المستبصرون » مساهمات المستبصرين

د. احمد راسم النفيس - مصر - 14 رمضان 1424 - شرح دعاء السحر
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : دكتور احمد راسم النفيس
الدولة : مصر
الدين والمذهب السابق : سني
المساهمة :

شرح دعاء السحر للإمام السجاد عليه السلام (دعاء أبي حمزة الثمالي)

بسم الله الرحمن الرحيم.

افتتاح الدعاء:
أشبه ما يكون بالارتماء تحت أقدام الملك الجبار الباب مغلق، انفتح بالدعاء ( وقال ربكم أدعوني أستجب لكم) (و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون).
ارتمى الداعي بين يدي جبار السماوات و الأرض خاشعا خاضعا متذللا يطلب الأمان و مهلة للاستماع
من هنا جاء الافتتاح بتلك الصرخة الوالهة
(إلهي لا تؤدبني بعقوبتك و لا تمكر بي في حيلتك
من أين لي الخير يا رب و لا يوجد إلا من عندك ؟؟
و من أين لي النجاة و لا تستطاع إلا بك ؟؟
لا الذي أحسن استغنى عن عونك و رحمتك
و لا الذي أساء و اجترأ عليك و لم يرضك خرج عن قدرتك
يا رب يا رب يا رب يقولها عليه السلام حتى ينقطع نفسه.
إنه ليس افتتاحا عاديا إنه اختراق للحجب و الأبواب و هروب من الحصار حصار إبليس حصار النفس الأمارة بالسوء حصار المبتزين المجرمين الأدعياء.
هذه الحجب و الأبواب ليست من وضع ملك الملوك و رب الأرباب الذي لا يحتجب عن خلقه إلا أن تحجبهم الأعمال دونه و لكنها حجب الذنوب (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون* كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون* ثم إنهم لصالوا الجحيم) سورة المطففين 14-16.

و من هنا يلجأ ذلك اللاجئ المستجير إلى الاستغاثة بجبار السماوات و الأرض صارخا يا رب يا رب يا رب حتى ينقطع نفسه إنه ينادي سميعا قريبا مجيبا و لكن لا بد من ذلك الصراخ و من تلك الاستغاثة فالحادث جلل و الأمر خطير إما جنة عرضها السماوات و الأرض أو نارا تلظى لا يخفف عنهم فيها العذاب و هم فيها مبلسون من هنا كانت الاستغاثة متلائمة مع قدر الخطر الداهم الذي يتهدد ذلك العبد المستجير.
ثم يهدأ اللائذ و يسكن المستجير و يبدو من تحول السياق أنه قد حصل على الأمان لأنه من فتح أو اخترق أو طرق الباب حصل على الأمان و على حق اللجوء الإلهي إنه أمان عام لكل لاجئ و مستجير فقط كل ما هو مطلوب منك أن تطرق الباب و تلثم الأعتاب و تقترب من رب الأرباب (كلا لا تطعه و اسجد و اقترب).
يبدأ اللاجئ الهارب المطارد من شياطين الإنس و الجن و من شيطان النفس و بعد أن هدأت حالته و اطمأنت سريرته في سرد حكايته منذ أن تعرف إلى الله عز وجل ذلك التعارف التي جاءت بناءا على دعوة من أعلى و لم تأت من قبل ذلك العبد الذي أراد الله سبحانه أن يدله على نفسه فكانت الدعوة و كان التعرف و كان الإيمان:
(بك عرفتك و أنت دللتني عليك و دعوتني إليك و لولا أنت لم أدر ما أنت)

فالدعوة جاءت من عندك يا رب و شتان بين أن آتيك أنا أو تدعوني أنت فأنا في كرمك و ضيافتك و إذ استطاع ذلك العبد المتزلف إلى ربه بلباقته و لياقته و حسن أدبه أن ينتقل من حالة الهلع و الفزع و طلب الأمان ليصبح ضيفا على الملك (و لله المثل الأعلى) و قد استقر به المقام في ضيافة سيده و مالكه الواحد الأحد كان واجبا عليه أن يبدأ في تملق ربه و مولاه تقربا إليه بالحق تعدادا و إحصاءا لما لا يمكن تعداده و إحصاؤه من نعم الله و آلائه إنه الإقرار بالفضل لصاحب الفضل:
(الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني و إن كنت بطيئا حين يدعوني
و الحمد لله الذي أسأله فيعطيني و إن كنت بخيلا حين يستقرضني
و الحمد لله الذي أناديه كلما شئت لحاجتي و أخلو به حيث شئت لسري بغير شفيع فيقضي لي حاجتي
الحمد لله الذي لا أدعو غيره و لو دعوت غيره لم يستجب دعائي
و الحمد لله الذي لا أرجو غيره و لو رجوت غيره لأخلف رجائي
و الحمد لله الذي وكلني إليه فأكرمني و لم يكلني إلى الناس فيهينوني
و الحمد لله الذي تحبب إلي و هو غني عني و الحمد لله الذي يحلم عني حتى كأني لا ذنب لي فربي أحمد شئ عندي و أحق بحمدي).
الحمد لله الذي أدعوه و أسأله و أناديه بل و أخلو به حيث شئت لسري فلا يشغله سمع عن سمع لأنه وسع الخلائق كلهم برحمته و لأنه قريب يجيب دعوة المضطرين و لا حجر على إجابته و لا رحمته من شفعاء أو وسطاء فكل الخلائق يتقدمهم الأصفياء من الأنبياء و الأوصياء عباد مربوبون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يشفعون إلا لمن ارتضى و هم من خشيته مشفقون.

و هكذا و بعد أن أحس هذا العبد أن ذلك القدر المحدود من الحمد و الثناء قد جلب إليه الإحساس بالأمان و الاطمئنان للخالق العظيم الذي يجيب و يعطي و يتوكل عليه فلا يكلك إلى نفسك و لا إلى الناس ثم هو بعد كل هذا المنح و العطاء يصفح و يحلم و يبقي بابه مفتوحا للعصاة و المتمردين حتى كأن ذلك العبد المخلوق لم يذنب طرفة عين و لم يعص أوامر مولاه على الإطلاق.
يتقدم العبد خطوة أخرى إلى الأمام بعد أن أحس بمزيد من الاطمئنان ليطرح مطالبه و هو الذي كان حتى لحظات خلت يستجير بعفو و صفح الملك الجبار و كأن هذا القدر الضئيل من الحمد و الثناء يكفي لفتح أبواب الطلب و العطاء.
إنها معادلة العلاقة بين الخالق و المخلوق - الرب و المربوب - الإله و المألوه:
عطاء بلا حدود - قليل من الشكر
كثير من المنح - قليل من الحمد
كثير من العفو و الصفح - كثير من المعصية و الاجتراء على المعصية ثم معاودة المعصية
و لكن يبقى باب الرحمة و العطاء مفتوحا لكل من يعود أو حتى يلوح بطلب العودة إلى طاعة مولاه و كل من يعوذ بالله من شياطين الإنس و الجن أو شياطين النفس.
و هكذا يكتسب العبد شجاعة و جرأة إضافية تدفعه إلى الاجتراء على الطلب
(اللهم إني أجد سبل المطالب إليك مشرعة (أي مفتوحة) و مناهل الرجاء لديك مترعة (أي مملوءة) و الاستعانة بفضلك لمن أملك مباحة و أبواب الدعاء إليك للصارخين مفتوحة و أعلم أنك للراجين بموضع إجابة و للملهوفين بموضع إغاثة و أن في اللهف إلى جودك و الرضا بقضائك عوضا من منع الباخلين و مندوحة عما في أيدي المستأثرين و أن الراحل إليك قريب المسافة و أنك لا تحتجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الأعمال دونك).

إنها مبررات كافية للطلب من رب الجود و الكرم الذي يعطي و يمنع من غير قيد و لا شرط مهما توهم المتألهون الصغار أن بأيديهم العطاء و المنع يعطي تفضلا و إحسانا و تنعما و إكراما فسبل المطالب مفتوحة مشرعة و مناهل الرجاء مملوءة مترعة و الاستعانة بفضل الله لمن رجاه و أمله مباحة متاحة و أبواب الدعاء للصارخين الشاكين من ظلم البشر مفتوحة لا تحتاج إلى وساطة ملك أو رئيس أو أحد ممن حيزت لهم الدنيا فتوهموا أن بأيديهم مقاليد السماوات و الأرض فالله لا يخيب رجاء من رجاه و هو سبحانه يجيب دعوة المضطر إذا دعاه و يعطي من منعه فراعنة الأرض الأقزام الذين يبخلون و يأمرون الناس بالبخل و يتلذذون بتعذيب المؤمنين الأتقياء و حرمانهم.

كم استمعت إلى هذه الكلمات و قد ضاقت الدنيا من حولي و قد تعاهد البلهاء من حولنا على حرماننا و تجويعنا لغبر ذنب إلا موالاة الصادقين محمد و آل محمد فاطمأننت و هدأت نفسي و سكنت و أنا أسمع تلك الكلمات (و أن في اللهف إلى جودك و الرضا بقضائك عوضا من منع الباخلين و مندوحة عما في أيدي المستأثرين و أن الراحل إليك قريب المسافة) إي و الله إن الراحل إليك يا رب قريب المسافة و عما قليل يرتاح من ذلك العناء و من رؤية تلك الوجوه الشائهة حيث السعادة العظمى (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) و أما أولئك المترفون و المفسدون فهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون و (حيل بينهم و بين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك منه مريب).سورة سبأ.
إن الله قريب من عباده و لا بد أن يأتي يوم لقائه (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب و الشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) و إنه ليس بين الله و بين خلقه بواب و لا حجاب فالحجب من صنع الإنسان الذي يؤثر الظلمات على النور و يؤثر الضلال على الهدى.
تلك مقدمات لازمة من الإقرار و الاعتراف و الإذعان و هي فوق ذلك كله مرغبات و مشجعات على الوقوف بالباب و لثم الأعتاب و الطلب من رب الأرباب.

إنها ديباجة الطلب:
لتلك الأسباب (قصدت إليك بطلبتي و توجهت إليك بحاجتي و جعلت بك استغاثتي و بدعائك توسلي من غير استحقاق لاستماعك مني و لا استيجاب لعفوك عني بل لثقتي بكرمك و سكوني إلى صدق وعدك و لجأي إلى الإيمان بتوحيدك و يقيني بمعرفتك مني أن لا رب لي غيرك و لا إله لي إلا أنت وحدك لا شريك لك
اللهم أنت القائل و قولك حق و وعدك صدق و اسألوا الله من فضله إنه كان بكم رحيما و ليس من صفاتك يا سيدي أن تأمر بالسؤال و تمنع العطية و أنت المنان بالعطيات على أهل مملكتك و العائد عليهم بتحنن رأفتك
إلهي ربيتني في نعمك و إحسانك صغيرا و نوهت باسمي كبيرا فيا من رباني في الدنيا بإحسانه و تفضله و نعمه و أشار لي في الآخرة إلى عفوه و كرمه)

هكذا يرسي الإمام السجاد في دعائه قاعدة جوهرية أن الطلب من الله عز و جل و التوجه إليه بالحاجات و الاستغاثة به و التوسل إليه كل هذا على سبيل التفضل و الإنعام من الخالق الكريم … إنها ليست مطالبة باستحقاق معلوم مقابل أداء واجب من عبادة أو طاعة فكل هذا الإلحاح هو من غير استحقاق لاستماعك مني و لا استيجاب لعفوك عني بل لثقتي بكرمك و سكوني إلى صدق وعدك.
كل هذا إنما هو من مقتضيات الربوبية لا من مقتضيات العبودية فضلا عن أنه إنفاذ لأمر الله سبحانه (و اسألوا الله من فضله إنه كان بكم عليما)
و لأنه سبحانه أمر العباد أن يسألوه فقد ضمن العطية (و ليس من صفاتك يا سيدي أن تأمر بالسؤال و تمنع العطية)
كل هذه أساسيات في العلاقة بين الخالق و المخلوق و الرب و المربوب فعلى العبد أن يستسلم استسلاما تاما لمالكه و خالقه و ربه و مولاه و ألا يتوهم أي نوع من الارتباط بين الطاعة و الإجابة فالإعطاء منحة من الخالق من غير استحقاق لاستماعك مني و لا استيجاب لعفوك عني.
و هكذا اقتضت حكمته و رأفته أن يمن بالعطيات على عبيده و الخاضعين لسلطانه عطاء يتسم بالرحمة و الشفقة.
(الهي ربيتني في نعمك و إحسانك صغيرا و نوهت باسمي كبيرا فيا من رباني في الدنيا بإحسانه و تفضله و نعمه و أشار لي في الآخرة إلى عفوه و كرمه)
يا رب إنك لم تترك نوعا من النعم إلا أسبغتها علي منذ لحظة ولادتي ضعيفا صغيرا حقيرا حتى كبرت و أعليت شأني و أكرمتني بين خلقك بكرامتك و بالانتساب إليك و إلى منهجك إنه فيض من النعم المادية و المعنوية ثم لم تتركني يا رب أواجه الخوف و الرهبة من المجهول و من الآخرة بل أملتني في عفوك و كرمك فأنا في الحالين أعيش في كنفك في هذه الدنيا بل و دللتني على السبيل إلى رحمتك و رضوانك في الدار الآخرة.

ثم يدور السياق مرة أخرى و يعود إلى نقطة البدء (المعرفة و التعارف) فبعد ما جاء في البدء بك عرفتك و أنت دللتني عليك و دعوتني إليك و لولا أنت لم أدر ما أنت لو لم ترد أن تعرفني ما عرفتني فشتان ما بين العلم الظاهري و المعرفة الحقيقية.
فالعلم الظاهري يشترك فيه العرفاء و الأدعياء أما المعرفة فهي الالتقاء و التطابق بين العلم الظاهري و الغوص في أعماق الحقيقة و هي مرتبة لا يرتقي إليها العبد بجهد منه و إنما بعون من الله و من خلال عملية تعليم مستمر و متواصل للعبد المخلص الأواب الذي لا يعلمه إلا رب الأرباب و هكذا تمتد يد القدرة و اللطف الإلهي إلى هؤلاء تعليما و تأديبا و تربية و تهذيبا حيث يعيش هؤلاء في مدرسة الاصطفاء الإلهي حتى و لو كانوا يمشون بين الناس في أسواقهم فالمعرفة ليست مجرد إثبات الوجود الإلهي و هي مسألة تكاد أن تكون قضية قد فرغ منها فالمعرفة الأهم و الأفضل هي معايشة القدرة و التدبير الإلهي يوما بيوم و ساعة بساعة تلك هي المعرفة الحقيقية التي تتواصل فيها معرفة العبد بقدرة و تدبير مولاه مع المعرفة بوحدانيته (ألا له الخلق و الأمر تبارك الله أحسن الخالقين).
(معرفتي يا مولاي دليلي عليك
و حبي لك شفيعي لديك
و أنا واثق من دليلي بدلالتك
و ساكن من شفيعي إلى شفاعتك.
نبقى في إطار قضية المعرفة الإلهية و لنعرج على الإمام الأب الإمام الحسين بن علي عليه السلام سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة و هو يفصل لنا جانبا مهما من هذه المسألة في دعائه عليه السلام يوم عرفة (كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟؟
متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟؟
و متى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟؟
عميت عين لا تراك عليها رقيبا
و خسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا
إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليك بكسوة الأنوار و هداية الاستبصار حتى أرجع إليك منها مصون السر عن النظر إليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها إنك على كل شئ قدير
إلهي هذا ذلي ظاهر بين يديك و هذا حالي لا يخفى عليك
منك أطلب الوصول إليك و بك أستدل عليك فاهدني بنورك إليك و أقمني بصدق العبودية بين يديك
تعرفت لكل شئ فما جهلك شئ
فرأيتك ظاهرا في كل شئ
و أنت الظاهر لكل شئ).

إن هذا التطابق المذهل بين الآثار الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام يقطع بتوحد النبع الصافي الذي خرجت و تخرج منه هذه العلوم الربانية تلك الشجرة المباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها إنها آية من آيات الله التي يصر الأدعياء على التعامي عنها كأنهم لا يعلمون و لأنهم يريدون إخلاء الساحة من نهج أهل البيت عليهم السلام و يتوسلون لذلك الهدف الخبيث بأساليب ماكرة تتراوح من التجاهل و التغافل عن ذكر آل محمد كأنهم كانوا زائدة دودية في جسد الأمة نجح ابن آكلة الأكباد في استئصالها ثم هم الآن يستخدمون أساليب التضليل المختلفة لفرض البديل الزائف على وجدان الأمة المخدوعة دوما.
هذا البديل الزائف الذي يجري طرحه و ترويجه باستمرار لتغطية كافة أوجه المعرفة الدينية وصولا إلى صياغة نظرية جديدة للمعرفة تقوم على ما يسمونه بالإعجاز العلمي في القرآن و نحن و بكل تأكيد لا ننفي وجود مثل هذا النوع من الإعجاز في كتاب الله أما أن توكل مهمة تفسير القرآن إلى هؤلاء البسطاء الذين لا يمتلكون المعرفة الدينية المنهجية منذ البدء فيصرفون كثيرا من الآيات عن معانيها الحقيقية و يخلطون بين الحق و الباطل و الحقيقة و الخرافة و يحدثون حالة من الالتباس و الارتباك المعرفي لا سابق لها و في مقابل استدلال واحد صحيح يتم صرف عشر آيات عن معانيها و صدق الله تبارك و تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات* فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله* و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم* يقولون آمنا به كل من عند ربنا و ما يتذكر إلا أولوا الألباب).

الجانب الآخر للمسألة هو التعرف إلى الذات الإلهية تلك المسألة التي خاض فيها ذلك الصنف من الجهال الذين سماهم أشباه البشر أئمة و علماء فطلعوا على العالم بمجموعة من الخرافات و الأكاذيب التي تشابهت مع أسلافهم المنحرفين من أتباع الديانات السابقة (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون) سورة المائدة. فأثبتوا لله سبحانه تعدد الصفات الزائدة عن الذات و تشابهت مقولاتهم مع مقولات الذي ذهبوا إلى الاعتقاد بالتثليث بل كان انحراف هؤلاء أدهى و أمر حيث قالوا بالتعدد المطلق لتلك الصفات الزائدة عن الذات و كان مصدر انحرافهم المهلك و المدمر لهم و لأتباعهم هو إعراضهم عن اتباع أئمة الحق من آل محمد تشبها بجدهم الأكبر إبليس عليه لعنة الله الذي رفض السجود و الانصياع لطاعة أبي الأنبياء آدم عليه السلام فكان عاقبة أمره الخلود في عذاب الله و ما هي من الظالمين ببعيد.
ثم ينتقل الداعي إلى حال جديد بين يدي الله عز وجل (أدعوك يا سيدي بلسان قد أخرسه ذنبه رب أناجيك بقلب قد أوبقه جرمه)
أدعوك يا رب راهبا .. راغبا.. راجيا…. خائفا
فسر رهبتي و فزعي ذنوبي
و سر رغبتي علمي بكرمك
راجيا عفوك و رحمتك خائفا من عقابك لي بعدلك.
(إذا رأيت مولاى ذنوبي فزعت و إذا رأيت كرمك طمعت فإن عفوت فخير راحم و إن عذبت فغير ظالم حجتي يا الله في جرأتي على مسألتك مع اتياني ما تكره جودك و كرمك و عدتي في شدتي مع قلة حيائي رأفتك و رحمتك و قد رجوت أ لا تخيب بين ذين و ذين منيتي فحقق رجائي و اسمع دعائي يا خير من دعاه داع و أفضل من رجاه راج عظم يا سيدي أملي و ساء عملي فأعطني من عفوك بمقدار أملي و لا تؤاخذني بأسوأ عملي فإن كرمك أي رب يجل عن مجازاة المذنبين و حلمك يكبر عن مكافأة المقصرين و أنا يا سيدي عائذ بفضلك هارب منك إليك متنجز ما وعدت من الصفح من أحسن بك ظنا و ما أننا يا رب و ما خطري هبني بفضلك و تصدق علي بعفوك أي رب جللني بسترك و اعف عن توبيخي بكرم وجهك).
أما الحجة التي أتذرع بها في اجترائي على الطلب منك بالرغم من أني من المذنبين العصاة ما أعلمه من جودك و كرمك
و أما عدتي التي أركن إليها للخروج من هذا الحرج و الضيق الشديد و حالة المعصية التي تلبست بها هي رأفتك و رحمتك
و قد رجوت أن لا تخيب بين جودك و كرمك و رأفتك و رحمتك آمالي فحقق رجائي و اسمع دعائي يا خير من دعاه داع و أفضل من رجاه راج
يا رب أملي فيك بلا حد و لا حدود و عملي هو المحدود فلا تعطني ما أستحق بل امنحني بمقدار أملي و لا تؤاخذني بأسوأ عملي فأنت العفو الكريم الذي يحلم عن مجازاة المذنبين و أنت العفو الذي يعفو عن المقصرين.

ينتقل الداعي من حال إلى حال و لكن انطلاق الدعاء من لسان المعصوم المسدد من قبل الله عز وجل و تفاوت أسلوب الخطاب الذي يوجهه سيد الساجدين زي العابدين يلفت نظر المتبصرين إلى حقيقة الدور الذي يؤديه أئمة الحق في إلزام المؤمنين كلمة التقوى فها هو ينتقل إلى موقف جديد يستغيث فيه بستر الله لعباده المؤمنين تلك النعمة الكبرى و النعمة العظمى (فأنت يا رب الذي سترت- و لولا سترك إياي لكنت من المفضوحين) من دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة.
لهذا تنطلق منظومة الكلمات من فم الإمام السجاد عليه السلام (أي رب جللي بسترك و اعف عن توبيخي بكرم وجهك فلو اطلع اليوم على ذنبي غيرك ما فعلته و لو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته لا لأنك أهون الناظرين إلي و أخف المطلعين علي بل لأنك يا رب خير الساترين و أحكم الأحكمين و أكرم الأكرمين ستار العيوب غفار الذنوب تستر الذنب بكرمك و تؤخر العقوبة بحلمك فلك الحمد على حلمك بعد علمك و على عفوك بعد قدرتك و يحملني و يجرؤني على معصيتك حلمك عني و يدعوني إلى قلة الحياء سترك علي و يسرعني إلى التوثب على محارمك معرفتي بسعة رحمتك و عظيم عفوك).
تلك الكلمات التي كانت وصفا دقيقا لنفسية المذنبين المسلمين و ليست بالتأكيد لنفسية المجرمين الذين يجيدون فن الخطيئة و شتان ما بين حال و حال حال امرئ مؤمن ألم به عارض الخطيئة يخشى الفضيحة على نفسه لعلمه بإمكانية العودة طالما بقي في ستر الله و لأنه كان و ما زال يخجل من إتيان المعاصي فضلا عن أنه يطمع في مرضاة سيده و مولاه لما يعرفه من حلم الله على عباده العاصين.

ثم إن الداعي المعصوم الخبير بأوجاع النفس البشرية و بخباياها يعلم أن هذه النفس ستبقى مشدودة إلى حظيرة العناية الإلهية بذلك الخيط الممتد من الحياء الذي يبقيه المولى عز و جل لمن يرغب سبحانه و تعالى في استرداده و إعادته إلى حظيرة قدسه و لهذا يخاطب رب العزة بتلك الصفات الملائمة لمقتضى الحال
لأنك يا رب خير الساترين
و أحكم الحاكمين و أكرم الأكرمين
فالعدل الإلهي موضوع بين تلك الصفتين صفة الستر على من عصاه و إكرام من رجاه و لن يغلب عسر يسرين نعم إن الله حكم عدل لو قضى بعدله فما ظلم و لكه ستر على من أراد لينتهي الأمر بالمنح و النعم و الكرم و أي نعمة أو كرم أعظم من عفوه جل علاه.
بقي أن نقول أن سقوط الستر كان الأثر المباشر لإغواء إبليس لعنة الله عليه لآدم أبي البشر عليه السلام (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم و ريشا و لباس التقوى خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون * يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون)الأعراف 26-27.

من هنا تأتي أهمية الحياء و إبقاء ستر الله على العصاة و المذنبين فلو أفلح إبليس في جر العبد إلى الجرأة على مولاه و إعلان المعصية لكانت النازلة التي ما بعدها نازلة.
ثم يلجأ الداعي المعصوم إلى رفع النبرة و تصعيد لهجة الاستغاثة طلبا للنجاة فالأمر جد خطير و لعل اللحظة التي نحن فيها تذهب قبل أن تأتي لحظة أخرى تليها فينزل القضاء و تضيع فرصة طلب العفو و النجاة و هذا من تمام الإدراك فالإنسان الداعي المخلوق يعلم حقيقة ذاته فهو بشر من طين من صلصال من حمأ مسنون تأخذه الذنوب و الشهوات و تشده إلى أسفل و لا بد من اللحاق بفرصة الخلاص فلعلها تكون الأخيرة فينطلق النداء:

نداء الاستغاثة:
يا حليم يا كريم يا حي يا قيوم يا غافر الذنب يا قابل التوب
يا عظيم الإحسان
أين سترك الجميل؟؟ أين عفوك الجليل؟؟ أين فرجك القريب
أين غياثك السريع أين رحمتك الواسعة أين عطاياك الفاضلة
أين مواهبك الهنيئة أين صنائعك السنية أين فلك العظيم
أين إحسانك القديم أين كرمك يا كريم
به و بمحمد و آله فاستنقذني و برحمتك فخلصني يا محسن يا مجمل يا منعم يا مفضل لست أتكل في النجاة من عقابك على أعمالنا بل بفضلك علينا لأنك أهل التقوى و أهل المغفرة.
ثم يهدأ صوت الاستغاثة مرة أخرى و يبدو أن اللاجئ الملهوف قد أحس بفيض الأمان و الاطمئنان و أدركته لمسة من دفء الحب الإلهي فانتقل من موقف الاستغاثة إلى مناجاة المحبين.

مناجاة المحبين:
يا حبيب من تحبب إليه و يا قرة عين من لاذ به و انقطع إليه أنت المحسن و نحن المسيئون فتجاوز يا رب عن قبيح ما عندنا بجميل ما عندك و أي جهل يا رب لا يسعه جودك أم أي زمان أطول من أناتك؟؟
(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم و الله غفور رحيم) آل عمران.
إنه موقف الحب و هو نفسه الذي ورد في مناجاة المحبين عن سيد الساجدين عليه السلام (إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام منك بدلا و من ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنك حولا إلهي فاجعلنا ممن اصطفيته لقربك و ولايتك و أخلصته لودك و محبتك و شوقته إلى لقائك و رضيته بقضائك و منحته النظر إلى وجهك و حبوته برضاك و أعذته من هجرك و قلاك و بوأته مقعد الصدق في جوارك و خصصته بمعرفتك و أهلته لعبادتك و هيمت قلبه لإرادتك و اجتبيته لمشاهدتك و أخليت وجهه لك و فرغت فؤاده لحبك و رغبته فيما عندك و ألهمته ذكرك و أوزعته شكرك و شغلته بطاعتك و صيرته من صالحي بريتك و اخترته لمناجاتك و قطعت كل شيء يقطعه عنك اللهم اجعلنا ممن دأبهم الارتياح إليك و الحنين و دهرهم الزفرة و الأنين جباههم ساجدة لعظمتك و عيونه ساهرة في خدمتك و دموعهم سائلة من خشيتك و قلوبهم متعلقة بمحبتك و أفئدتهم منخلعة من مهابتك).
ذلك الحب الذي يغدق فيه الخالق على من أحب من عباده سترا و نعما يغدق عليهم أناة و كرما فالله سبحانه و تعالى لا يعطي لا الجميل يعطي طمأنينة و أمنا يعطي من رحمته الواسعة و لذا انتقل الدعاء إلى الإقرار بتلك الحقيقة:
و ما قدر أعمالا في جنب عمك و كيف نستكثر أعمالا نقابل بها كرمك بل كيف يضيق على المذنبين ما وسعهم من رحمتك يا واسع المغفرة يا باسط اليدين بالرحمة فوعزتك يا سيدي لو انتهرتني ما برحت من بابك و لا كففت عن تملقك لما انتهى إلي من المعرفة بجودك و كرمك.
و لأن الله سبحانه هو الغني في علاه فلا بد أن يبلغ إظهار الافتقار مداه فوعزتك يا سيدي لو انتهرتني ما برحت من بابك و لا كففت عن تملقك لا لمجرد الخوف بل لما انتهى إلي من المعرفة بجودك و كرمك.
ثم ينتقل الدعاء بعد ذلك إلى التسليم المطلق لرب السماء (وأنت الفاعل لما تشاء تعذب من تشاء بما تشاء كيف تشاء و ترحم من تشاء بما تشاء كيف تشاء لا تسأل عن فعلك و لا تنازع في ملكك و لا تشارك في أمرك و لا يعترض عليك أحد في تدبيرك لك الخلق و الأمر تبارك الله رب العالمين).

مناجاة اللائذين الراغبين:
يا من ذاق أحباؤه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملقين و يا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بين يديه مستغفرين أنت الذاكر قبل الذاكرين و أنت البادئ بالإحسان قبل توجه العابدين و أنت الجواد بالعطاء قبل طلب الطالبين و أنت الوهاب ثم لما وهبت من المستقرضين) دعاء الحسين عليه السلام في يوم عرفة.
ثم نعود إلى دعاء السحر مع الإمام الابن (يا رب هذا مقام من لاذ بك و استجار بكرمك و ألف إحسانك و نعمك و أنت الجواد الذي لا يضيق عفوك و لا ينقص فضلك و لا تقل رحمتك و قد توثقنا منك بالصفح القديم و الفضل العظيم و الرحمة الواسعة أفتراك يا رب تخلف ظنوننا أو تخيب فيك آمالنا كلا يا كريم فليس هذا ظننا بك و لا هذا فيك طمعنا يا رب إن لنا فيك أملا طويلا إن لنا فيك رجاء عظيما)
هكذا ينتقل الداعي من رحمة إلى رحمة و من عفو إلى سعة
فأنت الجواد الذي لا يضيق عفوه
و لا ينقص فضله و لا تقل رحمته
و قد توثقنا منك يا رب بنفس الأسباب الصفح القديم و الفضل العظيم و الرحمة الواسعة.

مناجاة الراغبين:
يا رب إن لنا فيك أملا طويلا كثيرا إن لنا فيك رجاء عظيما عصيناك و نحن نرجو أن تستر علينا و دعوناك و نحن نرجو أن تستجيب لنا فحقق رجاءنا مولانا فقد علمنا ما نستوجب بأعمالنا و لكن علمك فينا و علمنا بأنك لا تصرفنا عنك حثنا على الرغبة إليك و إن كنا غير مستوجبين لرحمتك فأنت أهل أن تجود علينا و على المذنبين بفضل سعتك فامنن علينا بما أنت أهله و جد علينا فإنا محتاجون إلى نيلك يا غفار بنورك اهتدينا و بفضلك استغنينا و بنعمتك أصبحنا و أمسينا)
ينتقل الداعي المعصوم إلى :

مقام التوبة و مناجاة التائبين:
ذنوبنا بين يديك نستغفرك اللهم منها و نتوب إليك تتحبب إلينا بالنعم و نعارضك بالذنوب خيرك إلينا نازل و شرنا إليك صاعد و لم يزل و لا يزال ملك كريم يأتيك عنا بعمل قبيح فلا يمنعك ذلك من أن تحوطنا بنعمك و تتفضل علينا بآلائك فسبحانك ما أحلمك و أكرمك مبدئا و معيدا تقدست أسماؤك و جل ثناؤك و كرم صنائعك و فعالك أنت إلهي أوسع فضلا و أعظم حلما من أن تقايسني بفعلي و خطيئتي فالعفو العفو العفو سيدي سيدي سيدي
اللهم اغفر لي و لوالدي ارحمهما كما ربياني صغير اجزهما بالإحسان إحسانا و بالسيئات غفرانا اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات الأحياء منهم و الأموات و تابع بيننا و بينهم بالخيرات اللهم اغفر لحينا و ميتنا شاهدنا و غائبنا ذكرنا و أنثانا صغيرنا و كبيرنا حرنا و مملوكنا)

ذلك موقف التائبين المستغفرين الخاشعين الواقفين بباب الله يرجون رحمته و يخافون عذابه و يسألونه من واسع فضله يتنقلون منن نور إلى نور و من رحمة إلى رحمة و من فضل إلى فضل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله واسع عليم و لهذا (كذب العادلون بالله و ضلوا ضلالا بعيدا و خسروا خسرانا مبينا) و لأن الله تبارك و تعالى مدح المؤمنين الداعين السائلين من رحمة الله تبارك و تعالى في الدنيا و الآخرة و أثنى على من قالوا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار.
اللهم صلي على محمد و آل محمد و اختم لي بخير و اكفني ما أهمني من أمر دنياي و آخرتي و لا تسلط علي من لا يرحمني و اجعل علي منك واقية باقية و لا تسلبني صالح ما أنعمت به علي و ارزقني من فضلك رزقا واسعا حلالا طيبا
اللهم احرسني بحراستك و احفظني بحفظك و اكلأني بكلاءتك و ارزقني حج بيتك الحرام في عامنا هذا و في كل عام و زيارة قبر نبيك و الأئمة عليهم السلام و لا تخلني يا رب من تلك المشاهد الشريفة و المواقف الكريمة اللهم تب علي حتى لا أعصيك وألهمني الخير و العمل به و خشيتك بالليل و النهار ما أبقيتني يا رب العالمين.
ثم ينتقل الدعاء إلى نوع جديد من المناجاة مناجاة الشاكين الشاكين أنفسهم إلى ربهم الشاكين من قلة عبادتهم (الذي يؤتون ما أتوا و قلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون)

مناجاة الشاكين:
اللهم إني كلما قلت قد تهيأت و تعبيت و قمت للصلاة بين يديك و ناجيتك ألقيت علي نعاسا إذا أنا صليت و سلبتني مناجاتك إذا أنا ناجيت؟؟
ما لي كلما قلت قد صلحت سريرتي و قرب من مجالس التوابين مجلسي عرضت لي بلية أزالت قدمي و حالت بيني و بين خدمتك؟؟ لعلك عن بابك طردتني و عن خدمتك نحيتني أو لعلك رأيتني معرضا عنك فقليتني أو لعلك وجدتني في مقام الكاذبين فرفضتني أو لعلك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني أو لعلك رأيتني في الغافلين فمن رحمتك آيستني أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطالين فبيني و بينهم خليتني أو لعلك لم تحب أن تسمع دعائي فباعدتني أو لعلك بجرمي و جريرتي كافيتني أو لعلك بقلة حيائي منك جازيتني فإن عفوت يا رب فطالما عفوت عن المذنبين قبلي لأن كرمك أي رب يجل عن مكافأة المقصرين و أنا عائذ بفضلك هارب منك إليك متنجز ما وعدت من الصفح عمن أحسن بك ظنا و ما أنا يا رب و ما خطري هبني بفضلك سيدي و تصدق علي بعفوك أي رب جللي بسترك و اعف عن توبيخي بكرم وجهك.
يشكو الداعي المعصوم أحوال النفس البشرية و تقلباتها التي تمنع صاحبها من المداومة على الطاعة و بلوغ مقامات الرفعة في العبادة و هو لا يشكو من هموم الدنيا و لا منن تقلبات السوق و لا من انخفاض أسعار الأسهم أضف إلى ذلك أنه سلام الله عليه لا يتحدث عن نفسه و هو من هو في عبادته و طول سجوده لله عز و جل حتى لقب بالسجاد و ذي الثفنات التي ظهرت في جبهته من كثرة سجوده بل هو يعرض حال شيعته من المؤمنين المقصرين الذين ربما عجز لسانهم عن بيان حالهم و ربما ظنوا أن ضعفهم و تقصيرهم في العبادات و محاولة بلوغ الكمالات إنما هو ضعف و خلل لا يمكن جبره و مرض لا سبيل إلى شفائه و من هنا تأتي أهمية ورود الدعاء على لسان المعصوم عليه السلام الذي ينوب عنهم في طرح قضيتهم و شكواهم أمام المحافل الربانية بين يدي جبار السماوات و الأرض القادر على كشف ما يعانيه كل عبيده من ضر و لو وقفوا كلهم في صعيد واحد لكشف عن كل واحد منهم ضره و أعطى كل واحد منهم مسألته.

ثم يعود الداعي المعصوم مرة أخرى إلى مقام المفتقرين لله سبحانه و تعالى:
سيدي أنا الصغير الذي ربيته و أنا الجاهل الذي علمته و أنا الضال الذي هديته و أنا الوضيع الذي رفعته و أنا الخائف الذي آمنته و الجائع الذي أشبعته و العطشان الذي أرويته و العاري الذي كسوته و الفقير الذي أغنيته و الضعيف الذي قويته و الذليل الذي أعززته و السقيم الذي شفيته و السائل الذي أعطيته و المذنب الذي سترته و الخاطئ الذي أقلته و أنا القليل الذي كثرته و المستضعف الذي نصرته و أنا الطريد الذي آويته أنا يا رب الذي لم أستحيك في الخلاء و لم أراقبك في الملا أنا صاحب الدواهي العظمى أنا الذي على سيده اجترأ أنا الذي عصيت جبار السماء أنا الذي أعطيت على المعاصي جليل الرشى أنا الذي حين بشرت بها خرجت إليها أسعى أنا الذي أمهلتني فما ارعويت و سترت علي فما استحييت و عملت بالمعاصي فتعديت و أسقطتني من عينك فما باليت فبحلمك أمهلتني و بسترك سترتني حتى كأنك أغفلتني و من عقوبات المعاصي جنبتني حتى كأنك استحييتني.
أنها مواجهة الواقع كما هو من دون لف و لا دورن فأنا يا رب من أنعمت عليه بكل هذه النعم (ألم يجدك يتيما فآوى و وجدك ضالا فهدى و وجدك عائلا فأغنى).
إنه الإقرار بالفضل و الاعتراف بالذنب إنها الحقيقة كما هي لا كما اعتدنا أن نغلفها.
هذه النعم يقابلها هذا الكم من المعاصي و الذنوب إذن فلا بد من لإقرار بالذنب و الندم على المعاصي مهما كن الإنسان المذنب قادرا على التبرير و الاعتذار.
و لكن يبقى باب التوبة مفتوحا لمن فعلوا الذنوب بجهالة و لم يصروا على ما فعلوا و هم يعلمون (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب).

و لأن الداعي يتلمس ثغرة أو مدخلا للتوبة و الاعتذار فهو يتعلل بهذه الحجة و يحاول الدخول من ذلك المدخل إنها زلة قدم و ليست من قبيل الإصرار على المعصية (إلهي لم أعصك حين عصيتك و أنا بربوبيتك جاحد و لا بأمرك مستخف و لا لعقوبتك متعرض و لا لوعيدك متهاون و لكن خطيئة عرضت و سولت لي نفسي و غلبني هواي و أعانني عليها شقوتي و غرني سترك المرخى علي فقد عصيتك و خالفتك بجهدي فالآن من عذابك من يستنقذني و من أيدي الخصماء غدا من يخلصني و بحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك عني فوا سوأتاه على ما أحصى كتابك من عملي الذي لولا ما أرجو من كرمك و سعة رحمتك و نهيك إياي عن القنوط لقنطت عندما أتذكرها يا خير من دعا داع و أفضل من رجاه راج)
ثم ينتقل الداعي المعصوم إلى مناجاة المتوسلين:

مناجاة المتوسلين:
اللهم بذمة الإسلام أتوسل إليك و بحرمة القرآن أعتمد عليك و بحبي النبي الأمي القرشي الهاشمي العربي التهامي المكي المدني أرجو الزلفة لديك فلا توحش استئناس إيماني و لا تجعل ثوابي ثواب من عبد سواك.
إنه التوسل و التقرب إلى الله بذمة الإسلام أي فضله و حقه و بحرمة القرآن النبأ العظيم و الكتاب المبين ثم بحبي للنبي الأمي القرشي محمد بن عبد الله صلى الله عليه و آله و سلم ذلك هو التوسل أي اعتماد الوسيلة التي ثارت الغوغاء و هيجتهم و دفعتهم إلى إكفار من يتوسلون إلى الله عز وجل بحبهم لمحمد عليه و على آله أفضل الصلاة و أزكى السلام.
إنه الحقد الدفين الذي امتد إلى قلوب هؤلاء من قلوب أجدادهم المنافقين الأوائل و هم يقولون أن التوسل بأولياء الله الصالحين شرك لأنه استعانة بغير الله عز وجل و كل استعانة بغيره هي شرك و كفر إلى آخر ذلك الهذيان.
و نحن أولا لا نقول بمبدأ التوسل بكل من قيل أنه من أولياء الله الصالحين فالله وحده يعلم بحال الكثير من أصحاب تلك القباب و إنما نحن نقصر التوسل على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و الأئمة من آل بيته فما هو الدليل على ذلك؟؟

الدليل هو قوله سبحانه و تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و ابتغوا إليه الوسيلة و جاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) المائدة 35
فالوسيلة هي الطريق الآمنة الموصلة إلى رضوانه و جنته سبحانه و تعالى و من هنا فإن رسول الله صلى الله عليه و آله كان وسيلة إيصال الهدي الإلهي إلينا و من هنا أيضا كان التزام نهجه عن حب و عاطفة قوية تأكيد على اتباع الوسيلة الصحيحة إلى مرضاة الله عز و جل و من هنا أيضا كان موالاة من والى الله و رسوله و معاداة من عادى الله و رسوله هو التزام منهجي بتلك الوسيلة التي أمرنا ربنا عز وجل باتباعها و لذا فإننا نرى أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و أهل بيته هم وسيلة النجاة من الهلاك فكيف غاب عن وعي هؤلاء الغوغاء قوله صلى الله عليه و آله و سلم (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبه نجا و من تخلف عنها هلك و غرق) رواه النسائي.
إنهم وسيلة النجاة منهجا و حبا.
و كيف غاب عن هؤلاء أو غيب هؤلاء عن وعيهم و عن وعي الأمة قوله صلى الله عليه و آله (من كنت مولاه فعلي مولاه والى الله من والاه و عادى الله من عاداه) و لهذه الأسباب كان رسول الله صلى الله عله و آله هم وسيلة النجاة نهجا لكل من عرف الله.
فما هو معنى التوسل و ما هو الفارق بين التوسل و شفاعة الرسول صلى الله عليه و آله؟؟.
الشفاعة أن يصحبك أو أن تصطحب معك صاحب سلطة و جاه إلى من هو أعظم منه سلطانا و جاها فيطب هو و تصمت أنت و هذه هي شفاعة رسول الله صلى الله عليه و آله للعصاة و المذنبين من أمته يوم الحشر.
أما التوسل فحن عندما نقول بحق محمد و آل محمد فمعناها الحقيقي بحق حبي لمحمد و آل محمد و هي الصيغة التي استخدمها السجاد عليه السلام في دعائه و بديهي أن حب محمد و آل محمد هو حب للمنهج الذي هو القرآن و السنة الحقيقية فهو طلب بموجب علاقة مدعاة بينك وبين رعاة المنهج (محمد و آل محمد) أولي الأمر الذين عرفنا الله منزلتهم و أوجب علينا طاعتهم.
فالتوسل هنا مرحلة أكثر تقدما و أكثر جرأة و وثوقا في الطلب فادعائك الصلة و الارتباط بينك و بين محمد وآله (منهجا و حبا) يصبح على المحك بين يدي من يعلم السر و أخفى و من يعلم حقيقة العلاقة بينك و بين من تتمسح بهم حبا و منهجا و إلا كانت الفضيحة و كان الخزي و العار.

ثم من الذي قال أن التوسل بحب محمد و آل محمد و اقتداء أثرهم يعني الطلب من غير الله ؟؟ فأنت تقول في دعائك اللهم إني أسألك بحق محمد و آل محمد فالسؤال لمفرد واحد أحد فرد صمد و ليس لاثنين و لا لثلاثة و أما الطلب فيمكن تقديمه من واحد أو اثنين أو حتى من مليون شخص في صلاة الجماعة و لا يعني الاشتراك في تقديم الطلب أي نوع من الاشتراك في إجابته.
إذن فالتوسل و الوسيلة حتمية منهجية فرضت بنص القرآن لأن محمدا و آل محمد هم حبل الله المتين و صراطه المستقيم.
و العجيب الغريب المريب أن هؤلاء الحمقى أجازوا مطلق التوسل و خصوا التوسل بمحمد و آل محمد بالمنع دونما إقامة دليل واحد من الكتاب و السنة على ذلك المنع المشدد فهم قد أجازوا التوسل بالأعمال الصالحة و أسماء الله الحسنى و كما أسلفنا من قبل ألا يعد التقرب إلى الله عز و جل بأفضل الأعمال و القربات بعد إفراده سبحانه بالألوهية و هو حب محمد و آل محمد أمرا جائزا ؟؟ و صدق الله العلي العظيم إنك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين * و ما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ).

مناجاة المعتصمين اللائذين بجناب الله:
لا توحش استئناس إيماني و لا تجعل ثوابي ثواب من عبد سواك فإن قوما آمنوا بألسنتهم ليحقنوا دماءهم فأدركوا ما أملوا و إنا آمنا بك بألسنتنا و قلوبنا لتعفو عنا فأدركنا ما أملنا و ثبت رجاءك في صدورنا و لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب فو عزتك يا سيدي لو انتهرتني ما برحت من بابك و لا كففت عن تملقك لما ألهم قلبي من المعرفة بكرمك و سعة رحمتك
إلى من يلجأ العبد إلا إلى مولاه و إلى من يلتجئ المخلوق إلا إلى خالقه؟؟
إلهي لو قرنتني بالأصفاد و منعتني سيبك من بين الأشهاد و دللت على فضائحي عيون العباد و أمرت بي إلى النار و حلت بيني و بين الأبرار ما قطعت رجائي منك و ما صرفت تأميلي للعفو عنك و لا خرج حبك من قلبي أنا لا أنسى أياديك عندي و سترك علي في دار الدنيا).
هكذا تكون العلاقة بين العبد و مولاه و خاصة عدما يدرك العبد أن لا ملجأ من الله إلا إليه فإلى من يلجأ العبد إلا إلى مولاه و إلى من يلتجئ المخلوق إلا إلى خالقه إذن فلا مفر من التشبث و الاستمساك بباب الرحمة و التوبة و ليس هاك محيص من التعلق بأستار الرحمة حتى و لو وقع المحظور و قرنتني بالأصفاد و أمرت بي إلى النار و حلت بيني و بين الأبرار ما قطعت رجائي منك و ما صرفت تأميلي للعفو عنك.
إنها حالة من الاستمساك بحبل الله طمعا في رحمة الله فالبعض يمارس ذلك السلوك طمعا في الدنيا و حبا فيها مهما أذلته أو طردته أو عاقبته و يستكبر عن الخضوع و الانكسار بين يدي مولاه أليس هذا هو العجب العجاب؟؟.

مناجاة الزاهدين:
ينتقل الداعي المعصوم إلى حالة أخرى من التوجه و الدعاء حالة من حالات الصدق مع الله و مع النفس فعما قليل تنتهي هذه الحياة بزخرفها و زينتها و بريقها الزائف و يذهب العبد إلى الآخرة مفتتحا طريقه بالموت و ما بعد الموت من أهوال الموقف و المحشر فيا رب هب لنا ذلك الصدق و القدرة على مواجهة الذات بالحقيقة كاملة:
سيدي أخرج حب الدنيا من قلبي و اجمع بيني و بين المصطفى و آله خيرتك من خلقك و خاتم النبيين محمد صلى لله عليه و آله و انقلني إلى درجة التوبة إليك و اعني بالبكاء على نفسي فقد أفنيت بالتسويف و الآمال عمري و قد نزلت منزلة الآيسين من خيري فمن يكون أسوأ حالا مني إن أنا نقلت على مثل حالي إلى قبر لم أمهده لرقدتي و لم أفرشه بالعمل الصالح لضجعتي و ما لي لا أبكي و لا أدري إلى ما يكون مصيري و أرى نفسي تخادعني و أيامي تخاتلني و قد خفقت عند رأسي أجنحة الموت
أبكي لخروج نفسي أبكي لظلمة قبري أبكي لضيق لحدي
أبكي لخروجي من قبري عريانا ذليلا حاملا ثقلي على ظهري أنظر مرة عن يميني
و أخرى عن شمالي إذ الخلائق في شأن غير شأني لكل امرئ منهم شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة و وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة و ذلة)
يا رب أعنا على إجراء تلك الجراحة لاستئصال ذلك الورم الخبيث الذي أفسد قلوبنا إنه حب الدنيا أي دنيا تلك التي نحبها و نستمسك بها؟؟ و نحن نعلم أنها تخادعنا و تخاتلنا و كلما تقدم بنا العمر و مضت بنا الأيام تخفق حول رؤوسنا أجنحة الموت كالطائرة التي تزمع الهبوط حاملة معها الموت إلى فنائنا و ربما كانت تزمع الإقلاع آخذة معها أرواحنا إنه طيران سريع و ليس زحفا بطيئا فعلى أي صورة ستكون النهاية؟؟.
لن يكون هناك مشهد جديد فهو مشهد متكرر عاشه قبلنا ملايين الخلائق طال بهم العمر أو قصر.
نفس تخرج و قبر ضيق مظلم لا قصور و لا رياش و لا فراش و لا أثاث , بل كفن ضيق و جسد عار و ثقل الأوزار على الظهور فقط هذا هو حصاد العمر ثم ماذا يكون يوم الجمع؟؟ بلايين من الخلائق لكل امرئ منهم شأن يغنيه فلا مولود يجزي عن والده و لا والد عن ولده و لا أخ عن أخيه (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة و تركتم ما خولناكم- من سلطان و جبروت- وراء ظهوركم).
هذه هي الحقيقة و إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نواصل التقرب إلى الله تبارك و تعالى و لماذا لا نواصل الشكر له سبحانه ألا يعد التوحيد و نفي الشرك من أكبر النعم {سيدي عليك معولي و معتمدي و رجائي و توكلي و برحمتك تعلقي تصيب برحمتك من تشاء و تهدي بكرامتك من تحب .
فلك الحمد على ما نقيت من الشرك قلبي و لك الحمد على بسط لساني أفبلساني هذا الكال أشكرك أم بغاية جهدي في عملي أرضيك و ما قدر لساني يا رب في جنب شكرك و ما قدر عملي في جنب نعمك و إحسانك إلهي إن جودك بسط أملي و شكرك قبل عملي سيدي إليك رغبتي و إليك رهبتي و إليك تأميلي و قد ساقني إليك أملي و عليك يا واحدي عكفت همتي و فيما عندك انبسطت رغبتي و لك خالص رجائي و خوفي و بك أنست محبتي و إليك ألقيت بيدي و بحبل طاعتك مددت يدي؛يا مولاي بذكرك عاش قلبي و بمناجاتك بردت ألم الخوف عني}.
يا رب لك الحمد على أن جعلت جوارحي و جوانحي تتوجه نحو مرضاتك فقد نقيت من الشرك قلبي و قد بسطت بالحمد لساني و لذا وجب علي بذل غاية الجهد في العمل لترضى و لكن لا شئ من هذا يوازي فضلك فلا حمدي بلساني ينفع من دون شكرك و لا عملي يكافئ نعمك و إحسانك و لولا رحمتك ما نفعني لا هذا و لا ذاك و تبقى كل مشاعري معلقة برضوانك يا رب مشاعر الأمل و الرغبة و الرهبة و الخوف و الحب و التسليم يا مولاي بذكرك عاش قلبي و بمناجاتك بردت ألم الخوف عني.

موقف الرحمة و الرحمانية:
التخلص من الذنوب أولا (فيا مولاي و يا مؤملي و يا منتهى سؤلي فرق بيني و بين ذنبي المانع لي من لزوم طاعتك) ثم يزداد الطمع و الرجاء (فإنما أسألك لقديم الرجاء فيك و عظيم الطمع منك الذي أوجبته على نفسك من الرأفة و الرحمة فالأمر لك وحدك لا شريك لك و الخلق كلهم عيالك و في قبضتك و كل شيء خاضع لك تباركت يا رب العالمين إلهي ارحمني إذا انقطعت حجتي و كل عن جوابك لساني و طاش عند سؤالك إياي لبي فيا عظيم رجائي لا تخيبني إذا اشتدت فاقتي و لا تردني لجهلي و لا تمنعني لقلة صبري أعطني لفقري و ارحمني لضعفي سيدي عليك معتمدي و معولي و رجائي و توكلي و برحمتك تعلقي و بفنائك أحط رحلي و بجودك و كرمك أقصد طلبتي و بكرمك استفتح دعائي و لديك أرجو فاقتي و بغناك أجبر عيلتي و تحت ظل عفوك قيامي و إلى جودك و كرمك أرفع بصري و إلى معروفك أديم نظري فلا تحرقني بالنار و أنت موضع أملي و لا تسكني الهاوية فإنك قرة عيني.
يا سيدي لا تكذب ظني بإحسانك و معروفك فإنك ثقتي و لا تحرمني ثوابك فإنك العارف بفقري
إلهي إن كان قد دنا أجلي و لم يقربني منك عملي فقد جعلت الاعتراف إليك بذنبي وسائل عللي إلهي إن عفوت فمن أولى منك بالعفو و إن عذبت فمن أعدل منك في الحكم ارحم في هذه الدنيا غربتي و عند الموت كربتي و في القبر وحدتي و في اللحد وحشتي و إذا نشرت للحساب بين يديك ذل موقفي و اغفر لي ما خفي على الآدميين من عملي و أدم لي ما به سترتني و ارحمني صريعا على الفراش تقلبني أيدي أحبتي و تفضل علي ممدودا على المغتسل يقلبني صالح جيرتي و تحنن علي محمولا قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي و جد علي منقولا قد نزلت بك وحيدا في حفرتي و ارحم في ذلك البيت الجديد غربتي حتى لا أستأنس بغيرك
سيدي إن وكلتني إلى نفسك هلكت
سيدي فبمن أستغيث إن لم تقلني عثرتي
فإلى من أفزع إن فقدت عنايتك في ضجعتي
و إلى من ألتجئ إن لم تنفس كربتي
سيدي من لي و من يرحمني إن لم ترحمني و فضل من أؤمل إن عدمت فضلك يوم فاقتي
و إلى من الفرار من الذنوب إذا انقضى أجلي
سيدي لا تعذبني و أنا أرجوك
إلهي حقق رجائي و آمن خوفي فإن كثرة ذنوبي لا أرجو فيها إلا عفوك.
سيدي أنا أسألك ما لا أستحق و أنت أهل التقوى و أهل المغفرة فاغفر لي و ألبسي من نظرك ثوبا يغطي علي التبعات و تغفرها لي و لا أطالب بها إنك ذو من قديم و صفح عظيم و تجاوز كريم
إلهي أنت الذي تفيض سيبك على من لا يسألك و على الجاحدين بربوبيتك فكيف سيدي بمن سألك و أيقن أن الخلق لك و الأمر إليك تباركت و تعاليت يا رب العالمين
سيدي عبدك ببابك أقامته الخصاصة بين يديك يقرع باب إحسانك بدعائه فلا تعرض بوجهك الكريم عني و اقبل مني ما أقول فقد دعوت بهذا الدعاء و أنا أرجو أن لا تردنني معرفة مني برأفتك و رحمتك إلهي أنت الذي لا يحفيك سائل و لا ينقصه نائل أنت كما تقول و فوق ما نقول)
فالهم الأول و الأخير هو هم الآخرة و ضرورة النجاة من النار (فمن زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فاز فوزا عظيما) و السبيل الوحيد هو طلب العفو و الرحمة من الله تعالى و خاصة إذا اقترب الأجل أو كاد أن يقع فلن تجد محاولات تحسين العمل
فلا تحرقني بالنار و أنت موضع أملي
و لا تسكني الهاوية فإنك قرة عيني
ارحم في هذه الدنيا غربتي و عند الموت كربتي و في القبر وحدتي و في اللحد وحشتي
لم يعد هناك مجال للعمل أو للسعي بل اللجوء إلى رحمة الله و عفوه وحده هو الملجأ و المنجى فأنا أسألك ما لا أستحق و أنت الذي تفيض سيبك على من لا يسألك و على الجاحدين بربوبيتك فكيف سيدي بمن سألك و أيقن أن الخلق لك و الأمر إليك تباركت و تعاليت.

{اللهم إني أسألك صبرا جميلا و فرجا قريبا و قولا صادقا و أجرا عظيما
أسألك يا رب من الخير كله ما علمت منه و ما لم أعلم
أسألك اللهم من خير ما سألك منه عبادك الصالحون يا خير من سئل و أجود من أعطى أعطني سؤلي في نفسي و أهلي و والدي و ولدي و أهل حزانتي و إخواني فيك و أرغد عيشي و أظهر مروتي و أصلح جميع أحوالي و اجعلني ممن أطلت عمره و حسنت عمله و أتممت عليه نعمتك و رضيت عنه و أحييته حياة طيبة في أدوم السرور و أسبغ الكرامة و أتم العيش إنك تفعل ما تشاء و لا تفعل ما يشاء غيرك
اللهم خصي منك بخاصة ذكرك و لا تجعل شيئا مما أتقرب به في آناء الليل و أطراف النهار رياء و لا سمعة و لا أشرا و لا بطرا و اجعلني لك من الخاشعين اللهم أعطني السعة في الرزق و الأمن في الوطن و قرة العين في الأهل و المال و الولد و المقام في نعمك عندي و الصحة في الجسم و القوة في البدن و السلامة في الدين و استعملني بطاعتك و طاعة رسولك محمد صلى الله عليه و آله أبدا ما استعمرتني و اجعلني من أوفر عبادك عندك نصيبا في شهر رمضان في ليلة القدر و ما أنت منزله في كل سنة من رحمة تنشرها و عافية تلبسها و بلية تدفعها و حسنات تتقبلها و سيئات تتجاوز عنها و ارزقني رزقا و اسعا من فضلك الواسع و اصرف عني يا سيدي الأسواء و الأدواء و اقض عني الدين و الظلامات و خذ عني بأسماع و أبصار أعدائي و حسادي و الباغين علي و نصري عليهم و أقر عيني و فرح قلبي و جعل لي من همي و كربي فرجا و مخرجا و اجعل من أرادني بسوء من جميع خلقك تحت قدمي و اكفي شر الشيطان و شر السلطان و سيئات عملي و طهرني من الذنوب كلها و أجرني من النار بعفوك و أدخلني الجنة برحمتك و زوجني من الحور العين بفضلك و ألحقني بأوليائك الصالحين محمد و آله الأبرار الطيبين الطاهرين الأخيار صلواتك عليهم و على أجسادهم و أرواحهم و رحمة الله و بركاته}.

مناجاة المعتصمين:
إلهي و سيدي و عزتك و جلالك لئن طلبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك و لئن طالبتني بلؤمي لأطالبنك بكرمك و لئن أدخلتني النار لأخبرن أهل النار بحبي لك إلهي و سيدي إن كنت لا تغفر إلا لأوليائك و أهل طاعتك فإلى من يفزع المذنبون
و إن كنت لا تكرم إلا أهل الوفاء بك فبمن يستغيث المسيئون إلهي إن أدخلتني النار ففي ذلك سرور عدوك و إن أدخلتني الجنة ففي ذلك سرور نبيك و أنا و الله أعلم أن سرور نبيك أحب إليك من سرور عدوك.

مناجاة المحبين:
ثم يختتم الإمام السجاد عليه السلام دعاءه بموقف المحب الصادق الذي استعرض كافة جوانب العلاقة بينه و بين خالقه فوجد أن جماع تلك العلاقة هو الحب حب الله لأوليائه و حب أولئك الأولياء العارفين لسيدهم و مولاهم:
اللهم إني أسألك أن تملأ قلبي حبا لك و خشية منك و تصديقا بكتابك و إيمانا بك و فرقا منك و شوقا إليك يا ذا الجلال و الإكرام حبب إلي لقائك و أحبب لقائي و اجعل لي في لقائك الراحة و الفرج و الكرامة اللهم ألحقني بصالح من مضى و اجعلني من صالح من بقي و خذ بي سبيل الصالحين و أعني على نفسي بما تعين به الصالحين على أنفسهم و اختم عملي بأحسنه و اجعل ثوابي منه الجنة برحمتك
و أعني على صالح ما أعطيتني و ثبتني يا رب و لا تردني في سوء استنقذتني منه يا رب العالمين
اللهم إني أسألك إيمانا لا أجل له دون لقائك أحيني إذا أحييتني عليه و توفني إذا توفيتني عليه و ابعثني إذا بعثتني عليه و أبرئ قلبي من الرياء و الشك و السمعة في دينك حتى يكون عملي خالصا لك اللهم أعطني بصيرة في دينك و فهما في حكمك و فقها في علمك و كفلين من رحمتك و ورعا يحجزني عن معاصيك و بيض وجهي بنورك و اجعل رغبتي فيما عندك و توفني في سبيلك و على ملة رسولك صلى الله عليه و آله اللهم إني أعوذ بك من الكسل و الفشل و الهم و الجبن و البخل و الغفلة و القسوة و المسكنة و الفقر و الفاقة و كل بلية و الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و أعوذ بك من نفس لا تقع و بطن لا يشبع و قلب لا يخشع و دعاء لا يسمع و عمل لا ينفع و أعوذ بك يا رب على نفي و ديني و مالي و على جميع ما رزقتني من الشيطان الرجيم إنك أنت السميع العليم اللهم إنه لا يجيرني منك أحد و لا أجد من دونك ملتحدا فلا تجعل فسي في شيء من عذابك و لا تردني بهلكة و لا تردني بعذاب أليم اللهم تقبل مني و أعل ذكري و ارفع درجتي و حط وزري و لا تذكرني بخطيئتي و اجعل ثواب مجلسي و ثواب منطقي و ثواب دعائي رضاك و الجنة و أعطني يا رب جميع ما سألتك و زدني من فضلك إني إليك راغب يا رب العالمين اللهم إنك أنزلت في كتابك العفو و أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا و قد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا فإنك أولى بذلك منا و أمرتنا أن لا نرد سائلا عن أبوابنا و قد جئتك سائلا فلا تردني إلا بقضاء حاجتي و أمرتنا بالإحسان إلى ما ملكت أيماننا و نحن أرقاؤك فأعتق رقابنا من النار يا مفزعي عند كربتي و يا غوثي عند شدتي إليك فزعت و بك استغثت و لذت لا ألوذ بسواك و لا أطلب الفرج لا منك فاغثني و فرج عني يا من يقبل السير و يعفو عن الكسير اقبل مني اليسير و اعف عني الكثير إنك أنت الرحيم الغفور
اللهم إني أسألك إيمانا تباشر به قلبي و يقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي و رضني من العيش بما قسمت لي يا أرحم الراحمين.
انتهى الدعاء

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة