المستبصرون » مساهمات المستبصرين

ابو مرتضى علي - الوطن العربي - 7 رجب 1426 - ثلاث خلفاء ... وبيعةٌ واحدةٌ ..؟ - ج3 (الفصل 1)-
البريد الالكتروني

الاسم : أبو مرتضى على
الدولة و المدينة : الوطن العربي
المساهمة :

بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على خير الخلق أبا القاسم محمّد وأهل بيته الطيبين الطاهرين واللّعن الدّائم على أعدائهم من الأولين والآخرين وإلى قيام يوم الدّين ..

إخوة الإيمان والعقيدة :
سلام من الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته .
**يقول الحقّ تعالى : (( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ، و من ينقلب على عقبيه فلن يضَّر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين ..))
- بحث في الخلافة (( الراشدة ))

ثلاث خلفاء ... وبيعةٌ واحدةٌ ..؟ - ج3 (الفصل 1)-

* إخوان الظاهر ، وأعداء السرائر :
... إنَّ حادثة السقيفة وما كان فيها وما صدر عنها.. وما أنتجت بعد مخاض المجادلات والمشادات التي تخللتها .. لم تَعُد لها أيّ قيمة تاريخيّة ، بعد أن ديست فيها حرمة الصحبة ، وانتزعت بيعةٌ قد خُطّط لها من قبل وفاة رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - .. فكانت مسرحيةٌ أعدَّ لها سلفا من قبل عمر ابن الخطاب ، فكان هو بطلها وصاحب الأمر والنهيّ فيها ، فأنجبت خلافة قيصرية باسم أبا بكر إبن أبي قحافة بعد أن مُهّدَ له الدّرب .. ثمّ إنتزعت له بيعة إنتزاعا ، وتلك كانت غايتهم ، وممن كان على رأيهم ..
.. وهكذا تُعتبرُ حادثة السقيفة لا قيمة لها في تاريخ الأمّة .. وما هي إلاّ كشحٌ من الحسد نسجته يد عمر بِوَبرِ البُغض لبني هاشم ، بدأ بأنكاثهِ منذ زمنٍ بعيد .. وذلك ما ستؤكّدهُ المناظرات بين عمر وإبن عبّاس (رض) مع أدلّتها الواضحة لمن عرف حكمة الله التّامة ، ومشيئته المُستمدّة من كرم عدالته ، وعرف نبيّهُ المصطفى (ص) واقتدى بهديه ، وألتزم بأمره ونهيّهِ .. ومن إبتغى الحقيقة من غير هذان المنهجان فلن يبلُغَ الغاية ، ولن يسلُك سُبُلَ النّجاة ، ولن يزيدهُ بحثُه إلاّ خُبالا وضلالا .. وإن عظُمت في نظره المصادر ، ووثّقت في ظنّه المسانيد ..
وقبل سرد الأدلّةُ الدّامغة في ما أدّعي .. فلا بأس أن نُعطي البحث حقّه في هذا التمهيد الموجز . والذي يُؤكّدُ لمن كان يؤمن بالله تعاله إسمهُ وعدله وحكمته التامة ، ونبوءة رسوله الأكرم (ص) ورأفته ورحمته على أمّته .. يعلم عندها علم اليقين بأنّهما لم يتركا الأمّة هُمّلا بعد إنتهاء الرسالة المحمّديّة الخاتمة ، وانتقال صاحبها إلى الرفيق الأعلى.. بل كانت هناك مقامات حيث أنذر وحذّر ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) أمّته من مغبّة الضلالة و الإرتداد .. كما أعلمهم بما سيحدثُ من بعده من خلافات، وأنها ستفترق على ثلاث و سبعين فرقة ، فرقة ناجيـــة ، والباقون في النار ... بل و أكثر من ذلك حيث أنبأهم بأنّ الخلاف يكون مباشرة مع غيابه عنهم (ص) ، كما بينت الآية الكريمة ذلك .. و قوله ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) مخاطبًا أصحابه : (( سيرتدّون بعده على أدبارهم القهقرى ، أو يردون عليه الحوض فيختلجون دونه بما أحدثوا بعده... و في بعض الأحاديث فيقال لي : أنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم [1]...
لذا لا يمكن لمن آمن بالله و رسوله أن يميل إعتقاده بأنه- صلى الله عليه و آله و سلّم- لم يكن يعلم بما سيجري بعده من خلافات فقد صرّح و لمّح و بيّن و ذلك كله حتى لا تكون حجّة لمحتجٍّ باجتهاد أو قياس أو ظنّ .. والمتتبّع لمواقف الإمام عليّ – عليه السّلام – تنجلي عنده الحقيقة الدامغة عن ما له من علم مسبّق قد أنبأه به الرسول الأعظم (ص) ، كما رسم له الطريق التي أمره باتباعها عندما تغدر به الأمّة من بعده .. فتدبّر في قوله (ع) ..))
... فو الله مازلت مدفوعًا عن حقّ مستأثر عليه منذ قبض رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) حتى يوم الناس هذا .. أو قوله في موضع آخر فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي فظننتهم عن الموت و أغضيت على القذى و شربت على الشجى و صبرت على أخذ الكظم و على أمرّ من طعم العلقم .. وما أبلغها حجّة إذ قال مخاطبا أبا بكر : (( فأن كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولو بالنبيّ وأقـربُ وإن كنت بالشورى ملكت أمورهـم فكيف بهذا والمشيرون غُيَّـب )) , [ وقد نأتي بالمزيد..]

وما دمنا نعتقد بأنه ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) مرسلٌ جاء بشيرًا و نذيرًا للعالمين إلى يوم يبعثون . فيكون من القصورٍ في التفكير، أو الافتراء المفضوح ، أن نُصدّق أو نعتقد بأنهُ ( صلى الله عليه و آله وسلّم ) ترك أمته بعده سدى من غير راع ، أو طريق واضح لمن يبتغي سبُل النجاة .. و قد وجدناه ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) ما كان يترك المدينة المنورة إذا خرج لحرب أو غزوة من غير أمير يخلفه عليها .. فكيف نصدق عنه أنه أهمل أمر أمته العظيمة بعده إلى آخر الدهر ..لكن كلّ ما عندنا من أحداث ومواقف تاريخيّة ، فهي من نسج عقول وأقلام إرتضاها أصحاب الإستبداد الفكري والسياسي ...
.. و هكذا نجزمُ بأنّ الإستبداد الفكري كان قرينا للاستبداد السياسي ، وهم معًا يكون من نتاجهم الانحطاط و التخلف الذي يصيب الأمم و الشعوب المبتلية بهما . و أظنني غير مبالغ إذا قلت : بأنّ الأمة الإسلامية و منذ يوم وفاة رسول الله ( صلّى الله عليه و آله و سلّم ) قد ابتليت بالإستبداد بشكليه الفكري و السياسي . فمنيَ التاريخ الإسلامي بحالات شاذة نتيجة لذلك ، و ليس أدلّ عليها التناقضات و الاضطراب الموجود في أكثر أحاديث الوقائع التاريخيّة ، فضلاً عن الأحكام الشرعيّة ، كما طال الاختلاف خصوصيّات الحوادث و الأحكام .. و كلّ متصفّح أو باحث في ثنايا السيرة أو التاريخ إلاّ و اصطدم بهذه الحقيقة المرّة .
و لا يمكن أن نُحمِّلَ ذلك على الغلط أو السهو و لا الغفلة في النقل أو الرواية .. بل كلّ ذلك كان عن وعيّ و دراسة من أرباب السياسيّة و النفوذ من يوم السقيفة حتّى يوم الناس هذا . وانظر لأشباه العلماء قديمًا و حديثًا ، و نزعتهم المنحرفة عن النقل النزيه و الأمانة التاريخيّة و كلّ ما تخطّ أقلامهم يكون مرتبط بالروح التي يحملونها فيختاروا كلّ منهم ما لا يفسد عليه رأيه ، و لا يصدّق إلاّ بما يجري على هواه ، كما ينقل إلاّ على الرجل الذي يتفق و مبادئه و إن كان وضاعًا كاذبًا ، و من لا يتفق مع ما يعتقده يكون صاحب بدعة وضلالة حتّى وإن كان ثيقة صدّوقا ..؟
.. وإذا أردنا أن نبحث في أوّل حادثة ذا بال وقعت بعد وفاة صاحب الرسالة (ص) مباشرة .. فهل تجد غير فلتة سقيفة بني ساعدة والتي أعدّت فصولها سلفا . وقد امتزجت مواقفُ أركانها بالاستبداد الفكري والسياسي .. مع ما صحبها من عنف لفظي وجسدي . وكان أشدّها منْ حامل لواءها عمر بن الخطاب بعد أن أطلق سهمهُ الأوّل على مبادرة الرسول الأكرم (ص) وتفضّله على أمّته بصكّ الهداية مدى الدهر ، لكن عمر أبى لها ذلك بدعوى فاجرة : (( حسبكم كتاب اللّه .. إنّ رسول الله يهجر..؟ )) , ونحن نسائل عمر ومن يُدافع على كفرياته : هل كان رسول الله (ص) قد هجر من قبل حينما يكون في حالات مرض ..؟.. وما السنن الشريفة التى نُقلت عنه حينها ..؟ - أعاذنا الله من الغواية - ...
والسهم الثاني جاء عن لسان صاحبه المغيرة بن شعبة حليف إبن هند بقول فاسق : وسّعوها في قريش لتتّسع .. حتّى يكون له ولأمثال نصيبا من فتاتها . وهكذا غُيِّب أهل البيت ( عليهم السّلام ) وكانت المؤامرة من أوضح الواضحات بعد أن إستأثروا بالأمر يوم السقيفة دون أن يؤذنوا أحدا من بني هاشم وأوليائهم ، وهم ثقلُ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) وأعدال كتاب الله تعالى [2].. وما أن أفاؤوا إلى مواراة الحبيب المصطفى ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) .. بل لم يحضروا جنازته المقدّسة ولم يعلموا بها .؟ .. كما سنأكّد ذلك حتّى فاجئوا أولياءه و أحباءه بسهم الغدر الذي طفح على سرائرهم الحاقدة و ذلك لأخذ البيعة منهم قهرًا أو التحريق عليهم ...

* من وضع نفسه مواضع التّهمة ، فلا يلومنّ إلاّ نفسه :
و لكن محاورات عبد الله ابن عباس مع عمر بن الخطاب أيّام خلافته توضح ما كان ملتبسًا و تكشف خفايا المستور على ما روى صاحب النهج و غيره من أصحاب السيرة والتاريخ .:
في مناظرات عدّة وقعت بينهما . وأختصرُ بعضها لمن يبتغي استجلاء الحقيقة من بين ركام الضلالة والافتراء، والتدليس ، وصولة السيف والنطع ..
1 - .. حيث يسأل عمر إبن عباس في إحدى مناظراته : يا إبن عبّاس ، أتدري ما منع الناس منكم ..؟
قال : لا يا أمير المؤمنين .
قال : لكني أدري .
قال : ما هو يا أمير المؤمنين ؟
قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة و الخلافة ، فتجحِفوا جِحْفًا ، فنظرت قريش لنفسها فاختارت و وفقت وأصابت .
فقال ابن عباس : أيُميط أمير المؤمنين عنّي غضبه فيسمع ؟
قال : قل ما تشاء .
قال : أما قول أمير المؤمنين : إن قريشًا كرهت ، فإنّ الله تعالى قال لقوم : « ذَلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أَعْمَالَهُمْ » .
و أما قولك : ( إنّا كنّا نجحف ) ، فلو جحفنا بالخلافة جَحَفْنا بالقرابة ، و لكنّا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) والذي مدحهُ قال الله تعالى في قوله : « و إنّك لَعَلَى خلق عظيم » ، و قال له : « و اِخْفِض جناحك لِمَنِ اتبعكَ من المؤمنين » .
و أما قولك: « فإن قريشًا اختارت » ،فإنّ الله تعالى يقول : « و ربك يخلُقُ ما يشَاءُ و يختار ما كان لَهُمُ الخَيَرة » و قد علمت يا أمير المؤمنين أن الله اختار من خلقه لذلك من اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت و أصابت قريش .
فقال عمر : على رسلك يا بن عباس ، أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشّا في أمر قريش لا يزول ، و حقدًا عليها لا يحول ...؟
فقال ابن عباس : مَهْلاً يا أمير المؤمنين ؟ لا تنسب هاشمًا إلى الغشّ ، فإن قلوبهم من قلب رسول الله ( صلى الله عليه و آله وسلّم )الذي طهره الله و زكّاه ، و هم أهل البيت الذين قال الله تعالى لهم : « إنما يريد الله ليُذهِبَ عنكم الرجسَ أهْل البيت و يُطهِّرَكم تطهيرًا » .
و أما قولك : (( حقدًا )) فكيف لا يحقد من غصب شيئه ، و يراه في يد غيره .
فقال عمر : أما أنت يا ابن عباس ، فقد بلغني عنك كلامٌ أكره أن أخبرك به ، فتزول منزلتك عندي .
قال : و ما هو يا أمير المؤمنين ؟ أخبرني به ، فإن يكُن باطلاً فمثلي أماط الباطلَ عن نفسه ، و إن يكُن حقًا فإنّ منزلتي لا تزولُ به .
قال : بلغني أنّك لا تزال تقول : أُخِذَ هذا الأمر منكم حسدًا و ظلمًا .
قال : أمّا قولك يا أمير المؤمنين : ( حسدا ) ، فقد حسد إبليس آدم ، فأخرجه من الجنّة ، فنحن بنو آدم المحسود .
و أما قولك : (( ظلمًا )) فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو .
ثم قال : يا أمير المؤمنين ، ألم تحتج العرب على العجم بحقّ رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) و احتجت قريش على سائر العرب بحقّ رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) ، فنحن أحقّ برسول الله من سائر قريش .
فقال له عمر : قم الآن فارجع إلى منزلك ، فقام ، فلمّا ولّى هتف به عمر : أيها المنصرف ، إنّي على ما كان منك لراع حقك .
فالتفت ابن عباس فقال : إنّ لي عليك يا أمير المؤمنين و على كلّ المسلمين حقًا برسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) ، فمن حفظه فحقّ نفسه حفِظ ، و مَنْ أضاعه فحق نفسه أضاع ، ثم مضى .
فقال عمر لجلسائه : واهًا لابن عباس ، ما رأيته لاحى أحدًا قطّ إلاّ خصمه . [3]

* هذه الكلمة عن ابن عباس تدلّ على أنه من المتسالم عليه عندهم أن الخلافة قد ثبتت بالنص على الإمام علي ( عليه السلام ) و أنها بأمر الله و اختياره و لو لم يكن ذلك لأعترض عليه الخليفة .
2 - وفي محاورة أخرى تحجّج عمر بصغر الإمام عليّ (ع) وحداثة سنّهِ ، وحبّه لبني عبد المطلب .. ولكن ابن عبّاس – رض – لم يُملهُ حتّى ألقنهُ الحجّة البالغة .. فقال له : (( والله ما استصغره الله حين آمر أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر..))
3 - وأمّا دعوى حبّ الإمام (ع) لبني عبد المطلب .. فكذلك قالها لعثمان بعد أن إتّهمه بحبّ بني أميّة ، إلاّ أنّه ومع ذلك مهّد له طريق الخلافة [ وقد نشرح ذلك في القادم من البحث] ..و نراهُ تارة أخرى يتحسّر عن وفاة سالم مولى أبي حذيفة بُغية تولّيه الخلافة من بعده .. أو سعد ابن أبي وقّاص .؟ فأين مقام من ذكرهم عمر من مقام عليّ (عليه السلام ) ..؟ فهل لكم من فتوى لذلك .. ؟

إن يحسدوك على علاك فإنّمــــــا ***** مُتسافلُ الدرجات يحسدُ من عـلا

4 - وفي رابعة .. قال عمر لإبن عباس : (( ... لقد كان لرسول الله في أمره ذروٌ منَ القول لا يُثبتُ حجّة ، ولا يقطعُ عذر ، ولقد كان يربع في أمره وقتا ما ، ولقد أراد في مرضه أن يُصرّح باسمه ، فمنعتُه من ذلك ، إشفاقا وحيطة عن الإسلام . ولا وربّ هذه البنيّة لا تجتمعُ عليه قريش أبدا ..؟ ولو ولّيها لانتقضت عليه العرب من أقطارها .. فعلم رسول الله (ص) ما في نفسي ، فأمسك وأبى الله إمضاء إلاّ ما حتم ..؟ )) [4] .. [ فلن يكون أمر الله إلاّ ما جاء على لسان حبيبه المصطفى الأمين ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) .. وأمّا ما قمت به أنت يا عمر ، فهو من عند نفسك ، والتي ابتغت الحسد لبني هاشم على ما أتاهم الله من فضله ، فكرهت بأن تكون النبوة والخلافة فيهم .. رغم بيعتك له يوم غديرغمّ وكلماتك المأثورة .. بخ بخ لك يابن أبي طالب قد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة ..[5] .

* من علامةُ اللؤم ، الغدر بالمواثيق :
وبعد هذه المناظرات والتي شاء الله لها أن تنجوَ من مصائد التحريف والحذف ، وطوامير الإبعاد والنسيان ، لتكون حجّة على كلّ المتخرّسين وملتمسِ الأعذار الواهية والحجج الباهتة .. فكلمات عمر ..: كرهت قريش .. أو قوله ولقد أراد أن يُصرّح باسمه ، فمنعتهُ من ذلك ..؟ ... فهذه الكلمات تنمُّ على مخطط مسبق من قبله وأصحابه ، للتصدّي لإرادة الله تعالى ورسوله الكريم (ص) حتى لا تتمّ بنصب الإمام عليّ (ع) كخليفة شرعي على الأمّة الإسلامية حين وفاة الرسول الخاتم (ص) ... فبعد تلكم الأقوال التي تناقلتها كتبهم المعتبرة وسيرتهم الموثّقة .. لم يعد لأعذارهم سندا ولا لحججهم موضعا .. كمنع عمر لرسول الله (ص) من كتاب وصيّته بحجّة الرأفة والرقّة المزعومة .. أو تخلفهم على جيش أسامة حتّى شملتهم لعنة الرسول الأعظم (ص) بدعوى انشغالهم على حالته (ص) وكرهوا أن يذهبوا وهو على تلك الحال حتّى لا يسألوا عنه الركبان .. أو أنّ رسول الله (ص) أمر أبا بكر بأن يُصلي بالنّاس دليلٌ على خلافته .. في حين أنّه كان خارج المدينة حين وفاة رسول الله (ص) .. فمتى كانت صلاته ..؟ أو دعواهم المجرّدة على الأنصار أنّ الخلفاء من قريش بعد أن أحتجوا بالشجروأضاعوا الثمرة .. كما قال الإمام عليّ (ع) .. وكيف لعمر أن يتحسّر على فقدان سالم مولى أبي حذيفة بُغية أن يولّيه الخلافة من بعده .. وسالم ليس من قريش لا في العير ولا في النّفير ..؟ فهذه وغيرها كلهاّ وساوس شياطين الإنس أوحاها بعضهم لبعض . فلم يعد لها أي معنى في موازين القسط ، ولا في عقول أصحاب البصائر .. أمام مقولة عمر : (( كرهت قريش بأن تكون النبوة والخلافة في بني هاشم ..)) , من هنا يكون للحقّ جهةٌ واحدةٌ : فإمّا في ما اختار عمر لقريش . أو في ما أراده رسول الله (ص) ومنعه عمر منه ، بقوله : (( هجر رسول الله .. حسبكم كتاب الله ))[6] .
من هنا إمّا أن نكون مع ما قال عمر وعندها نكون من أنصار السقيفة والخلافة التي تأسّست على أنقاضها ، وإمّا أن نكون مع ما كرهت قريش وابتغاه الله ورسوله (ص) وهو عليّ وبنيه (عليهم السلام) , [ وكلّ على نفسه لبصيرة .. ]
... وحتّى نستجلي الحقيقة التي شاءوا لها أن تُتلفَ بين سراديب النسيان ، أو تضيع معانيها بين التأويل والتحريف وقلب الحقائق .. مرضاة لأهواء أو طمع في فتات زائل . وهذا البلاء قد مُني به التاريخ الإسلامي بعد ما سعوا جاهدين على أن يجعلوا من أفعال أوليائهم وأقوالهم الحقّ المستطاب والنّهج الصواب بعد أن زيّنوها بسبْخِ الإفتراء وأقلام الرّشا .. ورغم ذلك لم يزيدوها إلاّ قبحا وبشاعة في نظر أصحاب البصائر والضمائر ومن عرفوا ماهيّة الكمال والحكمة من مشيئة الله ، والعظمة والعصمة من خُلُق رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ..
ومن المؤسف حقّا ، أنّ في الأمّة من يدع لتلكم الضلالات ، ويُدافع عن مرتكبيها . دون علم نافع ولا برهان قاطع .. وليتنا نجد بينهم من يُعطينا الجواب الشافي ، والبرهان الجليّ لبعض من التساؤلات المصيريّة حتّى نتبيّن شروط الولاء والتبرّي .. دون الركون إلى الأحلام وصكوك التوبة المجانية ولا التأويلات الرخيصة .. بل نريد الدليل ، ولا شيء غير الدليل القطعي دون التعدّي لكتاب الله تعالى ، ولا النيل من حضرة رسوله الأعظم (ص) .

1 - بعث جيش أسامة بن زيد :
.. كان رسول الله (ص) يُصرُّ على بعث جيش أسامة ، وقد عقد لواءه بيده الشريفة يوم الجمعة السادس والعشرين من صفر سنة إحدى عشرللهجرة . وأمره أن يُسرع السير إلى موضع مقتل أبيه ، فاليوطئهم الخيل . وقد ولّيه إمارة الجيش وفيه أعيان الصحابة كأبي بكر وعمر وأبا عبيدة وسعد ...
كما أمره (ص) أن يُسرع حتّى يسبق الأخبار . ثمّ قال له : (( أغز بإسم الله وفي سبيل الله وقاتل من كفر بالله ..))
ولكنّهم تثاقلوا ، وطعنوا في تأمير أسامة عليهم . حتى كان يوم السبت العاشر من ربيع الأول . فخرج عليهم رسول الله (ص) محموما معصّبَ الرأس ليُحرّضهم على التعجيل .. ثمّ ثقل في مرضه ( صلوات الله عليه وآله ) فجعل يقول : (( أنفروا جيش أسامة ، جهزوا جيش أسامة ، أرسلوا بعث أسامة .. لعن الله المتخلّف عن جيش أسامة ..)) , وإلى هنا وينقطع المشهد .. ثمّ بعد يومين يفاجئنا عمر داخل حجرة الرسول الأعظم (ص) وهو بين أزواجه وأهل بيته (ع) ، مانعا إيّاه من كتاب وصيّته الأخيرة لأمّته حتّى يعصمها من الضلال من بعده .. بتلك الكلمات النّابئة .. (( إنّ رسول الله يهجر .. حسبكم كتاب الله ..)) , وتعالوا لنسأل حماة هذه الأفعال :
- 1 - من ينبئنا بأنَّ الرسول الأكرم ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) هو الذي طلب من عمر الحضور وترك المعسكربأمر منه (ص) ..؟
- 2 - ما قولهم في إعتراض عمر وتصدّيه لأمر رسول الله (ص) . . وقوله ..حسبكم كتاب الله ..؟ وأين السنّة النّبويّة .. وكيف إشترط إبن عوف على الإمام عليّ سيرة الشيخين حتّى يُبايعهُ للخلافة ..؟ وهنا عمر يُلغي سيرة المصطفى - صلى الله عليه وآله - وسنّته ..؟
- 3 - هل من المعقول لمن أمن بالله ورسوله واليوم الآخر بأنّ يكون مع ما قال عمر، ويترك أمر رسول الله .؟
- 4 - هل من الدّين أو الحياء أن يقف أحدٌ بحضرة الرسول الأعظم ويُشبّه أمّهات المؤمنين بصويحبات يوسف (ع) . وهل يرتضي أحدكم لنفسه بأن تُنسب حليلته لذلك السنخ من النّسوة .. أو أن يقف مثل ذلك الموقف؟
- 5 - ما ردّكم على قول رسول الله (ص) لعمر بأن أزواجه خير منه وممن إتّهمه بالهجر (( نعوذ بالله من قول الزور والبهتان )) وما رأيكم بمن تكون آخر كلمة له من رسول الله (ص) أغرب عن وجهي ..؟
هذه قليل من كثير لن تجد له تفسير مقنع ولا تأويل صائب .. إلاّ أضغاث أحلام ، وصكوك توبة مجّانيّة ، ودموع ندم عند سكرات الموت .. بل أحد المتفيهقين من أشياعهم كانت له جرأة ، حيث أعتبر إعتراض عمر على رسول الله (ص) ، كان على إقتناعه بأن الأمر ليس للوجوب ..؟ وكيف يكون ذلك .. أمِنْ قول رسول الله (ص) : (( لا تضلّوا بعدي أبدا ..)) أم هناك أعظم من مصلحة أن تهتدي الأمّة حتّى آخر الدهر ..؟ أم من وقوع النزاع في حضرة النبي الأكرم (ص) وزجرهم بالإنصراف ..؟ وإذا كان عمر قد فهم المسألة في حدّ الإستحباب ، فلماذا تلك الكلمات اللاذعة ..؟ وهل يرض أحدهم بأن يوجّه مثلها لعزيز عليه في حالة إحتضار ..؟ ثمّ أيّ معنى لقوله : (( حسبكم كتاب الله ....؟ ))

2 - إنكار عمر لموت رسول الله (ص) :
وكيف خرج على جموع المؤمنين المذهولين من هول الفاجعة ، وهو يصرخ ويهدد هاتفا بهم : (( ما مات رسول الله ولا يموت حتّى يُظهر دينه على الدّين كلّه .. وليرجعنّ فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته .. لا أسمع رجل يقول مات رسول الله إلاّ ضربته بسيفي .[7] وإنّما ارتفع إلى السّماء ))[8] , وهل صحيح ما يزعم أشياعه من أنّه قد خبل في ذلك اليوم ..؟[9] أم صحّ رأي إبن أبي الحديد حيث يقول : .. أظهر عمر ما أظهرحراسة لدّين والدولة ، إلى أن جاء أبو بكر ، وكان غائبا ، عندها قوي به شأنه ، وأشتدّ به أزره ، فسكت حينئذ على تلك الدّعوة التي إدّعاها ، لأنّه قد أمن بحضور أبي بكر من خطب يحدث ..؟ أو فساد يتجدّد .. أو وقوع فتنة في الإمامة ..؟ [ وهي بغيته ُوغايته] أو تقلّب أقوام عليها إمّا من الأنصار أو غيرهم .. [10] .. حتّى وصل ابو بكر قادما من السنح ( موقع خارج المدينة على بُعد أربعة أميال ) وقال كلماته المشهورة : (( من كان يعبد محمّد ، فإنّ محمّد قد مات ، ومن كان يعبدُ الله ، فإنّ الله حيّ لا يموت ..))
عند سماع عمر لمقالة أبا بكر إنهار ولم تعد قدماه تحملاه من وقع الصدمة .[ تلك كانت دعواهم ].. لكن نراه وبعد لحظات يصول ويجول بين سقيفة بني ساعدة والمسجد النبوي الشريف ، ليرسم أسس الخلافة التي إرتضاها .. فلم يعد ذلك المحزون المنهارمن وقع المصاب .. بل نراه يكسر سيف الزبير .. ويدفعُ في صدر المقداد .. ويطأ سعد ابن عبادة وهو يصيح : (( أقتلوا سعدا قتله الله .. أو أقتلوه فإنّه صاحب فتنة ..)) [11] , ويحطّم أنف الخباب بن المنذر ..[12] بل ويطرحهُ أرضا ويطأ بطنه ويدسُّ في فيه التراب ..[13] ثمّ يسعى نحو بيت الزهراء (ع) وبيده عسيب نخل ليحرقه و من لجأ إليه .. ليتي أستطيع أن أفهم ، أو أجد سبب مقنعا لما قام به عمر بعد خروجه من عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) وقد اطمئن على إلغاء الوصيّة كما اطمئن على وفاة رسول الله (ص) .. لأنّ كلمة : (( حسبكم كتاب الله ..)) تعني بكلّ وضوح إنتهاء عهد الرساله وبداية العهد العمريّ . ولكن مع عدم وجود أبا بكر وأبا عبيد وخالد بن الوليد .. ضمن المفجوعين خارج البيت النبوي . قد يُفسد عليه مخططه . . فأثار تلك الزوبعة ، حتّى يجتمع الشمل ، وكان له ما أراد .. وإلاّ :
- 1 - لماذا هذه الإعتقاد عند عمر بعودة رسول الله (ص) . ومن أين له ذلك ..؟ ، وهل أخبرهم (ص) بأنّه قد تكون له غيبة كنبيّ الله موسى (ع)..؟ فهل هذا مكرٌ أو قلّة علم بأنّ الموت يجوز على رسول الله (ص) كما جاز على من سبقه من الأنبياء والمرسلين (صلوات من الله عليهم أجمعين ) .
- 2 - ولماذا حكم القطع على من يعتقد بوفاته (ص) ..؟
- 3 - ومن أخبره بأنّ رسول الله لن يموت حتّى يُظهر دينه على الدّين كلّه ..؟
- 3 - حقا لو كان الباعث لعمر عن إنكاره وفاة رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) حبّه له و حزنه عليه لمَا كان ينبغي له أن يترك جنازته بين أهله في بيته و يسارع إلى سقيفة بني ساعدة ..؟
- 5 - و ما عذرهم في عدم حضور أبا بكر و عمر دفن رسول الله .. و لربّما كانوا يحتفلون بالمناسبة – و هذه أمّ المؤمنين عائشة تقول : ما علمنا بدفن لرسول الله حتّى سمعنا صوت المساحي في جوف الليل ..ليلة الأربعاء[14]

* من أبدأ صفحتهُ للحقّ هلك :
3 - كيفية كشف بيت فاطمة :
.. أقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم على من اجتمعوا عند الامام علي ( عليه السلام ) في بيت الزهراء , فلقيتهم ( عليها السلام ) , و قالت : يا ابن الخطاب ، أجئت لتحرق دارنا ؟
قال نعم أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمة [15]: [ و هل تكون الأمّة من دون بني هاشم وأهل البيت (عليه السلام ) ]
و يقول ابن قتيبة في الإمامة و السياسة : إن عمر جاء فناداهم و هم في دار عليّ ( عليه السلام ) فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب و قال و الذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنّها على من فيها , فقيل له : يا أبا حفص إن فيها فاطمة ؟!
فقال: و إن ...,؟
وقد كان لبعض أتباعهم في ذاك الموقف ذرة من الحياء ، حيث خاطب عمر: أتُحرّق عليهم وفاطمة بنت رسول الله معهم .؟
وكان ظنّه أن عمر قد نسي ذلك ، لكنّ (( الفاروق )) خيّب ظنّه وقال له : (( وإن ))[16].
[ لها الله يا عمر،.. ألم تسمع في ما مضى قول رسول الله (ص): (( فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني ومن أذاها فقد آذاني ..))" [2] .أو قوله الشريف (ص) : (( من أغضب فاطمة فقد أغضبني ، ومن أغضبني أغضب الله ومن أغضب الله أكبّه على منخريه في النّار)) [17].
فماذا بقي للمتخرّسين حماة الباطل وأهل البغي .. وهذا شاعرهم حافظ إبراهيم في ديوانه ، يفتخر بضلال أولياء:

وقولة لعليّ قالها عمــــــــــــــــرُ ***** أكرم بسامعها أعظم بمُلقيــــــــا
حرّقتُ دارك لن أبقي عليك بهـــا ***** إن لم تُبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفصة بقائلهــــا ***** أمام فارس عدنان وحاميهــــا ..؟

.. فأيُّ عظمة لمن ينطق بما يُغضبُ الله ورسوله (ص) يا شاعر الضلالة ..؟ وأين كانت تلك العظمة حينما دعاه عمر ابن عبد ودّ يوم الخندق للمبارزة ..؟ أو خوفهُ من مرحب يوم خيبر وفراره يوم الزحف في أحد وحنين [18].
ولكن ذلك ما أوحت به شياطين الجنّ والإنس لأوليائهم . .[ والله مسائلهم عن كلّ لفظ وفعل . وهو بكلّ شيء عليم .]
ثمّ نسأل حماتهم بما يجيبون على تظلّم الإمام (ع) وتشكّيه ممّا لقي منهم :
(( والله لقد تقمّصها إبن أبي قحافة ، وليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إلي الطير .. فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تُراثي نهبـــا .. وطفقتُ أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء .. ما شككتُ في الحقّ مذ رأيته .. لم يوجس موسى (ع) خيفة على نفسه ، بل أشفق من غلبة الجهّال ودول الضلال ..)) , وقد سأله بعض الأصحاب : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ .؟
فقال (ع) : (( يا أخا بني أسد إنّك لقلقُ الوضين ، تُرسِلُ في غير سدد ولك بعد ذمامة الصهر ، وحقّ المسألة . وقد إستعلمت فأعلم .. :وأمّا الإستبداد عليها بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا والأشدّون برسول الله (ص) نوطا . فإنّها كانت أثرة شحّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ، والحكم الله والمعود إليه يوم القيامة ...

ودع عنك نهبا صيح في حجراتــه ***** ولكن حديثا ما حديث الرواحل ))
[ النهج ج9] ..

ومن خطبة له (ع): (( حتّى قبض الله رسوله (ص) رجع قوم على الأعقاب ، وغالتهم السُبل، واتكلوا على الولائج ، ووصلوا غير الرّحم ، وهاجروا السبب الذي أمروا بمودّته ، ونقلوا البناء عن رصّ أساسه ، فبنوه في غير موضعه معادن كلّ خطيئة وأبواب كلّ ضارب في غمرة قد ماروا في الحيرة ، وذهلوا في السكرة ، على سُنّة من آل فرعون : من منقطع إلى دنيا راكن ، أو مفارق للدين مباين )) [ النهج ج9 ] .. ومن أراد المزيد فليراجع شرح النهج يجد بغيته .
ثمّ نسأل أوليائهم :
- هل فيكم من يتّهم الإمام عليّ ( عليه السّلام ) باليمين الكاذبة ..؟ أو يتّهمه بإدّعاء الباطل ..؟
- هل تجوز موالاة من يُغضبُ الله ورسوله (ص) ؟.. أم تتّهمون الرسول الأعظم (ص) بإتّباع العواطف والأهواء وليس بوحيٍ يوحى فيما جاء على لسانه الشريف في حقّ إبنته الزهراء البتول ( عليها السّلام ) ؟
- هل فيكم من يعتقد بأنّ الإمام عليّ (ع) يكون قائدا لفتنة من أجل الخلافة .. وهل يوجب فعله الإحراق ..؟
- و ما السرّ في إعتقادكم من دفن المصطفى ليلا .. وكذلك إبنته الزهرا (ع). ؟ .. وعدم حضور الشيخين الجنازة في حالتين ..؟ حتما هناك سرٌّ عظيم .. ولكن اسألوا التاريخ لو كان ينطق ..؟
- وكيف كان دفنه (ص) في حجرة عائشة ، وهي لم تكن تعلم بدفنه حتّى سمعت صوت المساحي على ما جاء عن لسانها في صحيح البخاري ..؟ .. وكيف ورثت وتصرّفت ووافقت على دفن أبيها وعمر بجوار الرسول الأعظم (ص) ، ولم توافق على دفن الحسن المجتبى حفيده (ص) ..؟ ثمّ يدّعون بأنّ الأنبياء لا يورّثون حتّى يحرم الزهراء (ع) إرثها ، وهكذا تاريخهم كلّه مطبّات ملؤها الضلال والافتراء.. ولله المشتكى.

4 - فدك : عُمر يغتصبها وعمر آخر يُعيدها ..

قــد كــان بعدك أنباء وهنبثــــــــة ***** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّـا فقدنـاك فقـد الأرض وابلهــــــا ***** واختلّ قومك فاشهدهـم ولا تغب
تهجّمتنا رجال واستخّف بنــــــا ***** إذ غبت عنّا فنحن اليوم نُغتصب [19]

.. لم أجد عذرا لمن إرتكب المظلوميّة الخالدة في حقّ الزهراء البتول فاطمة بنت محمّد ( صلى الله عليهما وسلّم ) .. ولو حملّناهم على سبع مائة محمل ، لأنّ الخطب جلل، والمصاب عظيم .. ولن تجد أمّة أساءت لنبيّها في آله وذريته كما أساءت هذه الأمّة المفتونة . وما لقيته الزهراء وبعلها وبنيها ( صلوات الله وسلامه عليهم ) من ظلم وافتراء وحسدٍ وتعدّ .. يعجز القلم ومهما أوتي صاحبه من فنون البلاغة أو ذاكرته من مجال التصوير، فلن يعطي الفاجعة حقّها . وذلك منذ وفاة الحبيب المصطفى ، بل منذ إحتضاره ( صلوات الله عليه وآله ) .. فأجازوا لأنفسهم البدعة ، واستصاخوا قول الزور، واستطابوا الحسد وطعموا منه حينما اغتصبوا من الزهراء إرث أبيها المصطفى (ص) . بعدما اغتصبوا الخلافة من بعلها (ع) .. حيث أوّلوا كتاب الله تعالى ، وكذّبوا السنن الشريفة ، وسُحق الحياء من على جبينهم ،و ديست المروءة من بين أفئدتهم .. فلينظر من له دين ، وجبلت نفسه عن عزّة الإيمان .. هل جرى في الإسلام تجرُّأ عن الحقّ وأهله بمثل ما جرى في قضية فدك .. ؟
وهل هناك أظلم وأبشع من طلبِ الزهراء (ع) بإقامة البيّنة على أحقّيتها بتركة الرسول وميراثها من أبيها (عليهما السلام ) . وآية التطهير خير شاهد لها على صدق دعواها عند من آمن بالله ومحكم كتابه ، وصدّق برسوله وسار على هديه . فكلّ العجب أن يتوهّم مسلم ولو كان من الهمج الرعاع بأنّ أهل البيت ( عليهم السلام ) قد يدّعون ما ليس لهم بحقّ ، بعد أن أذهب الله عنهم الرّجس وطهرهم تطهيرا في محكم الكتاب كلاّ وألف لا.؟
وهذا وسام الشرف الخالد : (( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويُطهّركم تطهيرا )) أجمع أهل التفسير بأنها نزلت في حقّ أهل الكساء و هم رسول الله و فاطمة و علي و الحسنان [20] و كفاك برهانا على أنهم أفضل من في الأرض يومئذ و لم يكن غيرهم حائزًا على هذه الفضيلة الإلهيّة لا من بني عبد المطلب ( كما اعترف ابن عباس من أنها نزلت في أصحاب الكساء ) و لا من أزواج النبي ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) كما شاء البعض ذلك.. بدليل قول أم سلمة ( رضي الله عنها ): و أنا معهم يا رسول الله ؛ ما أنا من أهل البيت ؟
قال : إنك إلى خير وهؤلاء أهل بيتي [21] .
و الكذب و كما هو معلوم من الرجس و لا خلاف في أن الزهراء ( عليها السلام ) ادعت ارثها فتكون صادقة في نظر الصادقين و محقّ في إعتقاد المؤمنين . و لكن أهل الاستبداد الفكري و السياسي و من والاهم من جهّال العوام و أهل الجدل في نصرة الظلمة أبوا إلاّ تكذيب أمر الله و أمر رسوله ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) و هو القائل في حق ابنته فاطمة (( عليها السلام )) :« فاطمة بضعه منّي يسخطها من يسخطني ، و يرضيني ما أرضاها ».[22]
و بعد شهادة الله تعالى و رسول الأمين في حق الزهراء ( عليها السلام ) هل من الحق أو العدل أو الإيمان أن نقول بأنها - سلام الله عليها - ادعت ما ليس لها أو إنها لم تكن تعمل بأن الأنبياء لا يورثون حتّى أخبرها أبو بكر بذلك عن رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) ..؟ و لو افترضنا صحة ذلك أفترى إن الزهراء ( عليها السلام ) لم تكن تعلم من الشريعة هذا المقدار .. هذا مع ملازمة النبيّ لها ليلاً و نهارًا إذ كان يحوطها برعايتــــه و عنايته ، فهل يا ترى تقنع بأنّه ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) يُخبر الناس من أمثال أبا بكر و لا يخبرهــا ولا بعلها عليّ ( عليه السلام )..؟ و حاشا الحبيب المصطفى (ص) أن يترك ما ينبغي فعله ، و لم يقل ما ينبغي قوله ..
و لكن قبل أن نغوص أكثر في متاهات المظلوميّة ، تعالوا نتصفح أحداثها و نستجلي حقيقتها من أقوال إمام الموحدين و سيد الغرّ المحجلين ( عليه السلام ) وهو يجيب من سأله عن ترك حقّه : (( بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أضلته السماء ، فشحت عليها نفوس قوم ، و سخت عنها نفوس آخرين و نعم الحكم الله و ما أصنع بفدك و غير فدك و النفس مظانّها في غدٍ في جدثٌ تنقطع في ظلمته آثارها و تغيب أخبارها.. )) , ( و لن نزيدَ على قولك يا مولانا يا أمير المؤمنين.. فنعم الحكم الله ، والموعد القيامة .. ) و أمّا موقف الزهراء مع أبا بكر و صاحبه عمر ، فهو يمثل صرخة الحق الخالدة بخلود الأيّام و السنين ، و صولة الحقيقة ببراهينها القاطعة عن الدعاوي الكاذبة . من كتاب الله تعالى وحُكمَ رسوله ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) رغم تفنن أهل الباطل و حماة الجور في التماس الأحقية لما قام به أولياءهم ، بزخرف القول ووساوس الافتراء و التدجيل .. و لكن الحق يعلو و لا يعلى عليه و إن كان بعضهم لبعض ظهيرا .

* حقّ وباطلٌ ولكلٍّ أهـل :
فاغضض بصرك ، و هات بصيرتك و التمس لنفسك أذن واعية .. فالمشهد لن يتكرّر .. فانت في حضرة الزهراء أم أبيه ( صلوات الله عليها ) حيث القرآن الناطق يطعن خاصرة الباطن فيزهقه :
لما بلغ فاطمة ( عليها السلام ) إجماع أبا بكر على منعها فدك ، لاثت خمارها ، و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها ، تطأ في ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلّم ) ، حتّى دخلت على أبا بكر و قد حشد الناس من المهاجرين و الأنصار ، فضرب بينها و بينهم ريطة بيضاء , و قالوا : قبطية بالكسر و الضمّ , ثمّ أنت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء ، ثمّ أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم ، ثم قالت : أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد و الطَّوْل و المجد ، الحمد لله على ما أنعم و له الشكر بما ألهم .
و ذكر خطبة طويلة جيّدة قالت في آخرها : « فاتقوا الله حق تقاته ، و أطيعوه فيما أمر كم به ، فإنما يخشى الله من عباد العلماء ، و احمدوا الله الذي لعظمته و نوره يبتغي من في السموات و الأرض إليه الوسيلة ، و نحن وسيلته في خلقه ، و نحن خاصته ، و محل قدسه ، و نحن حجته في غيبه ، و نحن ورثة أنبيائه ، ثمّ قالت : أنا فاطمة ابنة محمد ، أقول عودا على بدء ، وما أقول ذلك سرفا و لا شططا ، فاسمعوا بأسماع واعية ، و قلوب راعية ،
ثم قالت : « لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم » فإن تعزوه تجدوه أبى دون آبائكم ، و أخا ابن عمّى دون رجالكم .. ثمّ تقول (ع) : ثمّ أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي ؛ « أفحكم الجاهلية تبغون و من أحسن من الله حكمًا لقومٍ يوقنون » إيهًا معاشر المسلمين ،أابتز إرث أبى .؟ أَبَى الله أن ترث يابن أبى قحافة أباك و لا أرث أبى ..؟ لقد جئت شيئًا فريًّا ، فدونكما مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، و الزعيم محمّد ، و الموعد القيامة ، و عند الساعة يخسر المبطلون ، و لكلّ نبإ مستقرّ و سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه و يحلّ عليه عذاب مقيم ...
ثمّ خاطب الأنصار : أفتأخرتم بعد الإقدام و نكصتم بعد الشدّة ،و جبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم ، فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون .. ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، ور كنتم إلى الدعة ، فجحدتم الذي وعيتم ، و سغتم الذي سوّغتم ، و إن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا فإنّ الله لغنيٌّ حميد .. ألا و قد قلت لكم ما قلت على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم ، و خور القناة ، و ضعف اليقين ، فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر ثاقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة الشعار ، موصولة بنار الله الموقدة ، التي تطلع على الأفئدة ، فبعين الله ما تعملون « و سيعلم الذي ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون » ..[23]
.. ألا يكفي أهل البصائر هذا التوضيح من لسان من رضعت من ثدي النبوءة ، وتدرّجت في حضن الرسالة ، وتربّت عن أخلاق العصمة .. وأمّا المبتلين بعدم التدبّر والتمييز بين الحقّ والباطل . لعلّهم وبالعودة إلى المصادر: كشرح النهج للمعتزلي ..وغيره قد يهتدون لما خفي عليهم ، وقصُر إدراكهم عن فهمه .. وأمّا القسم الثالث وهم أهل الإستبداد والبغي ومن والاهم من أنصار اللجاج والتعنّت .. أبوا إلاّ التضليل عن أمر الله تعالى ، والتعدّي عن حُكم رسوله الأعظم (ص) وهو القائل وقوله الحقّ : (( فاطمة بضعة منّي ، يُسخطها ما يُسخطني ، ويُرضيني ما أرضاها )) [24] ..
وكيف لا تكون صادقة وقد شهد لها صاحب لواء الصدق والعدل .. هارون الأمّة ، وصدّيقها وفاروقها ، وباب حطّته ، وسفينه نجاتها ، وباب مدينة علم نبيّها (ص) ..[25] وكانت ردفا له في الشهادة على أحقّية البتول (ع) وبطلان دعوة المدّعي ، إمرأة من أهل الجنّة ، وأمّ رسول الله (ص) من بعد أمّه ..أمّ أيمن (رض) [26] .. ألا تكفي هذه البينات نورا ساطعا لمن يبتغي مسالك النّجاة و دروب الفلاح .. والإبتعاد عن مزالق أهل اللجاج وتضليل والعناد ..من تِعلاّت قاضي القضاة أو تأويلات إبن الحديد وافتراءات ابن تيميّة .. السابحين في متاهات الضلال، وأبحر الغيّ ...ثمّ نسألهم قبل أن نودعهم :
ما حكمهم على ما فعل عمر إبن عبد العزيز ، حين أعاد فدكا على أبناء الزهراء (ع) ..؟ فهل كان مُحقّا أم كان مبطلا ..؟ أم تقولون ما قال أسلافكم من أئمّة الضلال وعلماء السوء ، حين سمعوا بذلك .. : نقمتَ على الرجلين فعلهما ، ونسبتهما إلى الظلم والغصب ..؟ وتلك كانت حُجّتهم ، فلعنهم الله بظلمهم . ولكنّهُ (رض) ألقمهم الحجّة التي لن يفهموها مدى الدهر .. بقوله : (( أنّكم جهِلتم وعلمتُ ، ونسيتم وذكرتُ ..))" [27]
وحتّى الفصل الثاني نستودعكم الله .
والسّلام في البدء والختام ممن سيبقى على العهد مقيما
أخوكم أبو مرتضى عليّ

[1] صحيح مسلم ج 8 ص 107 .
[2] إشارة إلى أنّ أهل البيت (ع) هم عدل الكتاب .. وقد أحرجه مسلم والترمذي والنسائي وأحمد ..
[3] الطبري في تاريخه ج 5 ص31 والإبن الأثير ج 3 وشرح النهج ج 2 ص 18 .
[4] شرح النهج ج 12 ص 20 و21 كشف اليقين للحلّي ص 462 .
[5] سرّ العالمين ص لأبي حامد الغزالي ص 21 و تاريخ بغداد ج 8 ص 290 تلريخ دمشق ج2 ص7
[6] راجع الجزء الأوّل من هذا البحث .
[7] تاريخ أبي الفداء ج1 ص 164 و تاريخ ابن شحنة بهامش الكامل ص 112 وسيرة زيني دحلان ج3ص390 ..
[8] التتمّة في تاريخ أبي الفداء .
[9] السيرة الحلبيّة ج 3 ص 392 .
[10] شرح النهج لإبن أبي الحديد ج 1 ص 129 .
[11] تاريخ الطبري ج2 ص 201و202 ..
[12] شرح النهج ج2 ص16 .
[13] السقيفة لإبي بكر الجوهري ..
[14] إبن هشام ج4 ص 344و الطبري ج2 ص 452 و إبن كثير ج5 ص 270..
[15] إبن عبد ربّه ج 3 ص 64 و تاريخ أبو الفداء ج 1 ص 156 ..
[16] راجع ماتقدّم من بحث ، مع كنز العمّال ج1 ص 12..
[17] البخاري ج 5 ص 26 و سنن البيهقي ج 7 ص 64 والبغوي ج14 ص 158 ..
[18] راجع الجزء 1 من هذا البحث
[19] تفسير القمي ج2 ص 155و 157 والإحتجاج ج1 ص 90 –93 ..
[20] الطبري في تفسيره ج 22 ص 5 و مسند أحمد ج1 ص 230 والسيوطي في الدر المنذور ج5 ص 198..
[21] مع ما تقدّم من مصادر – مستدرك الحاكم ج2 ص 416 . سنن البيهقي ج2 ص 150.إبن كثير ج3 ص485 عن أم المؤمنين عائشة ..
[22] راجع ما جاء تحت رقم 17.
[23] شرح النّهج ج 12 ص 212 ..
[24] راجع المصادر في ما سبق من هذا البحث .
[25] راجع المصادر في ما سبق من هذا البحث .
[26] كنز العمّال ج 12 ص 146 ح 34416.. تهذيب التهذيب لإبن حجر ج 12 ص 459 .
[27] شرح النهج لإبن أبي الحديد ج 2 ص 278 و الشافي في الإمامة للمرتضى ج4 ص 103 ..

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة