المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 4 جمادى الاولى 1426 - دفاعا عن النبي صلى الله عليه وآله (تتمة)
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

دفاعا عن النبي صلى الله عليه وآله (تتمة)

عن ابن هريرة أن الرسول (ص) قال : " لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار " البخاري كتاب الآذان ح608/617 كتاب الخصومات ح2242 كتاب الأحكام ح6683 مسلم ح1043 كتاب المساجد ومواضع الصلاة - الترمذي ح201 كتاب الصلاة - أحمد ح3625 وح 3805 وح 4166 وح 9720 كتاب المكثرين من الصحابة
كيف تتفق هذه الرواية مع السلوك العام الذي عهد من النبي الأكرم ؟ ألا تعتبر هذه الرغبة وهذا الهم أمرا غير مألوف عند ه ؟وإن كان الأمر واجبا فلماذا لم يقدم عليه؟ وما هو المانع الذي ألجأه في النهاية إلى العدول عن فكرته؟
تحريق بيوت المسلمين بمن فيها من صغار وكبار وعجزة ، وحيوانات أهلية قد يطالها الأذى أو الموت حرقا، لا يمكن لعاقل أن ينسبه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن سيرته كانت مخالفة تماما للعنف وقالية للتطرف ، ومنابذة للحرق، بل كان يدعو دائما للوسطية والعفو والتجاوز. ولقد بال أعرابي في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء أو سجلا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين * البخاري كتاب الأدب ح5663 وح 5566

وما قصة مسجد ضرار ببعيدة عن المقارنة ، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر فقط أن يهدم المسجد، الذي أسسه المنافقون لغاية تفريق المسلمين من حول رسول الله ، ورغم خطورة المؤامرة، فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتخذ بشأنهم موقفا متطرفا ، ولا أمر بقتل صاحب فكرة مسجد ضرار ولا الذين بنوه ، ولم يصدر عنه أمر بالحرق ، ولا كان من طبعه أن يعامل أعداءه ومخالفيه بغير ما كان يأتيه من الوحي، فقط أمر بهدم المسجد إمتثالا لأمر الله تعالى بخصوصه كما في تفسير ابن كثير الآية 107.
أما أسانيد الروايات التي أخرجها البخاري وغيره ففيها :
عبد الله بن ذكوان المعروف بأبي الزناد ت4301 قال يحبي بن معين : قال مالك : كان أبو الزناد كاتب هؤلاء -يعني بني أمية- وكان لا يرضاه.وأخرج العقيلي في ترجمته عن ابن القاسم قال : سألت مالكا عمن يحدث بالحديث الذي قالوا إن الله خلق آدم على صورته، فأنكر ذلك مالك إنكارا شديدا ، ونهى أن يحدث به أحد ، فقيل له إن أناسا من أهل العلم يتحدثون به ؟ قال: من هم ؟ قيل ابن عجلان ، عن أبي الزناد .فقال: لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء ، ولم يكن عالما ، ولم يزل أبو الزناد عاملا لهؤلاء حتى مات ، وكان صاحب عمال يتبعهم.-يعني بني أمية-(ميزان الاعتدال ج2ص419
فتسقط رواية أبي الزناد هذا لولائه لبني أمية في زمن كان للباطل فيه صولة ومقام ولأهله حظوة مقال، في حين جلا أهل الحق على تخوم الجبال وفي بواطن الودية وأحراش الفلاة هربا بما في أيديهم من حق أمام الهجمة الأموية الشرسة.

أما أبو هريرة فقد ظهر منه من الولاء لبني أمية ما دفعه إلى الكذب على الله ورسوله ، وقد نهي من قبل عن الحديث من طرف الخليفة الثاني، الذي وصل به الأمر إلى حد ضربه بالدرة ، واتهمه الإمام علي عليه السلام بالكذب ، حتى لم يبق لديه مقام بالمدينة في محضر من الذين وعوا من رسول الله حقا، فانصرف إلى معاوية بن أبي سفيان يتقرب إليه بالباطل، فقربه ابن هند وقوى جانبه، ورفع من شأنه بعد خمول ، فجعل ينقل عن كعب الأحبار الخرافات والأساطير، وينسبها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى امتلأت كتب القوم بالإسرائيليات، وهم يحسبونها من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو كان لديهم عقل وبصيرة لردوا جملة من الخرافات التي يتوقف عندها أبسط العقلاء، عوض الإصرار على صحتها وتأويلها تأويلا لا يستقيم عند ذي بصيرة، وقد أتينا عليها في ما تقدم من الروايات المفترات على النبي صلى الله عليه وآله وسلم

ويأتي توثيق أناس مثل أبي الزناد وأبي هريرة من قبل البخاري وجماعته، لاستدامتهم على توثيق من كان يوالي الظلم والظالمين، وحظرهم لرواة المعارضة وعلى وجه الخصوص أئمة أهل البيت عليهم السلام، كالإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أستاذ أبي حنيفة ومالك، والذي لم يخرج له البخاري رواية واحدة ، على الرغم من أنه عاش في وسط يتواجد فيه مئات الشيوخ الذين كانوا يقولون حدثنا جعفر بن محمد عليه السلام.
وإسناد هذه الرواية، يتطابق مع إسناد رواية أخرى جاءت عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وتصب هي أيضا في خانة الإرهاب الأموي، من حيث أنه كان يوظف الأكاذيب، وينسبها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، لتبرير أعمالهم الإجرامية التي لا علاقة لها بالدين إطلاقا، لأن الذي كان يحرق الناس بالنار، ويصلب الأبرياء ويقطع الرؤوس، ويسمل العيون ويقطع الأيدي والأرجل، ويهدم دور الثوار والمعرضين للظلم وأهله، وفي عصر اشتد فيه أهل الباطل على أئمة أهل البيت عليهم السلام، ومن يمت إليهم بصلة ، فأجازوا سبهم على المنابر والبراءة منهم ، ولم يجدوا من سبيل لتثبيت عادتهم الخبيثة، غير تسخير أتباعهم للكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتقول عليه بأن كل من قال لصاحبه أنصت والإمام يخطب بيوم الجمعة فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، ألا ترون تهافت هذه الرواية ، وإسفافها إلى درجة تعارضها مع واجب النصيحة والأمر بالمعروف، ألا يعتبر إيقاظ النائم مثلا من مجلسه في صلاة الجمعة أمرا واجبا مخالفا للرواية ؟ ألا يعتبر نهي الإمام عن سب أهل البيت عليهم السلام أمرا بالمعروف ومخالفا للغو ؟ إليك عزيزي القارئ الرواية لتحكم على بطلان خط الظلم الذي تجلبب بجلباب السنة التي هي غير سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وما هي إلا سنة الظالمين وأتباعهم مقابل الحق وأهله:
حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت قال أبو الزناد هي لغة أبي هريرة وإنما هو فقد لغوت *مسلم كتاب الجمعة ح 1405
حدثنا ابن نمير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا والذي يقول له أنصت ليس له جمعة *احمد بن حنبل مسند بني هاشم ح 1929

ومع اعتماد هؤلاء الرواة ، وهذا النمط من الروايات يتأكد لدينا المنحى السلطوي الذي كان يجاريه علماء البلاط ، والذين لم يكونوا لينقلوا شيئا لا يرضي السلط في تلك العصور، واشد من ذلك أنهم كانوا يتقربون إليهم بالتملق والتزلف ، والويل لمن يأتي بغير ذلك.
أما الذين يستدلون على عدالة علمائهم بمحنة احمد بن حنبل أو بعقوبة مالك ، فإنها وجميع الايذاءات التي طبلوا لها وزمروا لا تعني شيئا أمام قتل مئات العلماء والرواة والحفاظ بتهمة مولاتهم لأئمة أهل البيت عليهم السلام بدأ من حجر بن عدي مرورا بميثم التمار وكميل بن زياد وسعيد بن جبير وابن السكيت وغيرهم كثير ممن نال شرف الشهادة في سبيل إعلاء كلمة الحق أما سلطات جائرة متغطرسة ، فلم يرهبهم ذلك الأمر على المضي قدما نحو الحق فحازوا الدرجتين، درجة أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر ، ودرجة الشهادة في سبيل الله تعالى ، في حين كان غير هم يتمسح بأعتاب الظالمين .
الرواية الأخرى تقول
حدثنا محمود حدثنا شبابة حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة قال إن الشيطان عرض لي فشد علي ليقطع الصلاة علي فأمكنني الله منه فذعته ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه فذكرت قول سليمان عليه السلام رب ( هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) فرده الله خاسيا ثم قال النضر بن شميل فذعته بالذال أي خنقته وفدعته من قول الله ( يوم يدعون ) أي يدفعون والصواب فدعته إلا أنه كذا قال بتشديد العين والتاء *البخاري كتاب الجمعة ح1134
بقطع النظر عن سند الرواية ، وما تضمنه من إسناد الرواية وفيها محمد بن زياد الألهاني الحمصي وهو وحريز بن عثمان ممن اشتهرا ببغض علي عليه السلام ، ومبغضه منافق على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقوله :" يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق." فترد رواية المنافق من هذا الباب.(ميزان الاعتدال ج3ص551 ت7544
قد كنت نقلت فيما مضى الرواية التي أخرجها البخاري في ما يسمى بصحيحه الجامع والتي ادعت أن النبي نسي بعض القرآن ولم يذكره فيه غير قارئ في المسجد، وقد قال : لقد ذكرني هذا الرجل ما أنسانيه الشيطان."

ترى هل لهؤلاء الذين ينقلون هذه الترهات دين، فيحسبون على الإسلام، ويصنفون من ضمن علمائه وحفاظه ورواته؟ ألا يتقون الله في رسوله المصطفى وحبيبه المسدد ؟ ما هذه الأراجيف التي امتلأ بها كتاب البخاري الملقب بالصحيح وغيرها من الكتب التي سلكت مسلكه؟
أهذه شخصية الرسول التي يروون عنها هذه الأباطيل أم يقصدون نبيا آخر غير النبي الخاتم ؟ لأن كل عاقل عارف بمقام الاصطفاء الإلهي لا يمكنه أن يقبل باطلا مثل هذا، حتى لو كان قليل علم، لأن الشيطان ليس له سبيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لقوله تعالى :"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا." سورة الأحزاب الآية 33
وقوله تعالى:" إن لله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض." سورة آل عمران الآية 33
وقوله أيضا:"قال هذا صراط علي مستقيم* إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ." سورة الحجر الآيتان 41/42
وغيرها من الآيات القرآنية التي تفيد عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس هذا فقط بل وأهل بيته عليهم السلام كما صرحت بذلك آية التطهير.
أليس محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله أفضل المخلوقات باتفاق الجميع إلا من شذ ، والشاذ في عرف العقلاء يجب تجنبه لكيلا يفسد عقائد المسلمين . فلم روى البخاري وأقرانه هذه الأباطيل؟ ليس هناك من تفسير سوى أن ذلك الخط قد فتح علينا بابا من الأكاذيب التي استغلها ولا يزال يستغلها أعداء الإسلام في الوقيعة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبدينه القويم، وحري بمن له غيرة على الله تعالى ودينه ورسوله أن يتجنب تلك الخطوط، التي تدعي الانتساب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتنقل عن شخصيته ما لا يجوز على أبسط الناس.

قال تعالى :" فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون." سورة النحل الآيتان 98/99
في هذه الآية ما يفيد خروج المؤمن عن دائرة سيطرة ووسوسة وعمل الشيطان ، ودليل نسوقه إلى الذين يرون رأي البخاري في شخصية النبي صلى الله عليه وآله من حيث قدرة الشيطان على الاقتراب منه، ومحاولة الإيقاع به، بل وجاءوا بأدهى من هذه الرواية وقد كنت عرضت لها في بداية هذا البحث، لتتشكل أمام أعين الناس الصورة المشوهة التي يريدون .غرسها في أذهان الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في محاولة يائسة لطمس مقام أهل بيته الطاهرين، لأن السبيل الوحيد لتغييب الإمامة تمثل لديهم في ضرب مقام النبي صلى الله عليه وآله وعصمته.

لم يسلم النور القدسي إذا من الدس والتشويه في جميع جوانب حياته الشريفة حتى لم يسلم منها حتى الجانب التشريعي ، وفوق ذلك كله جمعوا جمع باطلهم ليتسموا بأهل سنته ويتلقبوا بأتباع منهاجه ، كذبا وبهتانا وظلما وعدوانا ، لأن السنة الصحيحة ليست في متناولهم ، ولا تكون إلا في بيت واحد طهره الله تعالى واذهب عنه الرجس، وهو البيت الخلف لبيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بيت علي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة التسعة من أبناء الحسن عليهم السلام ، ومن وصفوا بالصادقين ، إليهم ينتهي العلم والحلم ومكارم الأخلاق والدين الصافي ، والناس في ذلك كله عيال عليهم. وقد اسقط هؤلاء الأدعياء تلك السنة الصحيحة من حساباتهم ن لأنهم أتباع دنيا ، وأصحاب مصالح ، قد تفرقت بهم السبل عن سبيل الحق الذي لم يخرج يوما عن بيت الطاهرين من آل محمد عليهم السلام.

أما من حيث سند الرواية ففيه شبابة بن سوار المدائني الذي رمي بالإرجاء فقد قال أحمد : كان داعية إلى الإرجاء، وقال أبو حاتم لا يحتج به ت3653 ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص260
والإرجاء مذهب روج له بنو أمية ليسووا بين الناس كافة برهم وفاجرهم تقيهم وفاسقهم ، مسالمهم ومجرمهم ، حتى المنافق أوجدوا له حظوة وحظا من دين واعتبروه مؤمنا،ورجوا أن الإيمان قول بلا عمل والمسلم يكون ناجيا بإيمانه وإن لم يصل ولم يصم ، وكان شعارهم :" لا تضر مع الإيمان معصية ، كما لا تنفع مع الكفر طاعة."
كل ذلك لأجل ممارسة الطغاة لجرائمهم التي لم تعرف لها الإنسانية مثيلا في الفظاعة والغلظة ، مع بقائهم تحت المظلة الإسلامية وداخل الإطار الديني الذي كانوا يتزينون به أمام مجتمعاتهم ، وقد طوعوا جماعة من أدعياء العلم والدين ليبرئوا ساحتهم من تلك الجرائم ، لأنه كما روجوا لا تضر مع إيمان معصية مهما كبرت ومهما وقع تعمدها ،ولو كانت تعديا سافرا على الأنفس الزكية المحترمة والأماكن المقدسة كهدم الكعبة نفسها بالمنجنيق ن واستباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة