المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 2 جمادى الاولى 1426 - صحيفة الشروق التونسية وصيحة الطاووس
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة :

بسم الله الرحمان الرحيم

صحيفة الشروق التونسية وصيحة الطاووس

لم تكن صحيفة الشروق التونسية وقت هزيمة 67 المعبر عنها بالنكسة موجودة، فقد صدرت متأخرة عن ذلك التاريخ ، وإلا سقنا ترادفها وراء طابور الفكر القومي أمرا متوقعا، ولما كلفنا الأمر من أن نستخرج من تصوراتها دلالة على مشروعها الفكري وما تبغي من ورائه .
إلا أن المتتبع لتعاطي الصحيفة مع أحداث الحرب العراقية الإيرانية التي شنها الدكتاتور الفاسد صدام حسين، بإيعاز من غريمته الآن الولايات المتحدة الأمريكية، نجد أنها من أوائل الصحف التي كانت تطبل وتعزف على وتر العنصرية البغيض الذي جاء الإسلام ليبطل تأثيره في نبض الأمة ، باعتباره لا يستند إلى قيمة ثابتة ، ولا ينتج غير التعصب المريض، والاستعداء والاستعلاء على بني البشر، وزرع حب الذات المبني على أساس من العصبية ، والحال أن الناس كلهم لآدم وآدم من تراب. ولأن قيمة المرء تكمن في قلبه منبت الطيبة ومنبع الإحساس النبيل ، وتتجلى في فكره وما يحمله من قيم تنشر الخير للناس كافة، وان أكرم الناس عند الله تعالى أتقاهم له وأخوفهم منه ، وأقربهم منه أبعدهم عن التعامل مع الناس بلغة ليس لها مقام في قاموس الأخلاق الإسلامية التي أرساها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

بدأت الشروق حياتها الصحفية، كما بدأ الطاووس يزهو بريشه، ويفتخر على غيره من الطيور بما يحمله من الزينة العجيبة ، دون أن يلتفت إلى حموشة ساقيه ، فتراه يرفل كلما نشر فخار ذيله ، ويزهو بما ظهر من ألوانها العجيبة، لكنه كلما سقط نظره إلى ساقيه صاح فزعا ، وانكفأ مروعا، كأنما يستغيث من مصيبة حلت به.
لقد ولى الحلم العربي المجرد من الدين ، ولم يعد لدعائمه التي بناها المتأثرون بثقافة القوميات، بتحريك من العجوز الخبيثة بريطانيا، دفعا للعرب وراء سراب لا حقيقة له ، يحسبه الضمآن ماء ، الحقيقة الوحيدة الثابتة الآن تقول أنه لا قيمة لأمة بدون معتقدها وفكرها. الدين هو محرك الشعوب والأمم ، بما يختزله من قيم وأخلاق وقوانين ، لها من القداسة والقيمة، بحيث يقف أمامها الناس سواء في الاعتبار والتطبيق.
ولم يعد لسحرة فرعون ما يلقونه ليرهبوا به أعين الناس،لأن للعقل البشري اليوم ميزان يرجح به ، وتقييم يلتجئ إليه كلما قرأ كتابا، أو نظر في موضوع من المواضيع التي لها علاقة بمجاله الذي يتحرك فيه . ولقد كفتنا الصحيفة مئونة الرد عليها من جميع الجوانب ، فهي على كثرة صفحاتها تحتوي على أكثر من النصف إعلانات ، والنصف الباقي تشترك فيه صور الدعارة، وتجارة الأجساد الرخيصة-التي تكشف عن المستوى الأخلاقي المتردي لأصحابه- بالسياسة والفن والرياضة .
هل رأيت مرة وهابيا سلفيا يتبادل الود مع قومي بعثي ؟
كأنما أنظر إلبك أنت الذي تقتني صحيفة الشروق ، ولا تعرف من تكون تلك الصحيفة ؟ وأنت تفتح أوراقها ، وتحاول أن تهضم ما بداخلها من تناقضات حول الوضع العراقي ، والشعب العراقي المنعتق من دكتاتورية وظلم صدام الذي لم يجد به التاريخ مثيلا.
عداء الوهابية الذين تحول إسمهم اليوم إلى سلفية ، بسبب تمزق رداء الوهابية ، وانكشاف حالها وافتضاح أفكارها التي لا تزيد متتبعها إلا بعدا عن الله ورسوله والناس ، مما أدى إلى نفور المسلمين منه ، والتنصل من تبعات الفكر التكفيري المتشنج.

يحاول اليوم أتباع ذلك الخط، أن يظهروا للمسلمين بمظهر المتبع لأثر السلف الصالح ، والمقتفي لسنن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من خلال ما تعبد به الصحابة والتابعون لهم بإحسان، مع الإصرار على تغييب دور أئمة أهل البيت عليهم السلام ، الذين هم في واقع الأمر أساتذة كل الصحابة، ومعلمي الفقهاء الذين عرفتهم الأمة.
وعداء القوميين للإسلام عموما، وللمسلمين الشيعة خصوصا لا يحتاج إلى بيان ، فهو جلي ظاهر للعيان ، والجرائم التي ارتكبها البعثيون في العراق بحق الشيعة تحتاج إلى مجلدات لاستيعابها .فنظام صدام اختزل الجرائم التي ارتكبت بحق البشرية ، واختزل دكتاتوريات الظلمة جميعا ، بحيث حول العراق إلى أخدود وشعبه إلى أصحاب الأخدود. نيرون إمبراطور الرومان الغربيين بلغ به الجنون إلى أن أحرق روما وجلس يتفرج على حريقها ، بينما أحرق صدام العراق كله بسياسته المجنونة وعنجهيته وغطرسته وظلمه .

الفريقان - السلفية واشتقاقاتها والقومية واشتقاقاتها - بما يمثلانه من توافق في المبدإ المتجه إلى القضاء على الإسلام الحق، الذي يتعبد به المسلمون الشيعة في العراق، وفي غيرها من الدول التي تتواجد فيها الطائفة الشيعية، قد وجدا في الشروق التونسية الحضن الدافئ لتفريخ أفاعيهما، وبث سمومها بالتدريج في عقول الغافلين من أبناء شعبنا في تونس، لأن الصحيفة لا تعرف الإشعاع خارج حدود البلاد إلا بضرب من الإعانة والإسناد، وتستقي أكثر كتاباتها اقتباسا من الصحف العالمية ، كما تفعل الضباع بعد وليمة الأسود.
عن أي مقاومة تتحدث الشروق وبقية الطابور الذي لم يهدأ يوما عن التطبيل للحركات المشبوهة والتي كشفت منذ اليوم الأول عن زيف شعاراتها ؟ هل ترى الشروق ومن تبعها في هذه الدعاية الرخيصة أن عمليات القتل المجاني من تفخيخ السيارات بأطنان المتفجرات ووضعها في الأسواق المزدحمة بالناس العزل على إختلاف أعمارهم وأجناسهم هي مقاومة للمحتل ؟
هل تعتبر عمليات انتهاك الحرمات ، وتدمير المزارات والعبث بكرامة العراقيين مقاومة؟
ألا يعتقد هؤلاء الحالمون بالسراب العربي والسلفية الطالحة أن المقاومة والجهاد لا يمكن أن تختلط أوراقهما فينحرفان عن الغاية التي شرعا من أجلها وهي العزة والكرامة والحرية .
أين اختفى المجرمون في العراق وقد أطلق سراحهم صدام قبل أن تنقلب عليه بطانته وعمله الإجرامي طيلة فترة حكمه؟
وأين كانت الشروق طيلة تلك الفترة؟ ألم تكن في صف صدام ضد إرادة الشعب العراقي؟ ما شأنها والعراق اليوم, وقد سفه القدر أحلامها وأحلام من سلك نهجها؟
أين ذابت فلول فدائيي صدام وقيادات الحرس الجمهوري المجرمة؟
أين إختفت مليشيات حزب البعث العراقي المتورطة في جرائم القتل ضد الشيعة والأكراد وغيرهم؟
ثم يأتي التحالف البعثي الوهابي (السلفي) لتتشكل منه فسيفساء من القتلة والمجرمين الذين انعقدت قلوبهم على بغض الدين الحق وأهله، والصحيفة من حيث تدري أو لا تدري، قد قدمت خدمات كبيرة لأعداء الإنسانية، والدين الحق الذي جاء به نبي الإسلام صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين.

الصحيفة أخذت على عاتقها الدعاية لصدام، فلا يمر علينا يوم دون أن تكون الشروق سباقة فيه لمعلومات عنه،أو تعليمات منه ، كأنما هناك ربط مباشر بينهما ، وتبقى الأردن ومصر مصدري المعلومات عن الدكتاتور... قالوا إن صدام متفائل ، ويتكلم عن الشرفاء ؟- وهل كان صدام شريفا أو يدرك معنى من معاني الشرف حتى يتكلم عنه؟- هكذا نقلت الشروق ولا تزال تنقل ، ولن تنتهي حتى يذهب صدام إلى الجحيم ، عندها ستنتقل الصحيفة ومن حذا حذوها إلى البحث عن ناعق جديد ، وسائق جديد يتكلم بلغة الشرف والشهامة والعروبة، وباطنه يقطر وضاعة ودناءة وإجراما، لا يذكر الله إلا بضرب من المجاراة والتمويه ، كما يفعل أغلب الحكام الجاثمين على صدر مجتمعات الأمة الإسلامية الكبيرة ، عجبا لدهر اختلط فيه الحابل بالنابل ، والمجرم بالبريء ، بل لعل المجرم اليوم أقدر على الظهور بمظهر الضحية من الضحية نفسه.
وتتواصل المسرحية الطويلة على الأمة الإسلامية ، وتتعدد فصولها حتى لا تكاد تنتهي ، وتبقى لغة الكواليس سائدة في مجتمع لا يعرف غير المسرحيات والكواليس.
ويبقى السواد الأعظم من الناس ضحية الإعلام والصحف المأجورة ، أو تلك التي لم تستفق من غفوة أحلامها الوردية، في أن تقوم قائمة للشيوعية أو القومية أو كل الأفكار التي أسسها مفكرون عاشوا تصورات، وأسسوا في عقولهم بيوتا ثبت وهنها، وقامت البينة على عقم تأسيسها ، حتى لم يعد هناك شك في عدم جدواها، وعلبت على الناس حقيقة أن لا فائدة ترجى منها جميعا ، وليس هناك من أمل يبقي على تطلع الجماهير المسلمة، غير راية التوحيد وشريعة الدين وقيادة علماء الأمة، بعد أن رتع فيها الأدعياء والجهال باسم الدين وباسم غيره .

لقد أيقن جميع المسلمين الآن أنه لا خلاص لهم من تبعيات الذل والهوان والتخلف، غير عودتهم إلى الإسلام، وانضوائهم تحت لوائه، فلا فكر إلا فكره ولا مجتمع إلا مجتمعه ولا دولة إلا دولته.
وكل دعوة دونه مردودة على أصحابها من عبيد الدنيا وتبع الشهوات، لأن الإسلام هو الطرح الوحيد الذي يتعايش مع الغير ويكفل حقوقه ولا يلغيه.
ماذا أنتجت نظريات البشر من قومية وإلحادية، شرقية أم غربية؟ ألم تفشل كلها ؟ ألم يجن منها الناس غير التجارب المريرة التي إنتهت على حقيقة، أن البشر كلهم ولو اجتمعوا على أن يصنعوا بديلا عن الحكم الإلهي، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، فالقومية مثلا لم تخلف فينا غير الهزيمة والخذلان ، وآثار جرائم لا تكاد تحصى ذهبت بسببها نخب الأمة ، والشيوعية إنهدمت أركانها وذهب حماسة معتنقيها ،وأفل نجمها ، حتى لا تكاد تلمح لهم أثرا ، كأنما الأفكار أصبحت تقليعات ومظاهر تطل علينا الواحدة بعد الأخرى، وتختفي كلما عزف عنها الناس.
حقيق علينا اليوم أن ناسف لحال صحافتنا ، والدور المشبوه الذي تلعبه في تضليل الأمة ، وبث الأراجيف في عقول أفرادها، ونعزي أنفسنا للمآل الذي أودت بنفسها إليه، في عصر اشتد التنافس فيه على ذلك القطاع الحيوي في العالم، وهو قطاع الإعلام بكل تفاصيله وعناوينه، و لئن تمكن من الأخذ بعنقه أعداء الإسلام من يهود وغيرهم، فإننا على الأقل بحاجة إلى فهم موقعنا، ودورنا إزاء ما يروج ويسوق لنا عبر تلك الوسائل ، فلا نستهلك منها كل ما تقدمه تلك المؤسسات لنا ، دون الإلتفات إلى حقيقة دورها، والغاية التي تريد الوصول إليها من خلال ذلك .

إن الثقافة التي يمكن أن تفيد المجتمعات المسلمة وتنأى بها عن الوقوع في أسر وهيمنة وسحر الإعلام الغربي الذي جاء ليطرح نفسه بطريقته ووسائله الجهنمية بديلا عن الثقافة الإسلامية الصافية من التحريف والخالية من درن الظالمين والمستكبرين ، قد استطاع عبر صحف الإعاقة والقصور أن يخضع أغلب الأمة الإسلامية ويدخلها في دوامة التبعية الفكرية ، ويبني بينها وبين الفكر الإلهي المستنير جدارا سميكا من البهارج والزينة التي لا تعني شيئا مقابل الحجج التي يمتلكها خط الحق .
وليسمح لي متتبع هذه السطور أن أتوجه إليه بالنصيحة المتمثلة في :
أولا: أن يحذر من سموم الإعلام المقروء فلا يشتري إلا الصحف التي يستأنس فيها نزعة الخير وبذرة الصلاح ، ومقابل ذلك يتعهد بمقاطعة كل الصحف التي تكيد للحق وأهله.
ثانيا : مقاطعة القنوات الفضائية التي تنشر الفساد والميوعة تحت عنوان الحداثة .
ثالثا: التوجه إلى القنوات التي تحاول أن ترسم ملامح الإسلام وتلتزم به، لأن الحرب الثقافية دخلت بيوتنا عبر القنوات الفضائية ، وعلينا تحصين أبنائنا من هذه الهجمة العنيفة التي أطاحت بأغلب الأمة الإسلامية.
رابعا : العالم كله أصبح كالقرية الواحدة عبر الانترنيت ، ومئات المواقع التي نذرت أنفسها لخدمة الدين القيم وأهله، قد تكون البديل عن الصحف التي تسوق لنا الأكاذيب.
وميزاننا دائما هو الآتي إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موجودا هل سيتابع هذه القناة ، أم سيقرأ هذه الصحيفة؟

على كل أسرة من اسر الأمة الإسلامية وسط هذه المجتمعات الممزقة، أن تحول بيتها إلى بيت فاطمة وعلي عليهما السلام ، وبمعنى آخر أن لا يدخل البيت عبر بوابته التي اتسعت في هذا العصر، إلا من طابت سريرته وظهرت علامات إيمانه ، وان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله صلى الله عليه وآله.
أخيرا أقول عودوا إلى الله تعالى وتوبوا إليه واصطلحوا معه ، فستجدونه معكم يبارك سعيكم ويشد إزركم ، وينهج بكم طريق التوفيق والصلاح ، وارغبوا إلى ما عنده، فإن ما في أيدي الناس هباء ،انخرطوا في زمر أوليائه فان أولياءه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والعاقبة للمتقين،" أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض."

لم تكن صحيفة الشروق التونسية وقت هزيمة 67 المعبر عنها بالنكسة موجودة، فقد صدرت متأخرة عن ذلك التاريخ بثلاث وعشرون سنة ، وإلا سقنا ترادفها وراء طابور الفكر القومي أمرا متوقعا، ولما كلفنا الأمر من أن نستخرج من تصوراتها دلالة على مشروعها الفكري وما تبغي من ورائه .
إلا أن المتتبع لتعاطي الصحيفة مع تاريخ أحداث الحرب العراقية الإيرانية التي شنها الدكتاتور الفاسد صدام حسين، بإيعاز من غريمته الآن الولايات المتحدة الأمريكية والتي انتهت قبل صدور الصحيفة بثلاث سنوات.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة