطعت الحبال , ذهب العالم المظلم , ذهب النفق العجيب وظهر لى جبل ( كهر) وسحابات قادمة تظلّله وعصافير تزقزق تصل مسامعى وسيّارات تمرّ من حولى تبعث فىّ شعورا خاصا وضجيج الاطفال فى الشوارع يصبّ فى داخلى ماء الحياة .

لقد تغيّر عالمى كثيرا كأنّى ولدت من جديد . صدرى لم يحرقنى أبدا والحبال التى كنت أشعر كأنها تحزمنى اٍنقطعت اٍلى الأبد , لقد تغيرت كنت ميّتا أمّا الآن فأنا حىّ . لقد أحيتنى أمّى .
ويوم الامتحان , قابلتنى تلك الفتاة وهى تبتسم لى , لم أشعر بوجودها تماما وكأنّى لا أعرفها ولم أرى بوجهها من قبل . واٍنطلقت بعد ذلك أعدو نحو المنزل , اٍنّها عطلة فبراير , لم أفرح أبدا فى دراستى بمجيئ عطلة كتلك . لقد كنت فى حاجة اٍلى راحة كبيرة , لقد كنت ميتا أمّا الآن فعلىّ أن أدفع بنفسى فى شوارع مدينتى لتنعم بحياة فقدتها منذ أمد بعيد .
ورحت أشقّ مع اٍسماعيل الشوارع , نتحدث عن الوطن , الاسلام , الأدب . كان اٍسماعيل يلقى علىّ آخر ما كتبه من شعر اٍنكليزى , وخلال تجوالنا كنا نشترى كيلوغرام برتقال , نملأ جيوبنا نتبادل أطراف الحديث وناكل .
لقد ظهرت لى قديل فى تلك العطلة أجمل مدينة فى العالم , هذه المدينة التى شقت رأسى بمصائبها وهمومها حتى كادت تجننى .

أدخلنا اٍلى قاعة الامتحان , دخل علينا صنهاجى بضحكاته الصفراء وطرح علينا ثلاثة أسئلة , لم تطرح الصليبية جاكلين سؤالها ولم نرى وجهها القبح اثناء الامتحان , فحمدت الله واٍنطلقت فى الاجابة . لم أعمل جيّدا وقلت فى نفسى مستهزءا : ( اٍذا لم تنجح فى هذا الامتحان فاعلم أنّ المقياس ربّما يكون له علاقة بمستقبل حياتك كحرمانك من اٍنجاب الأطفال أو نحو ذلك ) .
هل ساتخلص من الهرمة جاكلين ومن ( الشابة ) الزهوانية رئيسة مصلحة طب الاطفال وهل سيظلّ صنهاجى يلاحقنى بشارب جدّه الدّاى حسين ؟
اٍسترجعت بعض قواى وتحسّنت صحتى كثيرا وأول ما قمت به فى البيت أن شرعت فى الكتابة , نعم الكتابة , اٍنّها حياتى , اٍنّها الشارة التى ربّما تميّزنى عن بقية الطلاب , علىّ أن أكتب .
فعلا كتبت , كتبت عن البطل الشهيد , عن حياته , عن مصرعه , عن الشهداء , عن الأرض , عن الأخضر والأبيض والأحمر.
والتزمت البيت , ورحت أكتب , فى الصباح , فى المساء , فى الليل , وفى ظرف أسبوعين اٍنتهيت من وضع الحجر الأساسى لمشروع طويل , لكن ماذا افعل ؟ بعثت برسالة اٍلى قسم النّشر بالمركز الثقافى الجزائرى بفرنسا , كنت أعرف فقط هذا العنوان واٍنتظرت الجواب .

لقد تغيّر حيّنا كثيرا , ولم تعد تدبّ فيه الحيوية والمودّة , كان الحسد يمزّق القلوب وكانت النّميمة تفلس الرؤوس وكانت السّخرية تحطّم الأرواح . لكن هل تغبير الشّارع الجزائرى بعد أحداث الخامس من أكتوبر وبعد اٍستفتاء نوفمبر واٍنتخاب رئيس الجمهورية وبعد تغيير الدستور وما رافقه من اٍصلاحات سياسية , هذه الاسئلة كنت أطرحها على نفسى فى كلّ لحظة بعد أن أدقق النّظر و التفكير فى عالمى الأول ( نفسى ) ثمّ عالم البيت فعالم مدينتى ثمّ عالم الكلّية وعالم وهران , كنت أجيب : ( فى بلادنا لا تمارس الديموقراطية اٍلاّ فى المناسبات . اٍذا كتب على الشّعب اليهودى أن يعيش مشتتا مضطهدا فقد كتب على الشعب الجزائرى أن يعيش معذبا فقط يعذّبه آخرون ويعذب بعضه البعض ).

لم تسقط الأمطار كامل فصل الشتاء فبعثت وزارة الشؤون الدينية أوامرا للائمة المساجد للقيام بصلاة الاستسقاء فتحرّك الائمة وتحرك المسلمون , اٍنّهم يتحرّكون لأوامر الأشخاص لا لأوامر العظيم الجبار واستجاب الله لعباده ( المخلصين ) ولحكمته تعالى كانت الأمطار تسقط خفيفة ليلا فقط وفى الصباح تطل علينا شمس محرقة وحين ترفع رأسك نحو السماء تجدها صافية زرقاء ولا غمامة . انها حكمة الله مع مسلمى القرن العشرين ولولا رحمته الواسعة لأسقط علينا ليلا حجارة ونهارا جرادا .

وظهرت على الساحة السياسية ما يسمى بالحساسيات واكتشف الشعب الأحزاب لأول مرة , فتعرف على حزب الطليعة الاشتراكية الشيوعى وحزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية اللائكى والحزب الاجتماعى الديموقراطى , الى جانب حزب القوى الاشتراكية .
ولقد تعرفت فى تلك الفترة على أشخاص يملكون أموالا طائلة تعد بالمليارات وكنت أنظر الى ثقافتهم أكثر من أموالهم فأجد نفسى أتحدث مع عقول عصافير وكم حزنت على نفسى وأنا أتأمل أملاكهم العظيمة وكانت تقابلنى وضعية أسرتى المزرية فازداد حنقا, وكنت أدفع ضريبة التشنجات النفسية والانفعالية غاليا .
لقد بدأت ألاحظ مع العصر الجديد الذى تشهده الجزائر تستر العديد منهم تحت عباءة الاسلام , و بدأت أكره أن ألقن دروسا فى الدين والحياة من قبل شباب أو كهول . لقد وجدت نفسى ذرة تائهة لا حول لها ولاقوة والأفكار الغزيرة التى تملأ رأسى ضرب من الوهم وخلواتى الليلية قهر لهذه النفس الضعيفة ..لقد كرهت وجودى .
واشتقت الى الدراسة لعلها تريحنى من رؤية تلك الوجوه التى شوهت الدين والوطن . ما أجمل الدراسة وما أجمل لقاء الأصدقاء .
لقد كتب الله لى أن أكون سعيدا فقط فى الدراسة أما غير ذلك فهو شقاء . لكن الشيئ الذى مرغنى فى وحل النزاع مع ضميرى هو نظرة اللاخرين الى المتعلم واحتقاره , لقد أصبح الزمن زمن ( القفز) فوق الآخرين فى أسرع وقت وبكل الوسائل .
لقد تعلمت من تلك العطلة أشياء عظيمة , لم أهتم فيها بمناقشات الدستور ولا بنقاط المقياسين اللذان كنت ناجحا فيهما , كنت مهتما بشيئ واحد وهو حركة الأشخاص وتفكيرهم فى هذا المجتمع الممزق أشد التمزق .

ولم تمر أيام حتى وصلنى رد من المدير االعام المكلف بالنشر فى باريس , وقد تحصلت على العنوان بواسطة صديقى اسماعيل وقبل مخطوطى وأعطانى بعض النصائح لكن كنت أرى مشكلة أخرى فأنا لا أملك فرنكا فرنسيا واحدا ودار النشر تشترط دفع مليون ونصف المليون سنتيم كتعويض لعملية النشر والاشهار . ماذا افعل ؟
تحصلت على عنوان المؤسسة الوطنية للكتاب لكن كنت أشك فيها , فالشكاوى التى يرددها كتابنا عن هذه المؤسسة الحكومية عديدة ونشر كتاب فى بلادنا يستغرق فى بعض الأحيان سنتين ,انها المشكلة ويوم واحد قبل الاستفتاء على الدستور , نشرت صحيفة آفاق حوارا مع ممثل جبهة التحرير الوطنى وحوارا مع على بلحاج ممثل التيار االاسلامى وحوار مع ممثل عن اللبراليين . وقد اتفق الجميع على الاستفتاء بنعم على الدستور الجديد يوم الانتخاب الا على بلحاج , فقد قرر أن يمتنع عن التصويت .
لقد شهدت البلاد وهى تقوم بتجديد قواعد الحكم غليانا سياسيا ومشاحنات عنيفة . أصبح كل( حزب بمالديهم فرحون) . وظهر للعيان قوم يريدون بيع الجزائر الى فرنسا وقوم يريدون بيعها الى الاتحاد السوفياتى المنهار و الصين وقوم يريدون أن يستجيبوا لمطالب جميع فئات الشعب على وتيرة ( ما يطلبه المستمعون ) وشرذمة قليلة تريد ربطها بماضيها الأصيل وبيعها لله سبحانه وتعالى . وألحقت جميع أوصاف العالم الغربى للاسلام بالجماعة الاسلامية : العنف , التطرف , التزمت ..وتذكرت بيت خالد لشاعر خالد :

الجزائر قطعة ذهبية **** الشعب حررها والرب مضى

وصرخت فى نفسى اننا نتمزق . وتذكرت مقطعا شعريا كتبته بالفرنسية : وطنى أحبك , لا تبحث عن حبى , هاهو قلبى , هاهى أوراقى , هاهو اسمك , أحبك .

بعد الاستفتاء على الدستور وبعد الموافقة عليه جلست فى جماعة فدار الحديث عن الدستور وعن الجمعيات السياسية واذا بفرقتنا تتشتت وتتعارك وبقيت صامتا وحتى لا أظهر أى اتجاه نهضت وأشتغلت بأشياء أخرى . كاد النقاش يتحول الى معركة بالقوارير والكؤوس الموضوعة على الطاولة ولا شك أن مثل هذا سيقع كثيرا فى الشوارع والقاعات وحتى فى المساجد وقد بدأ يحدث فعلا .
وبعد الاستفتاء سكت الكل وعدنا الى زمن الوصل بالأندلس وماتت الديموقراطية وان وجدت فهى لضرب هذا بذاك والتفرج عليهما . لم يتغير الأصلع مدنى عامر مقدم نشرة الأخبار فى التلفزيون ولم يتغير الشارع الجزائرى ولم يتغير المواطن الجزائرى .

لقد خصصت الصحف حيزا كبيرا للهجوم على موقف على بلحاج من المرأة فى حواره مع جريدة آفاق قبل موعد الاستفتاء ودفع بالنساء للخروج يوم 8 مارس الى الشوارع رافعة شعارات منددة ( بالتطرف ) و ( الظلامية ) و ( الرجعية ) وسمعت من مصادر موثوقة أن جمعيات سياسية للنساء قد أعتمدت الهدف منها التصدى لزحف الاسلاميين على السلطة . ولا أعرف كيف دفع بالنساء للخروج فى مظاهرة كبيرة مستغلة فرصة العيد العالمى للمرأة للهجوم على الاسلام ورجاله ولم يدفع بهم للهجوم على الحزب الشيوعى وأفكاره أو على محاولات الانفصال التى تطالب بها بعض الحركات الأمازيغية والأحزاب الاقليمية . لماذا تصريح اسلامى بسيط يثير زوبعة بينما فى الجهة المقابلة محاولات لبيع الوطن فى المزاد ولا كلام ولا حركة .
لقد شعرت أن هناك أشخاص يعملون فى السر ربما لهم علا قة بأحداث أكتوبر يحركون الأشياء كتمثيلية لعرائس القراقوز يستغلون المناسبات , يستغلون المشاعر ويستغلون الأوضاع .
ورغم هذا وذاك فقد تكونت النواة الأولى لحزب اسلامى سياسى فى الجزائر وفى الجهة الأخرى كانت عيون المؤامرة تتبع كل خطوة وربما أنشئت مكاتب سرية للاستعلام بمحاذاة كل مسجد . هكذا يفعل بالاسلام الكل متفق على حبسه فى الكتب وأماكن العبادة , الكل متفق على تدجينه أمّا الليبراليون المتوحشون والانفصاليون والشيوعيون فهم يفعلون ما يشاؤون , يجتمعون فى حرية يكتبون فى حرية , يوزعون المناشر فى حرية , يتكلمون فى حرية بل أحيانا يستعملون العنف ولا أحد يوقفهم .
واستعذت ذلك البيت الخالد لشاعر خالد :

الجزائر قطعة ذهبية **** الشعب حررها والرب مضى

وحتى ذلك الوقت لم أظهر أى انحياز, لكنى كنت أدافع عن الاسلام , ليس فى الشارع وليس فى اجتماعات المقاهى و الكلية ولكن فى سلوكى وكتاباتى وأفكارى .
لاشك انه موقف غريب كيف أفعل كل هذا ولا أنحاز الى على بلحاج وجماعته ؟ لقد تزامن هجوم دعاة العصرنة والحداثة وأشباه الديموقراطيين على الاسلام والمسلمين فى الجزائر و مصر والأردن واليمن ونيجيريا مع هجوم آخر عنيف شنه هندى مرتد يدعى سلمان رشدى الذى نشر كتابا أسماه ( آيات شيطانية ) يصف فيه النبى بالشذوذ الجنسى وحب النساء ويضع الاسلام كاتعس دين عرفته البشرية , انه حسبه مخدر للشعوب , مقيد للحريات , محرض للفوضى . ومثلما كان هؤلاء يتحركون بتعليمات موجهة من خلف الستار, فان سلمان رشدى لم يكن الا دمية فى يد المخابرات البريطانية حين وجدت عملاقا يزحف نحو الغرب وحركة غير عادية فى الجزائر , فحركت هندى من الدرجة الثالثة ليطعن فى الاسلام تحت حمايتها وبمكافأتها .
انّها مؤامرة مدبرة . لقد استنفذت جميع خطط الاستعمار و وجد بالدراسة والتحليل أن الاسلام يحاصر عواصم بلدانه ويهدد قوانينه ويغير من شكل حضارته , فكان يجب نقل المعركة الى حقل آخر , فكانت الكتابة والنشر وسيلة .
وقد سبق سلمان رشدى فى هذا المسلك كتاب عرب وللأسف جزائريون ككاتب ياسين وطاهرجاووت وغيرهم .

وتحرك المسلمون فى أوروبا, فى أمريكا , فى روسيا , فى آسيا , فى الهند والصين , أمّا أبناء جلدتى فقد ألهتهم كرة القدم والديموقراطية المزيفة والشفافية والاتحادات الاقليمية ومات فينا كل شيئ , لم نعد نصلح للحياة , كل العالم كان يتهكم على سيد الأنبياء وكنا نحن فى صمت كصمت القبور . وانعقد اجتماع لوزراء خارجية دول السوق الأروبية المشتركة وتضمن الاجتماع محورا واحدا : (كيف يمكن لأروبا أن تدافع عن سلمان رشدى ؟ ) و بموازاة ذلك انعقد المؤتمر الاسلامى لوزراء خارجية الدول الاسلامية فى الرياض , كاد المؤتمر أن لا ينعقد بسبب محاولة ايران طرح قضية سلمان رشدى كنقطة أولى فى جدول الأعمال . لقد انعقد المؤتمر ونقشت فيه ستون نقطة الا نقطة واحدة انّها قضية سلمان رشدى .

الحلف الاطلسى كله وقف مدافعا عن الشيطان وأمتنا تجتمع ليس دفاعا عن النبى الكريم ولكن فى مناقشات طويلة لا تنتهى .
وهبت فى تلك الأيام رياح قوية فانقلبت سفن وانهارت عمارات وأحترقت فنادق . الاعلام العالمى تكلم كثيرا عن تلك الرياح الغريبة لكنه لم يعلم أن الكون قرآن صامت ومحمد قرآن يمشى بين الناس .

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة