المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 3 جمادى الاولى 1426 - إطلالة على الذهبي في ميزانه
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

بسم الله الرحمان الرحيم

إطلالة على الذهبي في ميزانه

علم الجرح والتعديل هو من العلوم المهمة التي من المفترض أن يعرف بها الحديث، ويتميز من حيث سنده صحة وضعفا ووضعا، فهو الأداة التي تكشف من سند الرواية، أحوال الرواة في مختلف طبقاتهم، من حيث صدقهم وعدالتهم من عدمها، إذا كان المتصدون لهذا العلم يخضعون لنفس الشروط المفتش عنها في الراوي لتحقق صحة الحديث وهي الصدق والسماع المباشر عن الطبقة السابقة.
إلا أننا عندما نتناول الكتب المتخصصة في هذا المجال وتحديدا كتب الخط السلطوي، نلاحظ تحامل الحفاظ وتجنيهم على رواة الحديث من ناحية ، وتهجم علماء هذا الفن على بعضهم البعض من ناحية أخرى، بشكل يدعو إلى النظر في كل ما أثبتته كتبهم من الناحيتين التجريحية والتعديلية،لمخالطة الأحكام المصدرة على كثير من الرواة والعلماء والحفاظ ، هوى أو عداء أو عصبية المجرح، ولئن جاءت هذه الجولة مقتصرة على كتاب واحد وهو ميزان الاعتدال للذهبي ،لأن الكتاب نفسه يحتوي على أقوال عدد من نظرائه في هذا الفن ، فقد أغني عن الالتجاء إلى غيره لأن الإناء واحد ، وكل إناء بما فيه يرشح، فمنحى التعصب المقيت الذي انتهجه الذهبي في تناول الرواة جرحا وتعديلا لم يكن من نتاجه وحده ، بل هو سياق لخط السقيفة والخلافة الذي لم يراع في مآخذه على الرواة ، القيم الإسلامية التي يفترض أن يتحلى بها العلماء قبل غيرهم ، من تقوى الله وتورع عن كيل التهم من غير بينة، بحيث ضيعت سنن عديدة ، وفرط في علم جم ، كان سيزيد من صحوة الأمة ، ويوقظها من سبات عميق تواصل قرون عديدة، نفذت بإرادة ظلت تكيد للإسلام جيلا بعد جيل تحت غطاء أولياء أمور الأمة ، الذين كان همهم الوحيد الإصرار على التمسك بكرسي الحكم ، وممارسة سياسة التفريق في الأمة ، بمساعدة من أبناء الأمة نفسها ، من أشباه علماء مغررين ومغرورين، والسعي على الإبقاء على الهوة السحيقة التي بنيت بين الخطوط الإسلامية ، وعمقت بأقلام راهنت على الفرقة ، ونسف جدار الوحدة الإسلامية ، انتصارا لثوابت من الوهم والزيف عششت في عقول مرضى الأمة ردحا من الزمن، وتحصيلا لمصلحة الظالمين من سياسة تفريق وتشتيت الأمة.

المثال الذي بين يدي الآن، وأقدم منه للقارئ الكريم نموذجا استوقفني ، لدلالته على أن أصحاب هذا العلم من أتباع خط السقيفة والخلافة، لم ينأوا بأنفسهم عن الوقوع في مستنقع التعصب الأعمى، الذي لا طائل من ورائه غير تعميق الاختلاف في صفوف الأمة ، وإن كان دور العلماء المؤمل،هو إتباع مصلحة الدين،وضرب أحسن الأمثلة بالإمتثال لأحكامه، والتأدب بآداب صاحبه صلى الله عليه وآله وسلم، وحسن توجيه الأمة وإرشادها إلى الأصلح ، فإن ما لمسناه على مر القرون السابقة، وجاء به التاريخ السلطوي ، كان عكس ما هو مرجو من أغلب العلماء، الذين كان دورهم منحصرا أساسا فيما أوكله إليهم حكامهم، الذين يعتبرونهم أولياء أمورهم، ومراجعهم في القرار الواجب إتباعه، وان لم يحكموا بما انزل الله ، وكانوا على الرعية كالسيف المسلط والقضاء المحتوم، محاباة للظلم وصانعيه،وغض الطرف عن جرائمهم، التي كانت تقترف على مرأى مسمع ومشهد منهم،فرواد دور الظلمة لا ينتظر منهم غير نتائج ذلك الارتياد .
لذلك كان منتظرا أن لا يكون كل ما دونه هؤلاء العلماء، مبنيا على خشية الله تعالى وإتباع الحق ، وهو في أغلب تفاصيله ناشئ عن ذلك الولاء المشبوه ، أو خارج من باب التعصب للمذهب الذي تبناه هذا الحافظ أو ذاك ، في أحلك فترات مر بها تدوين سنن النبي صلى الله عليه وآله وأحكامه وسيرته ، بعد عصور الحضر والمنع التي ابتليت بها.

ميزان الاعتدال
النموذج الذي بين يدي الآن هو كتاب ميزان الاعتدال للذهبي، رأيت أن أقوم بإطلالة سريعة على ما تضمنته أجزاءه الأربعة من دلالات قد ترشد القارئ إلى إتباع منهج الحق، والأخذ بأسباب النجاة من دار الفناء إلى دار البقاء ، وإتباع صراط أهل البيت عليهم السلام، وترك ما دونه لأنه خليط حق وباطل ، وفيما أرى لو أن علماء هذا الخط لم يعتمدوا قسرا ورغم أنوفهم على روايات الشيعة في عدد من السنن والأحكام لما بقي لهم شيئ من حقيقة يروونها، لأنك لو تأملت في روايات الفضائل التي أترعت بها مدونات السنن المعتمدة عندهم لوقفت على هول ما نقلوه ، لأنك لن تخرج من ثلاث حالات :

الأولى : روايات الفضائل على شكل أحلام . كرواية الحلم الذي أول بأنه يعني علم الخليفة الثاني ، ورواية نزع الدلاء ، ورواية القدح ...وغيرها
الثانية : روايات الفضائل المكذوبة الفاضحة ، كالرواية التي تنسب للنبي صلى الله عليه وآله عدم استحيائه من الخليفة الأول والثاني واستحيائه من الثالث لأنه تستحي منه الملائكة ، وبمعنى آخر من أجل الرفع من مقام الخليفة الثالث ، يخرجون حيي الخلائق ، الذي هو اشد حياء من المخدرة، من حيائه فلا يعود إليه إلا الخليفة الثالث عليه.
الثالثة : المفتريات التي انتشرت في كتب القوم بعد أن أقام الأمويون أودها وأصلحوا شأنها ، كروايات الفضائل التي كان يراد بها إرباك المسلمين وإبعادهم عن الأولى بالإتباع ، بحيث انك قد لا تجد رواية في فضل الإمام علي وأهل بيته إلا وتجد معها روايات أخرى في فضائل الخلفاء ، من بين الروايات الموضوعة نذكر على سبيل المثال ،رواية حورية الخليفة الثاني، ورواية جنة الخليفة الأول ، وفضائل النبي موسى وإبراهيم عليهما السلام..

من هو الذهبي؟
محمد بن أحمد بن عثمان بن قيمازالشافعي (673/748) درس الحديث من صغره ورحل في طلبه فانتقل إلى مصر وسمع من أناس يزيدون على ألف ومائتين ، ولما عاد إلى دمشق عين أستاذا للحديث ، يرحل إليه من سائر البلاد.
هو واحد من أولئك الذين ساروا في خط السلط، طلب العلم من أجل الوظيفة فكان له ما أراد ،وكتب في علوم الحديث كتابة ليس فيها عمق نظر ولا دقة تحقيق ، ولا كان راعى في تدوينه لميزان الاعتدال - كتابه في الجرح والتعديل - موضوع الحال حرمة المؤمنين، ولا اتبع سبيل الأمانة العلمية، في التحري عن أحوال الرواة ، لقد كان مدفوعا بتعصب غريب وعجيب ، ظهر من خلال مقالاته عند اعتراضه لكل من لا يوافقه في الفكرة والمذهب ، خاصة أئمة و علماء ورواة الشيعة، الذين حلا له ولمشيخته، ولمن تبعه أن يسموهم بالروافض ، ليس لأنهم رفضوا الدين ، كما كان يفترض أن تؤدي تلك التسمية معناها الذي أراده الطغاة والظلمة، أصحاب المنشئ والأساس للدعاية المغرضة، الموجهة ضد من كانوا يمثلون المعارضة ، بل لأنهم رفضوا مؤامرة السقيفة ، ومبدإ الشورى المزعوم في الخلافة ، وحكام السيف والنطع الذين أمضوا مشيئتهم ن وأجروا أحكامهم إزاء حكم الله تعالى ، رغم النصوص الصحيحة، التي يمرون عليها مرور المتجاهل لمقصدها وغايتها ، والتي تقول أن الإمامة لطف الهي أريد به حفظ الشريعة ، ووجود القدوة وعنصر الهداية في كل عصر، ومواصلة تعليم الأجيال، وتربيتها وفق التعاليم الصحيحة للدين الحنيف، تماما كما تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى تصل الأمة إلى مستوى الوعي الكامل بحقوقها وواجباتها، عندها تستطيع التمييز الكامل بين ما لها وما عليها.
لم يكن الذهبي إلا واحدا من تتابع رتل من العلماء ، تلقوا علومهم ومعارفهم من مدارس أسستها أنظمة عرفت بالظلم، واشتهرت بالقمع والتعسف على عامة المسلمين ،ووضعت برامجها ، وحددت موارد علومها، ومن هذا المنطلق وجب على الذين لهم دراية بهذه الحقيقة، أن لا يسلموا بكل ما يلقى إليهم من هؤلاء،لأن نتاج طريق الظلم هو ما ترتب عنه من تشريعات وأعمال لا علاقة لها بالدين مطلقا ، إلا ما ارتبط بمصلحة من المصالح التي تتوافق ورغبة أولئك، ولا يمكن أن يفرز غير الانحراف والتطرف ، ولا يستطيع أن يقدم النموذج والمثال الحقيقي للإنسان المسلم .

وباعتبار ترسخ عقلية الانتصار للفكرة والاستماتة عليها، حتى ولو كانت هناك فكرة أخرى أصوب منها ، فقد سلك الذهبي مسلك التعصب الشديد مع أكثر رواة الحديث من الشيعة، فكان إن قبل البعض منهم ،لا يرضاهم وينعتهم بالزيغ والضلال ، ولم يقف عند ذلك الحد من البغض والعداء، بل تجاوزه إلى التصغير من شأن عدد من الأئمة عليهم السلام ، والحط من مقامهم، وتجاهل حالهم من التقوى والصلاح والعلم، والتي هي أشهر من نار على علم في وجدان أصحاب تلك العصور، وإن أعيته الحيلة التجئ إلى قرين له ليأخذ عنه الكيل الطافح بالسباب الجارح ، وفي ذلك كله دلالة على أن موقف الذهبي من الأئمة الهداة عليهم السلام ، إنما كان يجسد الرأي العام للأنظمة التي عاش الطاهرون عليهم السلام أزمنتها ، والذي لا يمكن أن يخالفه هو ولا العلماء المعاصرين له، لاتصالهم وارتباطهم الوثيقين بتلك الأنظمة ، من حيث الفكرة والرأي ، خوفا من العزل من مراتب التعليم و الفقاهة والقضاء، التي عادة ما يحضى بها المقربون من بلاط هذا الحاكم أو ذاك، فينال بها الوجاهة والمال.

وعليه فانك لن تجد في تلك الكتب ومحتوياتها نفسا ثوريا ، ولا روحا إيمانية حقيقية في أكثر ما تتحسسه منها ، بل قد تجد ما ينبئك أن أصحابها على ولاء تام ومطلق بالظلم وأهله ، وقد يكونون متورطين في إصدار أحكام بقتل الأنفس البريئة، وطلائع الأمة الذين كانوا عادة ما يثورون في وجه الظلم وأهله، كلما سنحت بذلك فرصة أو دعت حاجة، واخص بالذكر منهم كل أولئك الذين تنسموا وظائف القضاء في عهود الظلم والحكم الآحادي المتسلط في العصرين الأموي والعباسي والمملوكي.
والذهبي على سعة ما كتب ،لم يخرج عن دائرة الموروث الذي تخيط فيه،بل كان وفيا لنعرة الانتصار للخط الذي وجد نفسه فيه ، ولم يتبنه نتيجة بحث ، ولا اكتشفه بعد لأي وجهد كبيرين، كل ما في الأمر أن الرجل لم يشذ عن ميثاق أسلافه في الطعن على من خالفهم في الرأي ، دون أدنى تساءل عما يحمله الفكر الآخر، وما مدى علاقته بالحقيقة التي ينشدها كل باحث نزيه.

لذلك خلصنا إلى القول بأن الرجل لم يكن مبتدعا في كتابه ، وإنما كان سالكا سياق من سبقه في علم الرجال، والذين غالبا ما يتعسفون على مخالفيهم في الفكر والرأي.
وقد قال تاج الدين السبكي في الذهبي ، في كتاب طبقات الشافعية: والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم إعتبار قوله.(1)
لكن لماذا نقل عن السبكي ذلك الموقف الغريب من أستاذه؟ وقد جرت العادة أن ينوه التلميذ بأستاذه ، على الأقل إعترافا بأياديه في تحصيل العلم. ولما لم نجد لذلك النهي سببا ألجأ إلى اتخاذه ، بنيناه على حالة تراشق التهم ومظاهر العداء والنفرة التي تقع غالبا بين هؤلاء الحفاظ وإن كانوا من نفس الخط ،انطباقا للمثل العامي الذي يقول: صاحب حرفتك عدوك.والذي لا أراه لائقا بمن تسموا علماء الإسلام وحججه .

مفهوم البدعة عند الذهبي
إذا نحن تصفحنا المجلدات الأربع من ميزان إعتدال الذهبي - وحري بالكتاب أن يسمى ميزان الإنحياز- استوقفنا في البداية تعريفه الخاطئ للبدعة ، ومحاولة إيهامه للقارئ أن البدعة مستثنى منها جماعته، الذين سماهم العباسيون أهل السنة، بعد أن سمى معاوية ابن أبي سفيان ،عام استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعام الجماعة ، فأضيفت هذه إلى تلك فأصبحت هكذا: أهل السنة والجماعة. ولو كان هذا العنوان منطبقا حقيقة على محتواه ومنتسبيه، لكانوا من باب أولى مبادرتهم إلى أهل البيت عليهم السلام، لأن السنة الصحيحة التي لم تدنسها مقالات المحرفين، لا يمكن أن تكون عند غيرهم ، ولو كان في التسمية وثاقة وارتباط بالعصر النبوي لاتصل أمرها بأصحاب القرون الثلاثة الأولى، ولو كان في التسمية سبق وفضل لسبقهم إليها شيعة أهل البيت عليهم السلام ، كما سموا أنفسهم بحزب الله ،ذلك الاسم الذي عميت عنه أعين البقية ، وهو الذي يمرون عليه بكرة وعشيا في كتاب الله، لأن أهل الحق دائما سباقون إلى كل مكرمة وعلم، عن بصيرة ويقين وعمل ، بينما تاه غيرهم في ظلمات بعضها فوق بعض، لأنهم لم يهتدوا بهدى متصل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم اتصال الوثاقة واليقين ، إنما هم متبعون لخليط من حق وباطل أراده الظالمون لهم دينا ، فاتخذوه مرجعا ، والناس على دين ملوكهم.

يقول الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي ، مشيرا إلى أن الرجل أخرج له كل من مسلم وأصحاب المسانيد والسنن الأربعة: شيعي جلد لكنه صدوق ،فلنا صدقه وعليه بدعته،( مع إننا سنقف على إدعائهم بتكذيب كل الشيعة، وهم في الواقع اكذب الورى ) وقد وثقه أحمد ، وابن معين ، وأبو حاتم ، وأورده ابن عدي وقال: كان غاليا في التشيع وقال السعدي : زائغ مجاهر.، فلقائل أن يقول : كيف ساغ توثيق مبتدع ، وحد الثقة العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة؟ وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع ، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف ، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة.. ثم بدعة كبرى ، كالرفض الكامل والغلو فيه ، والحط على أبي بكر و عمر (رض) والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتج به ولا كرامة. وأيضا فما استحضر الآن في هذا الضرب رجلا صادقا ولا مأمونا، بل الكذب شعارهم، والتقية دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟ حاشا وكلا. فالشيعي الغالي في زمن السلف و عرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليا رضي الله عنه، وتعرض لسبهم.والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة ، ويتبرأ من الشيخين أصلا بل قد يعتقد عليا أفضل منهما.(2)

ثم نقل الذهبي تفصيلا آخر وتصنيفا لرواة الحديث من الشيعة عنده وعند علماء - أهل السنة والجماعة - فقال في ترجمة إبراهيم بن الحكم بن ظهير الكوفي، شيعي جلد، قال أبو حاتم: كذاب، روى في مثالب معاوية فمزقنا ما كتبنا عنه.(3) وقال: قد اختلف الناس في الاحتجاج برواية الرافضة على ثلاثة أقوال:
أحدها: المنع مطلقا.
الثاني: الترخص مطلقا إلا فيمن يكذب ويضع.
الثالث: التفصيل، فتقبل رواية الرافضي الصدوق العارف بما حدث، وترد رواية الرافضي الداعية ولو كان صدوقا.
وبناء على ما تقدم نرى في كلام الذهبي ومن سلك مسلكه، ما كان يراه حكام تلك الأزمنة من رأي وموقف من الروافض أو الشيعة أو الباطنية أو المشارقة( كما دون ذلك ابن الأثير في تاريخه عند ذكر المجازر التي تعرض لها الشيعة في شمال إفريقيا ) كما يحلو لكل جهة أن تطلقه من تسميات على أتباع الأئمة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

إن المتأمل في ما قاله الذهبي يمكنه أن يقف على جملة من الحقائق كما جاءت في كتابه وصرح بها معترفا دون أن يلتفت إلى ما قاله منها:
1- إعترافه بأن التشيع موجود زمن التابعين وتابعيهم ، وهو ما يشير حتما إلى امتداد تلك العقيدة ، وإتصالها الوثيق بزمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلى ذلك يكون البناء لذلك الخط ذا أصول ثابتة لا يتطرق إليها شك ، إنما طرأ الشك على الذين التبس عليهم الأمر من تشويهات الأنظمة التي كانت ترى في التشيع خطرا كبيرا عليها، لأنه المقارع الوحيد للظلم والظالمين ،والساعي دائما وأبدا إلى إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى في إنفاذ أحكامه ،وتطبيق شرائعه ، وإعادة الحق إلى أهله أئمة أهل البيت الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، والذين خصهم الله تعالى بحفظ شريعته والقيام عليها وإنفاذها بين الناس نشرا وتطبيقا.. وان الدعاية المغرضة التي أطلقت على أن منشأ التشيع هو اليهودي عبد الله بن سبأ الذي كان داعية للفكرة زمن الإمام علي عليه السلام ، وهي كذبة مفضوحة لا أساس لها ، لسبب بسيط هو أن عليا عليه السلام ولا أبناءه من بعده ممن يقبل أن يخطط أو ينظر لهم أو ينضوي تحت لوائهم مشبوه أو مشكوك في دينه، وقد نصح الإمام عليه السلام في أن يقر معاوية بن أبي سفيان على الشام حتى يستتب له الأمر ، فقال : ما كنت متخذا المضلين عضدا. ،و في كلامه عليه السلام دلالة على أنه لم تمتد يده يوما إلى الطلقاء ، فكيف باليهود وهو الذي كسر شوكتهم في خيبر ، وما أدراك ما خيبر ، وما خيبر كلها إلا له عليه السلام، ولولا علي عليه السلام لاستعصى فتح الحصن الذي انكسرت تحت بابه شوكة كثيري من الصحابة، ورجع بعضهم يجبن بعض ، كما أقر بذلك ابن الأثر في تاريخه.

إن من ألصقت به صفة اليهودي هو سيدنا عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه ، حيث أن ذكر اسمه بكونه داعية لأهل البيت عليه السلام ،وإنهم أحق الناس بقيادة الأمة ،يشكل حرجا كبيرا لأعداء خط الإمامة الشرعي، وقد انتقل من أجل تلك المهمة إلى العراق والحجاز ومصر نصرة للحق وأهله ، فعبد الله هو اسم يشترك فيه كل إنسان باعتباره عبدا لله، وابن سبأ هي نسبة عمار الذي يرجع أصله إلى اليمن، وقد درج العرب على نسبة بعضهم إلى مساقط رؤوسهم، ومواطنهم الأصلية. وقد اعترف جملة من المحققين بهذه الحقيقة منهم الدكتور طه حسين ، والدكتور مصطفى كامل الشيبي في كتابه الصلة بين التصوف والتشيع ، وأفرد لها السيد مرتضى العسكري - مد الله أنفاسه الشريفة- كتابا سماه عبد الله بن سبأ ، موضحا المزيد من الحقائق ، ومدليا بكل البراهين التي لا تقبل الشك، في أن شخصية اليهودي عبد الله ابن سبأ ما هي إلا أسطورة من الأساطير التي لم تعرف يوما تجسيدا على أرض الواقع ، وهي من تأليف أعداء خط الإمامة لصرف الناس عنه، بنسبته إلى اليهود، بل هناك من ذهب من غير خط الشيعة الإمامية الإثني عشرية- وقد أشرنا إليهما- إلى القول بأن عمار بن ياسر هو الشخصية التي تحركت بذلك الشكل ودعت إلى أحقية علي وأهل بيته عليهم السلام في قيادة الأمة الإسلامية ، فذكره باسمه يرجح ويثبت تلك الأحقية لما ثبت من نصوص خاصة بعمار منها:" ويقول ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار."(4)

وباعتبار الرجل واحدا من الثلاثة الذين تسوروا دار الخليفة الثالث وقتلوه، ولا يعطي البتة صفة المظلومية ولا الشهادة للقتيل ، خاصة إذا ثبت لدينا أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قال في شأن غمار وأهل بيته :" أبشروا آل ياسر فان موعدكم الجنة."

ولا يفوتني هنا من أن أشير إلى أن من نسب منشأ التشيع لآل محمد عليهم الصلاة والسلام ، إلى يهودي مجهول الحال، قد رمى المستمسكين بحبل الله تعالى بفرية عظيمة هو أحق بأن ينعت بها من غيره، لأن كعب الأحبار وعبد الله بن سلام ووهب بن منبه ثلاثة يهود ، جاءوا بموبقات الأمور وعظائمها كتجسيم الخالق والافتراء على الأنبياء عليهم السلام، أيدهم عليها وأطلق ألسنتهم في المساجد للقصة والخرافة الخليفة الثاني ، فتتلمذ على أيديهم عدد من الصحابة ،وأخذوا عنهم معالم دينهم من توحيد ونحوه، حتى وصل إلى الحالة المشوهة التي نراها عليه اليوم، وتتبناه مجموعات الحنابلة والوهابية والسلفية ، وتميم الداري النصراني الذي فسح له الخليفة الأول المجال للقصة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله، على مرأى ومسمع محضر من جلة الصحابة والتابعين، فمر من هؤلاء شر كثير لا نزال نعاني منه إلى يوم الناس هذا. فمن برأيك - أيها القارئ الكريم - الذي أرخى مقوده لليهود، وأخذ عنهم دينه أصحاب كعب الأحبار الحقيقة التي لا غبار عليها ، أم الخرافة التي لا يعرف لها شخص غير ما استخلصه العلماء نتيجة بحث وترو عميقين، بعيدا عن التعصب المقيت، وثبت بها أن المسألة لا تعدو أن تكون دعاية مغرضة لا أساس لها من الصحة.

2- إقراره بأن عددا كبيرا من التابعين وتابعيهم كانوا شيعة، وهو ما يؤسس لحقيقة خرجت من قلم الذهبي تقول، إن التشيع كان شعار ومبدأ الصالحين في الزمن الأول من صدر الإسلام ، وقد كانوا من الكثرة بحيث استحال تفادي الرواية عنهم، أو تجاهل حالهم ، على الرغم من الجهد الذي بذله الأمويون والعباسيون من بعدهم، لإطفاء أنوار هؤلاء، ومحو آثارهم بما أوتوا من وسائل.

3- محاولة التغطية على حقيقة التشيع، بتصنيف طبقات لهم ليس لها أصل في الواقع ، فالشيعي مهما كان ، داعية أو تابعا لا يكون منطبقا عليه اعتقاده في ولاية أهل البيت عليهم السلام إلا إذا رفض ولاية غيرهم ، لأن الإمامة هي نص من الله تعالى وإمتثال لأمره في الحكومة، بينما الخلافة عندهم هي السقيفة والاغتصاب للحكم، والشورى التي لم يأت بها غير حثالة من الغوغاء بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم،إستغلوا فرصة انشغال أهل البيت عليهم السلام ومن والاهم، في تجهيز سيدهم صلى الله عليه وآله، واغتصبوا أمر الحكومة الإسلامية. ولم يوجد في الدنيا منذ أن ظهر التشيع لأهل البيت عليهم السلام، من كان يرفع من مقام الخلفاء ولا بقية الصحابة، بل كان يضعهم موضعهم في الأمة باعتبارهم أفرادا عاديين لا يتميزون في شيء عن غيرهم من عامة الصحابة، لذلك فإن قوله: والحط على أبي بكر وعمر لا يستقيم من حيث كون إعتبار أصحاب السقيفة غاصبين لسلطة الإمام في الأمة ، وإلا كيف يتفق جمع النقيضين في معتقد واحد؟

4- لم يثبت على الشيعة أن كذبوا وإن اعتمدوا التقية أمام هجمات الأعداء التي استهدفت دينهم وأرواحهم وممتلكاتهم، والتقية بالمفهوم القرآني هي الضرورات المحتمة زمن الظلم، وما أطوله في عمر الأمة، جاء بها الوحي في كتاب الله تعالى: "إلا أن تتقوا منهم تقاة."(5)
لقد عاش الشيعة ثلاثة قرون - حياة الأئمة وعصر السفارة - محاطين بمن عصمهم الله تعالى عن الكذب، وهم أهل البيت عليهم السلام ، فلا مصلحة تدفعهم إلى اللجوء إلى ذلك الأسلوب الرخيص ، وكلما دس منحرف أو تواجد بين صفوف الشيعة دخيل عليها أو منحرف حاد عن نهج الوسطية ، انبرى الأئمة وأتباعهم يتبرؤون منه ويشهرون أمر انحرافه، بينما نشأ الكذب وترعرع وفشا في بقية الفرق، التي كان يشرف عليها الظالمون والطغاة وعبيد الدنيا ، بعد ما أسسوا أساسها، فأصح الأقوال إلى اليوم هي التي عليها معتقد الأمامية الإثني عشرية ، نسبة إلى الأئمة الإثني عشر الذين نص عليهم الحديث الصحيح الذي رواه حفاظ أهل السنة عن النبي صلى الله عليه وآله، ولم يتقيدوا به ولا بحثوا عن معناه ، إلا بضرب من السطحية وقصر النظر، أمثلى الكذب والكذابين عديدة في غير مدرسة أهل البيت وخطها المستقيم ، منه ما ألصق بالنبي واعتمد كعقيدة وشريعة يتعبد بها الناس ، ومنه ما استعمل لتفضيل صحابي على غيره ، ومنه ما تباهى به أتباع هذا المذهب على ذاك ، وأطرف ما فيه أن المالكية اختلقوا لمالك رؤيته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مرات عديدة ، مما دفع بالحنابلة إلى الادعاء بأن إمامهم رأى الله - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- فمن الذي كذب ولا يزال يتخبط في الكذب حقيقة؟
حتى أولئك الذين حاولوا الدخول تحت ظلال التشيع ممن كانت له غايات أخرى يريد الوصول إليها عبر ذلك الانتماء، وما كان يسعى الظلم بما أوتي من جهد لتعكير صفو شيعة أهل البيت عليهم السلام ، ودس المغرضين بينهم ، وقف لهم الأئمة عليهم السلام مشهرين بهم ومتبرئين منهم بالاسم ، بحيث لم يبق مجال لنسبة شخص خارج عن دائرة الإمامة التي يتحلق حولها الموالون جيلا بعد جيل.

5- ذكر الذهبي تعريفا عجيبا للشيعي الغالي، كأنما الشيعة في نظره يتغيرون من زمن إلى آخر، قائلا:" فالشيعي الغالي في زمن السلف و عرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليا رضي الله عنه ، وتعرض لسبهم." هؤلاء في نظره أصحاب بدعة صغرى وهي الغلو في التشيع فتقبل روايتهم، حتى وإن تعرضوا للصحابة المذكورين ، بسبب محاربتهم للإمام علي عليه السلام، ونسي الذهبي من حث هؤلاء على محاربة الإمام ، وهي ابنة أبي قحافة التي استغلت صفتها بكونها زوجة النبي للتمويه على عامة المسلمين، وإثارة الفتنة بينهم ، والفتنة أشد من القتل، فقتل بسبب طمعها في الحكم لابن أختها عبد الله بن الزبير آلاف الأبرياء. الذهبي أجاز إذا سب هؤلاء جميعا ، لكنه إعتبر تكفيرهم مدعاة إلى الرفض الكامل الذي لا تقبل رواية صاحبه بأي حال. ولم أر في كتاب من كتب الشيعة من يدعو إلى هذا القول . لسنا قضاة حتى نحكم على هذا أو ذاك، كما يفعل الآن أتباع المعارضون لخط الإمامة ، ولا منفذين لأحكام صادرة عن جهل وقلة معرفة وعلم، نحن أمام جرم أرتكب في حق دين الله قبل حق أهل البيت عليهم السلام، وحيال مؤامرة حاك خيوطها ،وأثار أحداثها ووقائعها عدد ممن يسمونهم بكبار الصحابة، منهم عائشة التي كان ها دور كبير في موافاة أبيها بتطور حالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنع خروج جيش أسامة وفتنة المسلمين، والمشاركة في التحضير للاستيلاء على السلطة، قبل وأثناء وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهي متهمة بتهم أربعة :
الأولى: إثارة الفتنة في صفوف المسلمين وتمزيق وحدتهم حول الإمام المنصوص عليه من الله تعالى، والمبايع بيعة إلهية عامة في غدير خم بعد منصرف النبي صلى الله عليه وآله من حجته المعروفة بحجة الوداع ، وبيعة شوروية حقيقية بمسجد النبي صلى الله عليه وآله، تنفيذا لمخطط الاستيلاء على الحكم من جديد وبطريقة أقل ما يقال فيها أنها الفتنة التي قصمت ظهر الأمة ، لفائدة ابن أختها عبد الله بن الزبير.
الثانية : تهمة القتل العمد مع سابق الإصرار والترصد لآلاف المسلمين في معركة الجمل، استخفافا بأرواحهم من اجل مطمح خسيس ، وهي معركة تسمت باسم جملها المحملة عليه.
الثالثة: عصيانها لأمر الله تعالى في أن تقر في بيتها ولا تخرج ، واستخفافها بمقام النبي صلى الله عليه وآله في ذلك الخروج.
الرابعة : الكذب والتمويه على من خرج معها ، فهي أول من رفع شعار الثار لمقتل عثمان ، وهي ممن عدها المؤرخون محرضة عليه أواخر أيامه ، ونقلوا عنها مقالتها الشهيرة أقتلوا نعثلا فقد كفر، بينما الحقيقة تقول أن المرأة كانت تريد الخلافة لابن أختها عبد الله بن الزبير.

هذه حقيقة المسلمين الشيعة
ما معنى الشيعة ؟ ومن هم الشيعة؟ ولماذا يحاربون؟
سؤالان يتبادران إلى ذهن كل من لم يعرف هذا المصطلح اللغوي، ولا يستطيع تجاوز عقدة التهويل فيه ،إلا بالرجوع إلى ما ورد في معناه عند أرباب اللغة ،وما اصطلح عليه القرآن والحديث النبوي على صاحبه أفضل صلاة وأزكى تسليم.
شايع يشايع مشايعة ، تابع يتابع متابعة والشيعة هم الأتباع ، وعندما نطلق اللفظ على شيعة علي وأهل بيته عليهم السلام فذلك للإشارة إلى كونهم أتباعهم ومواليهم، بالمعنيين العقائدي والسياسي.
قال تعالى مبينا معنى التشيع : " وإن من شيعته لإبراهيم."(6)
وقد دلت الآية على أن من شيعة نوح إبراهيم عليه السلام ،أي أنهما أصحاب منهج وخط وولاء واحد.
وقال أيضا: " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثة الذي من شيعته على الذي من عدوه .."(7)
فشيعة موسى عليه السلام هم أتباعه ومناصروه والسائرون على نهجه، ويتضح من ذلك بساطة المعنى المراد منه الكلمة ، ولا تتعدى كونها تعني توافقا في المسار والمصير ، ولا تتعداه إلى ما يروم أعداء هذا الخط من تشنيع يدل على ضحالة علوم مختلقيه.

وقد طفحت السنة النبوية بعدد من الأحاديث التي أخرجها جملة من حفاظ خط السقيفة ، نستعرض منها ما يقيم الدليل على أن هذا المصطلح كان موجودا على عهد النبي صلى الله عليه وآله ، وكان عنصر إفادة للمسلمين كي يتبعوا من بعده نهج علي وطريقه ، لأن نهج علي عليه السلام هو وحده نهج النبي صلى الله عليه وآله، وما عداه غير ملزم بالإتباع ، خصوصا إذا كانت وصية النبي صلى الله عليه وآله في أمته مشيرة إلى أن عنصر الهداية بقي من بعده عند الإمام علي عليه السلام :
الحديث الأول: أخرج الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين بسنده عن مولى عبد الرحمان بن عوف ، قال: خذوا عني قبل أن تشاب الأحاديث بالأباطيل، سمعت رسول الله (ص) يقول: أنا الشجرة وفاطمة فرعها ، وعلي لقاحها ، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، واصل الشجرة في جنة عدن ، وسائر ذلك في سائر الجنة.(8)
الحديث الثاني: أخرج الطبراني بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: أخبرني خليلي رسول الله (ص) قال : يا علي انك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ويقدم أعداؤك غضابى مقمحين.نقلا عنه حق اليقين في معرفة أصول الدين
الشيعة لا يسكتون على الحق، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس ،لا يهمنا انحراف من انحرف عن الجادة وتقصير من قصر،بقدر ما يهمنا استنقاذ أنفسنا ، واستنقاذ من لا يرغب في أن يجرفه تيار التحريف إلى نهاية غير محمودة ،راجين من وراء ذلك مرضاة الله سبحانه وتعالى، فما صح عندنا أنه دين يتقرب به إلى الله تعالى أخذنا بمحصله، ولو كان فيه معاداة أقرب الناس إلينا ، لأن الدين أساسه الحب في الله والبغض في الله تعالى ، نحن نعتبر جملة ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم منحرفون عن دين الله القويم، وبعيدون عن صراطه المستقيم ، نبرأ إلى الله تعالى منهم في الحياة الدنيا ، ونتقرب إليه ببغضهم ومعاداتهم ، ولا نخاف فيهم لومة لائم ، موقفا اتخذناه عن يقين من أنفسنا نراه بقلوبنا قبل أعيننا ، ولا تهمنا مقالة من ناصب لنا العداء ، لأنه سيكون في النهاية من الخاسرين، وان كنا لا نتمنى له نهاية السوء التي اختارها لنفسه، ونأسف على مآله وندعو للغافلين والجهلة منهم، لعل الله يفتح بصائرهم لمعرفة الحق الذي عليه أهل بيت المصطفى صلى الله عليه وآله، والرجوع إليه .

كثيرا ما يتهم المسلمون الشيعة وعلماؤهم بتهمة سب الصحابة ، دون الالتفات إلى أن تلك التهمة قد خرجت من أفواههم بعدما تلقتها عقولهم وضمائرهم بالرضا والقبول، لأن الذي أسس أساس السب للصحابة ، جاء من خط السقيفة والخلافة، ولم يكن يوما خارجا عن ذلك المجمع الذي جمع المتناقضات ، فأول المتطاولين على النبي الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، الذي تمرد على النبي صلى الله عليه وآله في أكثر من موقف ، لعل آخره ما اصطلح عليه ابن عباس برزية يوم الخميس ، وتمرده عليه من بعده بمنع الرواية عنه ونشر سنه بين المسلمين، وأول المحاربين لبيت فاطمة وعلي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، ومن حرض على قتل سعد بن عبادة في السقيفة وما بعدها حتى تم له ذلك فقتل وهو يحاول أن ينجو بجلده من طلب القرشيين الغاصبين للسلطة ن ونسبوا ذلك كله إلى الجن تارة ، وتارة أخرى يعترف منهم معترف بأن خالدا كمن له فقتله ، وللتغطية على جرمهم الشنيع نسبوا ذلك إلى الجن الأبرياء من دمه، وتطاوله عليه بطلب دفنه بالقرب منه وقد حرم اقرب الناس إليه من ذلك ، كأنما ورث هؤلاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم كل شيء حتى حرمه ، ومنع أرحامه الحقيقيون بالنص القرآني عن كل ذلك، وأول السبابين عثمان الذي سب عمارا، وتهكم على سلمان وازدرى بابن أم مكتوم حتى نزل فيه ما نزل من القرآن، فأبى المسيئون من محبيه وأتباعه إلا نسبة ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإذا راجعتهم عن غيهم في اتهام النبي صلى الله عليه وآله لكونه معصوما قد عظم الله تعالى خلقه، فلا يمكن أن يصدر منه عبوس لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون، فيقبلون النقيصة في النبي صلى الله عليه وآله ولا يرضونها في عثمان،ويظهر بعد ذلك الطلقاء على رأس الأمة ليقروا مبدأ لسنة السب التي استمرت أكثر من ثمانين سنة على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله ، فمن تراهم يسبون ؟ فهم يسبون الذين وجبت مودتهم على الأمة برها وفاجرها، ولو طلب منهم الله تعالى ذلك وحاشاه أن يفعل لما زادوا من جرمهم شيئا، ومع ذلك يطلبون من الله الرضا على الساب والواقع عليه السب ، والقاتل والمقتول .

إن خلص الشيعة ، أبرياء من تهمة السب ، لأن السب ليس من مكارم أخلاق المسلم ، ونحن منهيون عنه، نعم نحن أحرار في أن نتبرأ ممن نراه بعيدا عن الله تعالى وعن دينه القويم ، وفق ما نعتقده من أصول ثبتت لدينا، بما حددته وجهتنا الصحيحة من معالم الولاية، أما اللعن فإنه لمن هو أهل لذلك عبادة أمر الله بها، وجعلها سنة من سننه التي لا يتفاعل الدين الحق إلا بها. فقال جل من قائل: "أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون."(9) وقال أيضا: "أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين."(10)

أما قوله: والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة ، ويتبرأ من الشيخين أصلا بل قد يعتقد عليا أفضل منهما." عجبي من عالم لم ينفعه علمه ، فلم يستطع التمييز بين السيد وعيره فخلط الجميع ، صاحب الحق وصاحب الباطل ، والمدافع عن الدين والمحارب له ، والمبايع له والناكث للبيعة ، والباغي عليه ، وكيف أصبح الذهب يستبدل بالخشب والحديد والحجارة بل أدون من ذلك، لم أجد أحدا من الشيعة يقول بتكفير جماعة السقيفة مطلقا، وأتحدى جميع هؤلاء الذين يدعون أن الشيعة يكفرون الشيخين أن يأتوا بمرجع معتمد يمكن الاستدلال به ، وإن وجد فهو لا يدري أنه قد ظلم الكفر بنسبته إلى هؤلاء ، لأن الكفر عقيدة يكون صاحبها أقل عذابا يوم القيامة من النفاق ، والنفاق كما نعلم هو إدعاء الإسلام ومحاربته من الداخل بشتى الوسائل، ومعاداة أوليائه وموالاة أعدائه ، وعلي عليه السلام كما هو معلوم بالضرورة ، وثابت بالدليل القاطع:" لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق."(11) فكل من أحبه وقدمه ووالاه مؤمن ، وكل من أخره عن مقامه وعاداه وحاربه منافق حتما مهما علا شأنه وكبر إسمه لأننا أمام نص تعبدي قطعي الصدور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه."(12)

القضية هنا ليست قضية تشريف كما أوهم معاوية الناس بالأكاذيب التي ألصقها بالسنة للرفع من شأن الصحابة مقابل معارضيه من أهل البيت عليهم السلام ، وإنما هي تكليف يراد منه حفظ الدين والقيام عليه ومواصلة بثه في أجيال البشرية التي تلي النبوة الخاتمة ، ودور الإمامة هنا يندرج في هذا الإطار ، مضافا إلى الركيزة الأساسية التي عليها مدار الشريعة الإسلامية، ألا وهي الحكومة ن والمعبر عنها بالإمامة.
الحرب المعلنة على الشيعة لم تكن حالة شاذة في مجتمع تعيش مخاضا من حقيقة ووهم ، وحقيقة شخصية الإمام علي عليه السلام ، ليست بأكبر من شخصية النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، الذي حورب وكذب وكذب عليه ، وألصقت به نقائص ومساوئ لا يمكن لعاقل أن يقبلها في المستقيم من المسلمين فضلا عن النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ، صفوة الله ، ومثاله الكامل من مخلوقاته، فقبولهم في سيد البشر تلك المخازي تجعلنا لا نستغرب إقدامهم على بهت حق الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، وتجاهل تضحياته وبلائه في ذات الله ، وسبقه وقرابته ومقامه من الله ومن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإقدامهم على حربه ، وتتبع شيعته ومواليه من بعده . لذلك نجزم القول بان الحق لا يتعدد كما أن طريق النجاة لا يتفرع ، وسبيل الآخرة يبدأ من العزوف عن الدنيا التي طلقها الإمام علي عليه السلام ثلاثا، لذلك لا يمكن أن تجد من شيعة علي عليه السلام حقا من لم يسقط أمر الدنيا، ولا يتعامل معها إلا على أساس أنها مطية إلى الآخرة لا غير.

ذلك الموقف من الدنيا لم يترك لعلي عليه السلام صاحبا في قلبه هفة لها،ولم يجتمع لديه غير نفر من المؤمنين الذين شغلتهم الآخرة فوطنوا أنفسهم مع صاحبها وأقاموا شغلهم قبالته ، ووطنوا أنفسهم على جليل نصائحه ، وطبعوا قلوبهم على حبه وحب من يحبه، متعرضين في ذلك إلى أنواع من البلاء الذي لا يطيق حمله غير الممتحنين ، مما زاد في حنق وغيظ عبيد الدنيا وطلاب العاجلة فكثرت مآمراتهم وجرائمهم من أجل زحزحة الحق عن أهله فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

الذهبي يتجاهل أئمة أهل البيت عليهم السلام
مضى الذهبي بعيدا في تجاهله لأئمة المسلمين الشيعة فتحاشى ذكر أغلبهم، ففي ترجمة
الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين الهاشمي ت1519، أبو عبد الله أحد الأئمة الأعلام ، بر صادق كبير الشأن ، أخرج له الجميع إلا البخاري، قال ابن معين هو ثقة، ثم قال خرج حفص بن غياث إلى عبادان وهو موضع رباط ، فاجتمع إليه البصريون(وعادة ما تحمل البصرة على التسنن والكوفة على التشيع) فقالوا لا تحدثنا عن ثلاثة: أشعث بن عبد الملك ، وعمرو بن عبيد ، وجعفر بن محمد، فقال: أما أشعث فهو لكم وأنا اتركه لكم ، وأما عمرو فانتم اعلم ، وأما جعفر فلو كنتم بالكوفة لأخذتم النعال الطرقة.( في إشارة إلى عظيم منزلته وكثرة رواده وغزارة علمه)وروى عباس عن يحي قال :ثقة مأمون ، وقال أبو حاتم : ثقة لا يسأل عن مثله.( 13)
وفي ترجمة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام: موسى بن جعفر بن محمد بن علي العلوي الملقب بالكاظم ت 8855عن أبيه ،أورد الذهبي عن ابن أبي حاتم قال: صدوق إمام وقال أبوه أبو حاتم الرازي: ثقة إمام. ، وقد كان موسى من أجواد الحكماء ومن العباد الأتقياء وله مشهد معروف ببغداد ..(14)

وفي ترجمة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال الذهبي: علي بن موسى بن جعفر بن محمد الهاشمي العلوي الرضا ت 5952عن أبيه عن جده قال ابن طاهر يأتي بالعجائب.قال الذهبي :إنما الشأن في ثبوت السند إليه، وإلا فالرجل قد كذب عليه نسخة سائرة، كما كذب على جده جعفر الصادق، فروى عنه أبو الصلت الهروي أحد المتهمين (15).
وتوقف عند هؤلاء عليهم السلام ، مع ما ظهر من تجاهله بحال الإمام الرضا عليه السلام ، وحاله أشهر من أن تخفى على ابسط بسطاء الأمة، لأن من مر على ما دونه مؤرخوا تلك العصور، وقف أمام المقام العالي الذي تصدره الإمام الرضا وبقية الأئمة عليهم السلام، وقد نقل صاحب كتاب تهذيب الكمال وفادة الشاعر دعبل الخزاعي على الإمام الرضا عليه السلام في مرو عاصمة المأمون العباسي فأنشده قصيدته التائية في مدح أهل البيت عليهم السلام والثناء عليهم، وهي قصيدة تشتمل على مائة وأربعة عشرة بيتا، أختصر منها على ما يلي:

ذكــــــــرت محل الربع من عـرفات ***** فــــــأجريت دمع العــين بالــعبرات
وفل عرى صبري وهـاجت صبابتي ***** رســـوم ديار أقــــفرت وعـــــــــرات
مــــــدارس آيات خلت من تـلاوة ***** ومـــــــــنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى ***** وبـــالبيت والتعريف والـــــجمرات
ديـــــــــــار عــلي والحسين وجعفر ***** وحــــمزة والســـــــجاد ذي النفثات
ديـــــــــار لــعبد الله والفضل صنوه ***** نـــــــجي رسول الله في الخلوات
مــــــــنازل كــانت للصلاة وللتقى ***** وللصوم والـــــــــتطهير والحسنات
مـــــــــنازل جبريل الأمين يـــحلها ***** مـــــــــــــن الله بالتعليم والرحمات
مـــــنازل وحي الله معدن عــــلمه ***** ســــــــــبيل رشاد واضح الطـرقات
قفا نسأل الدار التي خف أهـــلها ***** مـــــتى عهدها بالصـوم والصلوات
وأين الأولى شطت بهم غربة النوى ***** فـــــــــأمسين في الأقطار مـفترقات
أحــــــــب قضاء الله من اجل حبهم ***** وأهـــــــــــجر فيهم أسرتي وثقاتي
هـــــــــــــم ميراث النبي إذا انتموا ***** وهــــــــــم خير سادات وخير حماة
مطاعيم في الإعسار في كل مـشهد ***** لـــــــــقد شرفوا بالفضل والبركات
أئـــمة عــدل يـــقتدى بــفعالهم ***** وتـــــــــــــؤمن منهم زلة العثرات
فيا رب زد قلبي هـدى وبــــصيرة ***** وزد حــــبهم يا رب في حسناتي
لقد آمنت نفسي بهم في حياتها ***** واني لأرجو الأمـن بعد وفـــــــــاتي
الـــم تــر أني مـذ ثـلاثين حـــجة ***** أروح وأغــــــــــــدو دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم مـتقسما ***** وأيـــــــــــديهم من فيئهم صفرات
إذا وتروا مــدوا إلى أهل وتــرهـم ***** أكـــــــــــــفا عن الأوتار منقبضات
وآل رسول الله نحف جسومهم ***** وآل زيـاد غــــــــــــلض القـصرات
سأبكيهم ما ذر في الأفق شارق ***** ونــــــادى منادي الخير بالصلوات
وما طلعت شمس وحان غــروبها ***** وبــــالليل أبــــــكيهم وبالـــغـدوات
ديــــار رسول الله أصبحن بــلقعا ***** وآل زياد تــــــــــــسكن الحـجرات
وآل زياد في القصور مـــــصونة ***** وآل رســـــول الله في الفـلوات
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد ***** تــــقطع نـفسي إثرهم حسرات
خــــــروج إمام لا محالة خارج ***** يقوم عل اسـم الله بالبركات
يــميز فــــــــينا كل حسن وباطل ***** ويــــــجزي عن الـنعماء والنقمات
فيا نفس طيبي ثم يا نفس اصبري ***** فــــــــــــــغير بــعيد كل ما هو آت
(16)

(قال: فلما فرغ من إنشاده قام الرضا عليه السلام، فدخل منزله، وبعث إليه خادماً بخرقةِ خَزٍ فيها ست مئة دينار، وقال للخادم: قل له: يقول لك مولاي: استعن بهذه على سَفرك واعذرنا. فقال له دِعْبل: لا والله ما هذا أردتُ ولا له خرجتُ، ولكن قل له: إكسني ثوباً من أثوابك. ورَدَّها عليه، فردها عليه الرضا عليه السلام، وبعث إليه معها بجُبّة من ثيابه، وخرجَ دِعْبل حتى? وردَ قُم، فنظروا إلى? الجُبَّة فأعطوه بها ألف دينار، فقال: لا والله ولا خِرقة منها بألف دينار، ثم خرج من قُم فاتبعوه وقَطعوا عليه، وأخذوا الجُبة، فرجع إلى? قُم، فكَلِّمْهم، فقالوا: ليس إليها سبـيل، ولكن هذه ألف دينار، قال: وخِرْقَة منها، فأعطوه ألف دينار، وخرقة من الجبة.(17)
وتجاهل الذهبي لأئمة أهل البيت عليهم السلام يأخذنا إلى مقارنته بموقف لا يقل صلافة عن تجاهله، تقول الحادثة التي رواها الحافظ أبي نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء:
حج هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة فاجتهد في أن يستلم الحجر فلم يمكنه، وجاء علي بن الحسين ، فوقف له الناس وتنحوا حتى استلمه، قال ونصب لهشام منبر فقعد عليه ، فقال له أهل الشام : من هذا يا أمير ؟ فقال :لا أعرفه، فقال الفرزدق: لكنني أعرفه، هذا علي بن الحسين(عليه السلام) وأنشد على الفور:

هـذا الذي تعرف البطحاء وطأته ***** والـــبيت يعرفه والحــل والــحرم
هــذا خير عباد الله كـــــــــــــلهم ***** هذا التقي النقي الطاهر العلــم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركــن ***** الحطيم إذا ما جــاء يســــــــتلم
إذا رأته قــريش قال قائـــــــــلها ***** إلى مكارم هــذا ينتهي الكـرم
إن عــد أهل التقى كانوا أئــمتهم ***** أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
هذا ابن فاطمة أن كنت جاهله ***** بـــــــــــجده أبياء الله قد ختمـوا
وليس قولك من هـذا بــــضائره ***** الـعرب تعرف من أنكرت والعجم
يغضي حياء ويغضي من مهابته ***** فلا يكــلم إلا حــــين يــــــبتسم
(18)

فهل أضر الذهبي حين تجاهل الأنجم الزاهرة، وهو غارق في حضيض عصبيته، بجفائه لأئمة الأمة وهداتها ، وقادتها الحقيقيين الذين سلكوا بها طريق الرشاد، لو كان هناك من يعقل الحقيقة، ويقدمها على دنياه ومصالحه.
وللإمام الرضا كما لغيره من أئمة أهل البيت عليهم السلام، مناظرات وشروح وبيانات في الأصول والفروع الإسلامية، تؤكد أن ما تميزوا به عن غيرهم من الأمة، وما يتلجلج في صدورهم من علم غزير، لم يتطرق إليه دس ولا تشويه ، أخذ من أخذ عنهم من بيناته، ولم يحتاجوا إلى أحد لبلوغ ذلك المقام، فهم فيه مكتفون وعن غيرهم مستغنون ، واحتياج الكل إليهم واضح كما استغناؤهم عن الكل واضح أيضا، مصداق لقول رسول الله صلى الله عليه وآله : "لا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم."(19).
وكما اثر عن الخليل بن أحمد الفراهيدي عندما سئل : ما الدليل على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟ فقال : احتياج الكل إليه واستغناؤه عن الكل دليل على إمامته.

ولعلماء الشيعة نصيب
وتمادى في الاستخفاف والحط من قيمة ومكانة علماء الشيعة دون نظر، ولا التفات إلى ما يمتلكونه من مخزون علمي، قل وجوده بين نظرائهم من أصحابه، وبالالتفات إلى ما دونه في كتابه وألزم به نفسه من تصنيف للشيعة لديه، فإن تهافت كلماته على عدد آخر منهم يؤكد المنحى التصفوي الذي اعتمده غالب هؤلاء الحفظة، في رد كثير من السنن النبوية والحقائق الربانية ، وفي هذا الإطار نورد عددا من هؤلاء الأفاضل، الذين لم يرق للذهبي ولا أصحابه أن يسلم كبار علماء الشيعة من التجريح، استكمالا للحصار المضروب عليهم، وعلى تراثهم من بعدهم:
ثابت بن (دينار)أبي صفية ، أبو حمزة الثمالي ت1358 عده السليماني من قوم الرافضة. أخرج له الترمذي وأخذ عنه وكيع وأبو نعيم واحتجا به.
قال عبيد الله بن موسى: كنا عند أبي حمزة الثمالي ، فحضره ابن المبارك، فذكر أبو حمزة حديثا في ذكر عثمان فنال من عثمان ، فقام ابن المبارك ومزق ما كتب ومضى.(20)

هذه التهمة لا تزال تلقي بظلالها على المسلمين الشيعة إلى يوم الناس هذا ، ففي مناقشاتنا ومناظراتنا مع هؤلاء الذين نرجو من الله أن ينزع من قلوبهم عبادة الناس ، فيتجهوا إلى عبادة الله تعالى والى الحق ، الاعتقاد السليم بأن الدين الإسلامي هو صاحب الفضل على هؤلاء الذين أفنوا أعمارهم في عبادة الأشياء التافهة ، وارتكاب المعاصي من شرب للمسكرات وتعد على الحرمات، يريدون أن تكون لهم يد على الله تعالى، فتقرن أسماؤهم بالله تعالى وبرسوله وبدينه . أما إذا ما قلت لهم الحقيقة التي تقول، إن الصحابة أناس عاديون جدا مثلنا، ولا يمتازون علينا في شيء إلا بما ميزوا به أنفسهم من عمل، بل لعل هناك في عصرنا هذا من يفوق أكثر هؤلاء علما وعملا ، والنصوص التي بحوزتنا دليل نسوقه إليهم ، استنكروا هذا الكلام واتهموني أنا مثلا بأنني أشتم الصحابة وأتطاول عليهم ، معاذ الله أن افعل ذلك ، رضي الله عمن رضي الله ورسوله منهم، والمسألة لا ينظر إليها من زاوية التقديس المزيف للصحابة ، إنما مصلحة الإسلام العليا هي التي حتمت علينا استقراء التاريخ والسرية والنظر فيهما لفهم عدد من الإشكالات المطروحة في هذا الدين والتي منها معالم الحكومة الإسلامية ، ماهية وكيفية، والتي هي ليست بمعزل عن جيل الصحابة ، وهم المباشرون لإفرازاتها بعد النبي صلى الله عليه وآله.

وقد ذكر الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب أبا حمزة الثمالي فقال : الثقة الجليل صاحب الدعاء المعروف في أسحار شهر رمضان كان من زهاد الكوفة ومشايخها، وكان عربيا أزديا وروى عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الرضا يقول: أبو حمزة الثمالي في زمانه كسلمان الفارسي، وذلك أنه خدم أربعة منا: علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وبرهة من عصر موسى بن جعفر عليهم السلام(21)
لم يذكر الذهبي أن النسائي وابن ماجة قد أخرجا له في سننهما، محاولة منه للتقليل من قيمة الرجل.استشهد ثلاثة من أولاده مع الثائر الكبير زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام وهم : حمزة ونوح ومنصور.ألّف أبو حمزة الثمالي كتباً منها: كتاب "النوادر" وكتاب "الزهد" وكتاب "تفسير القرآن" الذي نقل عنه الإمام الطبرسي في تفسيره "مجمع البيان" وذكره الثعلبي أيضاً في تفسيره وأخرج الكثير من رواياته.

وروى أبو حمزة رسالة الحقوق عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، وروى عنه أيضاً دعاء السحر الكبير في شهر رمضان المبارك والمعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي.
وتعد رسالة الحقوق من فرائد ما وصل الأمة الإسلامية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام عموما ، وعن الإمام علي بن الحسين زين العابدين خصوصا، ففي مضمونها تشكلت الحقوق والواجبات العامة التي تتعلق بالفرد المسلم تجاه ربه و نفسه ومجتمعه ومحيطه ، وقد لا أكون مبالغا إذا ما دعوت إلى من لم يطلع على هذه الوثيقة الفريدة إلى النظر فيها ، والدعوة إلى اعتمادها على الأقل وثيقة حقوقية للمجتمع الإسلامي ، في عصر كثرت فيه المؤامرات والمزايدات على الدين الإسلامي.

أما الدعاء المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي ، فيعتبر من بدائع اللغة ، وعميق خصائص الأدعية ، ولطيف مفردات التوجه إلى الله تعالى في الأسحار كما كان يفعل أئمة أهل البيت عليهم السلام في تهجداتهم الليلية ، والناظر فيه يقف على القيمة الإيمانية التي تشتمل عليها شخصيات مؤلفيه ، ويدرك البعد المعرفي الذي طالته أفئدة الأئمة الهداة عليهم السلام نختصر منه على طوله بعض الفقرات ، نقدمه دليلا على حيف الذهبي وأصحابه على هذا الرجل العظيم ، لكي لا يمر أمام أعين أتباع خط السقيفة من الباب الصغير:
الهي لا تؤدبني بعقوبتك ، ولا تمكر بي في حيلتك، من أين لي الخير يا رب ، ولا يوجد إلا من عندك، ومن أين لي النجاة ولا تستطاع إلا بك ، لا الذي أحسن استغنى عن عونك ورحمتك ، ولا الذي أساء اجترأ عليك، ولم يرضك خرج عن قدرتك....اللهم إني أجد سبل المطالب إليك مشرعة، ومناهل الرجاء لديك مترعة، والاستعانة بفضلك لمن أملك مباحة، وأبواب الدعاء إليك للصارخين مفتوحة، وأعلم أنك للراجين بموضع إجابة، وللملهوفين بمرصد إغاثة، وأن في اللهف إلى جودك والرضا بقضائك عوضا من منع الباخلين، ومندوحة عما في أيدي المستأثرين ، وأن الراحل إليك قريب المسافة، وأنك لا تحتجب عن خلقك ، إلا أن تحجبهم الأعمال دونك، وقد قصدت إليك بطلبتي ، وتوجهت إليك بحاجتي ، وجعلت بك استغاثتي ، وبدعائك توسلي ، من غير استحقاق لاستماعك مني، ولا استيجاب لعفوك عني ، بل لثقتي بكرمك ، وسكوني إلى صدق وعدك، ولجئي إلى الإيمان بتوحيدك، ويقيني بمعرفتك من أن لا رب لي غيرك، ولا اله إلا أنت وحدك لا شريك لك...

حمران وزرارة بن أعين الكوفيان ، أما حمران فقد اخرج له ابن ماجة روى عن أبي الطفيل وغيره وقرأ عليه حمزة ، كان يتقن القرآن قال أبو داود رافضي ، وقال ابن معين : ليس بشيء،وقال النسائي ليس بثقة(22) وعد العقيلي زرارة في الضعفاء ،قال الذهبي زرارة قلما روى ، لم يذكر ابن أبي حاتم ف ترجمته سوى انه قال روى عن أبي جعفر - يعني الباقر - وقال سفيان الثوري : ما رأى أبا جعفر.(23)
كانا من أصحاب الإمامين أبي جعفر محمد بن علي الباقر وأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام ، من أثبات الشيعة وبحار علوم آل محمد ، لم يرق لأصحاب خط السقيفة أن يظهر هاذين الجليلين على حقيقتيهما، وتفيض علوم الطاهرين على الناس ، فضعفوهما لبلوغ القصد في إبعادهما.
علي بن الحسين العلوي الحسيني الشريف المرتضى ، المتكلم الرافضي المعتزلي ، صاحب التصانيف ، وهو المتهم بوضع كتاب نهج البلاغة ، وله مشاركة قوية في العلوم ، ومن طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين رضي الله عنه ، ففيه السب الصراح والحط على ...أبي بكر وعمر... وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القرشيين الصحابة، وبنفس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين جزم بأن الكتاب أكثره باطل.(24)

هكذا تحدث الذهبي عن علم من أعلام الأمة الإسلامية بقطع النظر عن انتمائه العقائدي، وهو بهذا الأسلوب الفظ الذي لا يستند إلى منطق ولا علم ، قد أقحم نفسه في دائرة ليس له حجة يدلي بها فيها ، واللوم والعتب عليه في كل تلك الشتائم والتهم التي قذف بها علم الهدى قدس سره الشريف، لأن الذين مدحوا خصاله كانوا أكثر من أن يتسع لهم هذا المقام لذلك سأقتصر على ما قاله ابن عباد الحنبلي صاحب شذرات الذهب: نقيب الطالبيين وشيخ الشيعة ورئيسهم بالعراق ، كان إماما في التشيع والكلام والشعر والبلاغة ، كثير التصانيف ، ومتبحر في فنون العلم.(25)

أما كلامه عن محتوى الكتاب ونعوته له بشتى البذاءات ، فليس بعجيب صدور ذلك على من تأسس بنيانه على شفا جرف هار من الجهل بالعلوم الصحيحة، لأن كتاب نهج البلاغة لا يرد نسبته عن الإمام علي غير الجهلة والحاقدين ، وتبع الظن والوهم ، ومرضى تقديس الصحابة إلى حد اعتبار ذكر الأعمال التي اقترفوها ، والأحداث التي سجلها التاريخ عليهم سبا وقذفا وتناولا لأشخاصهم والتي طاروا بأوهامها ولم يحطوا أبدا.
وخر السابحون في لجته العميقة ، والغائصون في طلب لآلئه الدقيقة سجدا على أعتاب بلاغته، وتناسق معانيه وتضافر بياناته وانسجامها ، وتوحد مصدرها ، وعلو مقام صاحبها الذي لا يمكن أن يكون غير أمير البلغاء وإمام الفصحاء علي بن أبي طالب عليه السلام تلميذ النبي الأوحد وكوكبه الفرقد، ولم قال غير ذلك نقول له مت بغيظك ، واهلك بحقدك فان الحقود لا يسود.
وهذا الشيخ محمد عبده عالم مصر واحد رموز نهضتها الإسلامية، قد شرح كتاب نهج البلاغة ، ولم يشك قط في نسبته إلى الإمام عليه السلام، وكذلك نحا نحوه الشيح صبحي الصالح ، سالكين مسلك القدامى كابن أبي الحديد المعتزلي، المتبحر في الكتاب والشاق لعبابه الطويل والغائص في لجته العميقة، كل أولئك لم يروا فيه ما لفت نظرهم إلى خلل أو قصر معنى أو اختلاف قيم ،ولا تهافت في ركن من أركانه ،وقد قال ابن أبي الحديد فيما قال عن الكتاب:"وأنت إذا تأملت نهج البلاغة وجدته كله ماء واحدا ونفسا واحدا ، وأسلوبا واحدا ، كالجسم البسيط، الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الأبعاض في الماهية ، وكالقرآن العزيز أوله كأوسطه ، وأوسطه كآخره، وكل سورة منه وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم، لباقي الآيات والسور، ولو كان بعض نهج البلاغة منحولا، وبعضه صحيحا، لم يكن ذلك كذلك ، فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الكتاب، أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين."(26)

ولو كان نهج البلاغة من تأليف غير الإمام علي عليه السلام كأن يكون محصلا عن عدد من المتكلمين لظهر اختلاف في أدائه ، وتباين في محتواه ، واختلاف في وجهته، ولو كان لواحد لما نأى به عن غيره ، وكان نسبته إلى نفسه أقر عينا له من إدعائه لمن لا يحتاج إلى سند، مع أن الشريف الرضي قدس سره الشريف، له ما يناهز الثمانية عشر مؤلفا في شتى العلوم والفنون، فلا تذهبن بك مذاهب الباطل كما ذهبت بهؤلاء الجاحدين، فتسلك مسلكهم في إتباع الظن والهوى .
محمد بن محمد بن النعمان الشيخ المفيد،ت8143 عالم الرافضة صاحب التصانيف البدعية ، وهي مائتا مصنف ، طعن فيها على السلف ، وله صولة عظيمة بسبب عضد الدولة شيعته ثمانون ألف رافضي.(27 )

ولو جمعت مؤلفات الذهبي وأصحابه جميعا، لما بلغت تصانيف الشيخ المفيد رضوان الله تعالى عليه، ولو نظر هو وأصحابه في تلك الكتب، لأدركوا الخطأ الفادح الذي ارتكبوه بإقصائهم لتراث إسلامي عظيم يجيب على كل التساؤلات ، ويرفع كل الإشكالات التي لديهم.
الحسين بن عبد الله بن سينا أبو علي الرئيس ، ما أعلمه روى شيئا من العلم ، ولو روى لما حلّت الرواية عنه لأنه فلسفي النحلة ضال .(28)
عشت أراك الله الدهر عجبا، الذهبي ومن كان على شاكلته يتهم الشيخ الرئيس بالضلال بدون أدنى حرج، كأنما نسي أنه وقف أمام جبل لا تزحزحه ريح الكذب والافتراء والجهل مهما عصفت، والمسلمون يدركون من يكون الذهبي وما وزنه؟ ومن هو ابن سينا وما قدمه للأمة الإسلامية من علوم في شتى المجالات والتي منها الفقه والفلسفة والطب والفلك وغيرها؟
الحسين بن عبيد الله ،أبو عبد الله الغضائري شيخ الرافضة صنف كتاب الغدير ، كان يحفظ شيئا كثيرا ، وما أبصر (29)
لعل الذي لا يبصر فعلا هو من مر على هذه القمم الشماء فرمقها منكسر القلب ، يائسا من إدراك عليائها مخيرا العيش بين حفر الجهالة ومستنقع التفاهة وقلة العلم، لأن من أفزعته الفلسفة التي عليها مدار الفكر والعقيدة والكلام،ليس له من حقائق العلم شيئا.

جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي ، أحد علماء الشيعة، قال ابن مهدي عن سفيان : كان جابر الجعفي ورعا في الحديث ، ما رأيت أورع منه في الحديث ، وعن شعبة : كان جابر إذا قال أخبرنا ، وحدثنا ، وسمعت فهو من أوثق الناس. وقال وكيع لا تشكوا أن جابرا الجعفي ثقة ، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة.
وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول قال سفيان الثوري لشعبة : لئن تكلمت في جابر الجعفي لأتكلمن فيك.

عن الجراح بن مليح قال: سمعت جابرا يقول عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر عن النبي (ص)وقال الحميدي سمعت رجلا يسال سفيان : أرأيت يا أبا محمد الذين عابوا على جابر الجعفي قوله: حدثني وصي الأوصياء ؟ فقال سفيان هذا أهونه..وقال شعبة : لا تنظروا إلى هؤلاء المجانين الذين يقعون في جابر ، هل جاءكم بأحد لم يلقه(30)
وجابر الجعفي هذا من أساطين علماء أهل البيت عليهم السلام وقد عد من أصحاب الإمام أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، لزمه وأخذ منه العلم وتخلق بأخلاقه
عبد الرزاق بن همام بن نافع الإمام أبو بكر الحميري الصنعاني أحد الأعلام الثقاة ، ت5044 ، أخرج العقيلي : عن مخلد الشعيري قال : كنت عند عبد الرزاق ، فذكر رجل معاوية ، فقال : لا تقذر مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان..

وعن عبد الله بن أحمد ن سألت أبي : عبد الرزاق يفرط في التشيع قال ك أما أنا فلم اسمع منه في هذا شيئا، ولكن كان رجلا يعجبه أخبار الناس.
وحدث ابن معين قال سمعت من عبد الرزاق كلاما يوما فاستدللت به على تشيعه فقلت : إن أستاذيك الذين أخذت عنهم كلهم أصحاب سنة: معمر ، ومالكن وابن جريج وسفيان ، والأوزاعي ، فعمن أخذت هذا المذهب؟ فقال : قدم علينا جعفر بن سليمان الضبعي ، فرأيته فاضلا حسن الهدى فأخذت هذا عنه. (31)

وجعفر بن سليمان الضبعي مولى بني الحارث ت1505، كان من العلماء الزهاد على تشيعه كما صرح بذلك الذهبي نفسه في ترجمته ، وكأن الذهبي لم يدرك أن العلم والزهد على مر التاريخ لم ينخ رحاله إلا على أعتاب الشيعة أئمة وأتباعا، وكان غيرهم عيالا عليهم في العلم والزهد وبقية المكارم. أخرج له مسلم والأربعة.(32)
فطر بن خليفة أبو بكر الكوفي الحناط، ت6779 اخرج له البخاري والأربعة ووثقه أحمد وغيره قال أبو حاتم : صالح الحديث، وقال بن سعد ثقة إن شاء الله ، ومن الناس من يستضعفه ، وكان لا يدع أحدا يكتب عنده، وقال أبو بكر بن أبي عياش ما تركت الرواية عنه إلا لسوء مذهبه، وقال أحمد : كان فطر عند يحي ثقة ، ولكنه كان خشبي مفرط، وقال أحمد بن يونس: كنت أمر به وأدعه مثل الكلب،.وروى عباس عن ابن معين : ثقة شيعي.وقال عبد الله بن احمد : سألت أبي عن فطر بن خليفة، فقال: ثقة صالح الحديث ، حديثه حديث رجل كيس إلا انه يتشيع.(33)
ويظهر من خلال تعامل هؤلاء المتطرفين ،أن الرجل لاقى الأمرين من استصغار وتحقير، وتعد عليه بنعته كلبا،دون مراعاة لحرمة الإنسان الذي خلقه الله تعالى في أحسن تقويم وكرمه تكريما، فضلا عمن نطق بالشهادتين، كأنما هؤلاء من طينة وبقية الناس من طينة سفلى ، أو أنهم مِلكوا الدين فصار يخصهم وحدهم ، ولا يحق لغيرهم أن يكونوا من أهله، ولا حتى ينسبوا إليه مجرد انتساب.واترك القارئ الكريم ليحكم حقيقة من هو الكلب ؟ الذي احتوت ثمرة فؤاده على محبة الطاهرين من أهل البيت عليهم السلام، وتصدوا من أجل بقاء هذا الدين وإعلائه إلى الطغاة والجبابرة من بني أمية وبني العباس الذين كان همهم التسلط على رقاب الناس ولم يكن يهمهم دين ولا متدينون، فبذلوا من اجل مقاومتهم ونصرة أهل البيت عليهم السلام الذين كانوا قادة جميع الثورات التي حصلت في التاريخ الإسلامي، أم الكلب من ولد تحت عباءة الظلم وترعرعت مذاهبه في بلاطاتهم الملطخة بدماء الشرفاء من الأمة،والذي لا يستحي من الطعن على أسياده من أئمة الأمة وعلمائها.؟

حكيم بن جبيرت2215 أخرج له الستة ، شيعي مقل،أخرج له الذهبي عن سلمان قلت يا رسول الله إن الله لم يبعث نبيا إلا بين له من يلي بعده فهل بين لك ؟ قال نعم ، علي. (34)
سويد بن سعيد أبو محمد الهروي الحدثاني الأنباري ت3621 إحتج به مسلم وابن ماجة وروى عنه البغوي وابن ناجية وخلق وكان صاحب حديث وحفظ وروى الترمذي عن البخاري أنه ضعيف جدا(وقد يكون الضعف ناشئا من عقيدة الرجل في ولائه لأهل البيت عليهم السلام)
روى الميموني عن احمد قال ما علمت إلا خيرا ن فقال له رجل: جاءه إنسان بكتاب الفضائل فجعل عليا أولا وأخر أبا بكر .

أخرج له الذهبي حديثين:
- يملك رجل من أهل بيتي بواطئ اسمه اسمي.
- أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت باب المدينة.
- الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، قال ابن معين : هذا باطل عن أبي معاوية، قال الدرارقطني : فلما دخلت مصر ووجدت هذا الحديث في مسند - وكان ثقة - عن أبي كريب عن أبي معاوية.

ولا أرى لابن معين عذرا في إبطاله لسند الحديث طالما صح المتن من طرق أخرى ، وطالما أن النظر في أسانيد الروايات يحكمه الهوى والتعصب الأعمى الذي لا يبصر الحق حتى لو كان أوضح من الشمس في رابعة النهار.
وقد بلغ التعصب ذروته في هذا الرجل حيث أخرج الذهبي نقلا عن أبي داود قوله سمعت يحي يقول : هو حلال الدم.(35)

عباد بن يعقوب الأسدي الرواجني الكوفي ت4149 قال فيه الذهبي : من غلاة الشيعة ورؤوس البدع لكنه صادق الحديث، أخرج له البخاري والترمذي وابن ماجة وأبو داود وابن خزيمة، قال أبو حاتم شيخ ثقة، وقال ابن خزيمة حدثنا الثقة في روايته المتهم في دينه عباد،وقال ابن حبان كان داعية إلى الرفض .وقال الدارقطني : عباد بن يعقوب شيعي صدوق .
وهو الذي روى عن شريك عن عاصم عن زر عن عبد الله قال رسول الله (ص) : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه." وفي حديث آخر في التفسير عن ابن مسعود (وقد اسقط من الرواية رسول الله (ص) :" وكفي الله المؤمنين القتال بعلي. وروى عبدان الأهوازي عن الثقة(ولم يذكره) أن عبادا كان يشتم السلف،وقال صالح جزرة : كان عباد يشتم عثمان ، وسمعته يقول : الله اعدل من أن يدخل طلحة والزبير الجنة ، قاتلا عليا بعد أن بايعاه.

وعن محمد بن جرير قال سمعت عبادا يقول : من لم يتبرأ في صلاته كل يوم من أعداء آل محمد حشر معهم.
وقد رد الذهبي على هذا القول بقوله : فقد عادى آل علي آل عباس والطائفتان آل محمد قطعا فممن نتبرأ؟ (36)

ويظهر أن الذهبي تعامى عن حقيقة آل محمد إمعانا في تجاهل حقوقهم ، لأن آية التطهير ، وحادثة المباهلة وآيتها التي جاءت في سورة آل عمران والتي تقول: " فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين."(37)وحديث التمسك بالثقلين الذين هما الكتاب العزيز والعترة الطاهرة من أهل بيت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وحديث الكساء الخيبري الذي روته أم سلمة ، وحديث المرط المرجل من الشعر الأسود الذي أقرت به عائشة ، من أن آل محمد ليسوا قرابة دموية كما يعتقده الكثيرون- والذي حدا بهم إلى إدخال غيرهم في خصوصية قد بينها الباري تعالى فحادوا عنها - بقدر ما هم عناصر هداية للأمة استوجبت اصطفاء واختيارا إلهيين ، فالآل إذا هم خمسة أصحاب الكساء : محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.. ولا أرى الذهبي منكرا هذا المقام ، لأنه لم ينكره غير عكرمة الخارجي لسبب يعرفه جيدا ، لو اعترف به لناقض نفسه بنفسه.

لا يميزون بين الاعتزال والتشيع والقدرية
جاء في ترجمة عوف الأعرابي أبو سهل البصري أخرج له الستةت6530 يقال له عوف الصدوق وقيل كان يتشيع قال محمد بن عبد الله الأنصاري : رأيت داود بن أبي هند يضرب عوفا الأعرابي ويقول ويلك يا قدري، وقال بندار - وهو يقرأ لهم حديث عوف : والله لقد كان عوف قدريا رافضيا شيطانا. (38)
وبندار هذا كما نقل الذهبي نفسه في ترجمته : بندار بن عمرو الروياني ت1321 شيخ للفقيه نصر المقدسي ، قال عنه النخشبي : كذاب. (39)
وأي جهل أعظم من أن ينبري النكرة قاذفا أهل العلم والتقوى والاستقامة ، أو أن ينوء الكاذب بحمل باطله على الصادقين،أو أن يقود أعمى جماعة من المبصرين، فهل يستوي المهتدي مع من هو في الظلمات والضلال المبين؟

وفي ترجمة زيد بن وهب ،ت3031 قال الذهبي: من أجلة التابعين متفق على الاحتجاج به أخرج له الستة ، ومما استنكره الفسوي عليه روايته عن حذيفة: إن خرج الدجال تبعه من كان يحب عثمان،.وعلق الذهبي عليه بقوله: فهذا الذي استنكره الفسوي من حديثه ما سبق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا كثيرا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد، ولانفتح علينا في زيد بن وهب خاصة باب الإعتزال فردوا حديثه الثابت عن ابن مسعود حديث الصادق المصدوق، وزيد سيد جليل القدر ، هاجر إلى النبي (ص) فقبض وزيد في الطريق. مات سنة تسعين أو ما بعدها.(40)

وقد دل تاريخ وفاته أن الرجل بريء من الإعتزال براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام،لأن فكر الاعتزال جاء في القرن الثاني بينما كانت وفاة زيد قبل ذلك، وعليه يكون الرجل شيعيا ، وسمات التشيع بادية عليه ، ويغرق الذهبي ومن تبعه في مستنقع الجهل بحقائق الأمور ، وتتضح حقيقة أن الذي يحركهم للقدح، تعصب أعمى لا يكاد يرى الحقيقة ، وتحامل أعرج إستولت على ملامحه إعاقة الرافضين للحق مهما كان واضحا وجليا.
وقد وصل بالذهبي ونظرائه الأمر إلى نسبة الإعتزال والتشيع في نفس الوقت إلى عدد من رواة الشيعة إمعانا منهم في تمييع القضية ، ولا أراه جهالة منهم بالفوارق التي تميز الاعتزال عن التشيع ، وإلا فالبلية أعظم منه هؤلاء العلماء. من ذلك جاء في ترجمة محمد بن راشد المكحولي ، وقد أخرج له الأربعة وأحمد وغيرهم، قولهم في نسبته : معتزلي رافضي خشبي.وستأتي ترجمته.

محمد بن عبد الله القطان ت7799 أخرج له البخاري والترمذي، وقال فيه الذهبي : رافضي معتزلي (41)
ولا يختلف عاقلان في القول بأن الرفض فكر يختلف عن الاعتزال فلا يتفقان إلا في مسألتين هما التوحيد والعدل الإلهيين لذلك سماهم مخالفوهم العدلية ، ومن هنا وقع الخلط الذي لا مبرر له ، بينما تباينت بقية عناصر الاعتزال إلى حد التفرد .فأين الشيعة السابقون ، من المعتزلة الذين لم تظهر لهم راية إلا بعد أن جاء واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد والبغدادي والنظام وغيرهم، وهؤلاء لم تزهر نبتات ربيع فكرهم إلا في أواخر القرن الثاني.

والمبتدعون حقيقة لهم حظ وحظوة عند الذهبي وأصحابه
البدعة ذلك التعريف الذي كيفه أدعياء العلم حسب أهوائهم لا يخرج عن كونه تعريف لا يخرج عن إطار الدين ، ولا يجب زجه في كل مجال من مجالات الحياة ، وكل من فعل ذلك فهو مدفوع بعقدة العجز عن مواكبة التطور والعصر، كما فعل الوهابية بإطلاق هذا التعريف على كل ما لم يكن موجودا في عصر النبي صلى الله عليه وآله .
والبدعة في حقيقتها هي أن يستحدث في الدين ما ليس منه، ويقحم في تعاريفه ومصطلحاته وعباداته ومعتقداته ما يخالف روح الشريعة السمحة.
والتفات الذهبي ومن شاكله إلى الاعتقاد بان الشيعة مبتدعون لا أصل له في عقيدة المسلمين الشيعة، بل لقد تكفيك ادعاءات هؤلاء على الشيعة لتقف منها موقفا حاسما منذ الإطلالة الأولى على تهمهم ، فقمة ما قذفوا به الشيعة هو سب الصحابة ، وهذا الأمر إن حدث فهو لا يخرج الساب من الدين، لأن عدم السب ليس أصلا من أصول الدين التي تخرج ناكرها ومقترفها عن الدين .

ومقابل تكالب هؤلاء على أئمة وفضلاء وعلماء الشيعة، مر أهل البدع والأهواء في الدين بمعتقداتهم الفاسدة إلى الكتب الروائية، فافسدوا بها جانبا كبيرا من الأمة الإسلامية، فالخوارج والقدرية والجهمية والمرجئة والصفاتية، والقائلين بقدم القرآن، الذين ردوا كل من قال بأنه محدث، بل ذهب منهم إلى تكفير من قال ذلك،وقد وقعت فتنة كبرى بسبب ذلك ما كان لها أن تقع لو كان في هؤلاء الذين سموهم علماء عقل من ترجيح ، ورصيد من علم، ولا كان في وقف وراءها من الحكام ذرة من دين.
جاء في ترجمة علي بن عبد الله بن جعفر(ابن المديني) أبو الحسن الحافظ ت5874( شيخ البخاري) أحد الأعلام الأثبات وحافظ العصر قال الذهبي قد كان ابن المديني خوافا متاقيا (أي يستعمل التقية ومع ذلك فلا تثريب عليه) في مسالة القرآن مع انه كان حريصا على إظهار الخير.قال أبو نعيم حدثنا موسى بن إبراهيم العطار حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة سمعت عليا (ابن المديني) على المنبر يقول : من زعم أن القرآن مخلوق أو أن الله لا يرى أولم يكلم موسى على الحقيقة فهو كافر.(42)
عطاء بن أبي ميمونة البصري ت5650 ، وثقه ابن معين وقال : هو ابنه قدريان ، وقال أبو حاتم لا يحتج به ، وقال الجوزجاني : كان رأسا في القدر، وقال الذهبي : بل قدري صغير وحديثه في الصحيحين(43)

سعيد بن أبي عروبة ، دون الذهبي في ميزانه أنه كان قدريا (44)
عثمان بن غياث ت5551 عن عكرمة ثقة لكنه مرجئ(45)
إبراهيم بن طهمان ت116 قال الدارقطني: تكلموا فيه للإرجاء ضعفه الموصلي وقال الجوزجاني : فاضل رمي بالإرجاء(46)
سلام بن مسكين ت3355 أخرج له الشيخان قالوا عنه أنه قدري.(47)
مروان بن محمد الدمشقي الطاطري ت8435 قال الذهبي : قال يحي لا باس به كان مرجئا ، وأهل دمشق من كان مرجئا فعليه عمامة (48)
مسعر بن كدام ت8470 قال السليماني كان من المرجئة قال الذهبي: الإرجاء مذهب لعدة من جلة العلماء لا ينبغي التحامل على قائله.(48)
شبابة بن سوار ت3653 ، نسبه الذهبي وجماعته إلى الإرجاء والى ذلك ذهب كل من احمد وأبو حاتم وابن المديني ، اخرج له الستة. (50)
ذر بن عبد الله الهمداني ت2697 قال فيه احمد : لا باس به هو أول من تكلم في الإرجاء ، وكذلك قال الأزدي وأبو داود.
شكى ذر سعيد بن جبير إلى أبي البحتري الطائي ، قال: سلمت عليه فلم يرد علي ، وكلمه فيه ، فقال سعيد : إن هذا يحدث كل يوم ذنبا والله لا كلمته أبدا.(51)

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن سعيد بن جبير هو من فضلاء الشيعة ورجالاتهم المقدمين ، في عصر كان طلاب الدنيا والحياة يفرون من هذه النسبة فرار الحمر الوحشية من الأسد ، لما يستتبعها من بلاء وتقتيل وتشريد ، وقد نال سعيد جائزة الشهادة ، عندما استقدمه الحجاج ليتبرأ من علي عليه السلام فرفض ومات قاهرا للظلم وأهله ، بينما عاش من عاش بين أحضان الظالمين يستأكلون بهم الدنيا، وسعيد كما يعلم الخاص والعام اجل من أن تلصق به تهمة عدم رد السلام ، مع شخص ظهر منه خطر كبير على الأمة بدعاويه الباطلة في الإرجاء ، ورد سعيد عليه أمام الناس هو من قبيل تزكيته ، وكان الأصلح أن لا يرد عليه ليعرف الناس السبب الذي حدا بابن جبير أن يتجاهل ذلك المرجئ ليتجنبوه .
حماد بن سلمة بن دينار ت2251 أخرج له مسلم والأربعة حدث هدبة قال صليت على شعبة ، فقيل له: أرايته؟ فغضب وقال : رأيت حماد بن سلمة وهو خير منه، كان سنيا وكان شعبة رأيه رأي الكوفيين.وساق الذهبي أمثلة من روايات حماد فقال:حماد عن ثابت عن انس أن النبي (ص) قرأ فلما تجلى ربه للجبل، قال أخرج طرف خنصره ، وضرب على إبهامه فساخ الجبل، فقال حميد الطويل لثابت: تحدث بمثل هذا؟ قال : فضرب في صدر حميد وقال: يقوله أنس ويقوله رسول الله (ص) وأكتمه أنا. رواه جماعة عن حماد ، وصححه الترمذي.وساق له رواية أخرى لا تقل جهالة بالله تعالى وذاته المقدسة التي ليس كمثلها شيء، عن ابن عباس:أن محمدا رأى ربه في صورة شاب أمرد دونه ستر من لؤلؤ قدميه أو رجليه في خضرة.(52)
ويظهر من خلا ل ذلك أن حماد بن سلمة صاحب الرأي السني، كان من الذين أسسوا عقيدة التجسيم بمروياته المتهالكة ، البعيدة كل البعد عن التوحيد الصحيح، والتي أخذها عنه واعتمدها في كتبه جل رواة خط السقيفة والخلافة صاحب شعار التجسيم في التوحيد.
عمران بن مسلم القصير ت 6313 أبو بكر صاحب الحسن ، اخرج له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي، قال يحي : كان عمران يرى القدر.وبذلك قال العقيلي والحسن الجفري وابن عدي.(53)

ماهية تلك الفرق؟
وحتى لا نمر علينا هذه المصطلحات مرور الكرام فلا تصل المعلومة إلى من لا يعرف لتلك الفرق معنى كان لزاما علينا أن نتوقف يسيرا عندها فنقول:
القدرية: هم أتباع الفكر القائل بأن كل فعل يصدر عن الإنسان خيرا كان أو شرا ، فهو مخلوق له وحده ، بعد أن قدره بعلمه وتحرك نحوه بإرادته ، من دون أن يكون لعلم الله أو إرادته دخالة في تقديره وإرادته (54)

الجبرية : هم أتباع المذهب القائل بأن كل فعل يصدر عن الإنسان ، فهو مخلوق لله سواء كان ذلك الفعل الصادر خيرا أو شرا ، من دون أن يكون للإنسان أي اختيار أو أثر في صدوره عنه ،أو منع صدوره، وقد استدل هؤلاء على صحة مذهبهم بعدد من الآيات القرآنية، كقوله تعالى:" الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل."(55) وقوله تعالى :" الله خلقكم وما تعملون." (55)
وتنسب هذه الفرقة إلى الجهم بن صفوان كاتب شريح بن الحارث القاضي ، وقيل إن أول من روج لهذا المذهب الجعد بن درهم مولى بني الحكم من أهل الشام مربي بعض الخلفاء الأمويين ، أخذها عن اليهود ، وهو مذهب الفريسيين من اليهود ومنهم كعب الأحبار- وما أدراك ما كعب وما أحدثه في روايات النبي صلى الله عليه وآله وسنته -وهم الفئة الأكبر من اليهود ويقابلهم الصدوقيون الذين كانوا يقولون بالاختيار وهم فئة قليلة نسبيا وقد انقرضت.(56)

المرجئة : وهم أتباع المذهب الذي يقول عكس ما كان يعتقده الخوارج ، وهو القول بتكفير مرتكب الكبيرة ، أو الذنب مطلقا، وخلوده في النار،فحكمت المرجئة بإيمان مرتكب الكبيرة ، أما من جهة خلوده في النار فلا يقولون فيه بقول،بل يرجئون الحكم في ذلك إلى الله.
كما يعتقد المرجئة بالنية بالإيمان القلبي دون العمل ويرون أن الإيمان قول بلا عمل ، والمسلم عندهم يكون ناجيا بإيمانه ، وان لم يصل ولم يصم ، وكان شعارهم :" لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة."
والإرجاء هو التأخير (57)
وقد ظهر الإرجاء كما يذهب إليه البعض في عهد عثمان عندما وقف قسم من المسلمين موقف المحايد بينه وبين الثائرين عليه، وقد احتضن الأمويون هذه الفرقة ، واهتموا بنصرة أفكارها ، لأنها تدافع عنهم ، وتذهب إلى نسبتهم إلى الإيمان، بل ذهب من المرجئة إلى القول بإيمان المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وآله، مع اعترافهم بأنهم لم يؤمنوا بقلوبهم.

كل هذه الفرق إذا أنت تتبعت أفكارها وبناءها العقائدي فإنك لن تخرج من ترجيح حقيقة تقول : إن السياسة هي التي اختلقتها وغذتها وبثت تعاليمها في الأمة تأييدا للظالمين وأعوانهم ، وتفكيكا لعرى الأمة وتمزيق شملها،وحماية وعونا وتبريرا لكل فعل مخالف للشريعة صادر عن غاصبي القيادة في الأمة.
إن المتتبع لتاريخ الفكر الديني من الصدر الأول للإسلام وما استتبعه ، يقف على حقيقة أن الحكام الأمويين والعباسيين كانت لهم مصلحة في بث الفرقة بين المسلمين وكسر شوكتهم ببث ما يوجب البغضاء والتناحر فيما بينهم ، فكان يذكي كل فكر يخدم مصلحته ، ويؤجج نار كل فتنة تقع بين المسلمين،ولعل ما ذكرناه من تصنيف لفرق نشأت بين ظهرانيهم دليل يؤكد تورط هؤلاء الحكام في جريمة التحريف وبث ما هو مخالف للحق، وما فتنة القرآن ، المعروفة بالمحنة التي نشأت بتأييد من الخليفتين العباسيين المعتصم والواثق. وبسببها أسقط رواة كثيرون قالوا بخلق القرآن وجرح آخرون سكتوا عن ذلك القول. وقد ظهر موقف الإمام أبي محمد الحسن بن علي الزكي عليه السلام من ذلك جليا لا غبار عليه ، فقد قال أبو هاشم الجعفري للإمام أبي محمد عليه السلام : خطر ببالي أن القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ فقال أبو محمد الحسن عليه السلام : يا أبا هاشم الله خالق كل شيء ، وما سواه مخلوق . (58)

من الذي كان يحدد مفهوم البدعة؟ ومن هم المبتدعون؟
حري بنا أن نقف هنا لنشير إلى الأنظمة التي تعاقبت على رقاب المسلمين أجيالا طويلة لم تكن بمنأى عن التدخل في هذه المسائل التي تخص العلماء والحفاظ ، وطالما أن أولئك كانوا من خريجي مدارسها وطلاب جوائزها ، وأصحاب عطاءاتها ، فإنهم قطعا لن يجرئوا على قول كلمة الحق لأنها تؤذي أربابهم ن وتحير عليهم الناس،واجزم أنه كلما ظهرت فتنة في البلاد إلا وكانوا هم سائقها وناعقها ، الهاء للعلماء والعامة على حد سواء،.
جاء في مقدمة ميزان الاعتدال ما أخرج الذهبي عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة، فلما وقعت نظروا من كان من أهل السنة اخذوا حديثه، ومن كان من أهل البدعة تركوا حديثه.(59)

وبمعنى آخر فان الفتنة التي تحدثوا عنها وقعت في عاصمة الخلافة العباسية أيام احمد بن حنبل ، وكان محركها العباسيون ، فزادوا الأمة تحيرا وتشتتا ، وجاء تمييز الرواة موافقا لمطمح الحكام في تكريس سياسة فرق تسد، فتعادى العلماء والحفاظ والرواة ، واستعدى بعضهم على بعض ، لأسباب تافهة ، وبسيطة ما كان لها أن تجد المجال والفسحة في عقول المتعلمين من الأمة ، لولا الظلم والظالمين. فمر حديث كثير مختلق قبل الفتنة التي سموها محنة خلق القرآن، لأنهم كانوا لا يرون النظر في إسناد الرواية أو الحديث ، ومنع بعد الفتنة حديث كثير صحيح عن النبي صلى الله عليه وآله ، حير فقده الأمة وباعد بينها وبين بلوغ حقيقة عدد من التشريعات والحكام والسنن ، وأحجم عدد من العلماء على الإفصاح عن مخزونه الروائي لسبب أو لآخر، فالبخاري مثلا قال إنه حفظ 100 ألف حديث صحيح، لكنه لم يخرج في كتابه إن صحت نسبته إليه غير خمسة آلاف حديث، فأين ذهبت بقية الأحاديث الصحيحة؟ أليس من حق هذه الأمة أن تصلها كل تلك الأحاديث؟ وغير البخاري هناك آخرون ممن سكتوا عن السنن النبوية الصحيحة التي كانت بحوزتهم.
وما البدعة المقصودة عند هؤلاء إلا عدم الولاء للظلمة ، من جهة والولاء لأهل البيت عليهم السلام من جهة ثانية، وما السنة عندهم إلا موالاة الظلمة ومعادة أهل البيت عليهم السلام ، والتسنن بسنة معاوية وبني أمية في التطاول على الطاهرين.

لماذا يستثنى الصحابة من الجرح مع أن كتاب والسنة لم يستثنهم ؟
من المؤسف حقا أن نجد بين أيدينا كتبا متخصصة في علم الرجال لم تحتوي على بيان حال الصحابة الذين رووا الحديث، ولئن كانت عقيدة أصحاب تلك الكتب في أن جميع الصحابة عدول لا يجوز تناولهم بالجرح ، لمعاصرتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونصرته وطاعته ، ونزول الوحي مادحا ومبشرا لهم ، ونحن لا نشك قطعا في حصول ذلك ، ولكن لم تكن المسألة شاملة لجميع الصحابة ، بل هي في ثلة منهم ، لأن الله تعالى ذم وفضح وتوعد ولعن جانبا آخر من الصحابة ، ملأ النفاق قلوبهم ، وأشربوا كثيرا من الخصال السيئة التي تشكلت منها شخصيات عدد من الصحابة ، فكانوا حربا على الله ورسوله في حياة النبي ، بما أحدثوه من فتنة وخذلان ، وأعمال أساءت لدين الله تعالى ، وكان الوحي منها بمنزلة الفاضح لها والمشهر بأصحابها ، ولا شك أن المنافقين هم من الصحابة ، لأننا نتكلم عن جيل برمته عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن فك رباط الصحبة عن مجموعهم ، لأن الصحبة صفة ظاهرة لمن عاش مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشترك فيها المؤمن والمنافق والذي في قلبه مرض ، تماما كما صنفهم الله تعالى ، فشكر وأثنى على المؤمنين ،وحذر الذين في قلوبهم مرض ، وتوعد المنافقين . إن الذي أسس لمقالة عدالة جميع الصحابة هو معاوية بن أبي سفيان الذي أضر بالسنة النبوية أيما ضرر بتحريضه للكذابين والوضاعين من عبيد الدنيا للكذب على الله ورسوله بوضع أحاديث في فضائل لا أساس لها ، وسلب فضائل من أصحابها إلى غيرهم، استكمالا لجريمة غصب الحكومة الإسلامية ، وإمعانا في غواية الناس وتضليلهم ، وصرفهم عن الأحق والأولى بالإتباع، فكان له ولمن تبعه على ظلمه ما أراد ، فتمزق شمل المسلمين ، وتفرق حقهم ، واستمر على ذلك الحال إلى يوم الناس هذا، لا يدري الواحد أي سبيل يسلك لشدة حبك خيوط المؤامرة على دين الله، ولو وضع المنحرفون من الصحابة موضعهم لاستبان للناس شيء من الحق. فعلماء الجرح هنا متبعون لسنن الظالمين ، ومنفذون لإرادتهم ، ورادون على الله بعدم اعتمادهم على قوله في الصحابة في عدد من الآيات والسور، ورادون على رسوله في مقالته عنهم في أحاديث الحوض التي طفحت بها كتب الحديث عند جميع المسلمين. وطال الأمر أيضا تعديل جانب كبير من التابعين، وخاصة منهم الذين كانوا أدواة طيعة في أيدي الأمويين ، منفذة لإرادتهم .

والقائل بعدالة جميع الصحابة راد على الله تعالى ورسوله ، ومكذب لهما ، لأن المتدبر لكتاب الله تعالى يقف على عدد كبير من الآيات التي نزلت فاضحة لعدد غير محدد من الصحابة ، الذين كانوا لا يروق لهم أن يكون النبي صلى الله عليه وآله مع علي في مواقفه كلها شاكرا مساعيه من أجل الإسلام ، مثنيا عليه في كل مرة ، مؤاخيا له ومصاهرا ، حامل لوائه وقامع فلول الكفر والشرك، ولم تفلح سعايتهم به ، ولا أفرزت أحقادهم له إلا على رفعة وعلو منزلة ظلت صدورهم تتوقد لها نارا. كما يقف الباحث في السنة النبوية على أن الصحابة جيل من الأجيال الإسلامية التي لا تتميز في شيء من التكليف عن غيره من الأجيال ، ولعل أحاديث الحوض التي أخرجها كل الحفاظ تشير بوضوح إلى أن الصحابة فيهم البر والفاجر ، والعالم والجاهل ، والذكي المفرط والأحمق البليد، والمتقي العدل ، والظلوم الغشوم، فلعنة الله على معاوية بن هند آكلة الأكباد الطليق بن الطليق الذي أفسد عقيدة الناس في هذا الخصوص.

نماذج من منقولات الذهبي ومن شاكله في الجرح
نقل الذهبي في ترجمة إبراهيم بن الحكم بن ظهير الكوفي جملة من الاتهامات بتكذيب الشيعة صادرة عن جملة من الحفاظ وعلماء الجرح والتعديل المسمى بعلم الرجال أيضا نذكر منها ما كان عاما وهو الآتي:
قال أشهب: سئل مالك عن الرافضة، فقال: لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون.
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: لم أر أشهد بالزور من الرافضة.
وقال مؤمل بن إهاب : سمعت يزيد بن هارون يقول : يكتب عن صاحب كل بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون.
وقال محمد بن سعيد الأصبهاني :سمعت شريكا يقول : احمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينا.(60)
ولو عكس الأمر لكان أليق بالصحة لأن التاريخ قد فضح الكذابين بما نقله من أدلة أظهرت شخصياتهم ، وفضحت مؤامراتهم ، بدأ من عدد كبير من الصحابة الذين باعوا آخرتهم لمعاوية وبني أمية، من أجل دنيا زائلة ، وإذا كان الذهبي وأصحابه يتهيبون من ذكر هؤلاء المنحرفين ،بما بني لهم من أوهام كبرت من أشخاصهم ، فإننا لا نهاب من دمى صنعها بنو أمية ليضلوا الناس عن أئمة أهل البيت عليهم السلام الواجب اتباعهم والتقيد بأوامرهم ونواهيهم وأحكامهم ، لأنهم حجج الله تعالى في الأرض، ونواب رسوله الأكرم في بيان ما استودعه فيهم من علوم .
نقل في ترجمة دعبل بن علي الخزاعي، قوله: رافضي بغيض سباب، هرب من المتوكل العباسي وعاش نحوا من تسعين سنة (61)
فدل ذلك أن الرجل شديد البغض والعداء للشيعة ، وخاصة الذين يتصدون بالسيف والقلم دفاعا عن الإسلام الذي يتبناه أهل البيت عليهم السلام ، لا إسلام الظلمة الذي تبناه الذهبي ومن شاكله، وقضى عمره في إخفاء الحق والدعوة إلى باطل الطغاة.

قال ابن الأثير: وكان المتوكل العباسي شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولأهل بيته (عليهم السلام) وكان يقصد من يبلغه عنه انه يتولى عليا وأهله بأخذ المال والدم، وإنما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعلي (عليه السلام) منهم علي بن الجهم الشاعر الشامي من بني شامة بن لؤي ، وعمرو بن فرج الرخجي ، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالي بني أمية، وعبد الله بن محمد بن داود المعروف بابن أترجة ، وكانوا يخوفونه من العلويين ويشيرون عليه بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم.(62)، وقد خاب ابن كثير في كتابه عندما أثنى على علي بن الجهم هذا بقوله:أحد الشعراء المشهورين، وأهل الديانة المعتبرين، وكان فيه تحامل على علي رضي الله عنه.(63)
وكأنما عميت قلوب هؤلاء وانطست أعينهم عن قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق." فلماذا يقربون المبغض ويعتبرونه صاحب سنة ودين ويبعدون المحب ويعتبرونه صاحب بدعة ورفض؟ إن هي إلا مشيئة خطها حكامهم فالتزموا بها ليأكلوا من تصنعها ما يغني من الله شيئا والعاقبة للمتقين.
وعلى سبيل الذكر هنا نشير إلى أن المتوكل العباسي هو الذي أمر بهدم قبر الإمام الحسين عليه السلام، وحرث مقامه وأجرى الماء عليه، سعيا منه إلى الإساءة للشيعة وكافة العلويين، وفي محاولة أخيرة لصد الناس عن زيارة مقام الإمام الحسين عليه السلام، والذي يعتبره منطلق الثوار والثائرين، لكن هيهات في أن يفلح الظلم في إلحاق الضرر بالحق، وأنى لسبيل الشر والشيطان أن تتغلب على سبيل الهداية والرحمان ، فمضى الظالمون بشرورهم وخزيهم وعارهم ، وبقي الإمام الحسين عليه السلام ومن أقاموا على نهجه أعلاما ترفرف ومنارات حق يهتدي بها المهتدون.

لم يخبرنا الذهبي أن دعبلا مات شهيدا، فقد قتل وصلب لمزيد من إرهاب شيعة أهل البيت عليهم السلام ، وإنه لم يسب ولم يهجو غير الظالمين لآل محمد، فعلى سبيل المثال نتناول قصيدته التي هجا فيها المعتصم بقيت خالدة كبقية قصائده، تتلاقفها الألسن المحقة ، وتتباهى بكلماتها العرب، وتفخر لغتهم باحتوائها عليها، حيث قال من ضمن ما قال:

بـكى لشتات الدين مــكتئب صب ***** وفــاض بفرط الدمع من عينه غرب
إمـــــام لـــم يكن ذا هــداية ***** فليس له دين وليس له لب
ومــا كانت الأنــــباء تـأتي بــــمثله ***** يــــملك يـوما أو تدين له الـــــــعرب
ولـــكن كـما قــال الــذين تتـــابـعوا ***** من السلف الماضين إذ عظم الخطب
ملوك بني العباس في الكتب سبعة ***** ولـــــــم تأتنا عن ثامن لهم الــــكتب
كـــــــذاك أهل الكهف فــي الكهـف ***** ســــــبعة إذا عدوا وثـــامنهم كـلب
وإنـي لأعلي كلبهم عنك رفعــــــة ***** لأنـــــــــك ذو ذنب وليس له ذنـــب
لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم ***** وصيف وأشناس وقد عــظم الكرب
وفـــضل بن مروان يـــثلم ثــــــلمة ***** يظل لها الإسلام ليس له شــعب
(64)

لم يكن دعبل شاعرا فقط ، كما يتبادر إلى الذهن، فقد عد من أصحاب الإمامين الكاظم والرضا عليهما وأدرك الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام، (65)
وروى دعبل عن شعبة بن الحجاج وقد أخرج له ابن عساكر (66)
وروى عن سفيان الثوري وروى عن مالك بن انس ، وسالم بن نوح البصري(67)، ومحمد بن عمر الواقدي وعبد الله بن سعد الزهري العباسي(68) وروى عنه عدد آخر لا يتسع المقام لذكرهم، وإنما تعجلت في هذه الإشارة لأنبه إلى خطورة ظاهرة الإقصاء ، وكيل التهم التي ظهر من إسنادها، أن الذي يقف وراء كل تلك الحملات الغاصبون للحكومة الإسلامية من بني أمية وبني العباس، الذين كان يحرجهم أن يسطع نجم من أنجم الشيعة ، فكالوا التهم المجانية التي لا تستند إلى أساس ، ولا تخضع إلى أخلاق . قال تعالى: " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون." (69)
مع أن المعتصم العباسي هذا لم يكن أحد ليجرئ على هجائه ، خوفا وفرقا من السجون الرهيبة التي عادة ما تستعمل لتنفيذ الأحكام ضد المعارضين (الروافض) لأن في الجهة المقابلة للرفض ليس هناك غير السفسطة والتنازع في ما لا يعني كافتعال أزمة كاملة بسبب بسيط تعلق بالقرآن ما كان له أن يتواصل لولا قبضة الظلم المحكمة على أعناق علماء البلاط، الأداة التي عادة ما يستعملها في إشعال فتيل فتنة كلما رام له ذلك.

النواصب في كتب الحديث والرجال
لاشك أن المعنى من النصب غير محصور في من أعلن العداء ، وجاهر بسب الإمام علي وأهل بيته عليهم السلام ، تطبيقا لأوامر معاوية وبني أمية والتي استمر نيفا وثمانين سنة ، حتى صار عقيدة يتقرب بها إلى الظلمة ، بل تعداه إلى كل الذين لا يضعون أهل البيت عليهم السلام موضعهم ، ويعتبرون أتباعهم من المؤمنين الموحدين، مشركين لا يجوز مقاربتهم في شيء من المعاملات، ذلك لأن الساب لعلي عليه السلام وأهل بيته كالساب لرسول الله صلى الله عليه وآله ، والساب في هذه الحال خارج عن ملة الإسلام باتفاق من عقل الدين ، ودخله من بابه. هؤلاء النواصب لا يزالون مبرئين من جرمهم الفظيع في كره ومحاربة المسلمين الشيعة أئمة وأتباعا ،ولا تزال مكانتهم تبعا لذلك محفوظة بين رواة وعلماء من يسمونهم بالسنة والجماعة ، حتى صار شعار السني الحقيقي عندهم ، من أبلى البلاء السيئ في هذا المجال، وكان يعرف بحب عثمان الخليفة الأموي .
ولا يتطرق الى مسلم شك بأن عليا عليه السلام هو الوحيد الذي دخل الاسلام وهو على االفطرة ، وأبلى البلاء الذي بوأه المنزلة التي وصل اليها حتى صار ميزانا وكاشفا للمؤمن من المنافق ، فقد قال فيه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله :" يا علي لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق."
وعليه وجب أن ننسب محبي علي عليه السلام الى الايمان فنحبهم ونواليهم وندعوا لهم ونترحم عليهم، ونصدقهم في كلامهم ، ومبغضيه الى النفاق، فنتبرأ الى الله تعالى منهم ، ونكذبهم ، لأنهم خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام.

من بين هؤلاء ذكر الذهبي في ترجمة إبراهيم بن يعقوب أبو إسحاق السعدي الجوزجاني ، قال ابن عدي- في ترجمة إسماعيل بن أبان الوراق - كما قال فيه الجوزجاني : كان مائلا عن الحق ، ولم يكن يكذب، الجوزجاني كان مقيما بدمشق يحدث على المنبر، وكان أحمد(بن حنبل) يكاتبه فيتقوى بكتابه ، ويقرؤه على المنبر، وكان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في التحامل على علي رضي الله عنه، فقوله في إسماعيل مائل عن الحق يريد به ما عليه الكوفيون من التشيع. وعلق الذهبي على ذلك بقوله : قد كان النصب مذهبا لأهل دمشق في وقت، كما كان الرفض مذهبا لهم في وقت وهو دولة بني عبيد ثم عدم - ولله الحمد - النصب ، وبقي الرفض خفيفا خاملا.( 70) والجوزجاني كما قال الذهبي أحد أئمة الجرح والتعديل، وقد لقبه بالحافظ الثقة،فأي ثقة هذا الذي يتعامى عن علي وأهل بيته عليهم السلام ، فيقع فيه على منابر الإسلام ؟ وأي جرح وتعديل يرتجى من رجل عميت بصيرته عن الشمس الساطعة ، أفتراه يبصر بعد ذلك الأنجم في الثريا؟.

عداء الجوزجاني لم يتوقف عند علي وأهل بيته عليهم السلام بل انتقل إلى مواليهم وشيعتهم ومحبيهم ، فكل من اشتم منه هذا الرجل رائحة الحب والولاء اتهمه بالكذب كحكيم بن جبير ت 2215الذي جاءت ترجمته في ميزان الذهبي (71) لتقر بتشيعه ، واعتماد أصحاب ما يسمى بالصحاح الستة لحفظه ورواياته، مع علمهم بتشيعه.فردوا روايته عن ابن سفيان عن عبد العزيز بن مروان عن أبي هريرة عن سلمان قلت يا رسول الله إن الله لم يبعث نبيا إلا بين له من يلي بعده ، فهل بين لك ؟ قال : نعم ، علي." وينبري الذهبي كعادته معلقا: هذا حديث موضوع ولم يبين علة الوضع فيه ، ثم قال كيف يروي مثل هذا عبد العزيز بن مروان وفيه انحراف عن علي رضي الله عنه(72)
ولا أعتقد أن انحراف عبد العزيز هذا ناشئ من معتقد عنده ، وإنما كان متبعا لأوامر ألقيت إليه من دار الخلافة بالشام، والى كافة الأقطار الإسلامية التابعة لها، وقد لاحظ ابنه عمر ارتعاد فرائص أبيه عند بدئه لسب علي عليه السلام وأهل بيته على المنبر يوم الجمعة تقيدا بسنة بني أمية في لعن أهل البيت عليهم السلام، فسأله عن سبب ذلك فأقر الرجل بأحقية علي عليه السلام وأهل بيته وفضلهم ومقامهم من الأمة ، ومن هذه الحقيقة انطلق عمر بن عبد العزيز ليقف على المظلمة التي تعرض لها أهل البيت عليهم السلام ، فلما تولى الخلافة كان أول ما قام به أن أبطل سنة بني أمية في السب واللعن ، وقال في أول خطبة له ، وفي موضع التطاول على أهل البيت عليهم السلام : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون."(73)

وزاد على ذلك بأن رد فدكا إلى ذرية فاطمة الزهراء يقينا منه بمظلوميتها ، وصحة دعواها التي ردها عليها الخليفة الأول ، دون الالتفات إلى شخصها المقدس ومقامها الطاهر عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله وعند المؤمنين،ودلالة عدم كذبها بينة في كتاب الله تعالى فهي من اذهب الله تعالى عنها الرجس وطهرها تطهيرا، بينما رجع الكذب على الذي ردها وزمرته.فلا يبقى لتساؤل الذهبي موضع يرجح فيه ضنه.

جاء أيضا على سبيل المثال لا الحصر في ترجمة حريز بن عثمان الرحبي الحمصي ، قول الفلاس : كان ينال من علي ، وكان يقول: لا أحبه ، قتل آبائي يوم صفين.وكان يقول: لنا إمامنا ولكم إمامكم يعني معاوية وعلي.، هذا الرجل أخرج له البخاري والأربعة (النسائي، الترمذي،أبو داود و ابن ماجة )(74)
قيس بن أبي حازم ت6908 ثقة حجة كاد أن يكون صحابيا وثقه ابن معين والناس(اخرج له الستة)كان يحمل على علي رضي الله عنه(75)
حميد بن هلال ت2345 البصري، روى عن مطرف ابن الشخير(وهو من المبغضين المعلنين لبغضهم بلا غضاضة، لأهل البيت عليهم السلام)كان ابن سيرين لا يرضاه كونه دخل في شيء من عمل السلطان.(76 )

خالد بن مسلمة بن العاص أبو سلمة القرشي الملقب بالفافا ت2426 كان مرجئا يبغض عليا ومع ذلك فقد أخرج له مسلم والأربعة ، وزاد في توثيقه الذهبي (77)
صاحب السنة عند هؤلاء المجرحين والمعدلين حسب أهوائهم ، من كان ينال من علي وأهل بيته عليهم السلام ، وصاحب البدعة من كان يوالي عليا وأهل بيته عليهم السلام، لأن نظام الخلافة الأموية والعباسية، أرادا للأمة أن تكون فريسة سهلة بين أيدي أشباه العلماء والفقهاء، الذين كانوا يدورون في فلكيهما، ويقدمون للناس ما كان يخدم الظلم ولا يناجزه ،.فمن كان تابعا لأولياء الأمور الذين هم على شاكلة من ذكرنا، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف فهو منهم ، ومن كان همه شريعة الباري تعالى، ويمسي ويصبح متحيرا متحرجا قلقا من تعطيل حكم ،أو تحريف سنة ، أو تغريب مقام ، أو هتك حرمة من حرم الله ، فذلك صاحب بدعة يشار إليه بالبنان ، ويتجنبه الناس في أخف الحالات ، إن لم نقل إن مصيره الوشاية به وبمن له علاقة به.

الذهبي يتستر على المنحرفين عن علي عليه السلام
ويظهر من خلال ما أورده الذهبي في ميزانه أنه دارى في كتابه عن المبغضين لعلي عليه السلام ، وما أكثرهم في تلك العصور، فهذا أحد شيوخ المعتزلة أبو جعفر الاسكافي يقول: كان أهل البصرة كلهم يبغضونه ، وكثير من أهل الكوفة، وكثير من أهل المدينة ، أما أهل مكة فكلهم كانوا يبغضونه قاطبة، وكانت قريش كلها على خلافه، وكان جمهور الخلق مع بني أمية(78)
وقائمة المبغضين لعلي ممن تستر عليهم الذهبي وأصحابه طويلة أخرج منها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة جانبا، وافرد لهم بابا سماه (فصل في ذكر المنحرفين عن علي):
أنس بن مالك وقد أصابه برص بدعوة علي عليه لكتمانه حديث الغدير- زيد بن أرقم كتم هو أيضا شهادته يوم الرحبة بالكوفة فدعا عليه علي عليه السلام فعمي- وكان الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله البجلي يبغضانه وقد روي عنهما أنهما خرجا إلى جبان الكوفة فمر عليهما ضب يعدو وهما في ذم علي عليه السلام فنادياه: يا أبا حسل هلم يدك نبايعك بالخلافة.فبلغ عليا عليه السلام قولهما ، فقال: أما إنهما يحشران يوم القيامة وإمامهما ضب..(79)

الحسن البصري ، روي عنه انه قال: لو كان علي ياكل الحشف بالمدينة لكان خير له مما دخل فيه، وروي انه كان من المخذلين عن نصرته.
وروي ان عليا عليه السلام رآه يتوضأ للصلاة - وكان ذا وسوسة- فصب على اعضائه ماء كثيرا، فقال له : أرقت ماء كثيرا يا حسن، فقال : ما اراق امير المؤمنين من دماء المسلمين اكثر ، فقال: أو ساءك ذلك ؟ قال : نعم. قال: فلا زلت مسوأ. قالوا: فما زال الحسن عابسا قاطبا مهموما الى ان مات(80)
مسروق الأجدع والأسود بن يزيد ، روى سلمة بن كهيل انهما كانا يمشيان الى بعض ازواج النبي صلى الله عليه وآله فيقعان في علي عليه السلام( احداهن عائشة التي كانت لا تطيق ذكر اسم علي كما في الرواية التي ذكرت فيها خروج النبي صلى الله عليه وآله للصلاة بين رجلين أحكدهما العباس ولم تذكر الآخر الذي هو علي عليه السلام)(81)
مكحول الدمشقي مفتي اهل دمشق وعالمهم ت8749 اخرج له الأربعة نسبه الذهبي الى التدليس ونقل انه رمي بالقدر، ونقل عن الزهري قوله : العلماء اربعة : سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة ، والحسن بالبصرة ، ومكحول بالشام.(82)
وقد عده ابن ابي الحديد المعتزلي من المبغضين لعلي عليه السلام ونقل عن الحسن بن الحر قال : لقيت مكحولا فاذا هو مطبوع -يعني مملوء- بغضا لعلي عليه السلام فلم ازل به حتى لان وسكن.

وروى عنه حماد بن زيد قوله: أرى أن أصحاب علي أشد حبا له من أصحاب العجل لعجلهم. وقال هذا كلام شنيع.
وروى عن شبابة بن سوار انه ذكر عنده ولد علي عليه السلام ، وطلبهم الخلافة فقال: والله لا يصلون اليها أبدا ،والله ما استقامت لعلي ، ولا فرح بها يوما ، فكيف تصير الى ولده هيهات هيهات لا والله يذوق طعم الخلافة من رضي بقتل عثمان.(83)

كعب الأحبار اليهودي - النعمان بن بشير- عمران بن حصين- سمرة بن جندب وقد كان سمرة بن جندب أيام مسير الإمام الحسين عليه السلام إلى الكوفة على شرطة عبيد الله ابن زياد وكان يحرض الناس على الخروج إلى الحسين وقتاله- عبد الله بن الزبير- المغيرة بن شعبة - معاوية بن أبي سفيان - عمرو بن العاص-الوليد بن عقبة - أبو موسى الأشعري يزيد بن حجية التيمي-عفاق بن شرحبيل بن أبي رهم التيمي- عبد الله بن عبد الرحمان بن مسعود-النجاشي الشاعر من بني الحارث بن كعب-جرير بن عبد الله البجلي - مطرف بن عبد الله ابن الشخير- العلاء بن زياد-عبد الله بن شقيق -الحسن ابن أبي الحسن البصري - مرة الهمداني -الأسود بن يزيد - مسروق بن الجدع - أبو وائل شقيق بن سلمة- أبو بردة الأسلمي بن أبي موسى الأشعري.-أبو عبد الرحمان السلمي القارئ-عبد الرحمان بن عطية -عبد الله بن عكيم- سهم بن طريف-سعيد بن المسيب- الزهري - عروة بن الزبير- زيد بن ثابت-عمرو بن ثابت - مكحول-حماد بن زيد- شبابة بن سوار- مروان بن الحكم....(84)

يخافون من رجال الشيعة لأنهم ثوار ضد الظلم
كميل بن زياد النخعي ت6978، صاحب علي رضي الله عنه، روى عنه عباس ابن ذريح ، وعبد الرحمان بن زياد ، قال ابن حبان : كان من المفرطين في علي، ممن يروي المعضلات، منكر الحديث جدا ، تتقى روايته ولا يحتج به. وثقه ابن سعد وابن معين (85)
هذا ما دونه الذهبي عن كميل بن زياد صاحب علي عليه السلام ، وما أدراك ما صاحب علي لو كان الذهبي ونظراءه يفقهون قيمة المصحوب والصاحب،لم يكن كميل رضوان الله تعالى عليه كما أشاع ابن حبان ومن تبعه ، غير أنه كان يعي ولاية أهل البيت عليهم السلام على الأمة باعتبارهم خيرتها وسادتها وقادتها ، فكان هؤلاء لا يعجبهم أن يكون المرء مواليا ومحبا حقيقة لمن أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.وباعتبار خلطهم لمفهوم الولاية والمحبة فلم يعودوا يميزون لمن تكون؟ ظهرت لهم ولاءات غيرهم للأطهار عليهم السلام غريبة فلم يستسيغوها لولائهم الخاطئ.

تستر الذهبي كعادته على الحقيقة في توثيق كميل فقد وثقه أيضا العجلي وابن عمار وابن حجر ، وذكره ابن حبان في الثقات ، على خلاف ما ذكر الذهبي. وقال ابن سعد:كان شريف مطاعا في قومه ، وكان ثقة قليل الحديث.

كميل هذا من الذين أعلنوا ولاءهم المطلق لأهل البيت عليهم السلام واندفع بكل ما أوتي من علم وحكمة وجهد يذود عن الحق وأهله ، شهد مع علي عليه السلام صفين، وأبلى فيها البلاء الحسن،وكان عامل أمير المؤمنين على هيت ، وعد من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، هو واحد من المنفيين من أهل الكوفة إلى الشام لما شكاهم سعيد بن العاص والي الكوفة إلى الخليفة عثمان لإنكارهم عليه قوله (إنما هذا السواد بستان لقريش) ، وطعنهم عليه وعلى عثمان في مسائل ، ذكرها ابن حجر بالأمور الاجتهادية التي لا يعترض فيها على الخليفة، وهي في حقيقتها مخالفات للنصوص ومناقضات للشريعة، منها إتمامه الصلاة بمنى لما حجّ بالناس، ونفي أبي ذر إلى الربذة، وحبس عطاء ابن مسعود، وضرب عمار بن ياسر، وردّ الحكم للمدينة وكان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نفاه عنها، وإعطاء مروان بن الحكم خمس إفريقية إلى غير ذلك مما أثبته الرواة والمؤرخون عن تجاوزات الخليفة الثالث، ومن هؤلاء المنفيين: زيد بن صوحان العبدي، وصعصعة بن صوحان، ومالك الاَشتر، وعروة بن الجعد البارقي، وجندب بن زهير الغامدي، وثابت بن قيس النخعي.
وشهد كميل بن زياد وقعة الجماجم، وكان رجلاً ركينا في إحدى كتائبها المعروفة بكتيبة القرّاء، التي صمدت لحملات ثلاث كتائب عبّأها الحجّاج لها.

ولما انتهت المعركة بهزيمة ابن الأشعث، دعا الحجاج الثقفي بكميل بن زياد، وجرى بينهما كلام، ثم قال كميل: أيها الرجل من ثقيف لا تصرف عليّ أنيابك، ولا تكشر عليّ كالذئب، واللّه ما بقي من عمري إلاّ ظمئ الحمار، إقض ما أنت قاض، فإنّ الموعد اللّه وبعد القتل الحساب، [ولقد خبّرني أمير الموَمنين عليه السّلام أنّك قاتلي].
فقال الحجّاج: فإنّ الحجة عليك. قال: ذلك إذا كان القضاء إليك. فأمر به فقُتل، سنة اثنتين وثمانين..
عد كميل من خاصة أمير المؤمنين عليه السلام ، فكان لا يكاد يفارقه، إلا في أمر مهم، وقد تزود منه بالعلم والحكمة والفضل، فروى عنه :
قال كميل: أخذ بيدي أمير الموَمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ، فأخرجني إلى الجبّان، فلما أصحر تنفّس الصعداء، ثم قال:
يا كميل إنّ هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فأحفظ عنّي ما أقول لك:
الناس ثلاثة: فعالم رَبّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهَمَج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق ....
يا كميل هلك خزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، ها إنّ ها هنا لعلماً جمّاً ـ وأشار بيده إلى صدره ـ لو أصبتُ له حَمَلة، بلى أصبت لَقِناً غير مأمون عليه، مستعملاً آلة الدين للدنيا، ومستظهراً بنعم اللّه على عباده، وبحججه على أوليائه، أو منقاداً لحَمَلَة الحقّ، لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشّكّ في قلبه لأول عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً بلذة سلس القياد للشهوة، أو مُغرماً بالجمع والادّخار، ليسا من رُعاة الدين في شيء، أقرب شيء شبهاً بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه، بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجة: إمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج اللّه وبيّناته، وكم ذا وأين أُولئك؟ أُولئك الأقلون عدداً، الاَعظمون عند اللّه قدراً..
ولعل أعظم وأبلغ وأعمق ما روى كميل عن أمير المؤمنين علي عليه السلام دعاؤه المعروف بدعاء كميل ، الذي يدعى به في ليالي الجمعة

هذا الحسن بن صالح بن حي كما جاء في ميزان الذهبي ممن كان يشار إليهم لإيذائهم والتشنيع عليهم، فقد أورد في ترجمته قوله: فيه بدعة تشيع قليل، وكان يترك الجمعة، رغم أن مسلم والأربعة قد أخرجوا له في كتبهم ، قال أبو نعيم : ذكر ابن حي عند الثوري ، فقال: ذاك يرى السيف على الأمة، يعني الخروج على الولاة الظلمة، وقال أحمد بن يونس : لو لم يولد الحسن بن صالح كان خيرا له ، يترك الجمعة، ويرى السيف ، جالسته عشرين سنة ، فما رايته رفع رأسه إلى السماء ، ولا ذكر الدنيا.وحدث أبو معمر قال كنا عند وكيع ، فكان إذا حدث عن الحسن بن صالح امسكنا أيدينا فلم نكتب ، فقال : مالكم لا تكتبون حديث حسن؟ فقال أخي بيده - هكذا - يعني أنه كان يرى السيف ، فسكت وكيع.
وصلاة الجمعة التي يصليها غير الشيعة في ذلك الزمن باطلة من حيث كونها منبر ليس للدين ، وإنما استغل إقامتها لتمرير بدعة سب علي عليه السلام وأهل بيته على منبر الخلافة الأموية ما ناهز 82 سنة، فما فائدة صلاة بإمام ينبري لسب الطاهرين من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، بهتانا وإثما مبينا ثم يأتي ليصلي بالناس، فأي دين هذا ؟ وأي إمامة تلك ؟ وأي مسلمين هؤلاء؟ مع العلم أن السنة النبوية لم تدون عندهم إلى ما بعد ذلك العصر بكثير، وقد دخل فيها من دخل من الكذابين والوضاعين، وحمل منهم على الصحة والنفاذ في عقول أتباع ذلك الخط الذي استنقذني الله تعالى منه فله الحمد كثيرا على منته ونعمته.

من هنا يتبين لمن يعقل أن خط ولاية أهل البيت عليهم السلام كان خط الثورة على الظلم والظالمين ، هو الوحيد الذي كان ينتفض في كل مرة وكلما سنحت فرصة بذلك ، من اجل إعلاء كلمة الله تعالى والحفاظ على دينه، لم تنفك مسيرتهم عن طاعة إمام من أئمة أهل البيت عليهم السلام ، أو عالم من علماء ذلك الخط الثائر الذي كان راكبا على الدنيا ركوب مسافر بالغ قصده. وما عداه من الخطوط هي صنيعة ظلم أموي أو عباسي .
لم يشفع للحسن بن صالح زهده ولا ورعه ولا علمه ، ولا في أقواله التي تنبع حكمة منها ما ذكره أبو نعيم : فتشت الورع فلم أجده في شيء أقل من اللسان. فهذا زائدة كان يستتيب من كان يجيء الحسن بن حي، ومن هو زائدة هذا حتى يستتيب من كان يأتي الحسن بن حي ، فالذهبي لم يذكر من كانوا رواة حديث يحملون اسم زائدة غير أربعة هم:
زائدة بن سليم عن عمران بن عمير ، ت2822 وقال فيه انه مجهول.
زائدة عن سعد قال أبو حاتم حديثه منكر وقال البخاري: لا يتابع على حديثه. وقال الذهبي: من موالي عثمان، وأعتقد أنه زائدة الذي نريده.
زائدة بن أبي الرقاد ،أبو معاذ عن زياد النميري ضعيف وقال البخاري منكر الحديث وهو بصري وقال النسائي لا ادري ما هو .(86)

محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن الهاشمي العلوي ، ت7736 الذي خرج على المنصور بالمدينة سننة145 وقتل فيها ، وثقه النسائي أما البخاري فقال: لا يتابع على حديثه. (87) ومعروف أن محمد هذا هو الملقب بالنفس الزكية رضوان الله تعالى عليه ، أشعل نار الثورة على الظلم العباسي الغاشم، خرج معه من خرج من الأباة والأحرار ، لم يسغ للبخاري أن يقر بفضله ومقامه الناصع في تاريخ الأمة ولو أجهد نفسه في تجاهله فإنه أشهر من نار على علم ، وفضح البخاري وأصحابه أنفسهم بتجاهله ، لأنهم.قد أفصحوا عن مكنون فكرهم المنتسب إلى الحكام ، وكشفوا عن هوية التبعية العمياء للظالمين ، ومعاداة الثوار والأحرار.
وغالب الطعون التي ظهرت هنا وهناك في كتب الرجال جاءت من أناس غير محمودي السيرة الدين لا يهمهم إن وقعوا على بر أم فاجر، المهم نصرة مذاهبهم الفاسدة، وإعلاء آرائهم الكاسدة ، التي ظلت الأمة الإسلامية تعاني من تبعات أكاذيبها ، ومخازي بهتانها دهرا طويلا.

من رواة البخاري
كنا في ما مضى نرى أن البخاري حافظ لا يضاهيه ند وكان كتابه عندنا - نحن المالكية - أصح كتاب بعد كتاب الله ، هكذا ورثنا المقالة ، وجرت عادتنا على التسليم بكل ما جاء فيه من أحاديث، على أساس صحتها التي لا يتطرق إليها شك، وهو الذي يعتبر شديدا في التحري في حال من يأخذ عنهم، حتى حيكت حوله حكايات تشبه الأساطير، لكنه وبعد أن بدأت رحلتنا في البحث عن الإسلام الحق ، وقفنا على جملة من الحقائق التي كانت مخفية عنا، وتتعلق بالرواة الذين اعتمدهم البخاري ومن شاكله، فإذا فيهم من المتهمين ذوي المقالات الفاسدة و المجهولين ما يعري عن حقيقة ما يسمى بصحيحه وبقية الكتب التي ألبست ثياب الصحة والقداسة.

فعلى سبيل المثال إعتمد البخاري عمران بن حطان السدوسي البصري الخارجي(88) الذي مدح قاتل الإمام علي عليه السلام عبد الرحمان بن ملجم المرادي، واصفا إياه بالتقي ، راداُ على النبي صلى الله عليه وآله قوله لعلي عليه السلام :" يا علي يقتلك أشقى الآخرين." قال الذهبي في ترجمته رادا علي العقيلي الذي قال لا يتابع على حديثه: كان الأولى أن يلحق الضعف بصالح أو بمن بعده ، فإن عمران صادق في نفسه(89)
واعتمد كذلك على مروان بن الحكم الأموي أبو عبد الملك ت8422، قال الذهبي له أعمال موبقة نسأل الله السلامة ، رمى طلحة بسهم وفعل وفعل.. ومع ذلك لم يوضح الذهبي بقية الأعمال الموبقة كأنما يريد أن يتستر عليها ، ولم يزد على ذلك من تجرح وإسقاط ، ملتفتا إلى هالة التضخيم التي أحاطها أصحابه بما يسمى بالصحاح الستة عموما وصحيح البخاري خصوصا لأن من اخرج له البخاري فقد اجتاز القنطرة ، وإن كان من الساقطين من (قنطرة) الآخرة (90)

وكعادة هذا الخط يحذف التفصيل في ذكر جرائم القوم ويوضع مكان ذلك هذه الكلمة أو كلمة مبهمة أخرى مثل : كذا وكذا ، كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما أمر بأن ينذر عشيرته الأقربين ، فجمع بني هاشم ، وخطب فيهم ، وقال: من منكم يؤازرني على هذا الأمر يكن أخي ووصيي وخليفتي فيكم من بعدي، فلم يقم له إلا علي عليه السلام ، عندها قال لهم : هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم من بعدي." لم يعجب ذلك بعض المحرفين والمدلسين ، فاستبدلوا كلمة وصيي وخليفتي فيكم من بعدي ، بكذا وكذا.( 91 )
أسباط أبو اليسع ت713 وقيل بن عبد الواحد ، خرج له البخاري، قال ابن حبان : كان يخالف الثقات ن ويروي عن شعبة أشياء كأنه شعبة آخر، وقال أبو حاتم : مجهول. (92)
محمد بن أبي موسى، ت8228 عن ابن عباس وعنه أبو سعد البقال، لا يعرف.(93)
محمد بن عبد الله بن أسيد، اخرج له البخاري، قال أبو حاتم مجهول واقر الذهبي بذلك.ت 7773 (94)
محمد بن سواء السدوسي ، ت7658 قال الذهبي أحد الثقات المعروفين، قال الأزدي : غال في القدر .(95)
عباد بن راشد ت4113 البصري أخرج له البخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجة ، ومع ذلك أورده في كتاب الضعفاء.(96)
وعبد الله بن ذكوان أبو الزناد الملقب بأمير المؤمنين في الحديث يروي فرية لم أجد أعظم منها جرما وينسبها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، دالا عن جهل كبير وقلة علم بأبسط العقائد حيث حدث ونقل عنه البخاري : صح عن رسول الله أن آدم خلق على صورة الرحمان وقال الكوسج سمعت أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث صحيح وقال الذهبي هو مخرج في الصحاح ، (97) وأي صحاح هذه التي تحتوي على جهل مركب بهذا الشكل المفزع.

عنبسة بن خالد الأيلي ت6499 قال أبو حاتم: كان هذا على خراج مصر وكان يعلق النساء بثديهن، قال ابن القطان : كفى بهذا في تجريحه وقال يحي بن بكير : إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق لم يكن موضعا للكتابة عنه.(98)
عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني المصري ، ابو صالح كاتب الليث بن سعد على امواله ت4383 ، اخرج له البخاري وابو داود والترمذي وابن ماجة،قال احمد : كان أول امره متماسكا ، ثم فسد بأخرة ، يروي عن الليث عن ابن ابي ذئب ، ولم يسمع الليث من ابن ابي ذئب شيئا ، وقال النسائي ليس بثقة.
وقال ابن المديني: لا اروي عنه شيئا.وقال ابن حبان كان في نفسه صدوقا ، انما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له .

قال الذهبي : وقد روى عنه البخاري في الصحيح ، ولكنه يدلسه ، فيقول : حدثنا عبد الله ولا ينسبه وهو هو ، وقد قامت القيامة على عبد الله بن صالح بهذا الخبر الذي قال :ان الله اختار اصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين ، واختار من اصحابي اربعة : ابابكر وعمر وعثمان وعليا فجعلهم خير اصحابي وفي اصحابي كلهم خير. قال النسائي : وهو موضوع.(99)
عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي ت5118 وثقه جماعة وضعفه ابن مسهر وحده (100)
وعبد العزيز هذا كان من الذين يلعنون الإمام علي عليه السلام على منبر الجمعة، وقد اعترف الذهبي في ترجمة حكيم بن جبير بانحراف المرواني عن علي عليه السلام ، في محاولة لرد حديث في من يلي الأمة بعده، فقال:هذا حديث موضوع ، ثم كيف يروي مثل هذا عبد العزيز بن مروان وفيه انحراف عن علي رضي الله عنه.

حكى عمر بن عبد العزيز قال: كنت أحضر تحت منبر المدينة، وأبي يخطب يوم الجمعة، وهو حينئذ أمير المدينة، فكنت أسمع أبي يمر في خطبه تهدر شقاشقه، حتى يأتي إلى لعن علي عليه السلام فيجمجم، ويعرض له من الفهاهة والحَصَـر ما اللّه عالم به، فكنت أعجب من ذلك، فقلت له يوماً: يا أبت أنت أفصح الناس وأخطبهم، فما بالي أراك أفصحَ خطيب يوم حَفلك، حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل، صرت ألكن عييا! فقال: يا بني إن من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم، لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد، فوقرت كلمته في صدري مع ما كان قاله لي معلمي أيام صِغَري فأعطيت اللّه عهداً لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لا َُغيّرنّه

ونقل عنه أيضا: كنت غلاماً أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود، فمر بي يوماً وأنا ألعب مع الصبيان ونحن نلعن علياً، فكره ذلك ودخل المسجد، فتركت الصبيان وجئت إليه لأدرس عليه وردي، فلما رآني قام فصلى وأطال في الصلاة ـ شبه المعرض عني ـ حتى أحسست منه بذلك، فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي، فقلت له: ما بال الشيخ؟ فقال لي: يا بني أنت اللاّعن علياً منذ اليوم؟ قلت: نعم، قال: فمتى علمت أن اللّه سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم، فقلت: يا أبت، وهل كان عليّ من أهل بدر؟ فقال: ويحك، وهل كانت بدر كلّها إلاّ له، فقلت: لا أعود، فقال: اللّهَ أن لا تعود. قلت: نعم، فلم ألعنه بعدها (101)
عمر بن نافع مولى ابن عمر، ت6228 أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبخاري ، قال ابن سعد : لا يحتجون به ، وذكره ابن عدي فروى عن ابن حماد عن عباس الدوري عن يحي قال: عمر بن نافع ليس بشيء فوهم ابن عدي فان ذا آخر.
وساق له رواية عن ابن عمر قال رسول الله (ص) لأبي بكر وعمر لا يأتمرن عليكم احد بعدي. (102)
ومراوغة الذهبي في التغطية على هذا الرجل بالادعاء أنه آخر ، كشفت عن مدى المرض الذي استشرى في هؤلاء الذين رفعوا شعار العلم دون أن يلامسوه بالتعقل والتأني والبحث المجرد من الأهواء التي حكمت في أكثر تعديلاتهم وتجريحاتهم .

والرواية التي ساقها تهويلا لمقام الخلفاء الأولين ، من خيال عمر بن نافع وتأثيرات التبعية العمياء لابن عمر،فالخليفتان كانا في اغلب الأوقات مأمرا عليهما في حياة النبي صلى الله عليه وآله، تشهد بذلك غزوة ذات السلاسل، وغزوة خيبر ، ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وآله إلا وقد كان أوعبهما في جيش أسامة بن زيد، وغادر الدنيا ولواء أسامة معقود أميرا لبعث مؤتة والشيخين تحت إمرته . لذلك فالرواية مردودة من هذه الجهة ، ولو صحت لاحتج بها هؤلاء على أحقيتهم في الإمارة دون اللجوء إلى مبررات أخرى غيرها.
وعلى ذلك نجزم أن الرجل كذاب .
عمرو بن يحي بن سعيد بن عمرو القرشي الأموي ت6476 ذكر الذهبي في ترجمته أنة ابن عدي قد أورد له حديثين ، وما نطق بحرف ولولا ذكره لما ذكرته ، لأنه احتج به البخاري. وساق الحديث: عمرو بن يحي عن جده سعيد بن عمرو عن أبي هريرة مرفوعا : ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم. قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال : وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط.تفرد به عمرو وهو مخرج في صحيح البخاري.(103)

لم تزل أيدي والسنة الأمويين تلحق الأذي والسوء بالنبي صلى الله عليه وآله منذ وجد إلى عصور حكمهم وتسلطهم على الحكومة الإسلامية ورقاب المسلمين.فلم يكتفوا بإقصاء الأحق والأولى بقيادة الأمة ، بل تجاوزه إلى التعدي على شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنسبة عدد من النقائص له كالتقول عليه بأن أبويه ماتا على الكفر ، نعوذ بالله تعالى من هذه الفرية العظيمة، إلى الادعاء عليه بأنه كان يأكل ما يذبح على النصب ..وغير ذلك مما طفح به كتاب البخاري المسمى بالصحيح، وجاءت هذه الفرية لتشكل مع مثيلاتها الصورة التي يريدونها من شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإني إذ أعلق على هذه الرواية ليس استهجانا لرعي الأغنام فان الرعي بحد ذاته مهنة شريفة يعيش على مردودها كثير من الناس، إلا أنني معترض على أن كل الأنبياء رعوا الأغنام ، وفي ذلك ما فيه من تجن وكذب عليهم لأسباب:
أولا : رعي النبي موسى للغنم، كان استكمالا لعامل الاختفاء عن أعين أعدائه الذين جدوا في طلبه من ناحية، وشرطا من شروط الزواج المقترح من النبي شعيب عليه السلام بإحدى بناته من ناحية أخرى.
ثانيا: لم يرسل الله تعالى نبيا إلا من وجهاء قومه، ورعي الغنم ليس من وظائف الوجهاء، فسليمان مثلا ورث أباه النبي داود، فلا يعتد بقول قائل إنه رعى الأغنام وهو ابن ملك بني إسرائيل.
ثالثا: كفالة النبي مكن طرف جده عبد المطلب، وعمه أبو طالب عليهما السلام ،لا تسمح لهما بإرسال وإبنهما لرعي الأغنام على قراريط، تحت شمس الصيف الحارقة ، وبرد الشتاء القارص، ووعورة طلب الكلإ والماء في منطقة عرفت بجدبها.
رابعا : موقعه الاجتماعي والاقتصادي لا يسمح له برعي الغنم في كل الحالات ، حتى عند رضاعه في البادية لم يكن يرعاها ، إلا بضرب من المحاكاة ، إتباعا لإخوته من الرضاع.
خامسا: تعليم الأنبياء لا يحتاج لإدخالهم في وظيفة رعي الغنم ، لأن أسس الاصطفاء متوفرة عندهم ولا تحتاج إلى أن تكتمل بذلك النحو، فتربيتهم وعلومهم من الله تعالى ، وأصناف الملائكة والروح موكلة بهم تسوقهم إلى فضائل الأخلاق ومحاسن الأمور.

وهب بن منبه أبو عبد الله اليماني صاحب القصص ت9433 أخرج له البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي ، من أحبار علماء(علماء اليهود) التابعين ولد في آخر خلافة عثمان حديثه عن أخيه همام في الصحيحين ، كان عندهم صادق كثير النقل من كتب الإسرائيليات، نفخوا في شخصه فقالوا : لبث وهب عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءا..(104)
اسمح لي عزيزي القارئ فقط أن أطرح عليك هذه الأسئلة : هل يمكن لشخص ما نبيا كان أم دون ذلك ، أن يبقى سنة واحدة بوضوء واحد بين العشاء والصبح؟وأي طاعة هذه التي تتجاوز حدود العقل إلى فضاء من الخيال الأحمق، حيث لا نوم ولا زواج ، وأي بدن يستطيع أن يصمد أمام هذا التليف الذي لا يطاق، اللهم إلا إذا كان الرجل كلا ولا يكسب رزقه بالنهار فينامه.
كتب وهب كتابا في القدر ثم ندم عليه على ما نقلوا ،روى حماد بن سلمة عن أبي سنان : سمعت وهب بن منبه يقول : كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابا من كتب الأنبياء في كلها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر فتركت قولي.
العجيب والغريب أن يصدق هؤلاء ابن وهب هذا بخصوص تلك الكتب السبعين التي نسبها للأنبياء ، وفي ما اعتقد أن الرجل يهذي ويخرف وأتباع السقيفة ويطبلون له ويمجدون ، مخزون علوم سبعين من الأنبياء، وكلها على ما يبدوا غير محرفة وتتفق في ما جاء في مضمونها.أليس هؤلاء أحق بأن ينسبوا إلى ابن وهب الحقيقة كما يحاولون نسبة أتباع أهل البيت إلى ابن سبأ الخيال والذي لا أصل له بإقرار عدد من علماء الفريقين.

ولئن أخرج البخاري في ما يسمى بصحيحه لجملة من النواصب ( والناصبي كما هو معروف هو كل من تصدى لمعاداة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وإعلان الحرب عليهم بكل الوسائل) وأصحاب الأفكار الغريبة عن الإسلام كالقدرية والمرجئة والمجسمة، والضعفاء والمتروكين ومجهولي الحال،فهو مقابل ذلك كله لم يخرج حديثا واحدا عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، كأنه يريد أن يظهر عدم اهتمام به وهو الذي شدت إليه الرحال من مشارق الأرض ومغاربها ، حتى عدوا في عصره من كان يقول حدثني جعفر بن محمد عليه السلام أكثر من ثلاثة آلاف محدث وعالم ، وهو الذي تتلمذ على يديه مالك بن أنس وأبو حنيفة ، وجابر بن حيان وغيرهم مما يتسع المقام لذكرهم.

من الذي يكذب على الله ورسوله؟
كثرت تهم التكذيب في علم الرجال ، وتعددت عباراته التي كانت تلصق على هذا الاسم أو ذاك ، لكن الذي يدعو للغرابة، هو الإصرار على تكذيب أحاديث صحيحة فعلا ، وتتفق مع بقية الأحاديث ،التي سلم الجميع بصحة صدورها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فطرق حديث:" من كنت مولاه فعلي مولاه." كثيرة ، لكن التعصب دعا إلى توهين وتضعيف عدد منها ، لكي لا يصل الحديث إلى مرتبة المتواتر ، وغن أقر عدد لا يستهان به من علماء الجمهور بتواتره ، ولا يبعد عن ذلك الزبيدي لقط اللآلي المتناثرة في الأحاديث المتواترة.
وكانت بوابة التعديل ممرا مرتعا دخل منه وفعل في السنة النبوية ما طاب له أن يفعل إفتراء على النبي ، وقبل منه ذلك على أساس أنها سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم طالما ارتضاها الأمير ، وبوركت من مخادع الجواري ومضارب الدف والقينات،.
وكانت بوابة التجريح حاجزا يقف دون أصحاب السنة الحقيقية وأولياءها أمام الله، فلم يسلموا من حملات التشويه والتكذيب بعد مماتهم أو استشهادهم في سبيل الله ودينه القويم.

هكذا يفضح التعصب أهله
نقل الذهبي في ترجمة عبد الرزاق بن همام بن نافع الإمام أبو بكر الحميري ت5044 الرواية التالية: العقيلي ، سمعت علي بن عبد الله بن المبارك الصنعاني يقول: كان زيد بن المبارك لزم عبد الرزاق فأكثر عنه ، ثم خرق كتبه ، ولزم محمد بن ثور فقيل له في ذلك فقال: كنا عند عبد الرزاق فحدثنا بحديث ابن الحدثان ، فلما قرأ قول عمر(رض) لعلي والعباس(رض) : فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك ، وجاء هذا يطلب ميراث امرأته من أبيها. فقال عبد الرزاق : أنظر إلى هذا الأنوك( يقصد عمر) يقول : من ابن أخيك ، من أبيها ، لا يقول : رسول الله (ص) .قال زيد بن المبارك : فقمت فلم أعد إليه ولا أروي عنه.
هنا يقول الذهبي مبررا قول عمر ملتمسا له العذر : في هذه الحكاية إرسال والله أعلم بصحتها،ولا اعتراض على الفاروق (رض) فيها فانه تكلك بلسان قسمة التركات.(105 )
مع أن عبد الرزاق شيعي باعتراف الذين أخذوا عنه، ولم يخرقوا كتابه ، ولم يستنكروا موقفه من عمر لأن للرجل غيرة على رسول الله صلى الله عليه وآله ، لا توجد في هؤلاء الذين يقدسون الصحابة ويرفعون شأنهم حتى لو كان في الأمر مساس برسول الله صلى الله عليه وآله.
علي بن زيد بن جدعان (أخرج له كل من مسلم والأربعة) وهو علي بن زيد بن عبد الله بن زهير أبي مليكة بن جدعان أبو الحسن القرشي التيمي البصري أحد علماء التابعين، قال أحمد العجلي: كان يتشيع وليس بالقوي. وقال فيه يزيد بن زريع: كان علي بن زيد رافضيا.
وساق الذهبي حديثه عن أبي قلابة عن ثوبان ، قال رسول الله (ص) : إذا رأيتم (الرايات) السود قد أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج ، فان فيها المهدي.

وقد استنكر الذهبي كعادته هذا الحديث ، مع انه قد ذكر له طريقا آخر،وهي عادة دأب عليها أكثر محدثيهم ، وفي ما أرى فان الرواية قد تكون صحيحة السند ، بينما يكون متنها بعيدا عن المقاصد الشرعية أو مخالفا لها، فلا تقبل الرواية من هذه الجهة ، لذلك جاء قول النبي صلى الله عليه وآله :" إذا جاءكم حديثي فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوا به وما عارض كتاب الله فالقوا به عرض الحائط." وقد صحت أسانيد عدد كبير من روايات تحريف القرآن عند خط الإمامة كما عند خط السقيفة ولئن أفرد لها حفاظ خط الإمامة بابا سموه باب النوادر،مع إقرارهم جميعا أئمة وعلماء بان التحريف اللفظي غير ممكن ولم يتفق أن تكلم به أحد منهم ، بينما تكلموا جميعا وأشاروا إلى تحريف آخر غفلت عنه الأمة بأبعادها عن ثقل الكتاب الذي لا يمسه غيرهم لاحتوائهم على ميراث علم النبي ومخزون آثاره الصافية، وهو تحريف مقاصد الكتاب ومعانيه، إلى درجة التخبط والتيه التي عليها سواد الأمة ، إن المتتبع لمجمل التفاسير يقف على حقيقة ذلك التحريف ، فيجد في تفسير آية أكثر من عشرة أقوال بدون ترجيح. ومقابل خط الإمامة نجد خط السقيفة قد وضع تلك الروايات في أبواب الفقه، ولم يلتفت إلى التنبيه مخالفتها لما بين أيدي الناس من تسالم بأن القرآن هو ما يتعاهده الناس منذ أن وجد إلى يوم الناس هذا ولا عبرة بمن يسعى إلى الفتنة التقول على الشيعة بالتحريف.
وكذا يكون السند ساقطا بينما يكون المتن صالحا ومطابقا لعدد من الروايات الصحيحة المتن والسند فتتقوى بها، وعليه يمكن القول بأن الذهبي ونظرائه قد ردوا عددا كبيرا من الروايات لمجرد اتهام عدد من رواتها بأنهم من رؤوس الشيعة ودعاتهم ، فأفسدوا علي أتباع مذاهبهم كثيرا من السنن والحكام ،وباعدوا بين الحقيقة وطلابها.

وساق الذهبي رواية أخرى عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : ماتت رقية بنت رسول الله (ص) فقال الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مضعون. قال: وبكت النساء ، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فقال دعهن يا عمر، وإياكن ونعيق الشيطان مهما يكن من العين والقلب فمن الله الرحمة ، ومهما كان من اليد واللسان فمن الشيطان. وقعد على القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي ، فجعل يمسح عين فاطمة بثوبه.
قال الذهبي:هذا حديث منكر فيه شهود فاطمة الدفن ولا يصح.(106)
ولست أدري ما وجه النكارة التي رآها الذهبي في الرواية ، وما المانع من شهود فاطمة عليها السلام جنازة ابنة خالتها رقية بنت هالة أخت خديجة، حتى يرى الذهبي عدم صحتها؟
عدي بن ثابت ( أخرج له أصحاب الصحاح كلهم) عالم الشيعة وصادقهم وقاصهم ( لا اعتقد أن في الشيعة قصاصون مثل خط السقيفة لذلك تكون الكلمة محرفة وتكون للقضاء أصح منها للقصة فتكون الكلمة" قاضيهم") ولو كانت الشيعة مثله لقل شرهم . (وأقول لو كان الرجل منصفا لما صدر منه هذا اللغو البذيء ، لأن الشر الذي تحدث عنه لم يخرج إلا ممن والى أنظمة البغي والظلم الذي تفيء ظلالها هو ومن تبعه) وثقه احمد والعجلي والنسائي والبقية قال فيه أبو حاتم : صدوق، وقال ابن معين : شيعي مفرط ، وقال الدرقطني : رافضي غال وهو ثقة وقال الجوزجاني: مائل عن القصد.(107)

عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي ، شيخ البخاري ، ثقة في نفسه لكنه شيعي منحرف (108)
محمد بن راشد المكحولي (اخرج له الأربعة) وثقه أحمد وغيره قال أبو حاتم : صدوق وقال محمد بن إبراهيم الكناني : سالت أبا حاتم عن محمد بن راشد. فقال: كان رافضيا.
قال الذهبي: هذا فيه نظر، فكيف يكون دمشقي قد نزل البصرة رافضيا ؟
قال ثم تأملت فوجدته خزاعيا ، وخزاعة يوالون أهل البيت .ثم أورد عن محمود بن غيلان : سمعت أبا النضر يقول : كنت عند باب الرصافة فسلم علي شعبة، فمر بي محمد بن راشد الخزاعي ، فقال لي : كتبت عن هذا شيئا ؟ قلت نعم حديث كثير، فقال: لا تكتب عنه فإنه معتزلي خشبي رافضي( وقال علي محمد البجاوي في تفسيره لخشبي :صنف من الرافضة وهم منسوبون إلى خشبة زيد بن علي لما صلب عليها . (109)

وزيد بن علي عليهما السلام ممن لا يخفى على العارفين من أهل الإيمان فالرجل من أولاد علي بن الحسين زين العابدين عليهم السلام خرج طالبا الرضا من آل محمد بعد أن استشرى ظلم بني أمية وملأ الآفاق ، كان غضبه لله تعلى فجاهد أعداءه جهادا كبيرا حتى قتل في سبيله ، وقد قال فيه الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام :" رحم الله عمي زيدا إنه دعا إلى الرضا من آل محمد.." وقد كان الإمام الصادق عليه السلام حزن على مقتله حزنا شديدا.
وبلغ تشفي الأمويين وإرهابهم للناس بعد مقتله أن صلبوا جثته على نخلة بكناسة الكوفة ، ولم يكتفوا بذلك ، فأقدموا على حرق عظامه وذر رمادها في الفرات.
إذا كان عنف الظالمين في مواجهة أصحاب الحق قد بلغ هذا المدى فهل يمكن بعد هذا أن ننتظر خيرا من هؤلاء الذين تسلطوا على رقاب المسلمين يفعلون بهم وبدينهم ما يشاءون، وعصر التدوين لم يفتح ذراعيه لذلك الركام المتنافر من الروايات التي اختلط فيه قليل الصحيح بكثير المكذوب.
زيد بن وهب ت3031 من أجلة التابعين وثقاتهم متفق على الاحتجاج به إلا ما كان من يعقوب الفسوي فانه قال في تاريخه في حديثه خلل كثير ولم يصب الفسوي ثم إنه ساق من روايته قول عمر: يا حذيفة بالله أنا من المنافقين؟ قال : وهذا محال ، أخاف أن يكون كذبا، قال ومما يستدل به على ضعف حديثه روايته عن حذيفة : إن خرج الدجال تبعه من كان يحب عثمان.(110)

نماذج من التجريح السخيف
إسحاق بن إبراهيم بن كامجرا المروزي ت 732 حافظ شهير نزل بغداد أخرج له النسائي وأبو داود ، سمع منه عبد الرحمان بن مهدي ، ووثقه يحي بن معين والدرقطني ، وقال صالح جزرة :صدوق إلا انه يقف في القرآن ولا يقول غير مخلوق، بل يقول كلام الله ويسكت. وقال الساجي : تركوا الأخذ عنه لمكان الوقف.(111)
على الرغم من أن الرجل امتنع عن قول الباطل ، والذي يتعلق بالقرآن في الفتنة التي أقامها العباسيون ببغداد ، والتي عرفت بالمحنة، والتي كان الطرف الثاني فيها احمد بن حنبل وجماعته، بادعائهم أن القرآن قديم.فتراهم يتركون أخذ الرواية عنه لمجرد وقفه أو سكوته.
محمد بن معاوية بن مالج ت8191 شيخ صدوق إلا انه يقف في القرآن. (112)

محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير ت 8169 روى أبو داود الطيالسي : قال شعبة لم يكن في الدنيا شيء أحب إلي من رجل يقدم من مكة فاسأله عن أبي الزبير ، فقدمت مكة فسمعت منه ، فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل يوما فسأله عن مسألة فرد عليه ، فقلت له : يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم قال : إنه أغضبني .قلت : من يغضبك تفتري عليه ، لا رويت عنك حديثا أبدا.(113)

حبيب ابن أبي حبيب الجرمي البصري ت 1695 أخرج له مسلم والنسائي وابن ماجة غمزه يحي القطان ، وقال عبد الله بن أحمد : سألت أبي عنه فقال: هو كذا وكذا ، أما ابن معين فقد نهى عن كتابة حديثه، وقال ابن المديني : سألت يحي عنه قال : كتبت عنه ، أتيته بكتابه فقرأه علي فرميت به. ثم قال: كان رجلا من التجار ، ولم يكن بذاك في الحديث. (114)
وعادة ما يلتجئ هؤلاء إلى التغطية أو التعمية أو كتمان الحقيقة ، واستعاضتها بكلمة "كذا"
محمد بن حبا أبو حاتم البستي الحافظ ت7346 صاحب الأنواع ومؤلف الجرح والتعديل وغير ذلك..قال أبو إسماعيل الأنصاري شيخ الإسلام(وما أكثر شيوخ الإسلام بلا مشيخة عندهم): سألت يحي بن عمار عن أبي حاتم بن حبان ، فقال رأيته ونحن أخرجناه من سجستان ، كان له علم كثير ، ولم يكن له كبير دين ، قدم علينا فأنكر الحد لله فأخرجناه.
وعقب الذهبي على ذلك بقوله : إنكاره الحد وإثباتكم إياه من فضول الكلام، والسكوت عن الطرفين أولى إذ لم يأت نص بنفي ذلك ولا إثباته..(115)

مسالة من مسائل التوحيد والتي تنبني عليها صحة إعتقاد الإنسان يعتبرها الذهبي من فضول الكلام ، وسيان عنده المنكر والمثبت ، والسكوت على ذلك أولى، والنصوص التي أنكر وجودها هي عند أهل البيت عليهم السلام الذين أرسوا دعامة التوحيد الصحيح الصافي من أدران ودسائس المتطفلين على مقامات العلماء الأبرار، فقد جاء عن الإمام علي عليه السلام في هذا الخصوص:
"...أول الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف انه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد عده ومن عده فقد حده ، ومن قال فيم فقد ضمنه ، ومن قال علام فقد أخلى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شيء لا بمقارنة ، وغير كل شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة ، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، متوحد إذ لا سكن يستأنس به ، ولا يستوحش لفقده..." (116)
لا شك أنك قد فهت أيها القارئ العزيز مبلغ هؤلاء من الدين والأخلاق والعلم ، لا يحركهم غير التعصب والسعي إلى الباطل بأرجلهم، نصرة لأوهام أسكنها في عقولهم ظلمة القرون الخالية ، الذين لا يريدون للناس الهداية أبدا.

عبد السلام بن صالح ، أبو الصلت الهروي الرجل الصالح إلا انه شيعي جلد ت5051 أخرج له ابن ماجة ووثقه يحي.وقال العقيلي رافضي خبيث ، ونقل عنه أنه قال : كلب للعلوية خير من بني أمية. وقد ذكره احمد بن يسار في تاريخ مرو فقال: قدم مرو غازيا ،فلما رآه المأمون وسمع كلامه جعله من خاصته ، ولم يزل عنده مكرما إلى أن أظهر المأمون كلام جهم ،فجمع بينه وبين المريسي ، وسأله أن يكلمه ، وكان أبو الصلت يرد على المرجئة والجهمية والقدرية ، فكلم بشرا غير مرة بحضرة المأمون مع غيره من أهل الكلام، ففي كل ذلك كان الظفر له ، كان يعرف بالتشيع ، فناظرته لاستخرج ما عنده فلم يفرط ، رأيته يقدم أبا بكر وعمر ولا يذكر الصحابة إلا بالجميل، وقال هذا مذهبي الذي أدين الله به.قال ابن يسار: إلا أن ثم أحاديث يرويها في المثالب.(117).

رجل في مثل أبي الصلت الهروي ومكانته العلمية حيث كان يناظر أهل البدع من الجهمية والقدرية والمرجئة فيفحمهم يهدم أقوالهم ، يعاب عليه ويتهم ولا تقبل روايته ، وقد أخفى الذهبي أن أبا الصلت كان خادم الإمام الرضا عليه السلام ، وقد سجنه المأمون بعد وفاة الإمام عليه السلام فمكث بالسجن مدة ولم يخلصه منه غير أبي جعفر محمد الجواد بن علي الرصا عليهما السلام ، فرجع إلى بلدته.أما تقديمه لأبي بكر وعمر فيحمل على التقية ، لأنه لا يمكن أن يقدم شيعي على أئمة أهل البيت عليهم السلام أحد من الصحابة، لأن الهداة من آل محمد غير الصحابة. أما قوله كلبة علوية خير من بني أمية فذلك أقل ما يستحق الأمويون ، ولو كنت مكانه لقلت عذرة لكلبة علوية خير أصحاب السقيفة الذين اركبوا على الأمة فساق بني أمية.
محمد بن ميمون أبو حمزة المروزي ت8245 قال الذهبي كان قد ذهب بصره في آخر عمره فمن كتب عنه قبل ذلك فحديثه جيد.(118)

قد يكون اختلاط العقل وذهابه في العادة مانعا من الأخذ عن الراوي ، غير أن الذهبي أتحفنا بمانع آخر،ليس له تفسير إلا أن يكون الرجل أبكما أصما يتكلم قبل أن يعمى بعينيه، فتأمل.
يحي بن عبد الحميد الحماني الكوفي الحافظ وثقه يحي بن معين وغيره ، قال ابن عدي لم أر في مسنده وأحاديثه مناكير ، وأرجو أنه لا بأس به.
قال الذهبي: إلا انه شيعي بغيض. قال ابن زياد: سمعت يحي الحماني يقول: كان معاوية على غير ملة الإسلام.قال زياد كذب عدو الله.(119)

الفضل بن عميرة ت6739 القيسي أخرج له الستة وذكره ابن حبان في الثقات ، غير أن الذهبي اعترض على ذلك قائلا: بل هو منكر الحديث، وساق له رواية عن علي (عليه السلام ) قال : بينا النبي (ص) آخذ بيدي فمررنا بحديقة ، فقلت ما أحسنها ، قال: لك في الجنة أحسن منها ، حتى مررنا بسبع حدائق ، ويقول كذلك ، حتى إذا خلا الطريق اعتنقني وأجهش باكيا، فقلت : ما يبكيك؟ فقال : إحن في صدور قوم لا يبدونها لك إلا من بعدي.قلت: في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك.رواه النسائي في مسند علي من طريق حرمي والبغوي عن القواريري عن حرمي.(120)
رغم أن عددا معتبرا من الحفاظ أخرج للفضل بن عميرة ، إلا أنه لم يسلم من تجريح الذهبي بسبب الرواية التي ساقها عن علي عليه السلام ، والتي تتطرق إلى مظلمة علي وأهل بيته عليهم السلام، وفي ذلك ما فيه من طعن وتعريض بمن تسبب في ذلك وهم عدد من الصحابة اصلح عليهم الخليفة الثاني عند قوله لابن عباس :" لقد كرهت قريش أن تكون فيكم النبوة والخلافة."

فاعتراف الذهبي بصحة الحديث مدعاة إلى اتهام أولئك الصحابة بالحيف والظلم ، وهو الذي يدفع مقالة عدالتهم ، وينفي مسألة رضى الله تعالى عنهم أجمعين، ويلقي بتساؤلات عديدة ، عن الذي أسس لتلك المقالة حتى إنبنت عليها عقلية لا تتقرب إلى الله تعالى إلا بهم دون سواهم .
جاء في ترجمة محمد بن إسحاق بن يسار ت7197 أبو بكر المخزومي اخرج له مسلم والأربعة قال عبد الرحمان بن مهدي : كان يحي بن سعيد الأنصاري ومالك يجرحان ابن إسحاق ، وقال آدم : حدثنا بن إدريس قال : كنت عند مالك فقيل له إن ابن إسحاق يقول : اعرضوا علي علم مالك فأنا بيطاره. فقال مالك: انظروا إلى دجال من الدجاجلة. (121)
لقد درج هؤلاء العلماء على رد الفعل العنيف في كل مناسبة بل فيهم من كان يستحل دم غيره وان خالفه في الرأي ، ويحرض على القتل

التكذيب السخيف لاستنقاص أحقية الإمام علي عليه السلام
جاء في ترجمة إبراهيم بن عثمان أبو شيبة العبسي الكوفي ت145 ، أخرج له الترمذي وغيره، كذبه شعبة لكونه روى عن الحكم عن ابن أبي ليلى انه قال : شهد صفين من أهل بدر سبعون ،فقال شعبة كذب والله ما ذاكرت الحكم فما وجدنا شهد صفين أحد من أهل بدر غير خزيمة. قال الذهبي سبحان الله ، أما شهدها علي ،أما شهدها عمار.(122 )
عجيب أن يصل الجهل بمن ينتسب إلى العلم إلى هذه الحال ، وفي ما عليه عقلاء الناس أن المراء والتعنت ليستا من صفات العلماء ، مضافا إليهما سيئة أخرى هي اتهام الناس بالكذب ، دون تحقيق. على كل حال لقد أزرى الرجل بنفسه، وأوقعها في هوة سحيقة لا قرار لها ، لأن من شهد صفين من أهل بدر وكانوا كلهم مع علي عليه السلام دون استثناء واحد قد عدوا مائة وليس سبعين بدريا (123)

أما أسماء الذين قتلوا من الصحابة مع علي عليه السلام في صفين فهم 24 صحابيا نذكر منهم، أبو الهيثم مالك بن التيهان- أبو عمرة الأنصاري وأبو فضالة الأنصاري وبريد الأسلمي وعبد الله وعبد الرحمان ومحمد أبناء بديل الخزاعي وأبو ليلى الأنصاري وهاشم المرقال وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم جميعا. فلماذا لا يكذب المكذب ، أو ترد شهادته باعتباره افترى على الله كذبا؟
هذا التجاهل والتصغير والاستنقاص يدفعنا إلى الحديث عن أول من صنف في علم الرجال من أتباع أهل البيت عليهم السلام لعلاقته بهذه النقطة المهمة ، فنقول إن أول من ألف في هذا المجال هو عبد الله بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين عليه السلام ، وواحد من خاصته ، شهد معه حروبه ، وأبلى البلاء الحسن فيها ، صنف عدة كتب في تراجم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله الذين شهدوا مع الإمام علي عليه السلام حروبه (الجمل صفين النهروان) منها كتاب تسمية من شهد مع أمير المؤمنين ..." ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست ، وقد روى النجاشي في هذا المجال وفي ترجمة أبان بن تغلب ، بإسناده إلى عبد الرحمان بن الحجاج ، قال كنا في مجلس أبان بن تغلب ، فجاءه شاب قال : يا أبا سعيد -كنية أبان- أخبرني كم شهد مع علي بن أبي طالب عليه السلام من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ؟ فقال أبان له : كأنك تريد أن تعرف فضل علي ممن تبعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال الرجل : هو ذاك ، فقال: والله ما عرفنا فضلهم إلا بإتباعهم إياه (124)

وللصحابة نصيب من الإسقاط
لم يخرج معظم رواة الشيعة عند الذهبي وأصحابه من باب التجريح إلى باب التعديل مطلقا ، فلم يقع استثناء إلا قلة قليلة منهم ، حتى لم تشفع صحبة البعض، وتواجدهم على عهد النبي صلى الله عليه وآله ، فلم يسلموا من الإسقاط، على غير الامتياز الذي حظيت به طبقة الصحابة ، والتي تلتها من كبار التابعين، يكفي أن يظهر من أحد من هؤلاء حب حقيقي لعلي عليه السلام وأهل بيته ، أو يتحدث عن فضيلة من فضائلهم لا تروق لهم ، أو يكون الرجل ممن يطاردهم الظالمون ، فيكال له التكذيب ويتهم بالزيغ والضلال، وفي هذا الإطار أستعرض للقارئ الكريم ثلاث عينات، تبين بوضوح تهافت علماء الجرح والتعديل على إسقاط رجال الشيعة، والتقليل من القيمة العلمية والفكرية التي يمتلكونها، والتي ألجأت من كان على غير خطهم إلى أخذ العلوم عنهم :
حبة بن جوين العرني الكوفي عن علي من غلاة الشيعة وهو الذي حدث أن عليا كان معه بصفين ثمانون بدريا ،وهذا محال، قال الجوزجاني ويحي بن معين : غير ثقة ، وقال النسائي ليس بالقوي ، غير أن احمد بن عبد الله العجلي قال :تابعي ثقة. وروى يحي بن سلمة بن كهيل عن أبيه قال : ما رأيت حبة العرني قط إلا يقول : سبحان الله والحمد لله ، إلا أن يكون يصلى أو يحدثنا.وقال ابن عدي : ما رأيت له منكرا قد جاوز الحد.وقد ذكر الذهبي انه توفي سنة 76 هجرية.ت1688 (125)
عده الشيخ الأميني من الصحابة الذين رووا حديث الغدير، وسماه هكذا : حبه العرني أبو قدامة البجلي توفي سنة 76 هجرية (126)
رشيد الهجري عن أبيه قال الجوزجاني : كذاب غير ثقة، وقال ابن حبان : رشيد الهجري كوفي كان يؤمن بالرجعة، قال البخاري يتكلمون فيه، وقال ابن معين: قد رأى الشعبي رشيد الهجري ، وحبة العرني ، واصبغ بن نباتة ، ليس يساوي هؤلاء شيئا.

ثم نقل الذهبي جملة من المفتريات على الرجل تواطأ فيها مع عدد من الرواة ، من قبيل دس السم في الطعام، أختصر منها على الرواية الأخيرة : قال ابن حبان قال الشعبي : دخلت عليه، فقال : خرجت حاجا، فقلت لأعهدن بأمير المؤمنين. فأتيت بيت علي، فقلت لإنسان: استأذن لي على أمير المؤمنين. قال: أوليس قد مات؟ قلت قد مات فيكم، والله انه ليتنفس الآن نفس الحي. قال: أما إذ عرفت سر آل محمد فادخل. فدخلت على أمير المؤمنين ، وأنبأني بأشياء تكون.فقال له الشعبي : إن كنت كاذبا فلعنك الله. وبلغ الخبر زيادا فبعث إلى رشيد الهجري فقطع لسانه وصلبه على دار عمرو بن حريث. .ت2784 (127)
وبعودتنا إلى ترجمة الشعبي ، الذي هو عامر بن شرحبيل الكوفي أبو عمرو من كبار التابعين كان فقيها وشاعرا روى عن 150 صحابيا، نقف فيها على السبب الذي دعا الشعبي إلى تكذيب الأفاضل الثلاثة المذكورين آنفا ، فقد أخرج ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم حيث ذكر مقالة إبراهيم النخعي الصريحة في تكذيب الشعبي ، فقال: وأظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمداني حدثني الحارث وكان أحد الكذابين. قال ابن عبد البر: ولم يبن من الحارث كذب، وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي وتفضيله على غيره، قال ومن هاهنا كذبه الشعبي، لأن الشعبي يذهب إلى تفضيل أبي بكر، إلى أنه أول من اسلم وتفضيل عمر.
وقد صرح الشعبي نفسه كما ذكر ذلك أبو جعفر الطبري: كان الحرث الأعور من مقدمي أصحاب علي (ع) في الفقه والعلم بالفرائض والحساب. عن مجالد عن الشعبي قال: تعلمت من الحرث الأعور الفرائض والحساب وكان أحسب الناس..ومن أخبار الشعبي قال: كنت عند عبد الملك بن مروان بقصر الكوفة حين جيئ برأس مصعب بن الزبير فوضع بين يديه، فرآني قد ارتعدت ، فقال لي مالك؟ فقلت : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ، كنت بهذا القصر ، بهذا الموضع مع عبيد الله بن زياد ، فرأيت رأس الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) بين يديه في هذا المكان ، ثم كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد الثقفي ، فرأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يديه، ثم كنت فيه مع مصعب بن الزبير هذا فرأيت رأس المختار بين يديه ، ثم هذا رأس مصعب بن الزبير بين يديك ، قال فقام عبد الملك من موضعه ، وأمر بهدم ذلك الطاق الذي كنا فيه.(128)

وإذا كان الشعبي من المترددين على دور الظلمة ، والمسترزقين من أعطياتهم ،وقد جاء في هذا الخصوص عن النبي صلى الله عليه وآله :" إذا رأيتم العلماء على أبواب السلاطين فاتهموهم". وقد كان قاضيا على الكوفة، يحكم بما يمليه عليه رؤساءه وحكامه من بني أمية، وعدادا لرؤوس اختلفت أهدافها (فالحسين عليه السلام سيد شباب أهل الجنة الإمام المفترض الطاعة ، ثار طلبا للإصلاح في أمة جده،وابن زياد لعنه الله من الفسقة المفسدين في الأرض، وعون من أعوان الشياطين والظلمة، والمختار الثقفي رضي الله تعالى عنه ما خرج وقارع بني أمية إلا طلبا للثأر من قتلة الإمام الحسين عليه السلام، ومصعب بن الزبير هذا قد ورث العداء لأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من بني الزبير بن العوام المحاربين لعلي عليه السلام وأهل بيته، وقد ظفر به المروانيون ،و كان يريد إحياء مطمح قديم في تنسم الزبيريين للحكم فما أفلح )

وفوق ما كان يعتقده - وهو حر في ذلك- يفتري على أجلة تابعي أهل البيت عليهم السلام بالقذف بالباطل ، والكذب الذي لا يقصد به غير تنفير الناس منهم،خدمة لأهداف الظالمين لآل محمد، والمبتزين حقوقهم في قيادة الأمة الإسلامية،.وقد جاءت فضيحة أمره من أتباع خطه، الذين لم يرق لبعضهم أن يتجنى الشعبي على من أحسنوا إليه فعلموه الفرائض والحساب وانتشلوه من الجهالة، فيكافئهم بذلك الشكل.

أما الذي صح من سيرة رشيد الهجري، وثبت بما يدحض افتراء المفترين وكذب سماسرة الدين بالدنيا فهو كالآتي:
كان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام الواعين الراسخين‏ ، وعُدَّ من أصحاب الإمام الحسن‏ والإمام الحسين عليهما السلام أيضاً .كان أمير المؤمنين يعظِّمه ويُسمِّيه : رشيد البَلايا واخترقت نظرته الثاقبة النافذة ما وراء عالم الشهادة ، فعُرف بعالِم البلايا والمنايا .ترجم عظمة الصبر ، ودلَّ على صلابته في محبَّته لأمير المؤمنين عليه السلام .وفي الأمالي للطوسي : عن بنت رُشيد الهَجَري عن رُشيد الهجَرَي قال لي حبيبي أمير المؤمنين عليه السلام : يا رُشيد ، كيف صَبرك إذا أرسل إليك دعيُّ بني أميَّة ، فقطع يديك ورجليك ولسانك ؟فقلت : يا أمير المؤمنين ، أيكون آخر ذلك إلى الجنَّة ؟قال عليه السلام: نعم يا رُشيد، وأنت معي في الدنيا والآخرة.
قالت ابنة رشيد : فوَ الله ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه الدعي بن زياد ، فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام ، فأبى أن يتبرّأ منه .فقال له ابن زياد : فبأي مِيتة قال لك صاحبك تموت ؟قال رضوان الله عليه : أخبرني خليلي عليه السلام أنَّك تدعوني إلى البراءة منه فلا أتبرّأ ، فتقدِّمني ، فتقطِّع يدي ورجلي ولساني .فقال : والله لأكذِّبنَّ صاحبك ، قدِّموه فاقطعوا يده ورجله واتركوا لسانه ، فقطعوه ثمَّ حملوه إلى منزلنا .فقلت له: يا أبه جُعلت فداك، هل‏ تجد لما أصابك ألماً ؟قال رضوان الله عليه: والله لا يا بُنيَّة، إلاَّ كالزحام بين الناس.ثم دخل عليه جيرانه ومعارفه يتوجعون له ، فقال رضوان الله عليه : إيتوني بصحيفة ودواة أذكر لكم ما يكون ممَّا أعلمنيه مولاي أمير المؤمنين عليه السلام .فأتوه بصحيفة ودواة ، فجعل يذكر ويُملي عليهم أخبار الملاحم والكائنات ، ويسندها إلى أمير المؤمنين عليه السلام .فبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إليه الحجَّام حتى قطع لسانه ، فمات من ليلته تلك رضوان الله عليه.وكانت شهادته في الكوفة في إمارة زياد بن أبيه أيام خلافة معاوية ، بعد سنة 45 هـ ، ودُفن رضوان الله عليه في باب النخيلة في الكوفة .

ويتضح جليا وبصورة ملفتة تحامل هؤلاء القوم على صاحب من خلص أصحاب علي عليه السلام ، جليل القدر عظيم المكانة عنده ، مثل رشيد وقد يكون الرجل من الذين شهدوا النبي صلى الله عليه وآله ، وكانوا من الصحابة بالفعل لكن أيدي التحريف شاءت أن تطوى صحيفته طيا غير عادل ، فيصرف عن واجهة التاريخ السلطوي لأنه ثائر على بصيرة من أمره، وسلام عليه ويوم ولد على ولاية علي عليه السلام ويوم قتل عليها ويوم يبعثه الله تعالى عليها ليجازيه أوفى الجزاء ، ونسأله تعالى أن يجعلنا من شفعائه.
أصبغ بن نباتة الحنظلي المشاجعي الكوفي عن عمار وعلي وعنه ثابت البناني والاجلح الكندي وفطر بن خليفة وطائفة، أخرج له ابن ماجة ، قال أبو بكر بن عياش:كذاب وقال ابن معين ليس بثقة ، وقال النسائي وابن حبان : متروك وقال ابن عدي بين الضعف وقال العقيلي : كان يقول بالرجعة، وقال ابن حبا فتن بحب علي فأتى بالطامات فلأجلها ترك، منها عن النبي (ص) انه أمرنا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. قلت يا رسول الله مع من ؟ قال : مع علي بن أبي طالب.)(129)
الاصبغ بن بناتة صاحب علي أخرج بن ماجة حديثه عنه وروى بن عساكر ما يدل على أن له إدراكا فإنه أخرج في ترجمة عبدا لرحيم بن محرز الفزاري من طريق هشام بن الكلبي عن أبي يعلى واسمه سويد السجستاني عن مرة بن عمر عن الاصبغ بن نباتة قال إنا لجلوس ذات يوم عند علي في خلافة أبي بكر إذ أقبل رجل من حضرموت فذكر قصة طويلة سيأتي ذكرها في ترجمة مدرك بن زياد إن شاء الله تعالى.(130)

أما روايته التي ردت والتي فيها نبوءة للنبي صلى الله عليه وآله لعلي بقتال ثلاث فرق خرجت عليه فقد تعددت مصادر هذه الرواية ، ولا يهمنا هنا إلا القول بأن الناكثين هم جماعة جمل عائشة ، والناكثون لبيعة الإمام عليه السلام طلحة والزبير، وأما القاسطون فهم أصحاب معاوية الجاحدون لحق علي عليه السلام في الإمامة بالبيعة العامة فوق ما يمتلكه من نصوص ، وأما المارقون فهم الذين ألجئوا عليا عليه السلام على قبول التحكيم ثم مرقوا من شيعته ليكفروه بعد ذلك.
وأصبغ لم تعجب رواياته حكام عصره ومن تبعهم على رأيهم ، فجرحوه لإسقاطها وهي التي تخالف مذاهبهم ، فقد نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله : والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنما قط . فقيل : فما كانوا يعبدون؟ قال عيه السلام : كانوا يعبدون -يصلون إلى البيت- على دين إبراهيم عليه السلام متمسكين به.(131)
هذه الرواية تنسجم تماما مع المدلول القرآني والاعتقاد السليم بان آباء النبي صلى الله عليه وآله كلهم مؤمنون مصداقا لقوله تعالى :" ذرية بعضها من بعض." وقوله أيضا:" وتقلبك في الساجدين." والذين لا يتفقان مع ما شحنوا به كتبهم التي دعوها صحاحا بأن آباءه عليهم السلام ماتوا كفارا، إمعانا في إذاية خير الكائنات والادعاء عليه ظلما وعدوانا ، بدعاوى يستاء منها كل مؤمن صادق ، ويرفضها كل عاقل مميز.

المدلسون
التدليس عادة سيئة دأب عليها عدد كبير من الرواة ليوهموا مستمعيهم أنهم سمعوا من المصدر المتصل بهم مباشرة ودون واسطة من كتاب ونحوه، وفي ذلك ما فيه من الكذب لإمرار الحديث ؤ أو الرواية. غير أن هذه التهمة هانت عند الذهبي وغيره من الحفاظ ، حتى لم يعد لها أثر ولا وزن في نقل الرواية وقبول الراوي. فدخل كثير من المفتريات والموضوعات من هذا الباب، تسامحا منهم في النقل.
والتدليس نوعان:
الأول: أن يروي المحدث رواية عمن لقيه ولم يسمع منه ن أو من عاصره ولم يلقه، موهما أنه سمعه منه، وقد ذم جماعة من العلماء هنا النوع من التدليس قال شعبة:"لأن أزنى أحب إلي من أن أدلس."وقال الشافعي التدليس أخو الكذب."(132)
ومن الحفاظ من جرح من عرف بالتدليس فرد رواياته مطلقا.
الثاني: أن يذكر الراوي اسم الشيخ أو كنيته على خلاف المشهور به، لكونه غير ثقة، تعمية لأمره وتعسيرا للوقوف على حقيقة حاله لكي لا ترد روايته.
والذي عليه حال كتب الحديث عن العامة كالذين يسمونهم بالصحاح ونحوها، يدفعنا إلى القول بأنه قلما تجد حافظا من هؤلاء قد ترك التدليس والمدلسين، رغم خطرة جنايتهم في أسانيد الروايات.
وحتى لا أطيل في هذا المقام أعرض فقط لعدد من النماذج لتكون عينات إثبات.
لاحق بن حميد ت 4939 من ثقات التابعين ا لا أنه كان يدلس.(133 )
الحسن بن يسار البصري ، كان قدريا كثير التدليس (134)

حجاج بن أرطاة الفقيه ت1726، اخرج له مسلم والأربعة، قال ابن معين يدلس وبذلك قال احمد واقر الذهبي بقوله عيب عليه التدليس.وقال الأصمعي أول من إرتشى، قال النسائي - ذكر المدلسين : الحجاج بن أرطاة، والحسن (البصري) وقتادة وحميد ، ويونس بن عبيد ، وسليمان التيمي ، ويحي بن أبي كثير، وأبو إسحاق، والحكم ، وإسماعيل بن أبي خالد ، ومغيرة، وأبو الزبير، وابن أبي نجيح، وابن جريج ، وسعيد بن أبي عروبة، وهشيم ، وابن عيينة، وأضاف الذهبي : والأعمش والوليد بن مسلم ، وبقية ، وآخرون .(135)
قتادة بن دعامة السدوسي ت6864 حافظ ثقة ثبت لكنه مدلس ورمي بالقدر ، ومع هذا احتج به أصحاب الصحاح (136)
سفيان بن عيينة الهلالي ت3327 قال الذهبي : أحد الثقات الأعلام ،أجمعت الأمة على الاحتجاج به وكان يدلس ، لكن المعهود منه أنه لا يدلس إلا عن ثقة.وقال أحمد كنت أنا وابن المديني ، فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري فقال علي : سفيان بن عيينة ، وقلت أنا : مالك، فإن مالكا أقل خطأ وابن عيينة يخطئ في نحو من عشرين حديثا عن الزهري ، ثم ذكرت ثمانية عشرة منها، وقلت : هات ما أخطأ فيه مالك ، فجاء بحديثين أو ثلاثة ، فرجعت فإذا ما أخطأ فيه سفيان بن عيينة أكثر من عشرين حديثا.(137)
سفيان بن سعيد ت3322 متفق عليه مع انه كان يدلس عن الضعفاء ولا عبرة لقول من قال : يدلس ويكتب عن الوضاعين(138) أخرج له أصحاب الصحاح.
هشيم بن بشير السلمي ، ت9250 أبو معاوبة الواسطي الحافظ أحد الأعلام ، كان مدلسا.
قال الجوزجاني : هشيم ما شئت من رجل ، غير أنه كان يروي عن قوم لم يلقهم . وقد جرت عادة الجوزجاني أن لا يعرض أصحاب مذهبه بسوء، تماما عكس تعرضه لفضلاء الشيعة وعلمائهم.

عن ابن المبارك قال : قلت لهشيم لم تدلس وأنت كثير الحديث ؟ فقال : إن كبيريك قد دلسا: الأعمش وسفيان.(139)
زكرياء بن أبي زائدة ت2875 صاحب الشعبي، قال أبو زرعة : صويلح يدلس كثيرا عن الشعبي، وقال أبو حاتم وأبو داود :لين الحديث يدلس.(140)
سالم بن أبي الجعد ت3045 أخرج له الستة قال الذهبي : من ثقات التابعين لكنه يدلس ويرسل. وقال أحمد : لم يسمع من ثوبان ولم يلقه.(141 )
عبد الله بن زيد أبو قلابة الجري ت 4334 أخرج له الستة وغيرهم إمام شهير من علماء التابعين ، إلا أنه يدلس عمن لحقهم ، وعمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها ويدلس (142)

الولاء للظالمين
ما فتئ خط الخلافة معلنا ولاءه للظالمين مذ تأسست أركانه ، وانتشرت آراءه على أيديهم، لذلك أسدى علماؤه المعروف بمثله فسكتوا على الظلم وأهله ، بل لقد زكوهم ورفعوا من مقامهم المهجور.
ذكر الذهبي عدد من هؤلاء منهم:
إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم ت843 أبو بشر الأسدي ابن علية ، كان يشرب النبيذ حتى يحمل على الحمار ، يحتاج من يرده إلى منزله ، فقال وكيع إذا رأيت البصري يشرب فاتهمه..
كان ابن المبارك يتجر فيصل ابن علية ، فقدم سنة فقيل له : قد ولي ابن علية القضاء ، فلم يأته ولم يصله ، فركب ابن علية إليه فلم يرفع له ابن المبارك رأسا فانصرف ، فلما كان من غد كتب إليه رقعة يقول: قد كنت منتظرا لبرك وجئتك فلم تكلمني ، فماذا رأيت مني؟ فقال ابن المبارك : يأبى هذا الرجل إلا أن نقشر له العصا، ثم كتب إليه:

يــــا جاعل العلم له بازيا ***** يـــصطاد أموال المساكين
احــــــتلت للدنيا ولذاتها ***** بـــــــــحيلة تذهب بالدين
فــــــصرت مجنونا بعدما ***** كـــــــنت دواء للمجـــانين
أين رواياتك في ســردها ***** لـــــــترك أبـواب السلاطين
أين رواياتك فيما مــضى ***** عن ابن عون وابن سيرين
إن قلت أكرهت فذا باطل ***** زل حمــار العلم في الطين

وفي الرواية انه قد اعتذر للرشيد عن الوظيفة ، وقبول اعتذاره ، ومعاودة صلة ابن المبارك له ، ولعل صلة ابن المبارك كانت أكبر من صلة الرشيد.
وقد أدخل على محمد الأمين بن هارون ، فلما رآه زحف وجعل يقول : يابن كذا وكذا ، تتكلم في القرآن ، وجعل إسماعيل يقول: جعلني الله فداك زلة من عالم.، وكان ابن علية يقول : القرآن كلام الله غير مخلوق. (143)
عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان ، أبو صفوان الأموي المرواني الدمشقي ، قتل أبوه في زوال دولتهم ، ففرت بهذا أمه إلى مكة ، روى عنه الشافعي واحمد والبخاري وسلم والترمذي وأبو دود ، ووثقه ابن معين وغيره ، يقال أيضا: وقد ذكرت في المغني أن ابن معين ضعفه ، ولا ادري الساعة من أين نقلته فيكون فيه قولان.(144)
هشام بن عروة ت9233

أهوى هشام بن عروة إلى يد المنصور يقبلها فمنعه ، وقال يابن عروة إنا نكرمك عنها ونكرمها عن غيرك.(145)
عقيل بن خالد الايلي ت5706 أخرج له الستة ، قال أبو حاتم : لم يكن بالحافظ، وقال أبو الوليد قال لي الماجشون: كان عقيل جلوازا(شرطيا) وقيل كان والي ايلة.(146)
صالح جزرة جاء في ترجمة عبد الله بن عمر بن أبان القرشي الكوفي ت4473 ،وقد اخرج له مسلم وأبو داود والبغوي وغيرهم، سمعت صالح جزرة يقول:كان عبد الله بن عمر بن أبان يمتحن أصحاب الحديث وكان غاليا في التشيع ، فقال لي : من حفر زمزم؟ قلت معاوية. فصاح في وقام. (147)
وعليه نجزم القول بان رائحة الولاء للظالمين بدت فائحة من ردود هؤلاء وتهجماتهم على الأبرياء ، وقذفهم بشتى أنواع السباب والضرب، استضعافا لهم لأنهم من أولياء الحكام ومقربي بلاطاتهم ، إلى أن أصبح التسنن علامة من قدم معاوية في زمن بني أمية ، لأنه شعار تلك المرحلة التي أسس فيها لفضائل الخلفاء الثلاثة الأوئل.

المحاباة والمدارة
جاء في ترجمة هشام بن عروة :إن الرجل تناقص حفظه في الكبر ، بل لعل مقالة القطان فيه كانت أقرب للصحة حيث قال : انه قد اختلط (أي ذهب عقله) وقد تراجع الذهبي دون شعور منه فقال: نعم الرجل تغير قليلا ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة فنسي بعض محفوظة أو وهم فكان ماذا ، أهو معصوم من النسيان؟(148)
عكرمة مولى ابن عباس ت5716 قال فيه الذهبي تكلم فيه لرأيه لا لحفظه فاتهم برأي الخوارج( وحتى لا تمر كلمات الذهبي دون إماطة لثام عنها لأنه إما غير مدرك لما قاله أو يريد التمويه على داعية أفنى عمره التعيس في محاربة أهل بيت المصطفى بكل ما أوتي من افتراء وبهتان، فهو الذي كان يقف في الأسواق مناديا ليس إلى الذي تذهبون إنما نزلت آية التطهير في نساء النبي (ص) ، لأن الرأي السائد وقتها أن آية التطهير نازلة في أصحاب الكساء الخمسة والذين أخرجهم النبي كما في رواية عائشة وجللهم بالمرط المرحل من الشعر الأسود، ليرى المسلمون وقتها أن الآية لا تتعدى هؤلاء الأطهار، وكذلك روت أم سلمة نزولها في بيتها ، وإدخال النبي لخاصته الأربعة تحت الكساء الخيبري ، واستبعاد أم سلمة دليل على خصوصية أريد بها إظهار مقام هؤلاء عند الله تعالى وعند رسوله، مضافا إلى قصة مباهلة وفد نصارى نجران ونزول الآية : " فمن حاجك فيه من بعد ما تبين لك العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين." وإخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهؤلاء خاصة دليل آخر على خصوصية غير متوفرة في نساء النبي (ص) .
إنما كان دافع عكرمة ومن ورائه الخوارج هو محاولة صرف الناس عن معتقدهم في أهل البيت عليهم السلام الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، إلى ما يعتقده الخوارج من أن الإمام علي عليه السلام مخطئ باستجابته للتحكيم ، وهم من ألجأه إلى ذلك بعد ما رفضوا مواصلة الحرب لمجرد رؤيتهم المصاحف ترفع على الرماح وسماعهم نداءات أهل الشام تنفيذا لحيلة عمرو بن العاص ، " نحنكم إلى كتاب الله".

فرأي الخوارج في أهل البيت عليهم السلام يمثل تحريفا لشعيرة من شعائر الإسلام ، وفضيلة يراد سلبها من أهل البيت عليهم السلام لتيسهل مهمة الواقفين ضدهم، وكذبا صريحا ، وتحريفا مفضوحا لقيمة ثابتة من قيم الإسلام الكبرى. فأين ما رآه الذهبي مما أراده عكرمة وأتباعه.
هذا الرجل اعتمده حفاظ الحديث عند العامة ولم يحترزوا منه ، رغم النصوص الواردة عندهم في تكفير الخوارج.
عن عبد الله بن الحارث قال دخلت على علي بن عبد الله ، فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش ، فقلت له ألا تتق الله ؟ فقال : إن هذا الخبيث يكذب على أبي ."
وكان عكرمة يأتي الأمراء فيطلب جوائزهم.( 149)
وعلى ذلك نقول أن الرجل كان يتقرب إلى الأمراء بشطحاته وتحريفاته لينال جوائزهم.

التأويل الغريب
في ترجمة عثمان ابن أبي شيبة ت5518 قال الذهبي بخصوصه أحد أئمة الحديث العلام كأخيه أبي بكر ، وساق له رواية أنهى سندها إلى جابر بن عبد الله : كان النبي (ص) يشهد مع المشركين مشاهدهم... الحديث وفيه فقال الملك:كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام قبل.
ولكي لا يتهم الرجل بالوضع، مضى الذهبي في تأويل الرواية بعيدا فقال:يعني أنه حديث عهد برؤية استلام الأصنام، لا أنه المستلم حاشا وكلا. (150)
ولعل بتر الرواية طرف الذهبي كان قاصدا بها دفع العلة التي إن ذكرها لم تقم لمعذرته قائمة ، وهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقف للصلاة وجاء احد الملكين على ما في الرواية ليصلي خلفه بصلاته فنهاه الثاني عن ذلك، وقال له المقالة التي في آخر الرواية. ولو كان قصد الملك كما أراد تمريره الذهبي لما كان هناك مبرر يدعوه إلى منع صاحبه من الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وآله.
ولقد تعددت هذه المفتريات على النبي بحيث بلغت من الكثرة ما جعلها تطفوا على صفحات جل الكتب المعتمدة عند خط السقيفة والخلافة، لتفوح منها رائحة الوضع الكريهة، وتظهر بذلك علامات على خط الوضع الحقيقي.

تحريف القرآن الذي لا غضاضة فيه عندهم
أخرج الذهبي في نفس ترجمة عثمان بن أبي شيبة ت5518 قال احمد بن كامل : حدثنا الحسن بن الحباب أن عثمان بن أبي شيبة قرأ عليهم في تفسير ألم تر كيف فعل ربك - قالها ألف لام ميم.
وينبري الذهبي كعادته مدافعا عن نظرائه: قلت لعله سبق لسان، وإلا فقطعا كان يحفظ سورة الفيل، وهذا تفسيره قد حمله الناس عنه.
وقال الخطيب في جامعه : لم يحك عن احد من المحدثين من التصحيف في القرآن الكريم أكثر مما حكي عن عثمان بن أبي شيبة ، ثم ساق بسنده عن إسماعيل بن محمد التستري ، سمعت عثمان بن أبي شيبة يقرا: فان لم يصبها وابل فظل.
وقرأ مرة : الخوارج مكلبين. وقال احمد بن كامل القاضي : حدثنا أبو شيخ الأصبهاني محمد بن الحسن قال : قرأ علينا عثمان : بطشتم خبازين.
وقال بن مطين : قرأ عثمان بن أبي شيبة : فضرب لهم سنور له ناب . فردوا عليه فقال: قراءة حمزة عندنا بدعة. وفي أخرى قرأ علينا فقال: جعل السفينة في رجل أخيه، فقيل: إنما هو السقاية. فقال أنا وأخي لا نقرا لعاصم.
وعلل الذهبي كل ذالك بقوله: فكأنه صاحب دعابة، ولعله تاب وأناب.(151)
ونحن نقول للذهبي ومن كان على شاكلته، عن الدعابة لا تكون بكلام الله تعالى.قال تعالى: " وقد نزلنا عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث عيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا."(152)
والذين يخوضون في كلام الله تعالى بذلك الشكل المحرف إما أن يكونوا منافقين أو كفارا ، ولا توجد صفة أخرى يمكن أن تلصق بهم ، فيوصفون بها ، ولو صدرت هذه التحريفات الخطيرة عن شيعي لقامت الدنيا من اجل ذلك وما قعدت.
أما لعله تاب وأناب كما يتعلل الذهبي ، فذلك قول لا دليل عليه وحقيقة لا نستطيع أن نجزم بها لأننا لا نملك دليلا على ذلك، أما مجرد تعليل بلا علة وترجيح بلا مرجح فهو لا يرقى إلى اليقين لأن الظن لا يغني عن الحق شيئا.
وجاء في ترجمة زيد بن أسلم مولى عمر ت2989 قال الذهبي نتاكد ابن عدي بذكره في الكامل ، فانه ثقة حجة ، فروى عن حماد بن زيد قال : قدمت المدينة وهم يتكلمون في زيد بن أسلم ، فقال لي عبيد الله بن عمر : ما نعلم به بأسا إلا أنه يفسر القرآن برأيه (153)
ومن قال في القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ، وهل ذلك إلا البأس الشديد، والانحراف الواضح عن المنهج الرشيد في اعتماد تفسير القرآن بالسنة القطعية الصدور.

إلتماس الأعذار لأهل الدار
عندما يصل الطعن والتضعيف لرمز من رموزهم ينبري الذهبي مدافعا عن صاحبه دفاع المستميت حتى لو كان ذلك على حساب من هو دو نه في المقام والرتبة كما حدث للعقيلي، فذكره في كتاب الضعفاء وقال : جنح إلى ابن أبي داود والجهمية.
وقد رد عليه الذهبي بقوله:أفما لك عقل يا عقيلي ، أتدري فيمن تتكلم ، إنما اتبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ، ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات ، بل وأوثق من كثيرين لم توردهم في كتابك ، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث ، وأنا اشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه ، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له ، وأكمل لرتبته وأدل على اعتنائه بعلم الأثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا إذا تبين غلطه ووهمه في الشيء ، فيعرف ذلك ، فانظر أول شيء إلى أصحاب رسول الله (ص) الكبار والصغار ، ما فيهم أحد إلا انفرد بسنة، فيقال له : هذا حديث لا يتابع عليه ، وكذلك التابعون ، كل واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم ....
علي بن عبد الله بن جعفر أبو الحسن الحافظ ابن المديني ت5874قال عنه الذهبي أحد الأعلام الأثبات وحافظ العصر ، قال تركه إبراهيم الحربي ، ومسلم ، كما امتنع أبو زرعة وأبو حاتم من الرواية عن تلميذه محمد لأجل مسألة اللفظ، وقال أبو حاتم : كان أبو زرعة ترك الرواية عن علي من اجل ما كان منه في المحنة، ووالدي يروي عنه لنزوعه عما كان منه .وقال الأصمعي لابن المديني : والله لتتركن الإسلام وراء ظهرك.وأبو حاتم وأبو زرعة من علماء الجرح والتعديل .
وقال أبو بكر الأثرم قلت لأبي عبد الله : إن ابن المديني حدث عن الوليد ابن مسلم حديث عمر لما تلا : " فاكهة وأبا ."(154) فقال: ما الأب ؟ ثم قال: لعمر الله هذا التكلف ، أيها الناس ما بين لكم فاعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه..

وحاول الذهبي وجماعته تمييع الرواية وتكذيبها من رد المصطلح الأخير ، أي كلوه إلى ربه بان عمر قال : كلوه إلى عالمه. وهو في الحالين سواء ، لان معرفة الأب لا تحتاج إلى عالم ولا توكل إلى الرب الذي يسر القرآن للذكر، وتفسير ذلك في الآية التي تليها , ولا تحتاج إلى عناء بحث في اللغة.
قال الذهبي قد بدت منه هفوة ثم تاب منها، وهذا أبو عبد الله البخاري - وناهيك به - قد شحن صحيحه بحديث علي بن المديني ، وقال: ما استصغرت نفسي بين يدي احد إلا بين يدي علي بن المديني ..

أما الهفوة التي بدت من ابن المديني فهي خوفه من العباسيين ومجاراتهم في القول بخلق القرآن ، أما توبته التي تحدث عنها الذهبي فهي رجوعه عن ذلك المعتقد الصحيح إلى المعتقد الفاسد الذي عليه عقيدة هؤلاء في القرآن، وقد قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة : سمعت علي بن المديني يقول قبل موته بشهرين : من قال القرآن مخلوق فهو كافر.. وفي رواية أخرى : من زعم أن القرآن مخلوق ، أو أن الله لا يرى أو لم يكلم موسى على الحقيقة فهو كافر. (155)
يعتبر علي بن المديني شيخ البخاري ومعلمه ، من الذين يرون أن القرآن قديم ، ناسبا إياه إلى كلامه جل شأنه، ولو التفت جميع من قال بذلك إلى كتاب الله لوجدوا فيه الرد على افترائهم وتقولهم على الله بما لا يجوز، قال تعالى : " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون."
فالقديم والأزلي هو الله تعالى ولا شيء معه ، فكلامه لنا كخلقه لنا يوجده كلما أراد ذلك، وليس على الحقيقة التي يقصدها هؤلاء المساكين من أن الله تعالى له جارحة يتكلم بها، ورجلين ويدين وعينين ووجه إلى ما هو موجود في كتاب الله تعالى من استعارات وكنايات ، يراد منها غاياتها، فاليد يراد بها قوته والعينين رعايته وعنايته، والاستواء الهيمنة والتمكن ...ولم ينج من تلك المحن والفتن غير أتباع أئمة أهل البيت عليهم السلام ، الذين حصنوا أتباعهم من تلك المعتقدات الفاسدة ، وأقاموا لهم عمود الدين عقيدة وشريعة بيضاء صافية نقية ، لا تشوبها شائبة جهل.

التشويه الكاذب
جاء في ترجمة عمرو بن عبد الله ، أبو إسحاق السبيعي ت6393 قول الذهبي من أئمة التابعين بالكوفة وأثباتهم إلا انه شاخ ونسي ولم يختلط ، قال فضيل بن غزوان: كان أبو إسحاق يقرأ القرآن في كل ثلاث ، وقال غيره: كان صواما قواما.ولد في أيام عثمان ، ورأى عليا وأسامة بن زيد ، وفرض له معاوية العطاء ثلاثمائة في الشهر، ويظهر من تشيع الرجل قول المغيرة : ما أفسد حديث أهل الكوفة غير أبي إسحاق والأعمش (156)
لذلك فإن تلفيق فرض معاوية له من للعطاء يعد من التشويهات الماكرة ، شانها في ذلك شأن ما جاء في ترجمة شمر بن ذي الجوشن لعنه الله ، قاتل الإمام الحسين عليه السلام قوله عن السبيعي هذا أخذ عن شمر(157) ، وهو أمر لا يمكن أن يصدقه منصف إذ كيف يجالس مواليا لأهل البيت ، معد من كبار شيعتهم ، قاتل سيد شباب أهل الجنة عليه السلام؟ وهل كان شمر هذا يظهر في الأماكن العامة بعد فعلته الشنيعة، إذ لم تمض أربع سنوات على فاجعة كربلاء حتى انتقم المختار الثقفي من قتلة الحسين جميعا فتتبعهم وأتى على آخرهم، فما وجه إلصاق تهمة كهذه على رجل مثل أبي إسحاق الذي اخرج له أرباب الحديث معترفين بتشيعه ، كما صرح بذلك ابن قتيبة في المعارف والشهرستاني في الملل والنحل.

التعصب الأعمى
كمدخل لبيان ما أورده الذهبي في هذا الخصوص ، رأيت نقل هذه الواقعة كدليل على ما وصل إليه الحكام في تلك العصور ، وتأثير ذلك على مجرى نقل الروايات والأحاديث صحة وحفظا وتداولا:
جاء المتوكل الملقب بمحيي السنة فقرر تغيير سياسة دولته بمناهضة المعتزلة الذين كانوا يرون التفويض واستبدالها بالجبر، فنشأ بسبب ذلك تتبع وتضييق ومعاقبة لكل من يخالف أمر الخليفة ، فقرب الحنابلة ونظرائهم ، وشدد على ما سواهم ، ففي بغداد على سبيل الطرفة ، دوهم منزل المحدث نصر بن علي الجهمي بسبب نقله عن أهل البيت عليهم السلام بسند متصل أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ بيد الحسن والحسين وقال:" من أحبني وأحب هاذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة، وصدرت أوامر بضربه ألف سوط (بمعنى أنه يضرب حتى الموت) فتوسطوا لدى الخليفة المجاهر ببغض أهل البيت عليهم السلام ، والذي كان لا يطيق سماع فضيلة عنهم ، وكان دأبه تقريب أعدائهم
جاء في ترجمة إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر الهذلي القطيعي الحافظ ت844 قول عبيد بن شريك : كان من إدلاله بالسنة يقول : لو تكلمت بغلتي لقالت إنها سنية.(158)
سلام بن أبي مطيع ت3356 البصري، أخرج له الشيخان ، قال الذهبي : له غرائب من خطباء أهل البصرة، قال أبو داود هو القائل: لأن ألقى الله بصحيفة الحجاج أحب إلي من أن ألقاه بصحيفة عمرو بن عبيد(لأنه معتزلي)(159)

وسلام هذا يرى الاعتزال كمذهب اشد عليه من جرائم الحجاج التي لا تحصى ولا تعد ، أو لعله لا يراها من وجهة نظره جرائم خصوصا إذا كان ضحاياه شيعة أهل البيت عليهم السلام خاصة.
أبو بكر بن أبي عياش المقرئ ت10016 ، قال الذهبي أحد الأئمة الأعلام صدوق ثبت في القراءة ، لكنه في الحديث يغلط ويهم ، وقد أخرج له البخاري.
قال الحسن بن عليل العنزي حدثنا محمد بن إسماعيل القرشي ، عن أبي بكر بن عياش ، قال لي الرشيد: كيف استخلف أبو بكر؟ قلت : يا أمير المؤمنين سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون.قال : ما زدتني إلا عمى. قلت: مرض النبي (ص) ثمانية أيام ، فدخل عليه بلال فقال : مروا أبا بكر يصلي بالناس. فصلى بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل ، فسكت رسول الله لسكوت الله وسكت المؤمنون لسكوت رسول الله(ص) فأعجبه ذلك فقال بارك الله فيك.(160)
وهذا اغرب ما سمعت في تبرير الجرائم والتعمية عليها ، لأن الله تعالى لم يسكت عن مسألة متعلقة به وهي الحاكمية وهو الوحيد الذي له الحق أن يضعها مواضعها، وفي القرآن الكريم آيات عديدة تتناول المسألة بشيء من الإجمال مثل قوله تعالى : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم." (161)
وقوله تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون."(162)
وقوله تعالى: " وإذا جاءهم أمر من الخوف أو الأمن أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم."(163)
، ولا سكت رسوله صلى الله عليه وآله عن مسألة خطيرة، تتوقف عليها استمرارية الشريعة بأسرها، وأوكلت مهمة البلاغ والتوضيح والنصب فيها إليه، فبين معاني ومقاصد الآيات في عدد من الأحاديث التي لم تترك للمؤمن ذريعة يتعلل بها على قصر فهم، فقال:" من كنت مولاه فعلي مولاه."
وقال لعلي عليه السلام أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي."(164)
وقال تركت فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي..."(165)
في بيان واضح وإشارة إلى أن الكتاب دستور الأمة والعترة الطاهرة عليهم السلام هم أوعيته ومستحفظوه والحاكمون به، لا يمكن لأحد أن يتجاوزهم فيستغني عن الكتاب وحده ،لأنه لا ينفك عن العترة الطاهرة عليهم السلام ، إذ لا فائدة من كتاب معجز لا تفسير معه يتصل بالوحي.
ولا سكت المؤمنون والمسلمون على ذلك التعدي الصارخ على مقام الإمام علي عليه السلام والذي حيكت خيوطه قبل مؤامرة الصلاة ، عندما حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وآله في منصرفه من غزوة تبوك عند العقبة، لكن الله تعالى كشفهم وسفه أحلامهم .

لقد تأخر علم الجرح والتعديل والمسمى بعلم الرجال عن عصر التدوين كما تأخر عصر التدوين عن عصر الصحابة والتابعين - هذا من المنظور المخالف لأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم - بعدما ضرب على رواية وكتابة الحديث طوق من الإلزام الشديد بالتخلي عنه ومعاقبة مقترفي نشره رواية وكتابة ، وجاء بعد ذلك بنو أمية وحلفاؤهم ليزيدوا الطين بلة، فأشاعوا ظاهرة الكذب على الله ورسوله، بعدما كانت محصورة في فئة من الصحابة ، وقربوا وأجازوا كل من كذب على الله ورسوله ، مقابل التصدي بالمنع بشتى الوسائل لأتباع أئمة أهل البيت عليهم السلام ، والتي وصلت إلى حد التنكيل والقتل والإرهاب، وكان أتباع وأصحاب الأئمة عليهم السلام يعانون من مصيبتين، الأولى الجهد المبذول وراءهم من قبل الطغم الحاكمة، لتحييدهم عن التأثير في الناس ، والثانية موقعهم المتقدم في التصدي للظلم وفضحه ومحاربته، أخاف كل الذين لا يريدون مواجهة الظالمين لسبب أو لآخر.

ومع ضمان الله تعالى حفظ شريعته وسلامة دينه عن طريق الهداة من أهل البيت عليهم السلام ، تشكل خطه المستقيم واضحا لا لبس فيه ، فمن اتبع الأئمة الاثني عشر الموكلين بحفظ الشريعة فقد أمن من موجة الكذب الدس والانحراف التي عانى منها من كان بعيدا عن الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، لأنهم صمام الأمان من الكذب الذي انتشر في الآفاق الإسلامية بدعم من الظلم وأهله ، ومن هنا نشأ الفرق بين الخطين خط السقيفة التي بدأ الكذب فيه منذ اليوم الأول لوفاة النبي صلى الله عليه وآله والادعاء عليه بأنه ترك دينه وشريعته للناس مبثوثة غير مجموعة ، وأن أمر الحكومة موكول للناس يختارون من يريدون، أن النبي صلى الله عليه وآله مضى من الدنيا حسب زعمهم ولم يعين أحدا.وهو افتراء على الله ورسوله ، لأن النصوص التي بحوزتنا تؤكد أن دور النبوة إن كان منتهيا بوفاة النبي صلى الله عليه وآله فان دور الإمامة سيتواصل من بعده، ومن غير المنطق ولا المعقول أن يمضي النبي دون أن يبين ذلك للناس بأمر المولى تعالى.وهو أمر لم يرق لأصحاب السقيفة فردوا كل الأحاديث الصحيحة بشأن الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله ردا لا يقبله عاقل.

أما صلاة الخليفة الأول بالناس فهي باطلة لمن في عقله ذرة من فهم ووعي، لأن الرجل قد كان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أوعبه مع جلة الهاجرين والأنصار تحت راية أسامة بن زيد لحرب الروم ، وأمرهم بالخروج فتلكئوا وتمردوا عليه ، ولم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن عين أحدا يصلي بالناس وكان يقول دائما في مرضه مروا من يصلى بالناس." ولو كان الأمر بالقيمة التي تؤخذ بها قيادة الأمة لما عدل بها عن علي عليه السلام الذي كان يلازمه في مرضه، قد حاول هؤلاء أن تكون الصلاة وسيلة لهم إلى تسنم الحكم ، فأرادوا تقديم الرجل للصلاة بالناس على حين غفلة من النبي صلى الله عليه وآله ، فلما سمع صوته أسرع في الخروج إليه لكشف المؤامرة وإحباط المخطط .وكانت الرواية التي أخرجها جميع الحفاظ ، كافية لأن تلقم حجرا لكل من كان يردد هذه الكذبة الكبرى، ويفضح تهافت روايات الصلاة، وتناقضها فيما بينها إلى درجة لا يمكن لعاقل أن يستأنس بها، ومن غرائبهم في هذا الخصوص، ذكرهم لتلك الصلاة المزعومة بإمامين ، ادعوا أن الخليفة الأول اقتدى بالنبي صلى الله عليه وآله، واقتدى الناس بالخليفة الأول، فهل سبرت آراء الناس حتى يجزم بأن الناس صلوا بصلاة ابن أبي قحافة ،أم أن مقام الخليفة الأول أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله ، حتى يعدل عنه إلى غيره، هذا مثال من الكذب الرخيص التافه الذي دل على خساسة عقول معتنقي تلك الترهات ، التي بنوا بها مذاهبهم ، فبدت أوهن من بيوت العنكبوت ، ومع ذلك يتطاولون على من اتخذ الصادقين بمنطوق القرآن قادة :" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين." وسلك مسلكهم في الصدق لأن خلافه نفاق صريح، فنسبوهم إلى الكذب استماتة في رد الحقائق وإمعانا في تنفير المسلمين من التشيع والشيعة.

علم الرجال أو الجرح والتعديل في عمومه عند (أهل السنة) وفي خصوصه عند الذهبي لا يشتمل في مضامينه على بلوغ القصد منه ، لافتقار أصحابه إلى خاصية غير متوفرة فيهم لا توجد إلا عند المعصومين واعني بهم أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، الذين يمكنهم معرفة أحوال الناس بجلاء ووضوح تامين ، وباطن أحوال الناس هو الطريق الوحيد لمعرفة حقائق الرجال والتمييز بين الثقة العدل والمؤمن الصادق ، وبين من هم دونه في المقام ، لذلك نجزم القول بان هذا العلم لم يرد به تحصيل الروايات الصحيحة عند هذا الفريق ، وإنما كان مدار صناعته إضعاف رواة هذا الفريق أو ذاك ، حتى لو كانت الرواية التي جاء ت من طريق آخر صحيحة.

لقد تضررت سنة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وآثاره من جراء عدد من الإجراءات التي اتخذت إزاءها ، فمنع تداولها وروايتها على عهد الخلفاء الثلاثة الأوائل ، والحرق المتعمد الذي حصل لعدد من رواياتها المكتوبة، والنصوص في ذلك واضحة كما كنت أشرت سابقا،تتبعها أبناء الطلقاء واللقطاء ،فأغروا ضعفاء الإيمان والدين بالكذب على الله ورسوله ، فسرى الكذب كالنار في الهشيم، بين مجتمع أبى إلا أن ينساق إلى عالم الطلقاء بدل إتباع الأطهار من أهل البيت عليهم السلام، ثم جاء مطلع القرن الثاني ليسمح فيه بتدوين الحديث بأمر أموي لم ينفذ إلا بعد عشرات السنين، فجاء خليط من حق وباطل تربت عليه أربعة أجيال كاملة من المسلمين من أتباع خط السقيفة والخلافة، وبينما أمن أتباع أهل البيت عليهم السلام من كل ذلك بتواجد أئمتهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، ثم حدثت الفتن الطائفية ، والعداوات الفكرية ، فأثرت سلبا في رواية الحديث بالرد أو الاعتماد ، وانتصر من انتصر منهم لمذهبه بالكذب ، والادعاء بالباطل ، إلى أن جاء العصر الذي احتيج فيه إلى معرفة حال الرواة فاستحدث علم الرجال لتميز به الرواية، فما زاد الأمر إلا تعقيدا ، حيث لجأ كل إلى ركنه وصب جام عصبيته على غيره، طلبا لنصرة فكرته ، وحسدا من عنده، مما أشكل على الناس اليوم التمييز بين الرأي الصواب من الرأي الخطإ في هذا العلم.

في نهاية المطاف وتجنبا للإطالة، في عصر سئم الناس فيه الإطالة، واختصارا لمطلبنا ،وتحصيلا للنتيجة المرجوة من تناول مسالة علم الجرح والتعديل، التي عليها مدار السنة النبوية علة وتصحيحا، بالتمييز بينها وبين الموضوع من حيث سند الرواية، والذي تناوله هذا العلم بالدرس لكشف أحوال رواته. نقول:
يجب على العلماء العاملين في الحقل الإسلامي ، أن يمزقوا رداء التعصب، ويخرجوا من دوائرهم الضيقة، لينفتحوا على فضاءات الإسلام الأوسع ، وندائي هذا موجه إلى علماء خط السقيفة والخلافة ، لابتعادهم المفرط عن خط أهل البيت عليهم السلام ، أقول لهم: اقرؤوا كتب علماء المسلمين الشيعة، لتتعرفوا على أفكارهم وعقائدهم ، إقرئوها قراءة متدبر يريد أن يستفيد ويتعلم ، لا قراءة متربص ليس يريد من بحثه غير تتبع عورات توهمها بعقل قاصر. حاولوا أن ترفعوا المظلمة التي كبل بها أسلافكم أئمة وعلماء الشيعة طيلة العصور الماضية، وقولوا كلمة حق في شأنهم، وصححوا ما اقترفته أيادي الذهبي ومن سبقه، لأنه ناسج على منوالهم ومقتفيا آثارهم في تجريح لا طائل من ورائه، ولا يستند إلى دليل منطقي يسقط الراوي أو الحافظ ، سوى أنه شيعي أو رافضي ، مع كيل السباب وتهم الضلال الزيغ التي نعوذ بالله تعالى منها، والواقع يقول إن رواة الشيعة في الصحاح الستة تجاوز المائة راو وحافظ وعالم، كلهم اعترف الناقلون عنهم بتشيعهم ، ولم يمنع تشيعهم من الالتجاء إليهم ، ولو كان عنهم غنى في أخذ الرواية لما أخذوا عنهم.
وفوق ذلك كله فقد أسقط من رواة وعلماء وأجلاء المسلمين الشيعة آلاف مؤلفة منهم بسبب ذلك التعصب المقيت الذي أحرق دائرة التوثيق من عقول الكثيرين بسبب تراكم الدعايات بعد سني الإرهاب الأموي والعباسي .

نعيش اليوم في زمن نحن جميعا بحاجة ماسة إلى أن نكون يدا واحدة،وعقيدة واحدة ومرجعية واحدة ، أمام كل هذه التحديات التي أحكمت طوقها علينا، من داخل البلاد الإسلامية ومن خارجها .
أنظروا إلى الأعداء كيف استفردوا بنا، يلقموننا الحجر تلو الحجر، والغصة تلو الغصة والمصيبة تلو الأخرى ، لأننا أشتات متفرقون ، كالغنم القاصية بلا راع، والتي يحيف عليها الذئب كلما شاء.أنظروا إلى حقائق عقائد الشيعة، وخصوصا الإمامية الإثني عشرية ، ومن كتبهم فقط ،لأن الحقيقة لا تستقى الا من منبعها ، عندها فقط تستطيعون أن تحكموا للشيعة أو عليها، وبذلك فقط يتميز الحق من الباطل والهدى من الضلال، والصدق من الكذب.

مارسوا دوركم الذي أراده الله تعالى منكم، لأن الدين دينه وليس دين أحد من الناس، قال تعالى:" شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط."(166) وقال أيضا : "إنما يخشى الله من عباده العلماء."(167) فلو إنتهج الجميع طريقا واحدا لكان أرجع بالفائدة على الأمة، من التفرق والتشتت الذي لا يزيدنا إلا ضعفا ووهنا وتصاغرا في أعين الأعداء، ولو تصدى هؤلاء العلماء لتكاليفهم لاستقامت العامة والخاصة، ولذهب التعصب والجهل إلى غير رجعة، ولما بقي للباطل والظلم من أثر، من قمة الأمة إلى قاعدتها. عودوا إلى المصدر الوثيق والملاذ الآمن والركن الشديد عند مدلهمات الأمور ، إلى أهل البيت عليهم السلام وأئمتهم الاثي عشر المنصوص عليهم في الصحاح عندكم ، ولو علم أهل التعصب المعنى الحقيقي للرواية لما نقلوها ، فان لم تستطيعوا فأعينوا آخرتكم بكلمة حق على الأقل، تكبح جماح هذه الموجة الجديدة من التكفير الذي لا طائل من ورائه، غير مزيد من الفرقة والضعف والتخلف.نسال الله تعالى أخيرا أن يفتح البصائر المنغلقة في هذه الأمة ويعيدها إلى صراطه المستقيم ، انه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المراجع
1 - الكنى والألقاب ج2ص266
2 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص5/6
3 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص 27/28
4 - البخاري كتاب الصلاة ح428 وح2601 كتاب الجهاد والسير- مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة ح5193/5194 -الترمذي كتاب المناقب ح2736 - أحمد مسند المكثرين من الصحابة ح 6211
5 - سورة آل عمران الآية 28
6 - سورة الصاقات الآية 83
7 - سورة القصص الآية 15
8 - المستدرك ج3ص160.
9 - سورة البقرة الآية 159
10 - - سورة البقرة الاية161
11 - مسلم ج1ص60 كتاب الإيمان- تاريخ ابن عساكر ج1ص120 - الترمذي ج5ص306 ح3819 - سنن النسائي ج8ص 116 -مسند احمد بن حنبل ج1ص95كنز العمال ج15ص157ح444 -
12 - حديث الغدير متواتر عند الفريقين ، ولو قدر له أن يسلك طريق أوسع مما ضيق عليه لوسع صدور العلماء والمحدثين والرواة كلهم، لكن السياسة الشيطانية كان لها موقف منه ، ومع كل المنع والإصرار على تغييبه فقد بلغ مبلغا لم يصله إليه حديث آخر، اخرج الحديث عدد كبير من الحفاظ نذكر منهم: الترمذي ج5ص 297 ح3797 - سنن ابن ماجة ج1ص 45 ح121 التاريخ الكبير للبخاري ج1ص375 مسند احمد ج1ص88 المستدرك للحاكم ج3ص110 -خصايص النسائي ص 94/95
13 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص414/415
14 - ميزان الاعتدال للذهبي ج 4 ص201
15 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص158
16 - الإتحاف للشبراوي الشافعي ص161 - تذكرة الخواص ص227-بغية الوعاة للسيوطي ج2ص126 - ياقوت الحموي في معجم الأدباء ج 11ص103/110
17 - تهذيب الكمال ج13 ص32
18 - نقلا عن أعلام الهدى ص217
19 - الصواعق المحرقة للهيثمي- نقلا عن الطبراني وغيره
20 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص363
21 - الكنى والألقاب ج2ص132
22 - ميزان الاعتدال ج1ص604
23 - ميزان الاعتدال ج2ص69/70
24 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص124
25 - شذرات الذهب ج5ص168 حوادث سنة 436 هج
26 - ميزان الاعتدال ج1ص379/384 ت1425.
27 - ميزان الاعتدال ج2ص609/611
28 - ميزان الاعتدال ج1ص408/411
29 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص363/364
30 - نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج10ص147
31 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص
32 - ميزان الاعتدال ج2ص260
33 - ميزان الاعتدال ج2 ص32
34 - ميزان الاعتدال ج1ص583/584 ج1ص590/596
35 - ميزان الاعتدال ج2ص248/251
36 - ميزان الاعتدال ج2ص379/380
37 - سورة آل عمران الآية 61
38 - ميزان الاعتدال ج3ص305
39 - ميزان الاعتدال ج1ص353
40 - ميزان الاعتدال ج2 ص107
41 - ميزان الاعتدال ج3ص606
42 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص539
43 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص541
44 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص141
45 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص76
46 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص151
47 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص51
48 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص38
49 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص181
50 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص93
51 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص99
52 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص3
53 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص243
54 - دراسات في العقيدة الإسلامية للشيخ محمد جعفر عز الدين ص39
55 - سورة الزمر الآية 62
56 - سورة الصافات الآية 96
57 - دراسات في العقيدة الإسلامية ص37
58 - المناقب ج2ص467 تاريخ الإسلام ج3ص380
59 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص27/28
60 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص27
61 - الكنى والألقاب ج1صن 249 نقلا عن الكامل لابن الأثير
62 - البداية والنهاية لابن كثير ج11ص8
63 - كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ج20ص157/158
64 - معالم العلماء لابن شهراشوب ص151
65 - تاريخ دمشق لابن عساكر ج6ص69
66 - تاريخ ابن عساكر ج5ص228
67 - الغدير ج1ص401
68 - سورة التوبة الآية 32
69 - سورة التوبة الآية 32
70 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص75/76
71 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص583/584
72 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص584
73 - سورة النحل الآية 90
74 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص475
75 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص392/393
76 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص616
77 - ميزان الاعتدال ج1ص631
78 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج4ص103 في ذكر المنحرفين عن علي عليه السلام
79 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ب ج4ص75/76
80 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج4ص95
81 - شرح نهج البلاغة ج4ص98/99
82 - شرح نهج البلاغة ج4ص177
83 - شرح النهج ج4ص103
84 - شرح النهج ج4ص74/105
85 - ميزان الاعتدال ج3ص415
86 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص 64/65
87 - ميزان الاعتدال ج3ص591
88 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص235
89 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص235
90 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص89
91 - تفسير الطبري ج19ص121
92 - ميزان الاعتدال ج1ص176
93 - ميزان الاعتدال ج4ص50
94 - ميزان الاعتدال ج3ص603
95 - ميزان الاعتدال ج3ص576
96 - ميزان الاعتدال ج2ص365
97 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص418/420
98 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص298
99 - ميزان الاعتدال ج2ص440/445
100 - ميزان الاعتدال ج2ص632
101 - شرح نهج البلاغة ج4ص58
102 - ميزان الاعتدال ج3ص226/227
103 - ميزان الاعتدال ج3ص293
104 - ميزان الاعتدال ج4ص352/353
105 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص611
106 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص128/129 ت5844
107 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص62
108 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص16ت5400
109 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص544 ت7508
110 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص107
111 - ميزان الاعتدال ج1ص182
112 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص45
113 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص40
114 - ميزان الاعتدال ج1ص452
115 - ميزان الاعتدال ج3ص506/608
116 - نهج البلاغة الخطبة 1
117 - ميزان الاعتدال ج2ص616
118 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص54
119 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص392
120 - ميزان الاعتدال ج3ص355
121 - ميزان الاعتدال ج3ص469
122 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص47
123 - كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 238 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج5ص191 الإصابة لابن حجر ج2ص 381 الاستيعاب بذي الإصابة ج2ص 471
124 - رجال النجاشي ص9
125 - ميزان الاعتدال ج1ص450
126 - الغدير للأميني ج1ص162
127 - ميزان الاعتدال ج2ص51/52
128 - الكنى والألقاب ج2ص362/363
129 - ميزان الاعتدال ج1ص271 ت1014
130 - الإصابة في تمييز الصحابة ت471
131 - كمال الدين للصدوق ص174
132 - الباعث الحثيث ج1ص51
133 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص356
134 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص527
135 - ميزان الاعتدال ج1ص458/460
136 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص385
137 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص170
138 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص169
139 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص306/307
140 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص73
141 - ميزان الاعتدال ج2ص109
142 - ميزان الاعتدال ج2 ص425/426
143 - ميزان الاعتدال ج1ص216/220
144 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص429
145 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص302
146 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص89
147 - ميزان الاعتدال ج2ص466
148 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص301/302
149 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص93/97
150 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص35/36
151 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص37/38
152 - سورة النساء الآية 140
153 - ميزان الاعتدال ج2ص98
154 - سورة عبس الآية 31
155 - ميزان الاعتدال ج3ص138/141
156 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص270
157 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص280
158 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص220
159 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص181
160 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4 ص499/502
161 - سورة النساء الآية 58
162 - سورة المائدة الآية 55
163 - سورة النساء الآية 82
164 - حديث المنزلة أخرجه على سبيل الذكر لا الحصر كل من:البخاري في ما يسمى بصحيحه كتاب المغازي باب غزوة تبوك ج5ص129- مسلم كتاب الفضائل باب فضائل علي بن أبي طالب ج7ص120 - الترمذي ج5ص 301 ح3808 وح3813 وح 3814 - مسند أحمد ج3ص50 ح1490وص56 ح1505 وص57 ح1509 وص66 ح1532 وص74 ح1547 وص88 ح1583 وص 94 ح1600 وص 97 ح1608 وج5 ص25 ح3062 - سنن ابن ماجو ج1 ص42 ح115 و121 - البخاري كتاب بدا الخلق باب مناقب علي بن أبي طالب ج4ص208 - المستدرك للحاكم ج3ص109 وج2ص 337...
165 - حديث الثقلين أخرجه على سبيل الذكر لا الحصر كل من :مسلم كتاب الفضائل باب فضائل أهل البيت ج7 ص123ا - الترمذي ج5ص328 ح3874 وص329 ح3876مسند احمد ج5ص 182و189 -الطبراني في الكبير ج1ص44خصائص النسائي ص21 ....
166 - سورة آل عمران الآية18
167 - سورة فاطر الآية 28

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة