المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 6 ربيع الاول 1426 - الثورة الحسينية واقع وهوامش
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة :

بسم الله الرحمان الرحيم

الثورة الحسينية واقع وهوامش

ويعود محرم الحرام ككل سنة،يجر أذيال الأسى والألم والحسرة ، وتتملك أيامه مسحة من الحزن واللوعة والحداد ، ناشرا على مدى أيامه حكاية ليست ككل الحكايات، وأسطورة ليست ككل الأساطير ، وواقعة ليست ككل الوقائع، لأن التاريخ بما حواه من أحداث سجلت على صفحاته ، وأخرى محيت منها ، وثالثة مضت مخفية بفعل تجني مقترفيها ،أو بفعل الحياء من ذكرها، والتنفر من الإتيان عليها. مهيئا ليحتضن بين طياته، الأحداث الجسام لنهضة الإمام الحسين عليه السلام ،ويكتب على صفحاته بأحرف نورانية، أبجدية الثورة وعنوان الشهادة، في مدرسة عاشوراء ، وتحت لواء أبي عبد الله الحسين عليه السلام، الذي هو امتداد لحركة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وفكره ولوائه.

من هو الحسين عليه السلام؟
إن من له إلمام بسيط بأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يعرف جيدا مقام الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام في الإسلام ،ليس لأنه ابن النبي صلى الله عليه وآله ، وإن كان ذلك نسب شريف لا يضاهى، بل باعتباره رمزا من رموز الدين الحنيف، ومثالا عاليا من مثله ، وقدوة بعد أبويه النبي الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ، والصديق الأكبر علي بن أبي طالب عليه السلام ، لمن يريد أن يسلك طريق الله المستقيم ، ومنارة هدى لكل من يرغب في الهداية، ويسعى للوصول إليها، لبلوغ دين الله الحق، والتمييز بينه وبين ديانات الزيف والسراب.
هو عند جده المصطفى إبنه من فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وريحانته في الدنيا ، كان اهتمام خاتم الأنبياء به كبيرا، إلى حد جلاء ذلك عند من عاصر الصفوة الطاهرة ، و كانت له من المواقف تجاهه وبقية أفراد أصحاب الكساء، ما دل على أن هؤلاء شاءت إرادة المولى سبحانه وتعالى أن يكونوا بابا لرحمته، ودليلا إلى رضوانه، وعلامة يعرف بها المؤمن من غيره ، وسبيلا تدرك به إفاضات الباري جلت قدرته.
فأي مقام أرفع من هؤلاء الذين إختارهم الله تعالى نماذج تحتذي بها البشرية ؟ وأي قمة يمكنها أن تضاهي هذه القمم الشماء؟

إن نسبته وجدته أرفع الناس حسبا ، فجده أبو القاسم محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، رحمة الله تعالى للعالمين ، وحبيبه بين المخلوقين، وأما جدته فخديجة الكبرى سيدة نساء الأمة ، من بذلت من أجل إعلاء كلمة الله تعالى كل ما كانت تملك من أموال، حتى قال في ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله :" لولا سيف علي ومال خديجة لما قام الإسلام قائمة." وماتت عليها السلام حزنا وأسفا وكمدا ،على ما لقيه النبي صلى الله عليه وآله من قومه، وأما أبوه فيعسوب الدين والصديق الأكبر، حين لا مصدق، والفاروق الحقيقي الذي دحض الشرك وأبان النفاق ، والميزان الذي يعرف به المؤمن من المنافق، كما في الحديث الشهير الذي نقله أعلب الحفاظ :" يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق."(1) ، من كان بلاءه في الدين مدعاة لسخط الحاسدين ، تسبب في إزاحته من منصب القيادة الذي أهله النبي صلى الله عليه وآله له ، وأما أمه ففاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ، بضعة النبي صلى الله عليه وآله ، كوثر الخير والبركة الذي وهبه الله تعالى له ، وأما أخوه فالحسن السبط الأول للأمة ، أمثلة الحق والصدق المتصلة بالله تعالى ، لا أمثلة الزيف والتحريف والضلال.
وإن عرضت لسيرته وما تخللها من عطاء فياض للإسلام وأهله، لما انتهيت منها قبل أن تقر بفضله ،وتعترف بمنزلته التي اكتسبها، بما هيئ لنفسه في مواطن الخوف والرجاء من الله تعالى، ما أزاح عنه حجب الغفلة وعوائق المعصية ،مما أكسبه مناعة من الشيطان ، وعصمة من الذنوب والآثام .
قد يخطئ المرء في بجثه عن حقيقة ما ، وقد تلتبس عليه أشياء أثناء اختيار لشخصية ما، تتميز بخصال ما، ولكن الثابت الذي لا يتغير، مهما يراه غيرنا موغلا في الزمن بعيدا عنا ، القيمة التشريعية والعبادية لأهل البيت عليهم السلام ، الذين تلزمنا نحوهم مجموعة من الواجبات، تتأكد على كل جيل من الأجيال الإسلامية، لتشكل التكليف المهم في حركتهم نحو المقام النهائي للمعرفة والقرب:

- مودة القربى: كن ما تشاء ، ولكن إحذر أن تكون جافيا للنبي صلى الله عليه وآله في مودة قرباه ، لأنك لو جفوت النبي صلى الله عليه وآله، فقد جفوت الله تعالى ، وتكليفك هذا في المودة التي جاء بها الكتاب العزيز ، لا يمكنك أن تستعيره ممن سبقك من الأجيال ، ولا أن تستقرضه لمن سيأتي بعدك، ولا هو أمر متعلق بجيل دون غيره من الأجيال.
قال تعالى:" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى." (2) كلنا يعلم - وحديثي هذا موجه إلى ذوي العقول من الأمة ممن أمسكوا بخيط من الحقيقة - إن جميع الأنبياء عليهم السلام طلبوا أجرهم من الله تعالى ، سوى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ، الذي أراد أن يكون أجر تبليغه وأداء رسالته للعالمين مودة قرباه .
فنوح مثلا قال:" إن أجري إلا على الله .." (3)
وهود وصالح ولوط وشعيب وبقية الأنبياء عليهم السلام قالوا:" وما سألتكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين.".(4).
لذلك يكون تكليفنا الذي سنسأل عنه يوم القيامة، هو محبة أهل البيت عليهم السلام ، عترة النبي وبقيته في أمته ، وأمناءه على شريعته ، ومن جعلهم الله تعالى عدل كتابه ، محبة حقيقية تستجيب للمعنى المقصود ، كما في قوله تعالى :" إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ." (5) وبرحيل خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله ينتقل الحب والإتباع إلى الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ليكونوا الدرع الواقي للشريعة، والوعاء الحافظ لها من التغيير والتشويه .

- موالاة المستحفظين منهم، والبراءة من أعدائهم ، والعمل على سلوك نهجهم، الذي هو في واقعه، نهج الإسلام المحمدي الأصيل ، الذي لم يتغير تحت أي عامل ، ووصل إلينا بفضل تضحياتهم وعملهم المتواصل ، لأن الإسلام في كل تفاصيله منهج علمي وعملي، لا يتنقل إلا عبر العلماء العاملين ، وكانت تلك خاصية بيت النبوة عليهم السلام .
الممهدون للفاجعة
في هذا الشهر الذي التزمه عرب الجاهلية، شهرا حراما لا حرب فيه، ولا إراقة لأي دم كان خلال أيامه، على الرغم من انغماسهم في الشر ، وتعلقهم بتقاليد وأحكام فرضتها عقلية الجهل والعزة بالإثم .

في مثل هذا الشهر وقع خرق ذلك الموثق الغليظ ، بتصميم جديد، وتحت غطاء مغاير تماما للعصر المؤسس لحرمة الشهر،إتخذه الذين قطعوا الطريق على نظام الحكم في الإسلام ،واستولوا على دفة مقاليده ، ليفعلوا أفاعيلهم في الدين وأهله باسم الدين ، هؤلاء وإن لم تكن لهم الجرأة على الظهور بمظهر المعادي، والمحارب للإسلام وأهله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، بسبب حداثة العهد بمنزل الوحي وشخصية صاحبه ، والخوف من ثورة المسلمين، وتمردهم على الحكام الجدد، فسلكوا منذ البداية مسلك المكر والخديعة والدهاء ، وهادنوا الناس متظاهرين بالالتزام التام بالدين ، لكن ممارساتهم وأعمالهم كانت تقول عكس ذلك ، بدليل أن الذين نص عليهم النبي صلى الله عليه وآله بأنهم الطلقاء ، قد مكنوهم من تنسم مقاليد الحكم ، وتفيء ظلال السلطة منذ البداية ، أي مباشرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله .
فأبو سفيان وابنيه استلما نصيبهم من مؤامرة السقيفة ، الأول عين واليا على نجد، والآخران قائدين على رأس الجيش الإسلامي في حربه للروم (6)، وبمعنى آخر دخل المحاربون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولدينه القويم طيلة عشرين سنة، وأيديهم ما زالت حديثة عهد بدماء المسلمين،وعقولهم لم تستوعب شيئا من العقيدة التي حاربوها، وقلوبهم لم تنطفئ من الحقد على النظام الجديد، الذي جاء ليطيح بجاهليتهم ،ويقوض أركان جبروتهم ، ويسفه أحلام آلهتهم ، وكل مكتسباتهم التي استماتوا في الدفاع عنها ،حتى آخر نفس لمقاومتهم، وهو فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة ،مقابل نصرتهم لأصحاب الانقلاب الذي غير مجرى الحكومة الإسلامية ، وقلب الميزان الذي وضعه النبي صلى الله عليه وآله، ليكون ملاذ الأمة في مواجهة الفتن والتحريف ، وعنصر هداية لا يبلغ القاصد وجهته إلا به.

لنتدبر السيرة والتاريخ
التاريخ بما حواه من أخبار، يشتمل على الأحداث العظام في تاريخ الأمم ، وتجارب الماضين ، وأفكار الذين خلوا من قبل، ويومياتهم المنصرمة بأعمالهم الحسنة والسيئة، وقد حث المولى سبحانه وتعالى في كتابه العزيز على النظر في هذا الجانب من التاريخ البشري والاعتبار منه ،وبما أن امتنا الإسلامية ممتدة في العمق الزمني، وتمتلك مخزونا تراثيا متراكما منذ ما يزيد عن الخمسة عشرة قرنا ، فان الأولوية والحاجة تدفعنا إلى النظر في ذلك المخزون ، وإعادة النظر فيه لاستجلاء الحقيقة التي لا يمكن الوصول إليها، إلا عبر قناة التواصل مع ذلك الركام وتمييزه .
لذلك نقول: إن من لم يدرس سيرة النبي صلى الله عليه وآله ، ولم يطلع على الفترة الأولى التي أعقبت مرحلة النبوة ، و لم يبحث بين السطور التي دونت بها، لا يمكنه أن يفهم الأسباب والتداعيات، التي انبنت عليها بقية المراحل، وقامت على أساسها التركيبة الإسلامية المتداولة عند الناس فكرا وتطبيقا، ولا أن يستوعب حجم الضرر الذي لحق بالدين وأهله، وتبعا لذلك لا يستطيع أن يميز بين ما جاء به النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، من تعاليم صحيحة عن الله تعالى، وبين ما فرضه الطغاة والظالمون على الأمة في عهدها الأول، واستمر الأمر على ذلك ، حتى صار دينا يتعبد به المسلمون ، ويعتقدون أنه جاءهم من رسول الإسلام صلى الله عليه وآله عن طريق صحابته ، دون الالتفات إلى أن هؤلاء الصحابة هم بشر مثلنا ، ليس لهم تكليف يفوقنا، و لا لهم اتصال بالنبوة يصل إلى حد الشراكة في التبليغ والحفظ ،ولا خصهم الله تعالى بشيء ميزهم به عن غيرهم من الأجيال ، التي تستوي كلها في الحقوق والواجبات، من بدء الخليقة إلى أن يرث الأرض ومن عليها.

الإمام الحسين وريث محنة أهله عليهم السلام
محنة الإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام كما أسلفت الذكر ،ليست بمعزل عن تراكمات الأحداث المؤلمة والخطيرة، التي حصلت أواخر أيام النبي صلى الله عليه وآله، لأن المشترك الفعلي في فاجعة الطف، ليس يزيدا وحده، ولا ابن زياد، ولا عمرو بن سعد بن أبي وقاص وجنودهم ، ولا الذين خذلوا الإمام الحسين بعدما أرسلوا مكاتيبهم معلنين الولاء التام والمطلق له، إنما هي مؤسسة كنا قد اشرنا إلى أنها باشرت عملها قبل ذلك بكثير، وأفرزت ثقافة هجينة لا معنى للولاية والبراءة فيها ، وما هؤلاء سوى أدوات، شحذوا أسلحتها ،وهيئوا وقائع جرائمها ، لأن من لا أهلية له في الحكم سينتج حتما نظيرا أسوأ منه، وسيفرط في أداة الحكم التي صنعها ، وهو ما حصل فعلا، إذ لم تستمر نظرية الحكم التي تمخضت عنها السقيفة، غير ربع قرن من حكم، لم يستند إلى أسس لها علاقة بالدين ، ولا كانت له فكرة صحيحة تعتمد لقيادة الناس ، بل كان الجهل والارتجال علامتين وسمتا الفترة المذكورة ،وهي اقرب التصاقا بالتقاليد الجاهلية منها بالنمط الإسلامي الذي جاء به النبي الأكرم صلى الله عليه وآله.
وكان موقف الإمام علي عليه السلام من تلك الأحداث واضحا وصريحا، فهو لم يبادر إلى البيعة لعلمه بأنه صاحبها ، وأن من استولوا عليها لم يكونوا إلا ناكثين لها، وهي التي أمر الله تعالى بعقدها في غدير خم، يوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر من الهجرة المباركة،وكانوا ممن سمع ووعى مقالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبايع الإمام المفترض الطاعة بيعة ليس فيها تأويل :" بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة."

لم يعهد عن أبي الحسن عليه السلام أنه تأخر في القيام بواجب ما طول حياته، هكذا علمه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وعلى ذلك الأساس رباه منذ نعومة أظافره. لكنه رغم احتجاجه لم يؤبه له، ولا كان في القوم الذين أداروا ظهورهم عنه، نظر إلى مقامه الذي كان يملأه في حياة النبي صلى الله عليه وآله،ولا اهتمام بالمخزون الذي اشتملت عليه شخصية ليس لها ند ولا نضير بينهم .
ظهر منه في شورى الستة التي فرضها الخليفة الثاني ، ما أكد استحقاقه بالحكم ، حتى لو افترضنا جدلا عدم وجود نص عليه بالإمامة ، وظهر منهم إصرار عجيب على صرف الحكم عنه بكل الوسائل والسبل المتاحة، فقد عرض عليه الحكم بشرط إتباع سيرة الخليفتين السابقين فرفض ذلك العرض ، ولم يستثن منه غير الحكم على أساس الكتاب والسنة ، مما دلنا على أن سيرة الخليفتين الأولين لم تكونا موافقتين للكتاب والسنة ، وكانا في غالب الأحيان يحكمان بالحكم في قضية ، ثم ينقضانه في مثيلتها، ولم ينقذهم في كثير من شطحاتهم غيره ، وإلا لما رفض علي عليه السلام التقيد بها، وقد اعترف بذلك الخليفة الثاني في عدد من الروايات التي نقلها المؤرخون ، منها مقالته الشهيرة:" إن بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه."(7) وحكم بالتالي عليها بأنها فلتة وعلى صاحبها بالقتل سيان بين من سيعيدها وبين مؤسسها، ولو عرضت الحكومة على غير علي عليه السلام بالشروط الزائدة التي أضافها عبد الرحمان بن عوف ، وكان همه تنسم كرسي الحكم لقضاء مآربه ، لما تردد في القبول بها، وقد فعل ذلك الخليفة الثالث ، ثم نقض عهده فيما أعطى صفقته منها ، لذلك جاء ابن عوف صهر عثمان إلى علي عليه السلام يوما قائلا :"خذ سيفك وها هو سيفي وهيا إلى هذا الرجل فقد خالف شروطي." ومع ذلك لم يتورط الإمام عليه السلام في شيء من الأحداث التي أدت إلى مقتل ابن عفان .
وانثيال الناس عليه يريدون بيعته وهو في بيته ، ومع ذلك فقد رفض ذلك النمط من البيعة، وواعدهم النظر في الأمر بمسجد النبي صلى الله عليه وآله ، حيث المكان الطبيعي الذي يمكنه أن يجمع خيرة الناس ، وليس السقائف والأماكن التي لا تمتاز بالخصائص الإيمانية. على أن تكون البيعة عامة ولا استثناء لأحد فيها، وهو ما تم فعلا ، إلا أن الحزب الذي أسس للسقيفة لم يرقه أن يعود الحكم لأصحابه ، فانبرى يحرض العامة على التمرد والعصيان ، رافعا معه عنوانا مغريا لذوي القلوب والعقول الضعيفة ، زوجة النبي صلى الله عليه وآله ابنة ابن أبي قحافة،الدليل الذي قدمه الطامعون الجدد في الحكومة، وموهوا به على أنهم أصحاب الحق، وأخافوا العامة من مجرد التفكير في تجاوزه، وانطلت الحيلة الخبيثة على الأعراب ومن تبعهم ،وكانت حرب الجمل نسبة إلى الجمل الذي ركبته عائشة ، وتلتها حرب صفين حيث كان في الطرف المواجه لعلي عليه السلام، معاوية الطليق وابن العاص المنافق ، ومن كان على شاكلتهما ، كلهم كان يطالب بدم عثمان، وهم من أعان الثائرين عليه بالتحريض والخذلان، ثم جاءت حرب الخوارج في النهروان،ولم يخض الإمام علي عليه السلام غمار كل تلك الحروب، إلا بعد أن استنفد جميع ما لديه من سبل لتفادي الوقوع في أتونها، وما تلا ذلك كله من تصدع للأمة ، وتشتت لمسيرتها، ولولا تكالب المنافقين على أصحاب الحق ، وقدرتهم على الإمساك بزمام الأمور، وحذقهم للمناورة ، وخبرتهم بنقاط الضعف في الأمة ،لأمكن للأمة أن تقف على حقيقة نظام الحكم في الإسلام، ومعرفة قادتها الأبرار وأداء حقوقهم ،ولاستطاعت الإمامة الإلهية أن تمارس دورها ووظيفتها كاملتين ، في ترسيخ أسس الإسلام المحمدي الأصيل ، دستورا متناسق الأحكام ، ونظام حكم واضح المعالم ،يستند في جميع حيثياته إلى ذلك الدستور فقط .

فوت حكومة الناس لا يلغي دور التكليف الإلهي
وعلى الرغم من فوت الحكومة على أهل البيت عليهم السلام ، فقد حاول الأطهار قدر الاستطاعة ، وحسب الفرص التي كانت تتاح لهم من حين لآخر ، أن يزرعوا في الأمة بذرة الإسلام الصافي ، ويرعوا برعمها النامي ، ويتعهدوه بالإحاطة والعناية والرعاية ، فعلي عليه السلام كان طيلة حياته، المرجع الذي تكسرت على جوانبه كل أمواج الشك والريبة والجهل ، وكان الوحيد الذي يقول:" سلوني قبل أن تفقدوني." ولم يتجرأ أحد في عصره على وضع نفسه موضع القادر على الإجابة على كل سؤال، وفي ذلك دليل على الاستطاعة التي يمتلكها ، بينما يفتقدها غيره، هو الإمام الذي أحصى الله تعالى فيه كل شيء، ليكون مرجع الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله في كل المستجدات والطوارئ ، قال تعالى في كتابه العزيز:" وكل شيء أحصيناه في إمام مبين.".(8) وكذلك انتقل الدور إلى أبنائه الكرام البررة سادة الدنيا والآخرة، وسلكوا مسلكه، ونهجوا طريقه، لأنهم معدن واحد وأصل واحد، من الصفوة التي أخبر عنها المولى في القرآن الكريم فقال:" ذرية بعضها من بعض."(9)

واستمر كل إمام يؤدي تكليفه الذي عليه من الله تعالى ، إلى أن جاء دور الإمام أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام، خامس أصحاب الكساء الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وقد كان من قبل معايشا لمحنة أبيه، وما لقيه من مؤامرات أدت في النهاية إلى استشهاده ، وما كان حظ أخيه أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام في الأمة بأفضل من أبيه، فقد اشترى معاوية ذمم الآلاف ممن كانوا يحيطون به ، ولعا أكبر مثال على ما نقوله هو دخول عبيد الله بن عباس، وقد كان قائدا لجيش الإمامة الإلهية ، في جيش معاوية مع من تبعه من طالبي الدنيا،وتوالت المؤامرات عليه أشد وأقسى ،إلى درجة التخطيط لقتله أو تسليمه مكبلا إلى الطلقاء للتخلص منه، وفي النهاية لقي الله تعالى مغدورا بالسم الذي دسه معاوية إليه.
وقف الإمام الحسين عليه السلام إذا أمام حقيقة واحدة تقول: إن الأمة أصبحت مغيبة عن هويتها، وآثار ابتعادها عن ثوابتها بدأت تظهر على جسدها المنهك ، والماسك بأطرافه جلاوزة الظلم، وعبدة الدنيا،وناشري الفساد من حزب الشيطان، وكان عليه أن يفعل شيئا يهز ذلك الكيان ،ويعيد فيه الروح التي تستطيع أن تصنع ربيع الحكم الإسلامي الحق، فينشر عرفه في جميع الأرض ، ويعيش الناس تحت ظلاله بكرامة وحرية ومحبة واكتفاء من جميع نواحي ، آمنين من كل ما من شأنه أن يحيد بهم عن الصراط المستقيم الذي خطه الله تعالى لأوليائه .

لماذا خرج الإمام الحسين عليه السلام؟
قد يتبادر إلى أذهان المخالفين لخط الولاية الذي أراده الله تعالى منجاة للأمة،ومعتصما لها من الضلالة والانحراف ، أن نهضة الإمام الحسين عليه السلام كانت من أجل منازعة السلطان وكرسي الحكم ، لذلك لم يتردد القاضي أبو بكر بن عربي المالكي من القول بأن الحسين عليه السلام قتل بشرع جده .(10)
كأنما يريد الرجل القول بأن الإمام الحسين قد خلع الإسلام من عنقه، بخروجه على السلطان ومنابذته له ، تبعا لما ألزمت به تلك المذاهب الموالية للظلم نفسها، والمتربية بين أعطافه ، والموطنة على كراهية الخروج على الظالمين طالما أنهم يصلون ، عملا بالرواية الموضوعة التي حثت على طاعة الظالم ما دام يصلي ( 11).

غير أن كل منصف لا يذهب إلى ما تطرف به ذلك الجاهل، ومن وافقه على رأيه، - رغم منصب القضاء الذي تولاه ، فعادة ما يلتجئ الطغاة لتنفيذ أحكامهم عبر قضاة ليس لهم شخصية ولا علم يؤهلهم للمنصب الخطير- لأنه تحكمنا نصوص تأبى علينا أن نتهم من أذهب عنه الله تعالى الرجس وطهره تطهيرا (12)،ومن جعله عدل الكتاب العزيز وثقله في الأمة(13) ، أحد ربابنة سفينة نجاة الأمة ، القدوة الذي يمتلك علامات السعي إلى الله تعالى والفرار إليه(14) ، ومن وصفه النبي صلى الله عليه وآله بأنه سيد شباب أهل الجنة (15) بتهم يأباها كل من لديه وازع من دين ، وجانب من كرامة ،وحري بمن يخشى الله تعالى أن يقول، إن الذي قتل يوم عاشوراء ظلما وعدوانا، ليس الحسين عليه السلام ، بل هو الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، في مسعى لمحو وإطفاء كل القيم التي جاء بها ليؤسسها في الناس. وأبو عبد الله الحسين عليه السلام غير خاف مقامه من الله تعالى، ومن رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وخروجه لم يكن برغبة منه ، وإنما كان مدفوعا فيه إلى مصير يعلمه جيدا ، وإصرار الطاغية على أخذ البيعة منه، لم يترك له مجالا لاختيار آخر غير الخروج من بيته ومدينة جده، مهاجرا هجرته العظيمة، إلى حيث أسس لعقلية جديدة تعي تكاليفها ، ولروحية جديدة تعرف كيف تتعامل مع الله سبحانه وتعالى، وتستمد العون منه في مقارعة أعدائه . ومثل الإمام الحسين عليه السلام ، رمز الإسلام الصافي وعنوان كل صلاح وخير وطهر ، لا يمكن أن يبايع مثل يزيد الفاسق شارب الخمور وزارع الفجور وقاتل النفس المحترمة، كما صرح بذلك الإمام الحسين عليه السلام قائلا :" مثلي لا يبايع مثله."(16) وجاء رفضه ليكون الحجة البالغة على كل المسلمين ، كي لا يستكينوا لظالم ولا يخضعوا لباطل مهما قويت شوكته وكبر حجمه، وما قدمه من أجل ذلك من تضحية ،لا يقدر قيمتها إلا الله تعالى وثلة من المؤمنين،ليصنع بملحمته الفريدة الوعي في ضمير الأمة ، و ناقوس الخطر الذي سيظل يدق فوق رؤوس الطغاة والظالمين، إلى قيام قائم آل محمد أرواح المؤمنين له الفداء.

نهضة الإمام الحسين عليه السلام لا يوجد لها مثيل في التاريخ البشري
قد لا أكون مغاليا إذا ما أكدت، أن مسيرة الإمام الحسين عليه السلام من مدينة جده إلى مكة في مرحلة أولى ، ثم إلى العراق في مرحلة ثانية ، وما لقيه من عنت الطغيان الأموي ، وإصرار الأدعياء على أخذ البيعة منه لتكون حجة يدفع الظالمون والطغاة المسلمين إليها، وعنوان خضوع للباطل وتحريفاته ، والإقرار به انطلاقا من البيعة لرمز من رموزه، متمثلا في ابن معاوية الفاجر، وبالتالي يكون الإمام الحسين سيد شباب أهل الجنة ، خير الأمة ومنارتها التي لا تتزحزح علوا وشموخا، قد أعطى صفقة دينه ومقامه إلى من لا يقاس بأدون الأمة ، وحادثة استشهاد أصحابه وأهل بيته رضوان الله تعالى عليهم، واختتام ملحمة العز والإباء والشرف والكرامة بمقتله روحي له الفداء ، هي من أعظم الأحداث وأكثرها تجذرا في أنفس التواقين إلى العيش بكرامة وعز ، ونحن إذ نأسف اليوم لبني جلدتنا وأهل ملتنا كيف يستمرون في خط تجاهل أهل البيت عليهم السلام ، وحقوقهم التي افترضها الله تعالى علينا، وفي نفس الوقت يدعون محبة الأطهار عليهم السلام ، ولا يحركون ساكنا من أجل إظهار تلك المحبة ، حتى على سبيل رد الحق إلى أهله، والإقرار بأن مظلمة الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا لا تزال مستمرة ، ويوم عاشوراء هو احد فصولها.

محاولات مفضوحة للتغطية على الفاجعة
لم يكن ممكنا لأدعياء الإسلام ،أن يغرسوا فرحتهم بقتل الأطهار من أهل بيت خير الأخيار صلى الله عليه وآله مكشوفة العنوان والمحتوى ، فلجئوا إلى أسلوب دأبوا عليه ، وهو وضع الأحاديث لطمس الحقيقة بخصوص الصفوة الطاهرة ، فجاءوا بروايات في فضل ذلك اليوم ، ورغم التناقض الحاصل في مجموع موضوعاتهم ، فإنهم نجحوا في إيهام جانب هام من المسلمين ، بأن ذلك اليوم هو يوم مبارك ، فتلقوه بالإحياء والاحتفاء ، وإظهار الفرح والزينة ، والتوسعة على العيال ، إلى غير ذلك من مظاهر السرور، التي أصبحت مثبتة في تقاليد من تسموا بأهل السنة والجماعة ، وزاد الأمر على ذلك، فكان المناوئون لأهل البيت وشيعتهم يظهرون الفرح يوم عاشوراء، شماتة ومناقضة لمظاهر الحداد والحزن التي كان يظهرها الشيعة، إذا دخل شهر محرم عموما، ويوم عاشوراء خصوصا (17)
وبعودتنا للنصوص، نلاحظ إختلافها في تحديد هوية يوم عاشوراء ، فرواية تقول:إنه يوم كانت تصومه قريش في الجاهلية(18)
ورواية أخرى تقول: إنه يوم كانت تستر فيه الكعبة (19)
ورواية ثالثة تقول: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجد اليهود يصومونه فسألهم عن سبب ذلك فأجابوه بأنه يوم صالح نجى الله فيه بني إسرائيل فصامه موسى شكرا لله ، فرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم :" نحن أحق بموسى منهم."(20)
ورواية رابعة تقول: إنه كان يوم يصام قبل أن يفرض الصيام ، فلما فرض صيام شهر رمضان ترك. وفي أخرى: من شاء صام ومن شاء ترك(21)

ومع وجود الاختلاف بين الروايات، من حيث متونها التي لم تجمع على قول واحد بخصوص يوم عاشوراء، وتراوحت بين الآراء الأربعة ،أي أنه يوم من أيام الجاهلية أو أنه يوم كانت تستر فيه الكعبة ، أو أنه يوم نجى الله تعالى فيه بني إسرائيل وموسى عليه السلام ، أو إنه يوم كان يصام قبل فرض شهر رمضان، لا يمكننا التسليم بمجموعها، لتناقضها في تحديد هوية ذلك اليوم، مما دل على افتعالها ونسبتها للنبي صلى الله عليه وآله . مع استبعاد نسبة ذلك اليوم إلى بني إسرائيل لأن اليهود يؤرخون بالتقويم الشمسي الذي لا يتفق مع التقويم القمري، الذي هو أقل أياما في السنة من التقويم الشمسي، فيكون يوم عاشوراء عند اليهود إن صحت تسميته، ثابتا من حيث كونه يوما معينا في السنة، لا يتغير وفق تقويمهم ، ومتحركا عند المسلمين، فيجري بين الشهور الاثني عشر، ولا يتفق جريانه مع العاشر من المحرم عند المسلمين ،إلا مرة واحدة كل ثلاث وثلاثين سنة على أقل تقدير، ولأن النبي صلى الله عليه وآله لم يعهد منه أن سأل أحدا فيما هو متعلق بالدين ، خصوصا إذا كان المسؤول ، يهوديا مغضوبا عليه بالنص القرآني، وكان مرجعه صلى الله عليه وآله دائما الوحي . مع أن الديانة اليهودية محرفها وصحيحها لم يتطرقا إلى اليوم الذي نجا الله فيه موسى عليه السلام، على أساس أنه اليوم العاشر من المحرم ، وكيف يتفق ذلك اليوم فيكون صالحا عند اليهود بنجاة بني إسرائيل وموسى، و طالحا عند المسلمين بهلاك الصفوة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام ، قد نقضت فيه عهود الله ومواثيقه في مودة قربى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله؟
أما نجاة عشرة أنبياء في ذلك اليوم مثلما دون ذلك الحلبي في سيرته ، فإن الروايتين اللتين نقلهما لا تتفقان في تحديد العشرة، وعليه فإنه إن تحددت نجاة هؤلاء في ذلك اليوم بالذات ، مع وجود روايات تقول غير ذلك ، فإن حبيب الرحمان صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، أولى من غيرهم إلى تلك اللفتة الربانية والعناية الإلهية.

ولا التفات إلى ما ظهر من تهافت في بعض الروايات، من حيث احتواءها على سلوك في الأمر العبادي، بصيام من لم يصم ، وسبق منه الإفطار في ذلك اليوم ، لم يعهد من النبي صلى الله عليه وآله ، خصوصا في ما يتعلق بغير الواجب من الأحكام(22)، مضافا إلى الرواية الأخيرة التي جاء فيها، أن القوم يصومون صبيانهم، ويلهونهم بدمى من العهن، إذا بكوا من الجوع إلى حين الإفطار ، وهو عمل لا يرضاه عاقل فضلا عن الله تعالى ، فتأمل هذه البلاهة وفقك الله إلى الوقوف على غيرها من البلاهات التي توهت الأمة، وذهبت بها بعيدا عن الصراط المستقيم .
وبالقدر الذي اجتمع عليه أهل الباطل، ليمسحوا أثر نهضة الإمام الحسين عليه السلام ، وملحمته الفريدة يوم العاشر من محرم سنة 61 للهجرة ، بدأ بتتبع أهل بيته وأنصاره وشيعته ، ومرورا بروايات الكذب التي ألصقت بيوم العاشر من المحرم ، وانتهاء بحملات الاستنكار والاستهجان والتنديد بمراسم عاشوراء التي يحييها شيعة آل محمد عليهم السلام في كل زمان ومكان ، بقدر ما استمات ورثة ذلك المنهج القويم على تسلم جذوته المشتعلة، جيلا عن جيل وجماعة عن أخرى وأمة عن أمة ، والحرص على بقائها متقدة حية، لأن الإمام الحسين عليه السلام هو سليل النبوة، ومعدن الطهر وثمرة الاصطفاء الإلهي ، سيد في الدنيا وسيد في الآخرة ، من عرفه لا بد أن يعرف حقه، ويتبين مقامه في أعلى هرم الأمة ، ومن أنكره فهو في هذه الدنيا أعمى ، وفي الآخرة أضل سبيلا.

لماذا البكاء على الحسين عليه السلام؟
سؤال طرح ولا يزال يطرح ، وفي كل مرة يكون مصدره لسان من ألسنة الأمة، أو قلم من أقلامها، دون أن يكون السائل مدركا لحقيقة أن البكاء ظاهرة طبيعية، تعتري الإنسان لفقد عزيز، أو لفوت أمر مهم عليه مدار حياة ذلك الإنسان، وحالة البكاء على الإمام الحسين عليه السلام ، متعلقة بجوهر الدين لأن الحسين عليه السلام رمز من رموزه ، وعلم من أعلامه ، وشعيرة من شعائره، لذلك فإن الحزن والبكاء عليه يمثل بالنسبة لشيعته، قمة الإيمان وعلامة التقوى التي تظهر على الفرد.
من بين المكارم التي علمنا إياها الإمام الحسين عليه السلام، والتي تصب في خانة العلاقات بين البشر ، الشعور بالآخر ، والتعامل معه بقطع النظر عن انتمائه ،لأنه ابن آدم الذي كرمه الله تعالى طالما أنه مؤمن بأبسط مقومات الإنسانية .
والبكاء حالة من تجليات النفس البشرية لأصل الخلقة، بكونها محتاجة إلى من خلقها في تصريف شؤون حياتها ، ولا ملجأ لها ولا وسيلة غير لغة المناجاة والبكاء . إن العنوان الذي كان يجب أن تحافظ عليه البشرية على مدى الدهر، هو البكاء على هذا الامتحان الكبير الذي خاضته وتخوضه في غفلة من الإحساس بخطورته وأهميته ، والحزن على كل فرصة ضيعتها في جنب الله تعالى ، والحداد على كل لحظة مرت سدى بلا توجه إلى الله تعالى، لا تدري نفس إلى أي مصير ستؤول ، والى أي منقلب ستنقلب؟

إن آلام البشرية اليوم، وهي على مشرحة بني جنسها من الطغاة والجبابرة والظالمين من ناهبي لقم عيشها، وسارقي آمالها في العيش الكريم ، تتطلب منا أن نبحث في عمق التاريخ و ننظر في حاضرنا ، لعلنا نعثر على نموذج يكون لنا شعارا نستمد منه البكاء والحزن الذي يقربنا من الله تعالى ، وينظر إلينا من خلاله بعين الرحمة واللطف.
يمكننا أن نلخص الأحاسيس التي تصدر عن الإنسان إلى نوعين أساسيين :

- الإحساس بالفرح عند تحقق شيء يأمله الإنسان، يكون قليله شعور بالرضا ، وكثيره غبطة وفرح عارمين، قد يؤديا بصاحبه إلى الموت ، وعلامات الفرح تبدو من خلال صفحة الوجه بارزة للعيان ، كتهلل سرائر الوجه ، والضحك وما إلى ذلك من الآثار التي تترتب عنه،ومع أن الظاهرة طبيعية ، وتعتري الإنسان، فقد نبه الشارع الأقدس على ضرورة الحذر في التعامل معها ، منبها إلى الاحتراز من مخلفاتها السلبية في النفس ، خصوصا إذا كانت الفرحة متعلقة بأمر دنيوي مادي، لا علاقة له بالبعد الأخروي.

- الإحساس بالحزن عند فقد شيء يراه الإنسان مهما بالنسبة له ، ويكون قليله الكآبة والقلق ، وكثيره اللوعة والحداد، وعلامات الحزن أيضا تكون بادية على صفحة الوجه ، كانكسار ملامحه وانقباضها إلى درجة البكاء الذي يكون في حالاته الدنيا دموعا صامتة ،وفي حالاته القصوى تشنج صوتي وعصبي مرافق للدموع ، وقد يصل الأمر إلى أن يموت الشخص حزنا على ذلك الفقد والفوت ، وفي التاريخ أمثلة على ذلك يعرفها أكثرالناس.

ومع إمكانية أن يفرح الإنسان بكل ما من شأنه أن يفرحه في الحياة الدنيا ، ومع إمكانية أن يحزن، فقد جاء نهيه سبحانه وتعالى عن الحالات التي لا يراد بها وجهه الكريم ، ولا تندرج ضمن الحركات التعبدية الخالصة له ، كالفرح والحزن على الأمور الدنيوية البحتة، قال تعالى: "لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور." الحديد 23
في إشارة إلى أن الفرح والحزن إذا كانا نتيجة لفوت أمر دنيوي فهو مهلكة للدين والإيمان ، لا يرضاه الله سبحانه وتعالى.
قرأت فيما مضى حديثا كان له الأثر البالغ في نفسي، لكنني مع تقدم الزمن ومرور الوقت، نسيت بعضه ولم أعد أتذكر مصدره من الكتاب الذي قرأته ، وهو في مقاصده ينسجم تماما مع محور حديثنا حول حالتي الفرح والحزن ، لذلك وإتماما للفائدة فإنني سأحاول نقل ما بقي عالقا في ذهني منه ، سائلا من يعثر على مصدره أن يفيدني به :" من أراد الله به خيرا نصب في قلبه نائحة ...ومن أراد الله به شرا نصب في قلبه مزمار شيطان."
وعلى ذلك يمكن القول بان أكثر الناس التصاقا بهموم بعضهم ، من كان قلبه مسكنا للرحمة، وصدره ملجأ للمكروب والمحزون ،ومن كانت عيناه تفضان دموعا كلما قصرت اليد وضاقت الحيلة عن فعل شيء يكون فيه سلوى للمصاب.

النبي صلى الله عليه وآله يبكي.. ويعلمنا البكاء
ما يزال الكثير من المسلمين ممن وقف من أئمة أهل البيت عليهم السلام موقفا سلبيا ،على الرغم من النصوص الصحيحة والصريحة التي تلزم صاحبها بالسمع والطاعة ، يستنكر إحياء أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم لفاجعة كربلاء ، ويعتبر ذلك من قبيل الأعمال التي يجب أن تذهب معالمها، وتنمحي آثارها، لما يعتقدونه من أن الحزن والعزاء على الميت لا يجب أن يستمر أكثر من ثلاثة أيام .

لا شك أن كل شعور نبيل مكفول في الإسلام، وله حظه في الممارسة والظهور،فكل كائن له الحق في أن يعبر عن أحاسيسه، ويختزل مشاعره في ما لا يتعارض والشريعة السمحة ، التي جاءت لتنظم حياة البشر،وتعطي لاهتماماته ومقوماته البعد والمجال الذين يستحقان، ولم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وآله أن أظهر قسوة،أو بين جفوة تجاه ما كان يحيط به من مظاهر حزن وبكاء، ناشئين عن فقد أو موت عزيز، ولم يلتفت الوحي ولا النبي صلى الله عليه وآله إلى تلك الحالات التي طرأت أمامهما، إلا بشيء من التعاطف والمجاراة والرحمة، وقد أظهر النبي صلى الله عليه وآله من الحزن والبكاء ونحوه في عدد من المواقف ، ما أجاز صدور تلك الظاهرة عن غيره، فقد حزن وبكى عند موت زوجته خديجة سيدة نساء العالمين عليها السلام ، وعند موت عمه أبو طالب عليه السلام ، حتى سمى ذلك العام الذي توفيا فيه بعام الحزن، وعند موت أمه بعد أمه فاطمة بنت أسد رضوان الله تعالى عليها، وكذلك فعل عند استشهاد عمه حمزة، وابن عمه جعفر بن أبي طالب عليهما السلام، وعند موت ابنه إبراهيم عليه السلام، وعند موت ربيبته رقية ابنة هالة أخت خديجة ، كل هذه أدلة تساق للدلالة على أن البكاء والحزن حالة تفرزها عاطفة البشر على اختلاف مستوياتهم من أرفعهم إلى أوضعهم، لا تتعارض ومقاصد الشريعة ، بل تكفلها هذه الأخيرة بشرط أن لا يسيء مظهر منها إلى العقائد والأحكام التي جاء بها الدين الحنيف ، وكان يزور قبورهم كلما سنحت له الفرصة ، مؤكدا على ذلك التواصل.

إلا أننا فوق ذلك كله نسوق دليلا أكبر متعلق بالمسألة التي نحن بصددها، وهو شهادة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، يتمثل في النصوص التي جاءت لتؤكد بكاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإمام الحسين عليه السلام، عندما أعلمه جبريل عليه السلام بخبره فقد نقل عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: دخل علي البيت ملك لم يدخل علي قبلها فقال لي : إن ابنك هذا حسين مقتول ، وإن شئت أريتك التربة التي يقتل بها، قال : فأخرج تربة حمراء.(23)
وفي رواية أخرى عن أسماء بنت عميس :"إن الزهراء لما ولدت الحسين جاءها النبي (ص) وقال: يا أسماء هاتي ابني . فدفعته إليه وهو ملفوف في خرقة بيضاء ،فاستبشر به وأذن في أذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى ، ثم وضعه في حجره وبكى ، فقلت :فداك أبي وأمي يا رسول الله ، فيم بكاؤك ؟ قال أبكي لما يصيبه بعدي ، وستقتله الفئة الباغية من أمتي لا أنالهم الله شفاعتي. (24)

عن أم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله ص) فقالت يا رسول الله إني رأيت حلما منكرا الليلة. قال : ما هو ؟ قالت : انه شديد . قال : ما هو ؟ قالت رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري . فقال رسول الله رأيت خيرا ، تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فيكون في حجرك. فولدت فاطمة سلام الله عليها الحسين عليه السلام ، فكان في حجري كما قال رسول الله (ص) فدخلت يوما على رسول الله ، فوضعته في حجره ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله تهريقان من الدموع قالت : فقلت يا نبي الله - بأبي أنت وأمي - مالك ؟قال : أتاني جبريل فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا .فقلت : هذا؟ قال: نعم .وأتاني بتربة من تربته .(25)

الروايات في هذا الخصوص توجد في عدد من كتب المخالفين لخط الإمامة، ورغم قلتها بسبب الحصار الذي ضرب على الثورة الحسينية ، في محاولة لبترها عن محيطها وبيئتها التي خرجت منها ، وقطع علاقتها بالنبي صلى الله عليه وآله ، ليسهل نسيانها ، والانتهاء من تبعاتها، فهي تبين بجلاء إعلان النبي صلى الله عليه وآله حزنه وحداده وبكاءه على ولده الحسين عليه السلام ،بمجرد تلقيه معلومة شهادته من الملك،أي قبل سبعة و خمسين عاما من وقوع الحادثة،وكان صلى الله عليه وآله كثير التردد على بيت فاطمة وعلي وأنباؤهما عليهم الصلاة والسلام، إلى درجة لا تسمح بالقول أنه كان هناك طرف آخر يشاطرهم أوقات النبي صلى الله عليه وآله،وكان مرآى أهل بيته الطاهرين ، يفرحه لتواصله معهم ، ويحزنه في نفس الوقت إلى درجة الحزن والبكاء ، لعلمه صلى الله عليه وآله وسلم بما سيلقونه من بعده، من بلاء وتشريد وتطريد كما في الحديث الذي أخرجه ابن ماجة بسنده عن عبد الله قال : بينما نحن عند رسول الله(ص) إذ أقبل فتية من بني هاشم ، فلما رآهم النبي (ص) اغرورقت عيناه وتغير لونه ، قال فقلت : ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه. فقال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، وغن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا ، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود ، فيسألون الخير فلا يعطونه ، فيقاتلون فينتصرون ، فيعطون ما سألوا ، فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطا كما ملئوها جورا ، فمن أدرك منكم ذلك فليأتهم حبوا ولو على الثلج."(26)

والمتفحص للرواية هنا ،لا بد أن ينتبه إلى أن أحد الرواة أو الحافظ أسقط منها ذكر الحسن والحسين عليهما السلام، واستعاض ذلك بفتية من بني هاشم ، ضمن عملية التعتيم التي أصبحت الشغل الشاغل للمعارضين لخط أهل البيت عليهم السلام ، والرواية في حد ذاتها دليل آخر على مشروعية البكاء على سيد شباب أهل الجنة . ووجوبه يأتي من كونه عنوانا من عناوين صحيفة المؤمن، وامتثالا لأمر الله تعالى في مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله ،وأبو عبد الله الحسين عليه السلام منهم ، والنبي صلى الله عليه وآله هو أول من سن البكاء على الحسين عليه السلام من هذه الناحية ، ودليل آخر على أن البكاء جائز قبل وقوع المصيبة وبعده، ولا يخضع لتوقيت ينفيه، كما يؤسس عمل النبي صلى الله عليه وآله لحالة من العبادة العميقة، التي تربي النفس على الزهد، والعزوف من كل ما من شأنه أن يلهي عن الآخرة ، وتأصيل مشاعر الإحساس بالغير، وتوطين روح التآخي والتكافل والتآزر، بداية من توظيف المشاعر لوحدة القلوب .

ومن ناحية أخرى، فإن نبي الله يعقوب عليه السلام، بكى أسفا على ابنه يوسف عليه السلام، مع علمه بأنه لم يمت، وكان بكاؤه كبيرا إلى درجة ذهاب بصره.تعالى :" وتولى عنهم وقال ياأسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم." (27) ومع ذلك فان الله سبحانه وتعالى بمرأى ومسمع من ذلك كله ، فلم يعتب على نبيه عليه السلام أسفه ذلك، ولا صدرت منه إشارة تفيد استحقاقا آخر غير السكوت عنه ، والسكوت كما يقال علامة رضا ، وعنوان جواز. كما لم يعتب على نبيه -الذي سمي نوحا -الذي ناح على قومه ، أسفا على أنهم لم يصغوا إليه ، وذلك قبل الطوفان- ولا جاء ما يفيد استنكارا على صدور البكاء من أوليائه ، كالذي نسمعه من الناس اليوم، يستهجن حتى مجرد البكاء على ميت قريب رحم كان أم بعيدا، كأنما البكاء حالة مناقضة لطبيعة البشر، أو هو جريمة يجب أن يتوقف عن تنفيذها صاحبها.
إهمال البكاء ، والادعاء بأنه مناف للدين، أوجد بيننا أناسا ينتسبون للإسلام ويدعون أنهم الأولى به يمنعون الناس من البكاء ، ويعتبرون صاحبه مذنبا ، تربت فيهم غلظة منافية للفطرة التي فطر الله الناس عليها.

علي يبكي على ولده الحسين عليهما السلام
ولقد بكى أمير المؤمنين علي عليه السلام على أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، لما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبكي ، وعلم منه بحادثة قتله.
عن عبد الله بن نجا عن أبيه أنه سار مع علي عليه السلام ، وكان صاحب مطهرته ، فلما حذا نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي : اصبر يا أبا عبد الله ، اصبر يا أبا عبد الله بشط فرات." فقلت: وماذا؟ قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم وعيناه تفيضان، فقلت يا نبي الله أغضبك أحد ، ما شأن عيناك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل ، فحدثني أن الحسين يقتل بشط فرات. قال: فهل لك أن أشمك من تربته؟ قال : فقلت نعم .فمد يده فقبض قبضة من تراب أعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا. (28)

أم سلمة تبكي على الحسين عليه السلام
عن سلمى قالت : دخلت على أم سلمة وهي تبكي ، فقلت : ما يبكيك؟ قالت : رأيت رسول الله (ص) في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب فقلت : مالك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا.(29)

الكون كله يبكي على فقد المؤمن ويستبشر بالخلاص من الكافر
حالة البكاء والحزن ليست مقتصرة على البشر، وإنما تتعداها إلى الكون بأسره فقد جاء في كتاب الله تعالى، ما يفيد أن السماوات والأرض لا يبكون على الكافر والمنافق.
قال تعالى:" فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين."(30) بينما دلت الآية في نفس الوقت على أن الكون كله يبكي على موت المؤمن.

كلام النبي لا يزال يملأ الآذان الواعية
نعم ما زال كلامه صلى الله عليه وآله وسلم غضا طريا كأنه قيل الآن،لم يقل ذلك شططا ولا عن هوى ، لأنه ما ينطق عن الهوى ، وما زلنا نقرأ ذلك بأعيننا ،وقد تلقفناه عن الأجيال التي سبقتنا، لكن دعونا نصارح أنفسنا ، ونسألها بكل بساطة : هل فهمنا معنى التدين ؟ وعرفنا مقصد النبي صلى الله عليه وآله من هذا الحديث أو ذاك؟
في اعتقادي أن ذلك كله لم يقع إلا بضرب من المحدودية ، لأن اغلب المسلمين قد أوكلوا مهمة الفهم والتفهيم إلى من إعتقدوهم علماءهم وأخيارهم وقادتهم ، فسروا لهم تفسيرا أعرج ، وخلطوا عليهم الأمور ، وباعدوا بينهم وبين الحقيقة، بحيث لم يعد بالإمكان غير مجاراة التفاسير التي تأتي من طرف الحكام، وعلى ذلك انبنت عقيدة أكثر الناس ، لأنه كما يقال : الناس على دين ملوكهم.
عندما وقف رسول الله صلى الله عليه وآله ليقول في الملإ من الناس :" حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسينا.حسين سبط من الأسباط ." (31)
كان يقصد من كلامه إظهار مقام ابنه الإمام الحسين عليه السلام ، تماما كما كان مبينا لمقام أبيه من قبل عندما قال له :" أنت مني وأنا منك."(32) لأنهم جميعا معدن واحد وأصل واحد ، ذرية بعضها من بعض.
هؤلاء الأجلاف الغلاط، لم يتركوا لنا الحرية حتى في البكاء على جريمة اشترك فيها أجدادهم ،ويصرون على أن يكونوا طرفا في جريمة أخرى ، بدأ التاريخ في تسجيلها عليهم ، بدماء بريئة لا ذنب لها سوى أنها لبت أمر الله تعالى في مودة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، فقال جل من قائل مخاطبا نبيه :"قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى." (33) ونداءات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم المتكررة بمحبة الطاهرين.

ماذا يريد منا مجرموا خط السقيفة ؟ وأي شريعة تبيح لهم قتل الناس حتى لو كانوا على غير ملتهم؟ ألسنا أبناء ملة واحدة ؟ فلماذا إذا يقتلوننا؟ أعلى شهادة توحيد الخالق التي تتميز على توحيدهم،فهم يجسدون الله تعالى من خلال مرويات موضوعة تبعث على الأسى ، وتصور الخالق كأنه بشر بل وخلق آدم على صورته، وله رجل يضعها في النار وينزل إلى السماء الدنيا ويتنكر يوم القيامة فينكره الناس ، وان صفاته هي غير ذاته ، ونحن ننزه المولى تعالى عن كل ذلك، ونعتبر أنه تعالى ليس كمثله شيء ، لا يمكن أن يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وان صفاته هي عين ذاته . ويقولون كذلك بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير معصوم من الأخطاء في ما عدا الوحي ،كأنما النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبلغ فقط على المستوى النظري ، ونحن نقول بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم العقل الكامل النوراني الخلقة قبل آدم بآلاف السنين ، معصوم من الخطإ عمدا وسهوا قبل البعثة وبعدها ، لأن مقام الاصطفاء الإلهي يستوجب ذلك، وفلسفة بعثته متصلة بتلك الناحية من التطبيق ، فهو الكلف قبل غيره ، وهو المثال الذي وضع للناس ليقتدوا به. و يقولون بأن الله تعالى ورسوله، تركا هذا الدين الخاتم منثورا بين الناس، ومفرقا عندهم ليفعلوا فيه ما يشاءون، وإن أمر الحكومة ليس من الدين ، فأسسوا أساس فصل الدين عن الحياة ، مغيبين في نفس الوقت دور المسجد، الذي أسسه النبي صلى الله عليه وآله على أساس من التقوى، متحولين عنه إلى شفا جرف السقيفة الهار، الذي أودى بنا إلى هذه الحال من التفكك والضياع ، ونحن نقول بأن أمر الحكومة الإسلامية هو من الدين جزء لا يتجزأ، مخصوص لله تعالى تشريعه وأداءه، ولم يرحل النبي صلى الله عليه وله عن الدنيا إلا وقد بين معالم الحكومة، كما قد بينها كل الرسل الذين سبقوا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، ولا حقيقة أجلى من أن الدين جاء ليخرج الناس من عبادة بعضهم إلى عبادة الله تعالى، ومن حكومة التسلط والهوى إلى حكومة الخالق ، الذي شرع الشرائع ليجعل لها قيما ، ولا يتركها لمشيئة المخلوقين.

ماذا قال الإمام الحسين عليه السلام؟
سيد شباب أهل الجنة، كما صرح بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه المستفيض في كتب العامة والخاصة، قام بعمل لا يريد به شخصه لأنه بلغ الكمالات التي يمكن لبشر مثله أن يصلها، وحقق لنفسه مقاما محمودا عند الله تعالى ، ولا كان يبغي من وراء نهضته تحصيل مكسب لفئة من الناس ، إنما كان همه الوحيد ودافعه إلى الخروج هو طلب الإصلاح في الأمة، بعد أن ظهرت على جسدها أعراض أوبئة خطيرة تمثلت في حركة التحريف التي انتشرت أعلامها على أنها الدين الرسمي الصحيح، وحالة الاستكانة للظلم وقبول أمرهم على أساس أنه واقع من الله تعالى ، ونسبة أفعالهم على أساس أنها مخلوقة له ، والبشر في ذلك كله منقادون للإرادة الإلهية، وعقيدتي الجبر والإرجاء ظاهرتان أوجدتهما مؤسسات الظلم لتبرير أفعالها وإسنادها إلى الله تعالى ، وتعذير المجرمين وإرجاء الحكم عليهم ، وتركه إلى الله تعالى، هي مضامينها تشوه عقيدة التوحيد لدى الفرد المسلم .
قال الإمام الحسين عليه السلام تبريرا لخروجه:" والله لم أخرج أشرا ولا بطرا ، ولكنني خرجت طلبا للإصلاح في أمة جدي.".. وقال عليه السلام أيضا:" إن هذه الدنيا قد تغيرت وتنكرت ، وأدبر معروفها , فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون أن الحق لا يعمل به ، وأن الباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا، فإني لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا برما."(34)

ومن مواعظه العظيمة ما جاء في قوله :" من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرام الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغير عليه بفعل ولا قول ،كان حقا على الله أن يدخله مدخله ، ألا وأن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمان ، وأظهروا الفساد ، وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفيئ ، وأحلوا حرام الله ، وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غيره." (35)
كما كان عليه السلام حريصا على فضح الطابور الخامس من عبيد الدنيا من المنافقين الذين يتظاهرون بالتدين ، ويتجلببون بجلباب الدين ، وأفعالهم كلها كيدية له ولأتباعه:" إن الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معائشهم ، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون."(36)

الحسين يبكي ... ويعلمنا البكاء
حانت التفاتة من العقيلة زينب بنت الإمام أبي الحسن علي عليهما السلام إلى أخيها أبي عبد الله الحسين عليه السلام، فرأت الدموع تسيل من مقلتي أخيها ، فكلمته قائلة : " ما هذا الذي يصدر منك يا أخي في هذا الموقف، الذي كنت أشد رباطة جأش في غيره من المواقف الصعبة؟"
فقال لها:" أبكي على أناس سيدخلون النار بسببي."(37)
أي رحمة أعظم من أن يبكي المقتول على جزاء القاتل؟ وأي عظمة أكبر من موقف أبدى فيه الإمام الحسين عليه السلام من الإحساس والاهتمام بغيره ، والتأسف لمصيره التعيس ، حتى لو كان عدوه.

لم يكن تفكير أبي عبد الله الحسين عليه السلام وإهتمامه، منصرفين إلى غير أمة جده بما فيها من شرائح متفاوتة في الإيمان والتدين ، وما كان عطفه منحصرا في فئة منها دون أخرى ، إنه امتداد للرحمة التي جاء يفيضها جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الناس. وهو وإن كان ممن اصطفاهم الله تعالى بما وطنوا عليه أنفسهم من مكارم وبر ، فقد كان شديد الخوف من الله تعالى ، لذلك لم يذكر له التاريخ ولا حمل الناس في حديثهم عنه خطلة ولا عيبا ولا عورة يمكن لأعدائه أن يعيبوه بها، ذكرهم بنفسه ، وطلب منهم أن ينسبوه ، حتى يثوب الثائب منهم إلى رشده .
كانت أعماله كلها مطابقة لأحكام الله تعالى، وسنن جده صلى الله عليه وآله، ومكارم أبيه حيدرة الكرار عليه السلام.

كل إناء بما فيه يرشح
مقابل خروج الإمام الحسين عليه السلام ، وقفت فئة من الصحابة وأبناء الصحابة ، تربت بتربية بعيدة عن بيت النبوة ، وأخذت من كدر أصولهم وضبابية عقولهم ،موقعها إلى جانب الطاغوت في مواجهة الحق الذي عليه أهل البيت عليهم السلام ، فقادوا زمام المذبحة ، وأناخوا برحلها ، وأنهوا تراتيب فصولها ، مثال ذلك قائد الجيش الأموي الجرار ، الذي فاق عدده العشرين ألف مقاتل ما بين فارس وراجل ، عمر بن سعد ابن الصحابي المعروف سعد بن أبي وقاص الذي قال فيه الذهبي في ميزانه:" إنه في نفسه غير متهم، لكنه باشر قتال الحسين وفعل الأفاعيل." ( 38)، أنظر إلى أي مدى يأخذ التعصب بالذهبي ، عندما يبرئ مثل هذا المجرم؟
وفئة أخرى من أدعياء التقوى والزهد والعزوف عن الدنيا وقفت موقف المتفرج، آثرت الإنزواء وراء جدر المساجد وبيوت العبادة على مقارعة الباطل، والذود عن الحق الذي يمثله الإمام الحسين عليه السلام ، ومثال هؤلاء عبد الله بن عمر بن الخطاب ، الذي لم يكتف بذلك فقط ،إذ انبرى مثبطا مواليه الذين أرادوا الثورة على نظام بني أمية الفاسد ، مع من انتفض من سكان المدينة من أبناء الصحابة وخلعوا يزيدا، جمع الرجل مواليه وحشمه وولده: وقال: ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة ، وإنا قد بايعنا هذا الرجل (يعني يزيدا) على بيعة الله ورسوله ، واني لا أعلم غدرا أعظ من أن تبايع رجلا على بيعة الله ورسوله ثم تنصب له القتال ، واني لا أعلم أحدا منكم خلع ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه." (39)
وقد كان الرجل بمرأى ومسمع وحضور من واقعة الحرة الأليمة، التي دارت وقائعها بالمدينة على عهد يزيد عليه لعنات الله والملائكة والناس أجمعين، عندما استبيحت ثلاثة أيام فقتل الآلاف، وانتهكت الأعراض إلى حد فاق الوصف ، وتجاوز حد التصور، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومع ذلك فان الرجل كان مقيما على بيعته ليزيد الفاسق ، ولكي لا يحسب مع من خرجوا على الحكم الجائر جاء إلى عبد الله بن مطيع فقال : إني لم آتك لأجلس ، أتيتك لأحدثك حديثا ، سمعت رسول الله (ص) يقول : " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية." (40) ، وانتهى به المطاف في خاتمة عمره ،إلى أن بايع الحجاج بن يوسف نيابة عن عبد الملك بن مروان، بعدما قتل عبد الله بن الزبير، فأراد الحجاج إذلاله فقال له:" إن يداي مشغولتان." فمد له رجله فبايعه منها .

غير أن عبد الرحمان بن خلدون صاحب التاريخ الشهير ، مضى قدما في سياسة خلط الأوراق ، وعدم التفريق بين الحق والباطل ، معتبرا أن الذي خذل الإمام الحسين عليه السلام ، يستو من حيث الاجتهاد مع من حارب إلى جنبه وبذل من أجله مهجته، فكلهم عنده مجتهدون ، يقول :" ولا يذهب بك الغلط أن تقول بتأثيم هؤلاء بمخالفة الحسين عليه السلام وقعودهم عن نصره ، فإنهم أكثر الصحابة ، وكانوا مع يزيد ، ولم يروا الخروج عليه ، وكان الحسين يستشهد بهم وهو بكربلاء على فضله وحقه ، ويقول: سلوا جابر بن عبد الله ، وأبا سعيد الخدري ، وأنس بن مالك ، وسهل بن سعيد وزيد بن أرقم ، وأمثالهم ولم ينكر عليهم قعودهم عن نصره(41).
وهذا اعتراف نأخذه من هؤلاء الذين عموا وصموا في الصحابة، إلى درجة أصبحوا يعتبرون أعمالهم مرجعا تهديهم سبيل الرشاد ، وموالاة الظلم إذا جاءت من الصحابة فنعم أجر الموالين، متجاهلا أن الحسين عليه السلام عندما علم بأن الذين يواجههم لا يعتقدون بمرجعية الذين أهلهم الله تعالى ورسوله ليكونوا منارات هدى للأمة ، فأراد أن يبين لهم بصورة قد يفهمون معناها ، وهي الصورة التي وضعها وزين تفاصيلها معاوية الطليق، ومن أسس معه أساس تضخيم الصحابة، إلى درجة أحلهم محل الأئمة الهداة من أهل البيت عليهم السلام، وما كان لهؤلاء أن ينتقلوا من جوار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى مجاورة عبيد الدنيا والانخراط في أعمالهم، قد كان عمار بن ياسر المثل الذي ضربه في إتباع الحق واتخاذ سبيل الصدق ، عندما كان إلى جانب الإمام علي عليه السلام في حروبه التي خاضها ، مع أن له من العمر تسعون سنة ، قد لا يقوى معها على حمل السلاح وركوب الخيل ، لقد كان ثالث آل ياسر مدفوعا بمقالة سمعها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووعتها أذناه :" يا عمار إذا رأيت عليا قد سلك واديا، وسلك الناس واديا غيره فاسلك مع علي ودع الناس ، قانه لن يدلك على ردى ، ولن يخرجك من هدى."(42)

ونذكر جيدا ليلة العاشر من المحرم، كيف اجتمع الإمام الحسين عليه السلام بمن تبعه من خلص المؤمنين ، وعرض عليهم أن ينسحبوا تحت جنح الظلام، قائلا :" هذا الليل قد اقبل فاتخذوه جملا." مشفقا عليهم من معركة قد تدفع إلى موقف أسوأ من الانسحاب قبلها وهو الفرار من حر أتونها، متعللا بأن القوم يطلبونه وحده، لكنهم رفضوا وأصروا على الشهادة دونه، ولو خرج رجل واحد منهم قبل المعركة أو فر ناجيا بنفسه ، لما كان له الحق في أن يفعل ، رغم سماح الإمام عليه السلام بذلك ، فالحق أحق بأن يتبع، ولا يوجد للحقيقة وجهان قط.

مصيبة الإمام الحسين لا توازيها مصيبة
إلى الذين وقفوا من نهضة الإمام الحسين عليه السلام موقف المتفرج ، وموقف المستهجن ، وموقف المستنكر نقول لهم ، إن من أشد الأحداث وطأة على صاحب عقيدة أن يراه شريكه بعين مختلفة عن العين التي يرى بها.
لقد جاء الإسلام ليؤسس في المنتسبين إليه روحا من البذل والعطاء والتضحية ، ونكران الذات ، فوصفهم بالجسد الواحد ، ووصفهم بالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا، معتبرا أن المصير واحد ، طالما أن الطريق واحد، فما أشعر به أنا لا بد أن يصل إليك ، وإلا ما كنا جسدا واحدا ولا بنيانا واحدا، وأبو عبد الله الحسين عليه السلام هو تلك المادة التي تشد البنيان ، والقلب الذي عليه مدار الجسد ، مصيبته فوق كل مصيبة ، وفجيعة أهله لا تشبهها ولا تساويها فجيعة، ولعل أبلغ ما يمكن أن يرد به على هؤلاء الجهلة القاسية قلوبهم ، ما رواه أصحابهم من نقض لما أسسوا له من استنكار ، حيث جاء عن النبي صلى الله عليه وآله قوله :" ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها ، فيحدث بذلك استرجاعا ، إلا جدد الله له عند ذلك ، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها."(43)

نتائج الثورة الحسينية
لئن لم تسفر معركة يوم العاشر بين الحق والباطل ، بين حق الإمام الحسين عليه السلام ، والذي تجسد في انتمائه إلى أبيه وملهمه الأول محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، بكل ما في كلمة الانتماء من معنى ، وبكل ما في الانتماء من بعد ،وما في الحركة من عمق،غير نتيجة واحدة تقول، إن الباطل لا يفرق بين رفيع ووضيع في صراعه ، والمعركة بل المجزرة التي بدأت يوم العاشر من محرم الحرام ، ما كان لها أن تكون لو كان للطرف المواجه للإمام الحسين عليه السلام أدنى مفهوم من مفاهيم الدين الحنيف ، أو أبسط قيمة من القيم الإنسانية، ففي ذلك اليوم ،عرى فيه الإمام الحسين عليه السلام عن الوجه القبيح لمؤامرة السقيفة التي أنتجت حكما عصبيا، لم يكن همه بعد أن تسلم السلطة بالمكر والخديعة والتمويه على المسلمين ، الحفاظ على الثوابت التي اشتمل عليها الإسلام ، واحترام شعائره ، وبث قيمه، إنما كانت السلطة والجاه والدنيا منصب همه ، ومبلغ رغبته، فكان على المسلمين الخلص والمخدوعين ،أن يثوبوا إلى رشدهم بعد الفاجعة التي تمخضت عنها المعركة ، ويفهموا أنه لا مجال لمقايسة التبر بالتراب ، متى غاب سيد شباب أهل الجنة عن أحبائه من المؤمنين حتى يرتاب فيه مرتاب ، أو يقاس بنظير لا يساويه في شيء ؟ وصدق عليه السلام عندما قال :" مثلي لا يبايع مثله."(44)

ومنذ ذلك الحين هبت عناصر التغيير في الأمة ، متمثلة في نخب أفرادها الذين أيقنوا أنه لا بد من أجل إعادة الروح للدين التي كاد يزهقها الظلم والبغي الأموي ، أن يبذلوا أرواحهم وكل نفيس وغال ، ففي سبيل الله تعالى يهون كل شيء ، وهذا الإمام الحسين عليه السلام قد ضرب مثلا لتحتذي حذوه أجيال الأمة، وصنع هو وأصحابه مدرسة جهادية، ظلت على مدى الدهر كعبة يسعى إليها عشاق الشهادة ، والمتاجرون مع الله تعالى تجارة لاتبور، أفواجا وجحافل ، ثورات وانتفاضات ، تريد إحقاق الحق وإبطال الباطل، امتثالا لأمر الله تعالى في أن الأرض يرثها عباده الصالحون، وأنه لا مجال لمهادنة الظلم ، ولا العيش معه.

الإمام الحسين أراد بنهضته إحياء العزة في أنفس المسلمين
"هيهات منا الذلة يأبى لنا الله ذلك ورسوله والمؤمنون."
كلمات عبر بها الإمام الحسين عليه السلام عن موقف مبدئي يجب على كل مؤمن أن يثبت عليه ، إمتثالا لأمر الله تعالى في قوله :" ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين." (45)
كما كان موقف جده وأبيه من قبل، حيث كان يحث المسلمين على العيش بعز أو الموت بكرامة، وكان يقول كلما رأى بادرة تخاذل أمام الباطل المستشري :" الحياة في موتكم قاهرين ، والموت في حياتكم مقهورين."(46)
لذلك لم يكن مفاجئا خروج الإمام الحسين عليه السلام ومقارعته للباطل ، بقدر ما كان مفاجئا جهل جانب من المسلمين للحسين عليه السلام وثورته المباركة.

فلسفة زيارة القبور.. ودواعي البكاء
لم تهدأ ثائرة أعداء الحق وأتباع الظلام ممن تسموا بالسلفية، وما تناسل منها باحتناك الشيطان وأوليائه ، من التشنيع على الشيعة الامامية الاثني عشرية بخصوص إقامة الشعائر الحسينية من تجسيد لمظلومية سيد شباب أهل الجنة ، وبكاء عليه وإعلان الحداد على مدى الدهر أسفا على مظلوميته ، وحرصا على حفظها ، بل وجعلها شعارا يتعبد به العارفون ، ومقاما يسعى لنيل بغيته منه المؤمنون، فالحسين عليه السلام هو كما قلنا امتداد للنبي صلى الله عليه وآله، أصلا وتشريعا ، فحقوقه في الأمة حقوق النبي صلى الله عليه وآله لحديثه الشهير:" حسين مني وأنا من حسين..." فمن اقتدى بالحسين عليه السلام ن ومن تابعه في أفعاله فكأنما تابع النبي صلى الله عليه وآله ، ومن والى الحسين عليه السلام فكأنما والى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله،ومن زار الحسين عليه السلام فكأنما زار النبي صلى الله عليه وآله ، ومن صلى على النبي صلى الله عليه وآله، فلا بد له من أن يصلى على الحسين عليه السلام، وإلا فإن صلاته بتراء منقوصة، وزيارة الإمام الحسين عليه السلام هي إعتراف لهذا العظيم بأياديه على الإسلام ، وفداءه له أسفر عن بقاء الدين غضا طريا حيا في الأنفس المؤمنة.
لذلك كله نقول أننا نحن المسلمون بحاجة إلى هؤلاء الأطهار، ولئن احتاجهم الأنبياء كآدم ونوحا وإبراهيم عليهم السلام، فحاجتنا نحن اشد وأمس ، نحن الذين نحتاج إلى الصلاة عليهم لنتطهر من الذنوب، وبحاجة إلى زيارة مقاماتهم وتعظيمها ،لأنهم الباب الذي يؤتى الله منه، والوسيلة التي أرادها أن تكون بينه وبين خلقه ، والسبب الموصل إلى رضاه ورضوانه.

فضل زيارة الإمام الحسين عليه السلام
سئل جعفر بن محمد عليه السلام عن زيارة قبر الحسين عليه السلام ، فقال : "أخبرني أبي أنه من زار فبر الحسين عليه السلام عارفا بحقه ، كتب الله له في عليين . وقال:إن حول قبر الحسين عليه السلام سيعين ألف ملك شعثا غبرا ، يبكون عليه إلى يوم القيامة."(47)

نصرة الحسين مستمرة
إننا عندما نحيي شعائر عاشوراء بما تحمله من مضامين ، فإننا نلبي في واقع الأمر نداء الحسين عليه السلام، عندما صرخ بأعلى صوته مناديا نداء غيبيا :" هل من ناصر ينصرنا أهل البيت ." مستمرا مخترقا الزمن كأنما الزمن كله عاشوراء والأماكن كلها كربلاء،وكل مظلوم هو أبو عبد الله الحسين عليه السلام، وكل ظالم هو يزيد بن معاوية وجنوده . لقد كان الإمام الحسين عليه السلام يدرك تمام الإدراك بان النصرة لن تأتيه في ذلك الوقت وفي ذلك المكان ، لذلك فإن نداءه كان له بعده الغيبي ، الذي يستصرخ الأجيال التي ستلتفت إلى الحادثة التفات المهتم به، وتصغي إليها إصغاء الواعي بنهضته والمقدر لمسيرته ، التي اختلط فيها الجهاد في سبيل الله تعالى، بالهجرة في سبيله والشهادة المميزة دونه، فاستحق عن جدارة لقب سيد شباب أهل الجنة ، لأن السيادة معدن لا يكون إلا في من لا تلهيهم تجارة، ولا بيع ولا خلال عن ذكر الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، أولئك هم الصفوة الطاهرة من آل الأنبياء عليهم السلام، وآل النبي الخاتم صلى الله عليه وآله غير مستثنون منهم.
نصرة الإمام الحسين عليه السلام ليست متعلقة بزمنه عليه السلام ، ولا هي منتهية بانتهاء المواجهة باستشهاده ، وإنما هي مستمرة استمرار الحياة على ظهر البسيطة ، لأن الإمام الحسين عليه السلام كان يجسد الإسلام في أجلى صوره ، تماما كما كان جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والموقف الذي سجله الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء ،هو نفس الموقف الذي رسمه من قبل والده الإمام علي وأخوه الإمام الحسن عليهما السلام، لا حياة بلا عزة، كما لا دين بلا روح ، والحياة التي لا يجد فيها صاحبها لذة الدور المفيد ، وسمة خدمة الحق ، عديمة الجدوى ، والموت أفضل من البقاء فيها.

لقد كانت مسيرة الإمام الحسين عليه السلام، أفضل مسيرة خطها التاريخ بين صفحاته بأحرف نورانية ، بحيث لم تضاهيها مسيرة أخرى في العظمة والشموخ ، فمن غير أبي عبد الله الحسين عليه السلام خرج إلى حيث محنته، وهو مدرك تمام الإدراك لما سيحدث له ؟ ومع ذلك خرج صابرا محتسبا ، ومن غير أهل بيته وذريته في الامتثال لمشيئة الباري تعالى ، وضرب أروع أمثلة التضحية من اجل الإسلام وأهله؟ وحضورهم لوقائع تلك الجريمة، وما حصل لهم أثناءها وبعدها من معاناة يشيب لهولها الولدان، بما إشتملت عليه من تفاصيل مدمية ومفزعة للقلوب ، فهم موطن الصبر إن كان للصبر موطن ، وأساس الدين والإيمان حيث لا دين ولا إيمان إذا فقدوا. هكذا إذا تتنكر الأمة لأبسط قواعد الدين ، فيقتل أولها سبط النبي صلى الله عليه وآله وريحانته ، وسيد شباب أهل الجنة ، وذريته وأصحابه ،ويحملون النساء والأطفال سبايا بلا حرج كأنهم من ملة غير ملة الإسلام ، ويحاربون بعدها ، وعلى مدى القرون الفائتة بكل الوسائل والطرق ، ويأتي آخرها متحسسا جفاء أسلافه ليجدد المصيبة بشكل آخر لا يقل فضاعة عن الأصل .
يمكن القول في خاتمة المطاف أن الإمام الحسين عليه السلام قد خط يوم عاشوراء بدمه الطاهر، ودماء أهل بيته وأصحابه الزكية ، منهجا عمليا ، وشيد مدرسة يتلقى فيها المؤمن أسس العزة ، ومبادئ العيش كريم ، إذا ما تقاطعت سبيل الرحمان مع سبل الشيطان، ولم يعد هناك بد من اختيار الأولى ،ووضع على محك البلاء.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الآخذين بثأر الإمام الحسين عليه السلام، تحت راية حفيده الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المراجع
1 - (صحيح) الترمذي ج5ص306 حديث 3819 - خصائص النسائي ص27 سنن النسائي ج8ص116 - مسند أحمد بن حنبل ج1ص95 - سنن البيهقي ج2ص271 - مسلم كاتب الإيمان
2 - سورة الشورى الآية 23
3 - يونس الآية 72
4 - الشعراء الآية 128/109/127/145/164/180.
5 - آل عمران الآية 31
6 - تاريخ الطبري - معالم الحكومة الاسلامية للشيخ جعفر السبحاني
7 - الاستيعاب لابن عبد البر بهامش الإصابة ج3ص39- النص والاجتهاد ص271/275
8 - سورة يس الآية 12
9 - سورة آل عمران الآية 34
10 - ابن خلدون - المقدمة
11 - مسلم كتاب الإمارة
12 - الأحزاب الآية 33
13 - حديث الثقلين أخرجه عدد كبير من الحفاظ منهم على سبيل الذكر: مسلم باب فضائل علي بن أبي طالب ج7ص122 - صحيح الترمذي ج5ص328 ح3874 و ح3876 - الصواعق المحرقة لابن حجر ص 147 - مسند أحمد بن حنبل ج3ص17و26و59وج5ص181 -كنز العمال للمتقي الهندي ج1ص158 ح899و943و944و945و946و947و950و951و952و953و1651و1658و1668وج15ص91ح255و356 .......
14 - حديث السفينة :" إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق." تلخيص المستدرك للذهبي - المجمع الصغير للطبراني ج2ص22 وج1ص139 المستدرك للحاكم ج2ص343 وج3ص150 الصواعق المحرقة ص184و234 الفتح الكبير للنبهاني ج1ص414 وج3ص133......
15 - مسند أحمد بن حنبل .كتاب باقي مسند الأنصار ح25315
16 - أعلام الهدي ص176
17 - السيرة الحلبية ج2ص132/133/134 باب تحويل القبلة
18 - البخاري كتاب الصوم ح1760
19 - البخاري كتاب الحج ح1489
20 - البخاري كتاب الصوم ح1865
21 - البخاري كتاب الصوم ح1978
22 - البخاري كتاب الصوم ح1790
23 - أعلام الورى بأعلام الهدى ج1ص427
24 - مسند أحمد بن حنبل
25 - مستدرك الصحيحين ج3ص167/169 قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين . ،كتاب معرفة الصحابة- ذخائر العقبى للمحب الطبري ص148 - كنز العمال للمتقي الهندي ج7ص106 فضائل أهل البيت ح37667 /37669 ج6ص222 /223ح34299/34314 /34317/34319/34321/34323 /34327/37666/37668 . فضائل الخمسة ج3ص326 إلى 336 - مسند أحمد بن حنبل ج3ص242 مسند انس بن مالك ح 13127/13383 - وأخرجه كل من البغوي وأبو حاتم وأبو نعيم ، ذكره الهيثمي في مجمعه ج9ص187/188/191 كتاب المناقب باب مناقب الحسين بن علي - الصواعق المحرقة لابن حجر ص115 الباب الحادي عشر.
26 - سنن ابن ماجة كتاب الفتن ح4072
27 - مسند أحمد بن حنبل ج1ص85 مسند علي بن أبي طالب ح 649 - تهذيب التهذيب لابن حجر ج2ص347 باب الحاء، من اسمه الحسين -كنز العمال للمتقي الهندي ج7ص105 ح37663 - أخرجه ابن أبي شيبة وأبو يعلى وسعد بن منصور ذكرهم الهيثمي في مجمعه ج9ص187 كتاب المناقب وقال : أخرجه البزار والطبراني ورجاله رجال ثقات.
28 - الترمذي ج2ص306 كتاب المناقب باب 31 مناقب الحسن والحسين ح3771 - مستدرك الحاكم ج4ص19 كتاب معرفة الصحابة باب ذكر أم المؤمنين أم سلمة - تهذيب التهذيب لابن حجر ج2ص356 - ذخائر العقبى للمحب الطبري ص148 وقال أخرجه البغوي في الحسان- فضائل الخمسة ج3ص345
29 - يوسف الآية 84
30 - سورة الدخان الآية 29
31 - سنن الترمذي .كتاب المناقب ح2708 -سنن ابن ماجة . المقدمة ح141 -مسند احمد كتاب مسند الشاميين ح16903
32 - - حديث أنت مني وأنا منك :
33 - سورة الشورى الآية 23
34 - أعلام الهدى لأحمد زكي تفاحة ص194/195 - وسيلة الدارين للزنجاني.
35 - أعلام الهدى ص197
36 - أعلام الهدى لأحمد زكي تفاحة ص 195 - تحف العقول عن آل الرسول لابن شعبة الحراني
37 - وسيلة الدارين في أنصار الحسين
38 - ميزان الاعتدال للذهبي ج 3 ص198/199 الترجمة 6116
39 - صحيح البخاري ج1ص166 -سنن البيهقي ج8ص159 - مسند احمد ج2ص96
40 - مسلم ج6ص22
41 - المقدمة ص240 الفصل الثلاثون : ولاية العهد
42 - كنز العمال للمتقي الهندي ج6 ص156- تاريخ دمشق لابن عساكر ج3ص170 ح1208
43 - مسند أحمد بن حنبل ح1745 سنن ابن ماجة ج1ص512 الإصابة في تمييز الصحابة ترجمة الإمام الحسين عليه السلام. البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي حوادث سنة 61 هجرية
44 - وسيلة الدارين في أنصار الحسين
45 - المنافقون الآية8
46 - نهج البلاغة للإمام علي عليه السلام ،باب المواعظ والحكم القصيرة
47 - ذخائر العقبى للمحب الطبري ص151 الباب التاسع.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة