المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 24 جمادى الاولى 1426 - ليس بعد الحق إلا الضلال
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة :

بسم الله الرحمان الرحيم

ليس بعد الحق إلا الضلال

جاءت الشريعة الإلهية الخاتمة، شأنها شأن بقية الشرائع التي سبقتها، لتخرج الناس من ظلمات الجهل، ومساوئ الأخلاق، وسبل الشيطان ورجسه،وقسوة القلوب وتحجرها ،إلى نور المعرفة، ومحاسن الأخلاق ، وصراط الله المستقيم وهديه،ولين القلوب وسكينتها، ولئن أدرك من أدرك حقيقة البعثة ، ودور الهداية من مقامات الوساطة بين الله تعالى وخلقه ،وعمل بمقتضى أمرها ونهيها، واتبع نهجها القيم وسبيلها الواضح، فقد غابت قبسات تلك المعالم عن أكثر الناس،بسبب الانحراف الذي طرأ على معتقداتهم من جهة ، والمنحىالوراثي الذي انتهجوه في استقاء معالم دينهم والتعبد به من جهة أخرى ، ولم تبتلى شريعة أنزلها الله تعالى على قوم، بقدر ما ابتليت به الشريعة الخاتمة من هذه الناحية.
نحن نؤمن بما جاء به الرسل جميعا عليهم السلام ، وما جاء به النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، خاتمهم وإمامهم وخيرتهم،لكننا نقف بمجرد الحصول على تلك القناعة، ونكتفي في أغلب الأحيان بالإنتساب الشكلي للدين الخاتم ، ونأبى السير في طريقه ، هيبة من تحمل المسؤولية فيه، وهروبا من النتائج الدنيوية المترتبة عليها ، ونكتفي بالوقوف موقف الداعي الذي لا هم له، سوى النداء وإثارة الناس،أو المتفرج الذي لا تعنيه على أي نتيجة آلت اليه مآله. وقد يكون تحصيل العاجل قبل الآجل مطمح أغلب الناس وأكثر ما يشغل بالهم، بسبب أن الاستجابة إلى نداء الله تعالى، لم تكن من أعماق النفس ، وتسليما محضا بعيدا عن كل مظهر من مظاهر الأنا، التي أكثرها خطرا العمل في الدين بمقتضى التملك لا بمقتضى التعبد، والدخول فيه دخول من يعتقد أن الدين محتاج إليه ، لا دخول العبد المنيب لله تعالى ، المحتاج إلى دينه ليعبر به قنطرة الحياة.

عناصر الهداية
لقد كانت الدعوة الخاتمة متلخصة في قوله تعالى:" إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله."(1) بمعنى أن أولى القضايا المطلوبة في الالتزام بالشريعة، هي الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله، في كل التطبيقات التي كان يقوم بها ويأمر المسلمين بإتباعها، لسبب مهم أسقطه الكثيرون من اعتبارهم ، وهو المثال والقدوة قبل العنوان والمحتوى ، والمرجعية التي لا غنى للناس عنها حتى مع وجود الكتاب العزيز،لأن الكتاب العزيز وحده لا يمكنه أن يؤدي دورا اكبر مما هو مسند اليه، وهو احتواءه على مضامين العقيدة والشريعة ، والكتب نفسه لا غنى له عن أداة الحفظ المتمثلة في الامام المستحفظ عليه والهادي على اساسه، والهداية تمثل المقام الأسمى في حركة الوساطة بين الخالق ومخلوقاته ،لأنه بدون هداية لا يمكن للشريعة الالهية أن تحقق تفاعلا بينها وبين الجماهير، من استيعاب كامل لكل أحكامها وحيثياتها، وسهولة إجرائها مجرى التطبيق. وقد جاء في القرآ’ن ما يشير الى ذلك المقام الهام والخطير في الأمة ، كقوله تعالى :"إنما أنت منذر ولكل قوم هاد."(2) وقوله أيضا:" أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده."(3)
لذلك جاء لفظ الهداية في جانب هام منه مشيرا إلى المقام الذي يلي الرسولية ، باعتباره حلقة متصلة باللطف الإلهي في إرشاد البشرية وهدايتها ، وحفظ الشريعة ونشرها بشكل تام وكامل وصحيح، ولولا ذلك الدور لاندرست معالمها ونكست أعلامها .

لكن لنسأل أنفسنا هل و صلنا إلى مقام المفترض أن نصله في إتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقا؟ وهل عرفنا شخصيته الفذة وقدرناها قدرها الذي تستحق ؟ وعرفنا حقيقة سنته وقيمتها التشريعية؟ وهل سلمنا على مدى حياتنا بأن كل ما صدر من أقواله وأفعاله وتقريراته هي من جنس ذلك التشريع العظيم، قال تعالى:" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما." (4) والتسليم هو التفويض لله ولرسوله في كل أمورنا، لأنهما أولى بذلك من أنفسنا، كما في قوله
تعالى:" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم."(5) واعتبارالنتائج المترتبة عن إتباع النهج المحمدي وآثارها المحصلة، لا يخرجان عن إطار القضاء والقدر الإلهيين.
المصطفى صلى الله عليه وعلى آله الهداة ، وصل إلى مقام القرب الإلهي الذي لم يصله ملك مقرب ولا نبي مرسل ، فهل وصلنا نحن أتباع دينه والمتسننون بسنته، إلى الحد الممكن للمؤمن أن يصله؟ وهل ترانا نجسد حقيقة التعاليم التي جاء بها ؟
فهم الدين يبدأ من فهم عقائده ، من خالق هذا الكون عظمت قدرته وتعالت أسماؤه ، وجلت صفاته وآلاؤه ،فمن لم يعرف ربه لا يمكنه أن يعرف سلسلة الوساطة بينه وبين خلقه ، ولا أن يفقه الأحكام التي حملها رسله، ولا أن يستفيد من القيام بها شيئا.

وبين ما نسب الخالق لنفسه من قدرة وصفات ،عظمت وتعالت عن إدراكها أذهان أكثر المخلوقين، مبينا في كتابه أنه ليس كمثله شيء ، ولا يحيطون به علما، وما بينه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، من أنه أحدي المعنى والصفات، ليس له محل ولا تراه العين في الدارين، لأنه ليس جسما، وما أخذه الأئمة الهداة من أهل بيته عليهم السلام على عاتقهم كمستحفظين ليبينوه للناس كافة، وينشروه على مدى القرون السابقة، وبين ما تداوله السواد الأعظم من المسلمين من معتقد فاسد يتنفر منه كل من له عقل وذوق، من أن الله له شبه البشر ، وقد خلق آدم على صورته، وجعلوا له أعضاء من يدين ورجلين ووجه وعينين فتعبدوا بذلك كله ، معتقدين أنه التوحيد الحق الذي جاءهم عبر الصحابة والسلف الصالح، وبين هذا وذاك حقيقة تقول: إن الإسلام لم يكن بمنأى عن التحريف ، وقد أدلى فيه كل من هب ودب بدلوه.

العدل الإلهي
ولكي يكون التوحيد ذا معنى، كان لا بد من الالتفات إلى مسألة حساسة ومهمة متعلقة بأصل التوحيد وهي هي عدله تعالى ، أن التوحيد الذي لا يأخذ بعين الاعتبار نسبة العدل إليه بعد الإقرار بجميع صفات الكمال لديه، وتنزيهه عما لا يليق بذاته المقدسة، لأنه لا معنى لنفي الصفات السلبية دون نفي الظلم عنه تعالى ووصفه بالعادل ،لأن ذاته المقدسة لا تعرف غير العدل ، ولا تحتمل الظلم ، وبما أنه قد حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس حراما ، فإنه ولأهمية العدل الإلهي استقلت هذه الصفة عن غيرها من الصفات لأهميتها عند الله تعالى وقيمتها في حياة البشر، فأصبحت ركنا إعتقاديا يدرجه كل عارف بحقيقة العدل الإلهي وجدواه في النشأتين.
هذا من وجهة نظر الإسلام المحمدي الذي تبناه أهل البيت عليهم السلام بعد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أما غيرهم ممن تاهت به سبل التبعية العمياء ، أو البحث الناقص ، فقد نسبوا لله تعالى تبعا لما ألزموا به أنفسهم ظلما يتنفر منه العقلاء ، فقالوا بان الله تعالى قد يدخل الجنة من كان موغلا في الظلم أو الإجرام والمعصية ومستحقا بذلك دخول النار ، وقد يدخل المطيع المستوجب الجنة إلى النار.

النبوة بين تصورين
ثم يمر الفهم إلى مرتبة الواسطة بين الخالق تعالى وخلقه ، وهو النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، الذي اصطفاه على بقية خلقه ليكون بشيرا لهم ونذيرا ، مفتاح فلاح وعنصر رحمة للعالمين،فيه اختزل كل المكارم ، وأودع في عقله خصائص لم تتوفر في غيره وزاده تسديدا أن أذهب عنه رجس الشيطان وطهره تطهيرا،استكمالا للدور الذي عهده إليه ، وتنفيذا لإرادته تعالى في أن يكون رسوله القدوة والمثال والنموذج الذي منه تأخذ البشرية قبل كتابه العزيز لأن التطبيق أقرب لفهم الناس من المسائل النظرية،هذا من وجهة نظر أهل البيت عليهم السلام ، بينما يقول غيرهم بمقالات تسيء للنبي صلى الله عليه وآله أيما إساءة ، فهي تدعي عليه بالقول ، إنه غير معصوم قبل البعثة بل جاء في مصادرهم المعتمدة أنه كان حديث عهد باستلام الأنصاب ، ورمى مع أعمامه في حرب الفجار أسهما ندم عليها، أما بعد البعثة ففي التبليغ فقط وفي ما عدا ذلك فهو بشر يخطئ ويصيب مجتهد كما يدعون عليه ن ولهم كتب تكرس هذه النقائص فيه ،وفي ما أرى فان من يعتقد بهذا الإسفاف والشطط لم يعرف من رسوله شيئا ، وهو متبع لشخص آخر لا يمتلك من خصال النبي العظمى شيئا، فلا يمكنه تبعا لمعتقده الفاسد أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وآله .

الإمامة الهادية إلى الحق..أم الخلافة المفضية الى الملك
ثم ينتهي الفهم إلى نقطة الاختلاف القصوى ، ومفترق الطريق الذي ذهب بكل فريق بعيدا عن الآخر، وهي الواسطة التي تلي دور النبوة وميراث تراثها وعلومها ، وهي الإمامة، التي بها حفظ المولى سبحانه وتعالى دينه ، وسلم شريعته من عبث العابثين وتحريف المحرفين، ولولا الإمامة الهادية من بيت النبوة لما وصلنا من الدين الحق شيء ، ولاندرست معالمه تحت ضربات المنافقين والمشركين،وهنا مربط الفرس وبيت القصيد كما يقولون ، حيث انبرى المناوئون لخط الإمامة الإلهي بكل ما ملكوا من دهاء وخبث ومكر وخديعة ، يصدون الناس عن إتباع الأحق والأولى بالإتباع،مختلقين منهجا مخالفا لخط الإمامة، انفتح علينا منه شر جسيم وبلاء عظيم، أغرق الأمة في دوامة تثور ثائرة رياحها، كلما أردنا الدلالة على أحقية أهل البيت عليهم السلام في قيادة الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله، طاعة لله تعالى ولرسوله ، وامتثالا لأمرهما في لزوم العترة الطاهرة عليهم السلام ، وإتباع نهجهم والأخذ بسننهم وعلومهم ومكارمهم التي هي نهج النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ،وسننه وعلومه ومكارمه. فأبى الظالمون والمغتصبون ومن وافقهم على رأيهم من زمر النفاق والفساد، الانقياد لأمر الله تعالى في إتباع الطاهرين والصادقين بمنطوق القرآن المبين، فسعوا سعيهم وكادوا كيدهم لإزالة الأطهار من بيت خير الأخيارصلى الله عليه وآله من مقامهم في الأمة ، فأخذوا المسلمين غرة وغدرا، ثم أرهبوا الناس بعد ذلك، وأخضعوهم بالقوة إلى مشيئتهم ،والمتفحص لكتب السيرة التاريخ، يقف على هول الجرم المقترف بحق أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم ، والذي غيب جانب هام منه تحت عنوان حروب الردة. ولما علم الدهاة منهم أن الأمر على تلك الحال لن يدوم ، وسرعان ما ستنكشف خيوط العنكبوت التي نسجوا بها بيتهم مقابل البيت الذي أذهب الله تعالى عنه الرجس وطهره تطهيرا، سلكوا مسلك التحريف، ووضع الروايات في فضائل الصحابة ليلتبس الأمر على عامة الناس ، وليتكون من ذلك كله منهج معارض لأهل البيت عليهم السلام ، من أهم خصائصه أنه تربى بين أحضان الجبابرة والظلمة ، بينما عاش خط ولاية الله تعالى الحقيقي منبوذا ومطاردا ومضيقا عليه في أحسن الحالات.

العلماء العدول.. مراجع الأمة
ويأتي بعد ذلك دور العلماء العدول العاملين بما صح عندهم من أحكام، والملتزمين بما ثبت من سنن، القائمين على الشريعة بما يتوافق مع الثوابت الموجودة ، لا يحركهم من أجل ذلك غير الخوف من الله تعالى ورجاء ثوابه، وقفوا وسط الأمة ليكونوا مفزعها في المحن والفتن ، والمرجع للقاصي والداني في كل أوجه الحياة من عبادات ومعاملات.
والباحث في التاريخ الإسلامي القديم والمعاصر يستطيع أن يقف على نماذج من هؤلاء الأعلام الذين قدموا للإسلام وللمسلمين خدمات جليلة أبقت على بارقة الدين وإشعاعه ، فالثورات التي قامت عبر التاريخ قادها علماء أجلاء كبار تأسيا بسيد الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام ، فثورة المختار الثقفي ، وثورة زيد بن علي ، وثورة محمد ذي النفس الزكية، وثورة ابن طبطبا.. وصولا إلى ثورة التنباك بقيادة الميرزا الشيرازي ، وثورة العشرين بالعراق ، والثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الراحل روح الله الموسوي الخميني قدس سره الشريف،وقيادة ولي الفقيه السيد علي الخامنئي التي هي امتداد لمبدإ ولاية الفقيه التي أبان جدواها وقيمتها وفاعليتها الإمام الراحل رضوان الله تعالى عليه، والتوجيهات الجليلة للسيد علي الحسيني السيستاني دام ظله التي ما انفكت تبين بجلاء حكمة وفطنة وعلم وفراسة المرجعية ، والحاجة الأكيدة للمسلمين إليها في كل مكان وعصر، وبدون ذلك ينفرط عقد الإسلام والمسلمين وتتفرق جماعتهم ، وتنحل عرى وحدتهم ، فلا تقوم لهم قائمة.
لكن السواد الأعظم يعيش اليوم حياته بلا مرجعية أصلا منهم من لا يرى فيها ضرورة ،منتهجا نهج الحكام الذين رأوا أنفسهم فوق المرجعيات الدينية ، وعلى هذه الأخيرة أن تأتي إليهم طوعا أم كرها، بحسب وسائل الترغيب والترهيب التي يستطيع هذا أو ذاك أن يستعملها ، دون الإضرار بواجهته ،التي غالبا ما يلتجئ فيها إلى التمويه على العامة بأنه ملتزم بالدين، والناس في هذا الأمر على دين ملوكهم، طلبا للدنيا التي يمتلكون موارد عيش الناس فيها.

وبناء على ذلك إنقسم علماء الأمة في تحركهم إلى ثلاث فرق:
- فريق رأت أن الانضواء إلى السلطان الحاكم في رقاب المسلمين ، والتقيد بتوجهاته العامة والخاصة ، الدينية وغيرها.
- وفريق آثر الانزواء والاحتفاء في الزوايا وأماكن العبادة رافعا شعار ترك الدنيا لأهلها ، وخرجوا على الناس بطقوس زادت في تشتيت الأمة والابتعاد بها عن الوحدة ومواجهة أعدائها.
- وفريق لم ينخرط فيه غير أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام ومن شايعهم على إقامة الإسلام المحمدي الأصيل كما يريده الله تعالى ورسوله ، غير عابئين ولا مكترثين بالمصاعب والآلام والتضحيات التي كانت تلحقهم من جراء ذلك ، ولا عجب فيمن إتخذ مثاله في الفداء والتضحية، سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي عليه السلام ، أن يصدر منه ما يؤكد جدارة انتمائه لخط أهل بيت الطهر والعصمة، فيكون مثالا مقتبسا من تلك الأمثلة العظيمة.
ومن هنا تتأكد حقيقة الخطوط التي رفعت الإسلام شعارا،لأن الجانب العملي هو المحدد حقيقة لمصداقية كل فكر ومدى تجذره .

التشريع المتكامل ..لا التشريع الناقص
إن الطرح الذي قدمه الأئمة الهداة من أهل البيت عليهم السلام بخصوص الدين الاسلامي باعتباره شريعة خاتمة لكل ما سبقها من الشرائع الالهية، يستجيب في جميع مضامينه الى كل الاشكالات المطروحة من حيث شمولية ذلك التشريع ليطال جميع أوجه الحياة ، وترابط عناصره ، من ناحية ، وخلاصة عمل وجهد مثمرين لخط رسالي تعاقب عليه 124 ألف نبي وعدد آخر من الأوصياء يفوق بكثر عدد الأنبياء والمرسلين عليهم السلام.
لذلك يمكننا القول بأن التشريع الاسلامي بما أنه امتداد لحاكمبة الله سبحانه وتعالى، فقد جاءت فصوله تامة غير منقوصة ،ومحاوره مرتبة ومقدمة بحسب الأولويات والضرورات، ومشتملة على جمبع الأحكام التي يحتاجها الفرد والأسرة والمجتمع والشعوب في إدارة شؤون حياتهم ، ومنها بالضرورة مكونات الحكومة الاسلامية وخصائصها ، والبناء الاجتماعي وحقوقه وواجباته ، وما يترتب على ذلك كله من معاملات وعلاقات بالمحيط ، وتعامل مع بقية التركيبات البشرية.
وعلى خلاف ذلك نجد أن الفرق الاسلامية التي رأت في نهج السقيفة والخلافة،المورد المعتمد عندها في أخذ معالم دينها، قد وقفت عاجزة عن حل جملة من القضايا الأصولية والفرعية ، ولم تجد مخرجا ينقذها من ضائقة فقدان قرائن الأحكام، غير استنباط بعض الآليات التي لا علاقة لها بالتشريع والوحي، كاعتماد سيرة وسنة الصحابة أصلا من أصول الفقه، أو القياس أساسا من أسس استنباط الحكم .

وبنظرة بسيطة الى ما إحتواه التراث الإسلامي الشيعي ، نجده في تركيبته الأصولية والفرعية تاما شاملا، يستجيب لمقومات الدستور الكامل، ولنموذج الحكومة العادلة، والمجتمع الاسلامي الأمثل، نظرا للخصوصية التي تميز بها عن غيره من الخطوط، تمثلت في تكامل منظومته ، وتجانس تركيبته وتناغم أحكامه ، واستجابتها للمقاييس الدالة على أصالتها وتجذرها، وهي تؤكد منذ الانطلاق بأن الحاكمية المتمثلة في إمامة النبي صلى الله عليه وآله، ممتدة بعده كأداة لقيادة الأمة الاسلامية ، ووسيلة لحفظ وتطبيق الدين صحيحا متكاملا، على مدى القرون الثلاثة الأولى، استمرإشعاعه في الأمة ، سالما من التحريف الذي استفحل في بقية الفرق الاسلامية ،التي لم تعتمد على دور الامامة الالهية كقيادة هادية ، بل اعتمدت مسلكا آخر، معارضا لدعوى أحقية الامامة في قيادة الأمة، ومن هنا ظهر الفرق بين الطرح المتكامل والمسدد من الله تعالى، وبين ما رآه بعض الناس بديلا عن الحق، وألزموا العامة بأخذه والعمل به، بينما هو في حقيقته خليط صنعه التعصب الأعمى والحسد البعيض والمرض الذي لا دواء منه.
تقف الأمة الاسلامية اليوم في مفترق طرق ،لا تعرف الوجهة التي ستسلكها منه، وهي إذا لم تتنبه لحساسية موضعها و خطورته ، وإذا لم تحسب حسابا جادا لتجاوزه ، فانها قد تعطي لأعدائها فرصة الاجهاز على ما بقي لها من أمل في مستقبل فاعل، وغد مشرق على وجه هذه البسيطة، لأن الدين الاسلامي الذي أتى به النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم جاء ليكون رحمة للعالمين، دستورا ينعم تحت ظلاله كل الناس وجميع الكائنات، ليخرج الناس من ظلمات الجهل والتبعية العمياء الى نور العلم ، ومنطق العقل الواعي العارف بعلة وجوده وتكاليفه.

لا فصل للدين عن الحياة
لقد اعتمدت الفرق والمذاهب المخالفة لخط الإسلام المحمدي الذي إعتمده أئمة أهل البيت الإثني عشر عليهم السلام، الذين بشر بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل وفاته ، طريق فصل الدين عن الجوانب الحياتية الأخرى وعلى وجه الخصوص الجانب السياسي ، الذي إستبعد عن الساحة الدينية لعلماء الأمة وأتباعهم ، ولا يخفى أن المتسبب الرئيسي في ذلك، هو الإعتقاد السائد لدى عدد كبير من المسلمين، بأن الله تعالى ورسوله قد أهملا مسألة الإمامة والقيادة من بعد مرحلة النبوة ، مستدلين بحجة الشورى في الحكومة الإسلامية ، وقد أسست أحداث السقيفة، اللبنة الأولى لمشروع فصل الدين عن السياسة ، وزاد المر تعقيدا الانحراف الحاد لمسار الحكومة الإسلامية، وسقوطها بين أيدي الطلقاء المحاربين لله ولرسوله ولدينه، ففعلوا أفاعيلهم في عقائد الناس ، وأملوا عليهم تصورات فكرية، وأحكام فقهية مخالفة لما جاء به النبي الكرم صلى الله عليه وآله ، ومغايرة لما عند أهل البيت عليهم السلام ، وأمروهم بإتباعها قسرا.

إن الإسلام الذي تبناه أئمة أهل البيت عليهم السلام ،هو منهج متكامل تتناغم فيه كافة أوجه الحياة الفردية والجماعية ،الخاصة والعامة ، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، الفكرية والعملية ، الدنيوية والأخروية، بحيث لم يترك الدين الحق مجالا من مجالات الحياة إلا وله فيها ما يقدم ويطرح ، ولم ينشأ القصور ، ولا ظهر التخلف إلا بما أرغمت به الأنظمة المتسلطة على رقاب المسلمين الناس ،الذين كانوا يعيشون تحت دائرة بطشها، وغائلة حقدها على الدين وأهله . الإسلام الإمامي الإثني عشري، دين أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله كما أنزل ، لم يجد فيه الدارس العاقل إختلافا فيأخذه منه بالشك والريبة، رغم الإشاعات والدعايات التي كان ولا يزال يغذيها أعداء الحق هنا وهناك كذبا وتجنيا وعدوانا ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره المشركون.

أحقية الخط تكمن في النصوص التي عند الخصوم
لقد تعددت الأدلة التي تؤكد على أحقيه الإسلام الذي تبناه أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم رضوان الله تعالى عليهم، ولعل أبلغ ما يحتج به هؤلاء هي النصوص التي يستدل بها هذا الخط على أحقيته في قيادة الأمة ونشر فكره الأصيل والتي تتضمنها كتب المخالفين المعتمدة عندهم ، ككتب الصحاح ونحوها، ولم أعرف فيما اطلعت على حجة أبلغ من أن يحتج عليك خصمك من عندك ويقيم عليك الدليل من بيتك ومن فمك يدينك. وذلك السبب الرئيسي الذي دفعني إلى الإلتزام بخط أهل البيت عليهم السلام ، فتشيعت لهم راغبا فيما يجتمع عندهم من أنوار قدسية ، ونفحات إلهية ، تاركا ما كنت اعتقده حقا ،لوقوفي على حقيقة أنه خليط منمق صنع بأيد غير بريئة.

التجربة أكدت رفعة التشيع وأحقيته وصحته
إذا انصرفنا إلى جانب آخر من جوانب الاحتجاج ، وجدنا أن التاريخ الإسلامي على علاته قد أفصح عن مكنون ما يختزله الشيعة علما وعملا ، فلو تحققت من عظماء الأمة الإسلامية من علماء ومفكرين وشعراء ، لوجدت أن الريادة لم تتركهم إلى غيرهم ، وأن النبوغ والتفوق لم يخذل رؤساءهم يوما، وإن شئت فراجع الكتب التي تتناول أحوال من مضوا من كبار الأمة ، فستقف على حقيقة أخرى تنسجم مع النصوص التي لا تقبل التأويل .

النهضة الإسلامية المباركة لبلاد فارس
بشارة النبي الأعظم تحققت في الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الراحل روح الله الموسوي الخميني قدس سره الشريف ، واليت أطاحت بأعتى العروش الطغيانية ، وأقوى الأوكار التجسسية ، وأشد الأنظمة تبعية وولاء للإستكبار العالمي الذي تمثله أمركا ، تلك المنة الإلهية ما كانت لتتم لولا وجود الطلائع المؤمنة بدينه الحق ، والمثابرة على منهج الأئمة الأطهار من أهل البيت عليهم السلام ، فكانت الصحوة والنصر المؤزر الذي أعاد للشعوب الإسلامية الأمل في إمكانية تحقق دولة العدل العالمية بوجود هذا الرافد الهام.
وجاء انتصار الثلة المؤمنة من أمة حزب الله في جنوب لبنان على قوى البغي العالمي المتمثل في الكيان الصهيوني الغاصب للقدس تتويجا لحركة علمائية دءوبة ما انفك جبل عامل ومحيطه من كامل لبنان ينفتح عليها ويأتمر بأمرها، دليل آخر نسوقه لتتأكد حقيقة هذا الماء العذب الفرات السائغ للشاربين ، وبطلان ذلك الماء الملح الأجاج الذي لا يكاد يسيغ من يشربه.

من هو المسلم؟
إتفقت جميع الفرق الاسلامية الا من شذ، على أن من نطق الشهادتين دخل الإسلام، وإن لم بعمل ظاهرا بمقتضى الشريعة الاسلامية، أما تحديد المؤمن من غيره في تركيبة المجتمع الاسلامي فهي عملية احتمالية غير مؤكدة النتائج ، لأن نسبة المؤمنين في المجتمعات الاسلامية قليلة مقارنة بالمجموع العام للمسلمين ،وتمييزهم عن غيرهم لا يدركه الا الله سبحانه وتعالى ، أو بعض أفراد تلك القلة القليلة المسددين من الله تعالى، بينما تعسر أيضا معرفة كل المنافقين الذين يتظاهرون بالاسلام وهم في الواقع يتربصون به ، ويريدون للمؤمنين من أ تباعه الشر، وعلى ذلك وجب علينا كمسلمين أن نلتزم بالابتعاد عن تصنيف إخواننا ممن نطق بالشهادتين ، لأن ذلك الأمر خارج عن نطاقنا وليس من مشمولاتنا ، وإنما هو من إختصاص الباري تعالى كما كنت أشرت، وقد وصفهم العارف بهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عدة مواضع من خطبه، ولعل أبلغ ما قال في شأنهم :" إذا غابوا لم يفقدوا ، وإذا حضروا لم يؤبه لهم."
فلا تتكلف أخي المسلم بالبحث إلا عما يخصك، وألزم نفسك ولمها قبل أن تلزم غيرك.

دم المسلم وعرضه وماله حرام
حرمة المسلم على أخيه مؤكدة في دين الله أشار إليها الكتاب العزيز قال تعالى:" إنما المؤمنون إخوة" واضعا هذه الرابطة موضع التقيد بها وتنفيذ مستلزماتها من مراعاة للذمة والدم والعرض والمال. وقال أيضا في خصوص إطلاق ظاهر اللفظ والذي يشمل كافة المسلمين:"ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما." وبينها النبي صلى الله عليه آله بقوله:" يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت؟اللهم هل بلغت ؟."
لماذا تدعي جماعات من بني جلدتنا- نحن معاشر المسلمين- الانتماء إلى الدين، وتراها في جلابيبها ومظاهرها وحركاتها العبادية ، ما يوحي بتنسكها وتهجدها، ولكن لا اثر للرحمة في قلوبها ، ولا علامة للتقوى على وجوه أصحابها، إلا ما ظهر من آثار سجود مصطنعة، إذا تفرست في أكثر تلك الوجوه، فإنك إما أن ترى عليها علامات الفضاضة والغلظة والقسوة، فهي وقلوب أصحابها كالحجارة أو أشد قسوة، وإما أن تظهر لك من خلال بقيتها، خبث الذئاب ومكر الثعالب ، ارتسم الجهل على تقاسيمها ، وتربعت على نواصيها البلاهة والبلادة. قد تشكلت من عناصرها عصابات رفعت الدين المنظر من قبل الظالمين عنوانا لها، غير مدركة لزيف ما تبنته من قيم ، لولا خديعة السقيفة، ومكر بني أمية، لما أمكن لهذا الشبه أن يجد له مقاما في قلوبهم ، أمام الإسلام الحق الذي فداه أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم بأرواحهم ومعاناتهم المستمرة ،ولا يزالون يقدمون تضحياتهم من اجل أن تكون كلمة الله تعالى هي العليا ، وكلمة الذين نافقوا وفرقوا الأمة ، وأناخوا بها على غير شريعة هي السفلى.

فوارق تحتاج إلى العقل...لا إلى القتل
اليوم وصل السيل الزبى ، ولم يعد هناك من أمل يرتجى من قوم تجندوا لإطفاء نور الحق ، ما زلنا نعتبر هؤلاء الأشقياء إخوة لنا بغوا علينا ، وما زالوا يتحرقون شوقا إلى الجنة بقتلنا ، كأنما الدخول إلى تلك الجنة لا يتم إلا عبر بوابة تقتيل المسلمين الشيعة الذين يوحدون الله تعالى توحيدا أصح من توحيد هؤلاء ، ويؤمنون بكافة الرسل الذين أرسلهم الله تعالى وبخاتمهم وإمامهم معصومين من الأخطاء والفواحش الظاهرة والباطنة عمدها وسهوها مــنذ الولادة حتى الوفاة،أفضل من إيمان هؤلاء ، ونتميز عليهم بالعدل الإلهي بينما يعتقد هـــؤلاء بنسبة الظلم والشر لله تعالى ونؤمن بالقدر، خيره وشره ، وباليوم الآخــر، وبالجــنة والـــنار والحساب، فعلام يقتلوننا ويسفكون دماءنا؟ وإذا كان أبغض الحلال عند الله الطلاق؟ أفلا تتكون الدماء البريئة بغيض سفكها عند الله تعالى ، وحرمتها تفوق ذلك بأضعاف مضاعفة، نحن نعرف أن فتات الطعام المتساقط على الخوان هو مهر الحور العين ، وليس الدماء البريئة التي تراق مجانا وببرودة دم قل نظيرها ، ألم يقرأ هؤلاء قوله تعالى:" ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.." أم أن قراءتهم لكتاب الله لا تدبر فيها على ما يبدوا ؟

سمحت تلك العصابات من القتلة لنفسها أن تكون الخصم والحكم وأداة التنفيذ في نفس الوقت ، تقتل الأبرياء وتروع الآمنين ، وتقترف الجرائم النكراء، التي يتبرأ منها الشيطان نفسه، ويفر منها قرفا وهولا ولسان حاله يقول:" إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله". بدعوى الذود عن الدين ومحاربة الشرك والكفر، لا يعلمون من الدين سوى حفظ القرآن حفظ الببغاءات ، وترديده ترديدا بلا فهم ، كالحمير التي تحمل الأسفار ، ولا يفقهون حديثا غير بعض الروايات التي اختلط فيها الغث بالسمين يسردونها والسقيم بالسليم، يسوقونها دون إدراك لمعانيها، ولا لصحيحها من مكذوبها، والتي ظهر أن أكثرها لا تغني من الحق شيئا ، وضعها لهم أدعياء العلم والدين، من أتباع أولياء الظلم والجور، الذي تعاقب على رقاب المسلمين دهرا طويلا .

كل إناء بما فيه يرشح
ماذا أفرز خط السقيفة؟ وهو الخط الذي جاء نتيجة مؤامرة خسيسة على الدين وأهله ؟
معذرة لمن نأى بنفسه ،وصانها من الوقوع في منزلق مولاة فلول الإجرام ، فكلامي هذا موجه إلى الذين قرءوا التاريخ على علاته ، ولهم إلمام صحيح بالسيرة النبوية العطرة، التي كتبت قبل سيرة ابن هشام المدجنة والمقتبسة من سيرة ابن إسحاق، والمعفي منها ما يتصل بمقامات أهل البيت عليهم السلام ، لأن ابن هشام لم يكن مستثنى كغيره من سالكي طريق سلاطين البغي وحكام الظلم، كالبخاري الذي عمل جهده في ما سمى بصحيحه وتاريخه على إرضاء الظالمين ، ورثوا نتاج خط فصل الدين عن السياسة، والذي تعهد أتباعه على أن لا يمر شيء، يفضح ما بني على تلة البغي على حق الطاهرين من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
واستمر أمر أولئك على منوال التنكب عن الحق الى أن تأصلت فيهم نزعة الاطمئنان الى ركامهم المتنافر ، والتسليم بأنه الموروث الصحيح ، والعامل المتفوق على غيره ، والسبيل المتصلة بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم،وحتى لا تظهر الثلمة ولا تتظح الكبوة ، جاءت أبواق دعايات عصبيتهم المريضة بكذب سمج ثقيل ، وبهتان لا يقوم على دليل ، من أجل اعلاء خليطهم المتهالك ، ودعمه بالباطل الذي لا يغني عن الحق شيئا.

لقد قدم لنا هؤلاء قوالب صنعت وجهزت بعقول وأياد مشبوهة،من طرف أدعياء علم، فقدوا الخوف من الله تعالى وعاقبته ، وانغمسوا في طلب المتاع القليل، فضلوا وأضلوا سبيل أجيال جاءت من بعدهم، تطلب الدين والتقوى من كتبهم ، ظاهر كتب هؤلاء يحوي شيئا من ذلك ، لكن في باطنها السم الزعاف ،الذي لا يترك صاحبه إلا إذا استوفى مقدمات الضلال،وسلك مسلك الشيطان في محاربة الله تعالى ونهجه القويم.
ولا تزال زمر ضلالهم إلى يوم الناس هذا، تتصدى للمسلمين تكفيرا وتحقيرا وقتلا، فأحداث الوهابية في العصر الحديث صنيعة المخابرات البريطانية، حيث أرتكبت مجازر رهيبة في المناطق الشيعية بالحجاز و جنوب العراق، لعل أكبرها ما اقترفته أيديهم في كربلاء، بعنوان تطهير البلاد الإسلامية من الشرك ،وهم لا يعرفون له ولا للتوحيد الحق معنى، لأن عقيدتهم كلها مبنية على الشك والريبة ،لا على اليقين والحجة، فكتاب ككتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب تزدري منه الأنفس وتمجه العقول وحقيق بمن يقدر العلوم والكتب أن لا يصنف ذلك من بين الكتب عامة ، ولا من التراث الإسلامي خاصة . وتحت عنوان تطهير بلاد الإسلام من الشرك أقدموا على مجازر رهيبة، فقتلوا آلاف المسلمين الشيعة صبرا،وانتهكوا الأعراض وسرقوا ما أمكنهم حمله من أوقاف الإمام الحسين عليه السلام وممتلكات الناس . وما سمعنا عنه في أواخر القرن الفارط من جرائم وانتهاكات في أفغانستان ضد المسلمين الشيعة العزل حيث عاثوا فسادا في قبائل الهزارة الشيعة في أفغانستان، قتلا وسبيا وهتكا للحرمات،وتشريدا فضيعا قل مثيله في التاريخ ، وقد اكتشفت المقابر الجماعية في باميان ومزار شريف، بعد الهزيمة النكراء التي مني بها أنصارهم من الطالبان عليهم لعائن الرحمان، لتضاف إلى قائمة الجرائم التي لا تكاد تنتهي باسم الإسلام وأي إسلام ؟ لم تسلم منهم حتى بيوت الله في باكستان، فطافوا خلالها يفجرون، ويطلقون النار على المصلين المسلمين الآمنين ،لا لشيء سوى أنهم من شيعة أهل البيت عليهم السلام تقربا إلى الله بدمائهم ، لأن عقيدتهم تقول أن المسلمين الشيعة كفار لا يستحقون الحياة، فهل بعد هذا الجنون جنون؟

عجبي لمن يصدر فتاوي إستحلال الدماء البريئة، ويقتل من يشهد الشهادات الثلاث( توحيد الله والإقرار بنبوة محمد خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وإمامة الأئمة الأطهار من أهل بيت خير الأخيار ، أولهم الإمام علي وآخرهم المهدي المنتظر عليهم السلام ويأتمر بأوامر المرجعية من علماء الأمة العدول رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ) ولا يجد في نفسه حرجا بادعائه، أن قتل هؤلاء الأبرياء جزاءه الجنة.
وما يتناهى إلى أسماعنا من قتل مجاني غيلة وغدرا بالسيارات المفخخة ، والعناصر الانتحارية المفرغة من كل دين، والخالية من كل فكر،المستدرجة والمرسلة إلى العراق من قبل كل من له مصلحة في أن يبقى العراق في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، وعلى رأسهم الشيطان الأكبر أمركا وأزلامها من عملاء العرب ، لا فرق بين أن تكون مستهدفاتهم المساجد، أم المدارس أم المستشفيات أم الأسواق، المهم عندهم أن يكون الضحية عراقيا شيعيا . كل ذلك يجرنا إلى تذكر الماضي البعيد، واستعراض أحداث الحنابلة في العراق، وجرائم (فساد الدين الأيوبي) بمصر في القرن الرابع للهجرة، وفقهاء المالكية بشمال إفريقيا في القرن الخامس للهجرة، الذين استخدمتهم أم (المذل الصنهاجي وكان عمره آنذاك 8 سنوات) ، ليصدروا لها الفتوى التي استحلت بها دماء المسلمين الشيعة ، فاستقدمتهم لذلك من الأندلس طمعا في أن ينفرد ابنها بالحكم عن الفاطميين، وكان عمره في تلك الأحداث ثمانية سنين ، فوقعت المجازر المفزعة باسم الدين ضد شيعة أهل البيت عليهم السلام ،وبتحريك من الأنظمة الغاشمة، التي كانت تشعر بالخطر من التشيع ،لأنه يمثل دائما صرخة الحق المدوية ، والخطر المحدق بالظلم والظالمين ،وأنه الخط الذي لم ينثن يوما ليكون إلى جانب الباطل ، ولا أثر عنه أنه والى طاغية منذ أن تأسس على أيدي النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ،وبقدر ما مورس ضده العنف المادي، من قتل وتشريد وانتهاك، مورس عليه نوع آخر من العنف والتعدي ، وهو العنف اللفظي ، بالكذب والادعاء عليه بالباطل ، في محاولة لثني المسلمين عن الاقتراب منه والتطلع إليه . تلك الزمر جميعا وما تناسل منها من جهلة لا يعرفون للدين غير العنف ، جاء ميلادها خبيثا كتنظيم القاعدة وصاحبه التعيس أسامة بن لادن،وجماعة التكفير والهجرة، وفرسان الصحابة، وأنصار السنة وصاحبها الأردني الخبيث الزرقاوي ،جعلها الله تعالى أزرقا يوم القيامة وحشره مع الزرق ، مسميات بلا معنى ، ومظهر بلا جوهر، وغيرها من الفقاقيع التي سيكون مآلها مزبلة التاريخ في الحياة الدنيا ، وجهنم وبئس المصير يوم القيامة ،ولسوف يأتي اليوم الذي سيعي فيه المسلمون والعالم كله خطورة تلك الحركات ، وبعدها عن الإسلام الذي جاء ليكون رحمة للعالمين وليس نقمة عليهم ، عندها سوف تتكاتف العقول والأيدي لتطهر البلاد والعباد من هؤلاء الأرجاس القتلة.

وعجب آخر أسوقه في هذا المقام لعقول أبناء خط السقيفة والخلافة وضمائرهم كيف أصبحت لا تميز بين بر وفاجر ، وبين حق وباطل ،استوت كل القيم عند سوادهم ،نتيجة فقدانهم لأثر الأولى بالإتباع ، أصبحوا كالأغنام بلا راع ولا حارس، تلوذ بكل واعية وتلبي أي نداء، ويستهويها أي صوت، وتنضوي تحت كل راية، فهي طليقة ما تحمل من مفاهيم خاطئة، وكل إناء بما فيه يرشح.

نبي رحمة ودين حوار وتعايش
ذلك هو النبي الخاتم صلى الله عليه وآلهن بعثه الله سبحانه وتعالى بشيرا ونذيرا ، ليكون رحمة للعالمين وليس نقمة كما يشيع هؤلاء الجهلة. أمره خالقه أن يدعو الناس إلى العلم والمعرفة والحوار، قال تعالى :" وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن."
حتى أثناء دعوته للمشركين كان متبعا لأسلوب كله تفهم وحوار، طارحا أسلوب المقارنة بين العبادتين، فقال جل من قائل :" قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين."
ودعا أهل الكتاب إلى كلمة سواء ، واضعا أسسا لتلك الكلمة العظيمة ، فقال :" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون."
كما دعا أيضا الى عدم الاكراه في اعتناق وتبني الدين بقوله:"لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي."

تعالوا نوصل الى غيرنا من الأمم الصورة الصحيحة عن الاسلام ونبيه الأكرم صلى الله عليه وآله ، بعيدا عن هذا الغول المخيف الذي يرفع أبشع صوره هؤلاء المساكين المغرربهم من تنظيمات بدأت آثارها السلبيةتظهر على جسد الأمة المنهك فتزيده تعبا على تعب، تعالوا إلى رحاب الذين وصفهم النبي الأكرم بأنهم مستمسك الهداية ومبعد الضلال ، سفينة نجاة الأمة ثقل الكتاب والناطقون عنه صدقا وعدلا، أهل بيته الطاهرين وأئمة أمته المنصوص عليهم من رب العالمين، ولو عاد الناس إليهم وثاب القائلون لهم إلى رشدهم ، لنزلت عليهم بركات السماء والأرض ، ولارتفعت راية الدين عزيزة مهابة ، ولعلم الناس قاطبة حقيقة الإسلام ، وضرورته في أن يكون شريعة البشرية قاطبة ، وأصحابه عليهم الصلاة والسلام رحمة لهم قاطبة.

والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا
الماضي يقول أن ذلك الخط رغم كثرة أتباعه الآن، خط طاغوتي جائر لم يراع للدين مكانة ولا حرمة، لأن من صنع وجهته ونهجه، كان قاصرا عن إدراك أبسط الأحكام كالتيمم ، لذلك استطاع أبعد الناس غورا عن دين الله وهم الطلقاء أن يأخذوه منه لأن السقيفة وما سبقتها من مشاهد وتلتها من أحداث، دلت على أن كل تلك التحركات المريبة التي حصلت هنا وهناك على مرأى ومشهد ومسمع من النبي صلى الله عليه وآله ، كانت مقدمات دفعت بكل من كان كارها لمبدإ الإمامة الإلهي أن يتم ،إلى الوقوف ضد من خصهم الله ورسوله به، ولعل أكبر تجمع لم يكن قابلا بالمرة، أن يتولى علي وأهل بيته عليهم السلام من بعده قيادة الأمة ،هم المنافقون ومن تبعهم من الطلقاء الذين لم يتظاهروا بدخول الدين إلا حقنا لدمائهم، ويأسا من أن ينالوه بمكروه من خارجه، وكانت الصفقة تقتضي أن يكون للطلقاء نصيب في السلطة والحكم، ولن يتم ذلك إلا بالتمهيد لأولئك الذين تجندوا لإزاحة الأولى والأحق بالقيادة والإتباع بعد النبي صلى الله عليه وآله، وخلق حالة من الشك والريبة بالادعاء والتمويه على أهل الحق، والكذب على الله ورسوله إمعانا في حبك خيوط المؤامرة .

الطلقاء هم من ساعد أصحاب السقيفة وأعان على تثبيت مشروع فصل الدين عن الحياة بالادعاء أن النبي ترك أمر الحكومة للناس ولم يعين أحدا بعده ، وهي لعمري الفرية التي قصمت ظهر الشريعة ، وبترت أطرافها ، فجازوهم بأن يسروا لهم سبيل الاستيلاء على كرسيها، بتقريبهم وتقليدهم المناصب الحساسة، التي أفضت بهم إلى تنسم سدة الحكم.
أليس هذا الخط هو أول من ضيع سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مع ما فيها من أحكام هامة تتناول جميع أوجه الحياة ؟ أليس الخليفتان الأول والثاني من أحرق الأحاديث النبوية الصحيحة بعدما ناشدا الناس على تسليمها إليهما ؟، أليس الخليفة الثاني من منع الناس من الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ليس من مبرر على ما اقترفوه سوى خشيتهم من أن تختلط السنة بالقرآن، ورب عذر أقبح من ذنب ، إذ كيف تختلط السنة النبوية بالقرآن ، وهو الكتاب المعجز الذي لا يشبه تعبيره تعبير بشر، حتى لو كان ذلك البشر نبيا، ولكي تنطلي حيلتهم على المسلمين قالوا بأن القرآن لم يجمع على عهد النبي صلى الله عليه وآله، وأن الصحابة من قام بجمعه بجهود الخلفاء الثلاثة الأوائل، ناسبين التقصير في تبليغ الدين وحفظه لله تعالى، ولنبيه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ،والمدعى عليه بأنه قد مضى إلى ربه، وكتابه موزع بين الناس غير مجموع. وحتى يتذكر هؤلاء المغرر بهم ، والمدفوعين إلى خط الظلم والبغي بقوة يتصورون مصدرها الله ،لكنه الشيطان يدفع أولياؤه إلى الهاوية ثم يفر منهم.

إلى هؤلاء المغرر بهم نقول:ألم يكن النبي صلى الله عليه وآله كلما نزل عليه وحي يقرأه عليهم، ثم يقول لهم أكتبوه في الموضع الفلاني قبل سورة كذا وآية كذا؟ ألم يكن لعلي عليه السلام مصحف قدمه إلى هؤلاء بعد غصبهم للحكم فرفضوه ؟ أتدرون لماذا رفض مصحف علي عليه السلام وهو الكاتب الرئيسي للوحي، وباب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ لأن فيه التفسير الذي كان يبينه النبي صلى الله عليه وآله للناس، وأسباب نزول الآيات. ألم يكن لابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب مصاحف على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وغيرهم من الصحابة الذين يعرفون الكتابة؟ لأن العلم لا يثبت وينمو إلا عبر القلم والكتابة، فلماذا يدعون جمع القرآن بعد النبي صلى الله عليه وآله التقصير في حفظ شريعته وتثبيت دستوره؟

لقد أريد أن يكون للخلفاء الثلاثة منقبة مشتركة في حفظ كتاب الله، فالأول جمع نسخة منه على ما يدعي أصحابه، وأحرق الأحاديث بدعوى تسربها إلى الكتاب. والثاني استمر على ذلك الصنيع، وأكد بتشدده في معاقبة من يروي حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله من الصحابة ، والثالث أحرق المصاحف التي طالتها يداه وكان يمتلكها من بقي من الصحابة ، سعيا منهم جميعا إلى خلق حالة من الخلل والفوضى في مرجعية الدين والناس، بفقدهم لتفسير الآيات وأسباب نزولها ، بعد إقصاء باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله ، الإمام المبين الذي أحصى الله تعالى فيه كل شيء. وإحلال مرجعيات بديلة قاصرة على فهم أبسط المسائل، كما هو مسجل عليها في كتب التاريخ والسيرة.
الدين هو دين الله تعالى، فلماذا يتسلط عليه من هب ودب من أصناف الناس كأنما عادت ملكيته إليهم؟ فيصدرون الأحكام حسب ما تمليه أهواءهم ، لا مرجعية لهم ظاهرة غير أنفسهم المغرورة عديمة التمييز بين أبسط المقارنات .

عودة الدين إلى فاعليته في الأمة ، يبدأ من العودة إلى أهل البيت عليهم السلام ، فالأئمة الاثني عشر عليهم السلام ، الذين ذكرهم رسول الله في حديثه الذي أجمع المسلمون قاطبة على نقله والإقرار بصحته، هم مراجع الأمة الحقيقيون،والأمناء على دين الله تعالى ، والمستحفظون على شريعته من عبث العابثين ،اقرءوا سيرهم ومواقفهم ، وانظروا إلى ما تخلل حياة أتباعهم من تضحية وعطاء، وستدركون الإسلام الصحيح حتما، وستميزونه على الشبيه الذي تعتنقونه ، هذا إذا كانت نيتكم خالصة لله تعالى ، ولا تريدون من وراء ذلك دنيا تصيبونها. بالعودة إليهم تنجلي ظلمات التزييف والتزوير ، وتظهر الحقيقة ساطعة كالشمس ليس دونها سحاب.

تعالوا إلى الوحدة الإسلامية من بابها وانبذوا أبواق الفرقة
والوحدة الإسلامية تبدأ من التمسك بنهج الهداة من آل المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك فإننا ننادي أمتنا المشتتة إلى أن تنظر فيما آلت عليه حالها، وتبحث عن أسباب ذلك التردي والشتات ، والذي لا يخرج عن كونه مرتبط بالتحريف الحاصل في هرم الأمة .والذي أبعد إخوتنا عنا ثوابت ما كان لهم أن يبتعدوا عنها ، لولا زمر الفتنة والفساد التي تتظاهر بالتقوى ، وإتباع سنة النبي صلى الله عليه وآله ، وما هي في حقيقة الأمر متبعة غير سنن قوى الطغيان الشر، ولنتمسك بما أمرنا الله ورسوله بالتمسك بهما وهما الكتاب والعترة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام ، كما في الحديث الصحيح الذي اعترف الخاص والعام بثبوت وروده ، والذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآله : "إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تظلوا بعدي أبدا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض."

وقد يستغرب البعض من هذا الحديث ،ويعتبره بعيدا عن الحقيقة والواقع، ويعارضه بحديث:"كتاب الله وسنتي" ،والذي لا يعتبر من الأحاديث الصحيحة،لأنه مروي بلاغا ومالك صاحب الموطأ مصدره الأول ولم يذكر سنده، في حين أن حديث الثقلين متعدد الطرق صحيح الأسانيد، ومثبت في عدد من المصادر المعتمدة عند من يعتقدون أنهم متبعون لسنة النبي صلى الله عليه وآله ، كما لا يتنافى الحديث الذي رواه مالك بلاغا مع حديث الثقلين، لأن أهل البيت عليهم السلام هم وعاء السنة النبوية وحفظتها، بتأهيل الله تعالى لهم للقيام بذلك الدور، فإذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم كان لأجل ذلك، وفوق ذلك نقول إن مرجعية الأمة بعد رحيل نبيها، تتأكد من نواح أخرى سياسية واقتصادية وعسكرية في هؤلاء الأطهار.

نحن إذ دعوناكم إلى الأئمة الإثني عشر عليهم السلام ، المصرح بهم الحديث المستفيض في ما يسمى بالصحاح الستة عندكم، لم ندعكم إلى مجهولي النسب، ولا من لا يعرف له أصل ولا فصل ،ولا إلى أولياء كعب الأحبار الذي أوجدتم له المقام والموقع بينكم ، إنما دعوناكم إلى أهل بيت هو من أرفع البيوت شأنا، وأكبرها مقاما، وأقربها إلى الله تعالى ودينه القويم، أولئك الذين أدخلهم الله تعالى في سلسلة اصطفائه ، الذرية التي بعضها من بعض، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، بمنطوق كتابه العزيز، ونبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى عظيم منزلتهم ، وعلو مقامهم ، وجليل قدرهم، فقال فيهم ما قال مؤكدا إرادة الله تعالى في ذلك الإجراء ،كحديث السفينة:" إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق." وغيرها من الأحاديث التي كانت دائما تشير إلى أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ،من حيث كونهم المقدمون في الأمة بأمر الله تعالى، وليس بأمر نبيه فقط.
ودعوتنا هذه نابعة من النصوص التي ألزمتنا محتوياتها ، وحددت وجهتنا توجيهاتها ولم تأت من باب العطف والإشفاق أو التحيز الذي لا يستند إلى دليل، وإنما أخذت حجة ما توفر لدينا بأعناقنا، فأقررنا بها بعد الدرس والتمحيص الخالي من كل تعصب ، ورأينا فيها المسلك الوحيد المؤدي إلى الله تعالى، فأقررنا بها ومضينا على هديها لا نلوي على شيء ، ولا يهمنا عتب معاتب ولا لوم لائم ، لا المديح يأخذنا إلى الغرور، ولا الهجاء والتكفير بثنينا عن عزمنا في المضي قدما على طريق الله القويم وصراطه المستقيم ، مستأنسين بالذين أنعم الله عليهم دنيا وآخرة ، راجين منه أن يجمعنا معهم في مستقر رحمته .

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصر أمة الإسلام بواجباتها نحو أهل البيت عليهم السلام ، فتتخذهم أولياء ، وتعود إليهم في كل إشكالاتها،وفي هذا الخصوص ادعوها إلى قراءة مجردة نقدية ، ومقارنة علمية لا تعصب فيها ، بين تراث أهل البيت عليهم السلام ، وما حققوه للإسلام وأهله ، وتراث السقيفة وما حققته ، منبها على ضرورة أن يكون القراءات والمقارنات في حضور من المراجع المعنية وليس من كتب غايتها التشويش على المسلمين والكذب عليهم، لأن الحق أحق أن يتبع ، وليس بعد الحق إلا الضلال .

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة