المستبصرون » مساهمات المستبصرين

د. احمد راسم النفيس - مصر - 11 صفر 1426 - الشيخ القرضاوي والافتراء على الحقيقة في تاريخنا المفترى عليه
البريد الالكتروني

الاسم : دكتور أحمد راسم النفيس
الدولة و المدينة : مصر
المساهمة :

الشيخ القرضاوي والافتراء على الحقيقة في تاريخنا المفترى عليه

(لولا أن الله هيأ لي من ألحقني بالأزهر لما كنت أمامكم في هذه الساعة فقد «شيَّخني» أهل قريتي وأنا ابن التاسعة كرامة للقرآن الكريم والعلم الذي أحمله، وقد نذرت نفسي للدعوة إلى الله ولن أتخلى عن المهمة التي وكَّلني الله بها فأنا أعتبر نفسي موكلاً من الله تعالى ولن أنسحب من هذه المهمة أبداً، وأتمنى أن تُختم حياتي بالميتة الحسنة التي يتمناها المجاهدون في سبيل الله، فأنا لا أدافع عن باطل أو طواغيت، ويشهد الله أني لم أجامل أحداً في الحق يوماً ما وإنما أدافع وأنافح عن قضايا أمتي، ولن أتخلى عن ذلك مهما تعرضت له من اتهامات بالإرهاب تارة وبغيره أخرى).
http://www.qaradawi.net/site/topics/index.asp
مهرجان التضامن مع الشيخ القرضاوي بالدوحة بتاريخ 14-2-2005.
الله وكلني وأنا أعتبر نفسي موكلا من الله تعالى أي أن الشيخ القرضاوي هو وكيل الله في أرضه...
هذه هي رؤية الشيخ لنفسه ولدوره وربما لما يطرحه من آراء واجتهادات من الواضح أنه يرى ويؤمن ويجزم أنها عين الصواب وكأنه أراد أن يقول (رأيي صواب لا يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ لا يحتمل الصواب).

انطلاقا من هذه الوكالة الإلهية الربانية فقد قرر فضيلة الشيخ أخيرا أن ينزل إلى ساحة التأريخ ليدافع عن تاريخ بني أمية وبني العباس والحجاج الثقفي المفترى عليهم!! ورضي الله عنهم!! من خلال إصداره لكتاب (تاريخنا المفترى عليه) وعلى الفور سارع دراويش الشيخ صاحب الوكالة الإلهية لبث فقرات من كتابه في المساحات الإعلامية التي يكتبون فيها خاصة بعد أن طمأنهم سماحة الوكيل العام للحضرة الإلهية أن كل من يدافع عنهم ليسوا بطواغيت ولا يمكن أن يكونوا على باطل وأنهم بذلك قد حصلوا على صك براءة من النار أو كما قال حفظه الله.
يوتوبيا الشيخ في مواجهة افتراءات العلمانيين!!.
انطلق الشيخ في كتابه من فرضية الرد على (فرية العلمانيين) القائلة بأن الشريعة لم تطبق إلا في عهد الخلفاء الراشدين وأن هذه ( الفرية) لم تكن من ابتكارهم بل كان أول من أطلقها الشيخ خالد محمد خالد في كتابه من ("هنا نبدأ" الذي أثار الزوابع هنا وهناك وتبنته جهات مشبوهة خدمها الكتاب من حيث لا يريد مؤلفه وقد استغلوا الكتاب أسوأ استغلال).
أما أن الشريعة لم تطبق إلا في عهد (الخلفاء الراشدين) فهو كلام لا نوافق عليه إذ أنها طبقت في عهد الخلفاء وبعد عهدهم وهي تطبق اليوم.
فعندما تطبق الشريعة الإسلامية اليوم في قوانين الإرث والزواج أو في إقامة حكم الإعدام على قاتل العمد فهذا يعني أن بعض أحكام الشريعة الإسلامية جرى ويجري تطبيقه بالفعل وسيرد القوم ونحن معهم بالتساؤل عما تبقى من أحكام الشريعة الإسلامية وضوابطها الأخلاقية وعندها نقول لهم أن هذا التطبيق الكامل المتكامل لم يكن موجودا في أي مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي وهذا هو بيت القصيد.
كما أن الدفاع المستميت عن (التاريخ المفترى عليه) يعني أن المسألة في نظر المدافعين هي أبعد من كونها مجرد إثبات تطبيق الأحكام الشرعية أو قواعد القصاص وفقا للشريعة الإسلامية وإنما انطلاقا من رغبة عارمة لإثبات أن المجتمع الإسلامي أو المدينة الفاضلة أو اليوتوبيا الإسلامية كانت موجودة في تلك الفترة وربما بقيت بعدها لحقب وقرون كل هذا ببركة ما يسمونه بتطبيق الشريعة الإسلامية.

وهنا تبدأ المشكلة
فالزعم بوجود هذه اليوتوبيا يتناقض أولا مع حقائق التاريخ المدونة
وهو أيضا ينطلق من فرضية وهمية تقول أن هذه اليوتوبيا تحققت على يد الصحابة ذلك الجيل القرآني الفريد غير القابل للتكرار لأنهم رأوا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم رأي العين وأن أفضلية التابعين تأتي من كونهم رأوا من رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وهلم جرا ولأننا لم نره ولم نر من رآه فنحن لا يمكن لنا أن نبلغ تلك المقامات العلا بل ومحكوم علينا بالتدهور والانحطاط أو الركض وراء هدف مستحيل التحقيق.
إن هذا الوهم الفرض يجعل أيضا من الإصلاح والرقي والتقدم معلقا على قوى الغيب وحسب لا على الإرادة الإنسانية بينما يقول لنا رب العزة (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى* وأن سعيه سوف يرى* ثم يجزاه الجزاء الأوفى).

قراءة التاريخ ومناكفة العلمانيين.
من حق العلمانيين أن يقولوا ومن حقنا أن نرد عليهم ولا يعني القبول بصحة المقدمات بعضها أو كلها التسليم بصحة النتائج التي يطرحها العلمانيون أو المستشرقون ولا شك أن غياب الشفافية في قراءة التاريخ لا تختلف كثيرا عن غياب الشفافية في قراءة الواقع وهو عين الخطأ الذي تقع فيه النظم الشمولية عندما ترى في المصارحة وكشف المستور عملا معاديا وإذا كان من الممكن أن نتقبل الفكرة القائلة بأن بيت النظام من زجاج فكيف يمكن لنا أن نتخيل أن اعتماد مبدأ التستر يمكن له أن يخدم الدين والعقيدة بالرغم من أن القرآن الكريم قد تصدى بصورة صارمة لحركة النفاق والمنافقين وقام بكشف ألاعيبهم وحذر المؤمنين من الوقوع في مكائدهم. لقد أضحى الوعي الصحيح بالتاريخ واحدا من أهم ركائز انطلاق الأمة نحو النهضة وكما يقول المفكر سهيل عناية الله فإن أحد أهم معوقات نهوض الفكر الإسلامي تتمثل في ذلك الاعتقاد السائد في أوساط المثقفين والسياسيين المسلمين بضرورة العودة إلى نموذج ( الإسلام الأكمل) "Perfect or near perfect Islamic State" المتمثل في عهد الخلفاء الراشدين ويرى أن العالم المسيحي كان أسعد حظا من العالم الإسلامي عندما لم يقم دولة مسيحية في حياة المسيح عليه السلام وبالتالي فإن اليوتوبيا المسيحية لم توجد بعد مما أتاح لهم إعمال الفكر والعقل في المجال السياسي والعلمي.

الشيخ القرضاوي ونماذجه
هل قرأ الشيخ القرضاوي تاريخنا بالفعل قبل أن يطلع علينا بما يزعمه من أن الحجاج بن يوسف الثقفي كان يطبق الشريعة الإسلامية ويذعن لها ناقلا رواية منتقاة عن العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي؟؟.
لا أعتقد أن الشيخ قام بقراءة التاريخ رأسيا أو طوليا والدليل على ذلك هو استشهاده بابن عبد ربه وهو كتاب نماذج وليس كتاب تأريخ طولي ولذا فنحن نضيف إلى معلوماته بعض وليس كل ما رواه ابن عبد ربه وهو ما لا يختلف كثيرا عن روايات غيره من المؤرخين عن طاغية عصره (المفترى عليه) ابن جلا وطلاع الثنايا.
روى ابن عبد ربه أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج في أسرى معركة الجماجم أن يعرضهم على السيف فمن أقر منهم بالكفر بخروجه علينا فخل سبيله ومن زعم أنه مؤمن فاضرب عنقه ففعل فلما عرضهم أتي بشيخ وشاب فقال للشاب أمؤمن أنت أم كافر قال بل كافر فقال الحجاج ولكن الشيخ لا يرضى بالكفر فقال له الشيخ أعن نفسي تخادعني يا حجاج والله لو كان شيء أعظم من الكفر لرضيت به فضحك الحجاج وخلى سبيلهما ثم قدم إليه رجل فقال له على دين من أنت قال على دين إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين فقال اضربوا عنقه ثم قدم آخر فقال له على دين من أنت قال على دين أبيك الشيخ يوسف فقال أما والله لقد كان صواما قواما خل عنه يا غلام فلما خلى سبيله انصرف إليه فقال له يا حجاج سألت صاحبي على دين من أنت فقال على دين إبراهيم حنيفا و ما كان من المشركين فأمرت به فقتل وسألتني على دين من أنت فقلت على دين أبيك الشيخ يوسف فقلت أما والله لقد كان صواما قواما فأمرت بتخلية سبيلي والله لو لم يكن لأبيك من السيئات إلا انه ولد مثلك لكفاه فأمر به فقتل ثم أتى بعمران بن عصام العنزي فقال عمران؟ قال نعم قال ألم أوفدك على أمير المؤمنين ولا يوفد مثلك قال بلى قال ألم أزوجك مارية بنت مسمع سيد قومها ولم تكن أهلا لها قال بلى قال فما حملك على الخروج علينا قال أخرجني بازان فأمر به فقتل ثم أتي بعامر الشعبي ومطرف بن عبد الله الشخير وسعيد بن جبير وكان الشعبي ومطرف يريان التورية وكان سعيد بن جبير لا يرى ذلك فلما قدم الشعبي قال أكافر أنت أم مؤمن قال أصلح الله الأمير نبا بنا المنزل وأجدب بنا الجناب واستحلسنا الخوف واكتحلنا السهر وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء قال الحجاج صدق والله ما بروا بخروجهم علينا ولا قووا خليا عنه ثم قدم إليه مطرف بن عبد الله فقال له أكافر أنت أم مؤمن قال أصلح الله الأمير إن من شق عصا الطاعة ونكث البيعة وفارق الجماعة وأخاف المسلمين لجدير بالكفر فقال صدق خليا عنه ثم أتي بسعيد بن جبير فقال له أنت سعيد بن جبير قال نعم قال لا بل شقي بن كسير قال أمي كانت أعلم باسمي منك قال شقيت وشقيت أمك قال الشقاء لأهل النار قال أكافر أنت أم مؤمن قال ما كفرت بالله منذ آمنت به قال اضربوا عنقه.
قال ولما بلغ عمر بن عبد العزيز موت الحجاج خر ساجدا وكان يدعو الله أن يكونه موته على فراشه ليكون عذابه أشد.
كما روى ابن عبد ربه أن عمر بن عبد العزيز قال لو جاءت كل أمة بمنافقيها و جئنا بالحجاج لفضلناهم.

الشيخ القرضاوي وعلمه الغزير؟؟!!.
لماذا تورط الشيخ في الكتابة عن التاريخ؟؟ وهل يكفي أن يُسأل في نقابة الأطباء (كما ذكر هو) عن التاريخ فينبري على الفور لتأليف كتاب ملأه بأشياء ومعلومات من نوعية (ما قل منه خير مما كثر) ولذا فقد امتلأ كتابه بالسقطات العلمية التي تدل وتقطع على أن الشيخ لا يعرف عن أي شيء يكتب!!.
مثال ذلك ما أورده الشيخ عن الإنجازات العلمية التي نسبها للدولة العباسية مثل ابن الهيثم وفات الشيخ أن الحسن بن الهيثم كان من إنجازات الدولة الفاطمية التي لم يقصر مولانا في سبها ولعنها لأنها كانت (تسب الصحابة) أما الدولة الأموية التي لعنت الإمام علي بن أبي طالب على منابرها أكثر من ثمانين عاما فلا شيء عليها بل وقدمت لنا عبقريتها الإجرامية الخالدة الحجاج الثقفي.
وهناك أيضا ما ادعاه عن ابن النفيس الدمشقي الذي جاء إلى مصر في عهد الدولة المملوكية (السلطان قلاوون) فما هي علاقته بالدولة العباسية.
وهناك أيضا ادعاؤه بأن جابر بن حيان كان من صنائع الدولة العباسية بينما يقول لنا التاريخ أن جابرا كان من تلامذة الإمام جعفر بن محمد (الصادق عليه السلام) أي أنه خرج من صفوف المعارضة.

الشيخ والقواعد الإجمالية لعلم التاريخ
في أي خانة نضع ما كتبه شيخنا وكيل الله عن تاريخنا المفترى عليه؟ وهل أن ما كتبه يندرج في إطار التفسير الإجمالي الحضاري للتاريخ (Macrohistory) أم في إطار القراءة العشوائية الانتقائية التي درج عليها مشايخنا وهل يؤمن بالتفسير المادي للتاريخ أم أن الأمر كان مجرد صراع عقائدي بين الخير والشر ومن يمثل الخير ومن يمثل الشر؟ أم أنه يسلك سبيلا وسطا يؤمن بتعدد عوامل الصراع الاجتماعي والسياسي والتاريخي.
الواقع أن من يقرأ ما كتبه الشيخ في هذا الكتاب لا يمكن له أن يعرف أين يقف هو ودراويشه التائهون ويمكن له بالفعل أن يزعم أن الشيخ يحتل تلك المكانة الوسطى وهم أتباع مدرسة (لا مساس) إنهم أناس لا هم مع الحق ولا هم ضد الباطل وحسبك أنه يدافع عن الحجاج الذي وجدوا في السجون بعد هلاكه عليه لعنة الله 33 ألف فقط من بني الإنسان لا يرى شيخنا لهم أي قيمة وهم من أفلتوا من القتل والصلب عدا من قتلهم في حكمه الإرهابي (الإسلامي) المديد.
هل عرفتم لماذا نجح العلمانيون في الفوز بعديد الجولات في معركتهم مع الإسلاميين الذين يقودهم (وكيل الله في الأرض)؟.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة