المستبصرون » مساهمات المستبصرين

ابو مرتضى علي - الوطن العربي - 16 ربيع الثاني 1426 - لِمَا الذِكرى ياخميني؟ وقد امتلكت الذاكرة والفؤاد
البريد الالكتروني

الاسم : ابو مرتضى علي
الدولة و المدينة : الوطن العربي
المساهمة :

بسم الله الرحمان الرحيم

والصلاة على المصطفى الأمين وعلى أهل بيته الأطهار المنتجبين . والبراءة من أعدائهم الملاعين من الأوّلين والآخرين.

سلام من الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته

لِمَا الذِكرى ياخميني ؟ وقد امتلكت الذاكرة والفؤاد

(( كلّ نفس ذائقة الموت وإنّما توفون أجوركم يوم القيامة ..))
((فالموت هو الحياة : فكم من حيّ هو ميّت وكم من ميّت هو حيّ..))

ما مات من أتعب الدنيا وما تعبـــــا ***** وكيف يفنى خلود أو يموت إبـــــــــا
ما مات من نازل الدنيا وأرهقهــــــا ***** وما استكان على خدّ الثرى نصبـــا
ما مات من دوّخ الدنيا وقد شهـدت ***** في آية الله من آيـــــــاته عجبـــــــــا
ما مات من زُفّ نحو الحور مُتَّشحا ***** بالمكرمات فطافت حوله عُرُبـــا [1]

وقد أشرف فجر يومك عن البزوغ، نراه في الأفق يجرّ ثقلا من الآلام والأحزان ، ومنذ عقد ونصف لم ينقص منه شيئا . لأن المصاب عظيم والجرح عميق والفاجعة جسيمة .. جاء يومك ليفتح جراحا لم تندمل ، ويوقد نارا لم تخبو .. ولِمَــــــا تَحِلُّ ذكراك سيّدي .؟ وأنت امتلكت فينا الذاكرة والفؤاد ، فلم تغب عنا يوما واحدا ، بعد أنّ امتزج سناء طيفك بدمائنا ، ومع كلّ دورة منه ترسمُ لنا الذاكرة مشاهد خالدة من مواقف الإباء العلوي والنخوة الحسينيّة .. وقفتك ، جلستك ، نظراتك الحانية وأنت توزّعها بين ضيوفك بالعدل ، يمناك سيدي حين كنت ترفعها كانت راية عزّتنا ، وسوط عذاب على أهل الجبت والطاغوت العالمي ، خطواتك المتأنّية كانت الرمز للقائد الواثق من نصر مولاه ... فكنت مستودعا للفضيلة يؤمّه الطامحون ، وكنت المحجّة البيضاء التي يتطلّع لها عشّاق الضياء والنّور ، عشقناك دون سابقة معرفة ، وكنا نستمع لكلماتك فتطربنا دون أن نعي معناها ، وكنا نفرح لفرحك ونبكي لبكاك ..
أمّا وقد غاب جسدك الطاهر عن بصرنا ، ومنذ سنين عدّة . فأنت مرسوم على صفحات بصائر كلّ المحبّين للكمال ، والمتوضئين بذاك النّور المتسلسل من أصلاب الحقيقة .. بعد أن حفرت طيفك في أفئدتنا لا ينفكّ عنها ولا تنفكّ عنه حتّى يجمعنا اللقاء ـ إن شاء الله ـ بحضرة جدّك المرتضى عند حوض المصطفى ـ صلوات الله عليهما ـ فأنت كنت ولا زلت وستبقى ما بقي المحرومون والمستضعفون وعشّاق النهج المحمّدي الأصيل ..
سيدي: كثيرا ما كانت لدي الرغبة في مناداتك ومناجاتك ، ولكنّي أقف ألكن رغم امتلاكي لعذر المحبّ ، وجهلي أيّ الألقاب يحلو لك حتّى أدعوك به ..؟ وأيهم يُعطيني حقيقة وصفك كي أعي ولو القليل من حقيقة ماهيتك المقدّسة .. وبعد عجزي رغم السنين ، سأكتفي بأنّ أقول أنّك الإمام ((الممهّد)) وكفى .
بعد أن أعدّت لها معناها الحقيقي . كما يصدقُ فيك اسم المُمهّد . ( بعد أن أقمت لصاحب الزمان ـ أرواحنا فداه ـ قاعدة)

شيخ أقام عمـــاد الدّين شامخة ***** للثائرين وهزّ الكـون فاضطربـــــــا
مــاذا أقــول نبيٌّ جئت مُرتديــــــا ***** زي الإمامة أم مُستضعف غضبـــا
ولستُ من فرط حبّي أدّعي جنفا ***** لكن قـــــرأتك والتّـــــاريخ والكتبـــــا
فما وجدتك إلاّ الخٌلــــد عن كثب ***** وقد رُفعت كعيسى حينما صُلبـــا [1]

... حتّى ولو إقتصرنا مسيرتك المباركة بين انتفاضة ((خرداد)) في 4 حزيران 1963 .. وفتواك الخالدة بهدر دم المرتد سلمان رُشدي .. ودعواك لرئيس السوفيتي للإسلام ، هذه المحطّات الثلاث كافية بأن تجعل منك رجل القرن عند أمّة إبتليت عبره بجميع النكبات ، والإهانات ، والهزائم .. فكنت شامخا كالطود دون أن تهن أو تجبن
رغم التهديدات والإعتقالات والتهجير .. لأنك تحمل بين جنبيك الإباء الحسيني والصمود الزينبي ، وبذلك صرت رجلا ، وبين الرجال بطلا ، وبين الأبطال مثلا ، وكنت عالما وبين العلماء مجتهدا ومرجعا ، وبين المراجع إماما قائدا .. بعد أن سلكت نهج آبائك الأطهار ، فورثته وعملت على تحقيقه ، فكنت بذلك فريد عصرك ومنتصرا في جميع مواقفك وأهدافك ، رغم ضجيج المتخرّسين ، وغوغاغ الجاهلين ، ونعيق المتزلّفين المستمدّ من الإعلام الصهيوني وأذنابه من أعداء الدين والقيم الإنسانيّة .. فكشفت زيف أفكارهم الفاسدة ، وعملت على قلع جذورهم من أرض الإسلام بعد أن طهّرت منهم أرض إيران . ذلك الواقع الذي أذهلهم . وأيقظ مشاعر العزّة الإسلامية والنخوة المحمّدية في وجدان الأمّة ، وعشاق الحرية والإنعتاق من المستضعفين والمحرومين .. وهنا يحضرني قول صحيفة تاميز اللندنية: (( كان الخميني رجلا سحر الجماهير بكلامه ، وكان يتكلمُ بلسان الشعب ، ويمنح الطمأنينة لمؤيديه من الفقراء والمحرومين الذين وقفوا بقبضاتهم أمام كلّ الجبابرة ، وعلّم شعبه بأنّهُ يمكن الوقوف أمام القوى العالمية كأمريكا بدون خوف ..)) وأمّا صحيفة داغيلات النورويجيّة قالت : (( كان آية الله الخميني شخصية صلبة يتّخذوا إجراءاته بهدوء عند الشدائد ، وكان كلامه قانونا ، وقانونه القرآن ..))

يا وارثا فأس إبراهيم مُحتطبــــــا ***** رؤوس أصنامهم قُدّستَ مُحتطبَـا
ويا وارث عصا موسى وآياتـــــه ***** والسّحرُ حولك يغشى الأرض والشُهُبا
إن هشّ بها موسى يوما على غنم ***** فقد صعقت بهـا الطاغوت والنُّصُبا
وإن غـدت تسع آيات له عجبـــــا ***** فأنت في كلّ آيٍ تصنعُ العجبـا [1]

أجل: كنت الحبل الموصل إلى معرفة مبدأ الوجود لكلّ من رآك ، وأي فقيه أو أديب أو فيلسوف أو سياسي .. إلاّ وينحني أدبا وتواضعا أمام حياتك العلميّة و العملية . وحضورك الفكري يشهد على قُدرتك ونبوغك الغير طبيعي . فكنت : الدّاعية - - مِن على منبر عال وأنت تُخاطب قائد أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ ((الإتّحاد السوفياتي)) وبمقاييس العقل الحكيم أعلمته عن مصير الشيوعية وأنت تُحاطبه .. فكنت المعلّم وكان التلميذ : (( لقد إتّضح للجميع أن البحث عن الشيوعيّة ينبغي أن يتوجّه من الآن فصاعدا إلى متاحف التاريخ السياسي العالمي ))
ولم تمُرّ إلآ أشهر معدودة حتّى إنهارت الشيوعية ، فأصبت بالظنّ ، وعرفت ما لم يكن بما كان .
.. وكنت العارف بعد أن عرجت في معراج الوصول ، وخلصت نفسك من مخاطر السفاهات الدنيوية ، ولن نرى بعدك قلم قد إغترف من حبر الحقيقة الإلهية وانصهر في عالم الملكوت ، فسموت بذلك إلى أفق الكمال ، حتّى جاءت وصاياك وصفة جميلة لعلاج الروح عندما كنت تنادي بلسان الأولياء : (( ما خسِرَ والله منْ أتى بحقيقةِ السجودِ ولو كان في العمرِ مــرّة ..)) وهكذا بلغت المقصد الذي عجز عن الوصول إليه رجال كُثُر..
ومع التأمل في كتاباتك ((كالآداب المعنوية للصلاة)) نُجزم بأنّك من أنشأ مذهب العشق الإلهي .. أنت القائل :

سَلْ سبيل العُشّاقِ كم شربوا الكأس دِهاقا ممزوجةً سلسبيلا .؟
هوَ مُسكِـــــرُ مُغيِّـــــبُ أم أغانــي في فمــي الحور، بُكرةً وأصيلا .؟
نشــــوة ... صحـوة في عيون الغيب جلّلت أسرارها تفصيــــــــلا .؟
إنَّ يومًا في العشقِ أحلى مذاقا من نعيم الخالدين ، دهرا طويلا ..

ويوم ترجّلت من على فرس جهادك ، بعد أن كبأ من ثقل سمو غاياتك ، ونُبل أهدافك .. ونفسك الزكيّة التي أنهكت ذاك الجسد النحيف الطاهر الخاضع لنواميس الطبيعة ، فأرهقه عِظمُ المُراد بعد احتمال عجيب .. وكانت الفجيعة العظمى والمصاب الأعظم ..لولا الخلف الصالح سماحة السيد القائد آية الله العظمى : عليّ الخامنئي (حفظه الله).
فنم قرير العين فنحن على نهجك سائريــن ، وبخطك متمسكيـــن ، وبالدعاء لك محافظيــــن نزولا تحت رغبتك الموجِبَةُ .. فسلام عليك يوم ولدت ويوم تُبعثُ حيّا ..
(( .. بقلب هادئ ونفسِ مطمئنّة ، وروح فرحة وضمير يأمل فضل الله . أستأذن الأخوات والإخوة ، وأسافر نحو المقرّ الأبدي . وأنا بحاجة مبرمة لصالح دعاءكم ..))
إنا لله وإنّ إليه راجعون

.. فسلام عليك يوم ولدت ويوم تُبعثُ حيّا ..

تقاذفتنـــــي بحار الهمّ هائجـــــة ***** فاغرقت زورق الأحلام وانقلــــــــبا
أنّى ألتفِت أرى حولـــي قضيبــة ً ***** دنيا الأسى حين غام الأفــق واكتأبا
أنا الغريب وثوبُ اليُتــم ألبسنـــي ***** بعد الخميني ذُلَّ اليُتـــمِ و الوصبـــا
أنا الغريب ومن مثلـــي بغربتــــه ***** قد ضيّـع الأهل والأحباب والنّسبا [1]

والسلام في البدء والختام ممن سيبقى على العهد مقيما .
أخوكم : أبو مرتضى عليّ

[1] مقتبس من قصيدة العيون الحالمة للشاعر أبو ياسر من بصرة العراق ..

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة