المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 12 رجب 1426 - الهجرتان
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
الدين والمذهب السابق : سني ـ مالكي
المساهمة :

الهجرتان

بين أن يخرج الإنسان مهاجرا إلى الله تعالى طلبا لرضاه، وبين أن يخرج مهاجرا إلى الدنيا طلبا لمودتها،تتباين الهجرتان من حركة الإنسان،وسعيه طيلة عمره المحدود نحو هدفه الذي رسمه لنفسه.
والهجرة لغة من هاجر يهاجر هجرة والهجرة : الخروج من أرض إلى أرض والمهاجرة :من أرض إلى أرض ، ترك الأولى للثانية، والهجرة في الأصل إسم من الهجر ضد الوصل (1) .

للهجرة حركتان إحداها ظاهر للعيان، وتتجلى في حركة الجسد ومغادرته للبيت والأهل والوطن ، والأخرى نزوع باطن، وتتمثل في حركة الروح ضمن إطار العامل الفكري والإيماني الذي إكتسبته من خلال تطلعها إلى بلوغ درجات الكمال الإنساني، وتأيد بإفاضة من إفاضات الباري تعالى.
ولا يمكن تقديم حركة الجسد ووضعها في ميزان الاعتبار دون النظر إلى حركة الروح، ذلك لأن الجسد لا يمكنه أن يمثل غير جزء بسيط من تركيبة الإنسان ، والروح فيه هي الأساس ، كما أن القلب والعقل جوهرتان لتلك الروح ، والجسد مشتمل على بقية النوازع والغرائز البهيمية، التي لا تتحكم في تفاعلها وتأثيرها غير تلك الجوهرتين المودعتين في الروح.
والروح نفسها بحاجة إلى أن تتهذب وتصقل بالقيم التي جاء بها الوحي ، فهي كعنصر مخلوق لله تعالى ترى في نفسها القصور الضعف ، كلما ابتليت ببلاء أو امتحنت أو وقعت تحت تأثير جرم اقترفته، لذلك فهي في كل حالات اليأس والرجاء ، الشدة والرخاء تحت سقف الألطاف الإلهية ، لا ترى لها بديلا ، ولا تعرف لغيره تعالى ملجأ وملاذا تفر إليه ، وتهاجر له ..
إذا لا يمكننا أن نميز بين هجرة وأخرى ، إلا إذا كانت لدينا معرفة بسرائر أصحابها ، وهو أمر صعب المنال ، لا يهبه الله تعالى إلا لخلص أوليائه ، لكن تبقى هنالك إمكانية واحدة لمعرفة الغايات من هجرة المهاجرين ،وحركة السالكين على وجه الأرض، والتمييز بين الهجرة التي يراد بها وجه الله تعالى، وبين الهجرة التي يراد بها الدنيا ومتاعها، وهي سلوكيات وتصرفات وأفعال وأقوال الشخص ، لأن الإنسان مخبوء تحت لسانه كما يقول الحديث الشريف، ولأنه أيضا يحتمل صفات وعناوين عديدة جرت على ظاهره بحيث لم يعد هناك بد من الإقرار بأنه مصنف ضمن قائمة الولاية ، ويتحرك في دائرتها،أو هو مصنف ضمن أتباع الشيطان ، ويتحرك في دائرة أوليائه.
قال تعالى:"فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم."(2)
وقال كذلك:"ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما.(3)"

قد يعتقد بعض السطحيين من قارئي القرآن ودارسيه بأن القصد من البيت في الآية الشريفة ، هو ما يصطلح عليه من ظاهر الجمادات التي نعيش بينها وهي البيوت التي نعيش تحت أسقفها ، ذلك المعنى صحيح في جانب من جوانبه ،إلا أن المتعمق في معاني الكتاب العزيز والسابر لأغواره العميقة ، والباحث عن درره التي لا تكاد تنفد ، يستطيع أن يدرك دون عناء أن القصد من البيت هي الدنيا بكل أبعادها المادية ، التي غالبا ما تكون حائلا دون الإنسان وخالقه ، تشغله عن هدفه الأصلي ، وتصرف عمره في ما لا يجد له أثرا في آخرته.

والهجرة حقيقة هي نزوع الروح من رغبات الجسد إلى رغبات الرب تبارك وتعالى، ومن أخلى روحه من سيطرة قفصها الذي هو الجسد، وجعلته تابعا طائعا لها فقد أربى على الهجرة الحقة ، وكان من ضمن الذين وصفهم الله تعالى بالصابرين والقانتين والمجاهدين وكل الصفات التي تنطبق على المؤمن الكامل.
الهجرة التي يراد بها وجه الله تعالى - ولا أقصد بالوجه هنا ما يعتقده سفهاء السلفية والوهابية من أن الله تعالى له وجه ، تعالى الله عن ذلك، لأن الذي ليس كمثله شيئ ليس جسما ، والجسم وحده هو الذي له وجه، والجارحة من خصائص الجسمية ، والجسمية من خصائص المحدثات، وتعالى الله عن ذلك كله، وقد ورد في القرآن الكريم آيات بينات تحدثت بضرب من التقريب لفهم عقولنا القاصرة معاني الذات الإلهية المقدسة ، فخلط الجاهلون ذلك خلطا أولوه تأويلا غير جائز ، ووقعوا في خطإ تجسيم الذات المقدسة فهلكوا وأهلكوا من إتبعهم. إذا المقصود من الوجه في كلامي وفي الآية الشريفة هي الذات نفسها التي لا تحتمل التركيب ولا التجزئة ولا الحيز و لا الكيف ولا الأين ولا متى - هي الهجرة التي بنيت على أساس من التقوى ونبعت من ذخيرة إيمان دفعت صاحبها إلى أن يسقط الدنيا من جميع حساباته ، ويباشر التعامل مع الوعد الإلهي الحق ، ألا وهو الإعداد للآخرة .
أما الهجرة الأخرى التي قد تكون متلبسة ظاهرا بالمظهر الإيماني فهي غالبا ما تكون بعيدة عن حركة أولياء الله تعالى ، لاختلافها الواضح مع الهجرة الربانية ،واصطدامها وانكشافها في أول امتحان يعترضها، لبعد صاحبها عن إدراك معاني العقيدة والتوحيد والوعد والوعيد ، واقتصاره من الدين على ظاهر بسيط لا يرقى إلى القيم الإيمانية التي غالبا ما تكون الدافع الحقيقي لحركة المؤمنين نحو الله تعالى .

لا يمكننا أن نتكلم عن نموذجي الهجرة دون أن نقدم للقارئ الكريم أمثلة عنهما ، لنقف على مدى تباين الوجهتين ، وإختلاف شخصيات كل طريق ، وتباعد الهوة بين كل فريق، لأن كل إناء بما فيه يرشح، وطالما أن التوجه إلى الله تعالى لا يقاس بالتوجه إلى الدنيا ، فإننا مصممون على أن تكون النماذج لها دلالاتها عند جميع المسلمين، لأنها تعتبر رموزا لدى هؤلاء ولدى هؤلاء، والفريقان ظاهرا يريدون الله تعالى ، ولكن يحكمنا توجه واحد إليه ، ويأخذنا صراط واحد لا يفضي المرور من غيره إلى شيء.

نبدأ أولا بذكر الصنف الأول من الهجرة والحديث عن أصحابها الذين يعتبرون بحق أولياء الله تعالى في أرضه ، وعباده الذين إتقوه سرا وعلانية ، مرت حياتهم سريعة كالبرق ، فلم يعي الناس تفاصيلها ، وخفي عنهم كذلك ما أعفاه مؤرخوا وحفاظ وكتاب السير ، إستجابة لأوامر حكامهم ، الذين كان يقلقهم ظهور الآثار ، لأنها كانت تمثل الحق ، وتناهض الظلم الذي كان يمارسه أولئك الحكام ضد محكوميهم.

لقد مثل أمير المؤمنين علي عليه السلام قطب المهاجرين إلى الله تعالى فآوى إليه المستضعفين من كل حدب وصوب ، فأنس بهم وأنسوا به ، وكان لهم إماما كما كانوا له رعية وموالي صالحين ، تماما كما كان النبي صلى الله عليه وآله كهفا للمستضعفين في بداية دعوته ، وتواصلت صلته الوطيدة بهم إلى التحق بالرفيق الأعلى ، تاركا أمر التواصل معهم إلى وصيه إمام الأمة عليه السلام.
فكيف كانت هجرة علي عليه السلام ؟ ولماذا حاول من حاول تهميشها؟

هجرة أمير المؤمنين عليه السلام
مظلومية علي وأهل بيته عليهم السلام بدأ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانتهاء بآخر من إنتسب إلى الشجرة المباركة لا تكاد تنتهي ، لأن الذين اشتركوا في ظلم أهل البيت عليهم السلام وإيقاع الأذى بهم قد تعددت أجناسهم وطرقهم وأعرافهم ، فاشترك في تلك الجريمة النكراء مختلف طبقات الناس ومن الذين يدعون أنهم مسلمون انتقلت العدوى إلى الذين هم خارج إطاره وبعيدون عن منظومته ، رغبتهم الوحيدة هي البروز بالحرب لله تعالى ولرسوله لعل سعيهم يفلح في القضاء عليه أو الحد من إنتشاره.

تميزت حياة الإمام علي عليه السلام كلها بالمبادرة والتعجل لكل خير ، يقينا منه بأن المبادرة إلى الشيء خير من إنتظار مجيئه ، آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وصدقه قبل الناس جميعا، بسبب ملازمته له منذ نعومة أظافره، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو من تلقاه وليدا وألقمه فمه فكان أول ما دخل بطنه ريق سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم ، وسماه عليا ولم يكن الاسم دارجا في العرب ، ثم كفله بعد ذلك وأخذه معه إلى بيت وبيت خديجة سيدة نساء العالمين عليها السلام، إذا يمكننا إعتبار أن أمير المؤمنين فطر على الإسلام صغيرا ، ورباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مكارمه وأخلاقه ، ثم دعاه إلى الإيمان به واتباعه على دينه ، منذ الوهلة الأولى، حتى قبل زوجته خديجة لأن عليا كان ملازما النبي صلى الله عليه وآله وسلم كظله، فلا يحجبه عنه شيء ، ولا يحول دونهما حائل مهما كانت قيمته.

أجهد علي عليه السلام نفسه خلال الفترة المكية فكان يقوم بأعمال متنوعة تنفيذا لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهو مكلف بمراقبة الغرباء الذين يدخلون مكة لمعرفة الذين يرغبون في مقابلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن تتفطن إليهم قريش ، وما يتبع ذلك من مرافقتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كنف السرية والحيطة ، تماما كما حصل لأبي ذر الغفاري..
تعددت أدوار علي عليه السلام ، وتنوعت مهامه التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يأنس بتكليفها لغيره.

عندما قال أمير المؤمنين عليه السلام سبقت الناس إلى الهجرة ، كان يقصد جيدا ما يقول، فبعد وفاة أبيه سيد مكة وشيخ البطحاء مؤمن آل محمد أبو طالب بن عبد المطلب عليه السلام ، إشتدت قريش وأزلامها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى لم يعد هناك بد من البحث عن مستقر آخر يلجأ إليه بدينه ، فبدأ يعرض نفسه على القبائل العربية المحيطة بمكة ، وكانت الطائف هي أول محاولات هجرته.(4)

خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى الطائف ومعه أخاه بالمؤاخاة الأولى التي حصلت بمكة مصحوبين بزيد بن حارثة مولاه، لكن ثقيفا لم تأبه لوجوده ولا التفتت إلى حديثه ،وزادت على ذلك أن حرضت عليه صبيتها وعبيدها فقذفوه بالحجارة ، فوقف علي عليه السلام وزيد يقيانه الضربات التي تكاثرت فلم تمنع محاولاتهما من أن يصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،بجراحات أسالت منه دماءه الزكية ، فغادر الطائف بعد عشرة أيام من مكوثه بها .

وقد تعددت محاولات هجرة النبي بحثا عن موطن يستقر فيه بعيدا عن عنت وتسلط وإيذاء قريش فخرج إلى بني عامر بن صعصعة ، والى قبيلة ربيعة والى بني شيبان ، ولم يكن معه في تلك الهجرات غير علي عليه السلام ، ومن ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم غيره ، بينما فر من فر وهو محاط بالجموع .(5)

عندما أذن الله تعالى لنبيه بالهجرة إلى يثرب كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيته وكان علي عليه السلام معه كما هو شأنه دائما،فاخبره بالأمر ، وأعلمه بتآمر المشركين على قتله تلك الليلة أو صباحها، فأراد أن يتجهز معه ، غير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، استوقفه وطلب منه أن يبقى من أجل أربعة أمور:

الأمر الأول: أن يبيت علي في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدائيا محتسبا نفسه عند الله تعالى وسط العشرات من الفتية الشداد المحيطين بالبيت النبوي المبارك، والذين ينتظرون لحظة الانقضاض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإجهاز عليه، فكان عليه السلام أول فدائي في الإسلام ، وأعظم فدائي ، لأنه فدى بنفسه الشريفة سيد الخلق كما فعل ذلك من بعد في حنين ، وفي المواطن التي تخاذل فيها أكثر الصحابة.
الأمر الثاني: بقي على أن يؤدي الأمانات التي كانت بعهدة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابها.
الأمر الثالث: تصريفه لشؤون بقية المسلمين المستضعفين الذين يرغبون في الهجرة ولا يجدون طريقا لها يأمنون به بطش وسطوة قريش.
الأمر الرابع: تجهزه للهجرة بنساء أهل البيت عليهم السلام، وهن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام، وأمه فاطمة بنت أسد ، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب ، وفاطمة بنت حمزة، وقد سميت تلك الهجرة بهجرة الفواطم ، وكادت أن تسقط من كتب خط السقيفة ، لأن العادة التي أسكنها الظالمون في عقول أتباعهم من الحفاظ والمؤرخين جرت على إعفاء كل ما تعلق بعلي وأهل بيته عليهم السلام ، وإلغاء كل فضيلة لديه ، لأنه يمثل الوجهة الأخرى للإسلام ، والرؤية التي لقفها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سليمة بيضاء نقية وثبت عليها، بينما تخبط غيره في مستنقع اختلط فيه الماء الآسن بالماء الطاهر.

لم يكن بقاء علي عليه السلام من تلقاء نفسه، ولو كان كذلك لعد تخاذلا وتقاعسا عن مرافقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمطلع على سيرة مولى المؤمنين عليه السلام لا يجد بدا من الاعتراف بالشخصية المتميزة والفريدة للإمام سلام الله عليه ، حيث كان دائما أبدا على عهد خاتم الأنبياء والمرسلين صاحب مبادرة في كل المواطن التي تخاذل فيها غيره دون استثناء ، لم يرهبه شيء أبدا ، كانت كلمات:" لبيك يا رسول الله".." أنا لها يا نبي الله ".." مرني بأمرك يا حبيب الله" تصدع آذان المرتابين ، وتقلق راحة المبغضين . لم يخرج براية النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد غيره عدا غزوة تبوك التي استبقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم رغم حاجته الشديدة إليه في حربه ضد الروم ، لأن المصلحة اقتضت بقاءه في المدينة تحسبا من المنافقين الذين خططوا للاستيلاء على المدينة بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت رغبة علي عليه السلام إرضاء الله تعالى ، وإن كان القتال في سبيل الله وبذل النفس تحت راية رسوله تستهويه ، إلا أنه كان في آخر المطاف راضيا بموقعه الذي خصه الله ورسوله به ، وهو إمارة المدينة ، ليس ذلك فقط، فقد تجلت كلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم واضحة للناس عندما استبقاه قائلا: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي."(6)
فما أعظمها منزلة لكل ذي بصيرة وتمييز جمعها رسول الله في جملتين ، خصصت الأولى منزلة علي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونفت الثانية من تلك المنزلة وظيفة النبوة.

وبإحالتنا الحديث المجمع على صحته وتواتره على كتاب الله تعالى، نستطيع تحديد تلك المنزلة في الآيات القرآنية التالية:
قال تعالى:"واجعل لي وزيرا من أهلي* هارون أخي* أشدد به إزري* أشركه في أمري* كي نسبحك كثيرا* ونذكرك كثيرا* إنك كنت بنا بصيرا." (7)
وقال أيضا:"..وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين." (8)

لقد دلت الآيتان بشكل واضح لا يحتمل التأويل على أن عليا كان وزيرا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشريكا في جميع خصوصياته ما عدا الوحي ، حتى الوحي كان مولى الموحدين يسمعه ويراه لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما سمع علي رنة الشيطان اليائسة :" يا علي انك تسمع ما أسمع وترى ما أرى ، إلا أنك لست بنبي ."(9)

وباعتبار تلك الخصوصيات التي لم تكن في يوم من أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم واحدة منها لغيره ، فإن لعلي عليه السلام مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعده ، فيكون الإمام على الأمة ، لأنه بغياب الأمير يكون الأمر للوزير، وبغياب الشريك الأول يتسلم الشريك الثاني القيادة.
أما الآية الثانية فهي أجلى من الشمس في رابعة النهار ، جاءت دالة على خلافة علي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، واضحة لا تحتاج إلى تأويل ولا تفسير مخبرة بنفسها عن واقع كان لا بد أن يكون لولا طمع الطامعين وحسد الحاسدين وانقلاب المبغضين لعلي وأهل بيته عليهم السلام، وكل من إدعى غير معنى الخلافة العامة في الآية منحرف عن الحق لأن الخلافة في القوم ليست الخلافة في الأهل ، كما أن الخلافة في الأهل لا تحتاج إلى توصية لأنها من تحصيل حاصل ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس له إلا الزهراء عليها السلام ، وهي في عصمة أمير المؤمنين علي عليه السلام فلا تحتاج إلى توصية.
وقال كذلك:" وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين."(10)

هذه منزلة من منازل علي عليه السلام ، وهي دليل قاطع يفضح تحريف الأمويين وعلى رأسهم معاوية الذي فرق دين الناس وأوهن عقيدتهم في أهل البيت عليهم السلام بالكذب والبهتان ،فجاء فيما جاء بالقول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بسد الأبواب المشرعة على المسجد إلا باب الخليفة الأول ، وهو لعمري كذب وبهتان مفضوح ، لأن منزلة علي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقتضي بأن يبقى باب علي عليه السلام مفتوحا ، ويغلق غيره من الأبواب ، بدليل الآية الأخيرة ،لأنها تحتمل منزلة من منازل علي عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد بقي اشهرا على ما في روايتي أبي الحمراء وابن عباس يطرق ذلك الباب عند كل صلاة ويقرأ الآية :" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا."(11)

ولما روي من خلاف ذلك القول وهو الأصح من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بسد البواب كلها إلا باب علي عليه السلام ، فوافق هذا الحديث الآية الأخيرة وما وافق كتاب الله أخذنا به وما عارضه ألقينا به عرض الحائط.
ولا يرتاب مرتاب من أن الوحي والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يغلق باب بضعته سيدة نساء العالمين وريحانتيه الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وأخوه بالمؤاخاتين وولي المؤمنين بعده عليهم السلام، ليفتح بابا لا مبرر لفتحه ،إذا ما قارناه بأبواب أخرى -غير باب أهل البيت عليهم السلام لأنهم لا يقاس بهم أحد - هي قطعا أفضل منه .
أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا واقد الليثي بعد وصوله بسلام إلى قبا يستحث عليا عليه السلام على الالتحاق به، فما كان منه إلا أن إشترى الرواحل وتجهز للسفر وإنجاز ما تبقى من مهام ، وعلى رأسها ترتيب وتنظيم تسلل المستضعفين الذين بقوا لا يستطيعون حيلة، وتخطيط خروجهم قبل خروجه بليلة ، على أن يلحقوه في "ضجنان" مكان يبعد عن مكة على طريق يثرب.

عند الفجر إنطلق علي عليه السلام مصحوبا بالدليل أبي واقد الليثي ،وأيمن مولى رسول الله ،وكان أبو واقد شاعرا بخطورة وفداحة التحرك ، والذي أحاطته قريش بالعيون والقوى سعيا وراء إفشاله ، وجعل بقية أهل البيت عليهم السلام رهائن لديها، فكان يستحث الرواحل على السير حثيثا، وكان علي عليه السلام يطلب منه الرفق بالنساء، ولما يئس علي من استجابة أبي واقد اخذ عنه زمام السوق .
وفي الطريق أدركهم الطلب، لقد إنتدبت لهم قريش ثمانية من الفرسان الأشداء ، وجهزتهم بالعدة ضامنة بذلك إرجاع علي عليه السلام ومن معه ،تملك الخوف أبا واقد وأيمن مولى رسول الله ، وخشي النسوة من وقوع مكروه لعلي عليه السلام ، لكن عليا ذلك الشاب اليافع المترجل الحافي القدمين الأعزل من كل ما يتجهز به الفرسان والمقاتلون ، إلا من قلب ملئ بالإيمان واليقين والعلم الذي بثه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وروح تواقة إلى الله تعالى والى ما عنه ، لا تخاف فيه لومة لائم، وسيف يدرأ به عن المهمة الصعبة التي عهدت إليه من طرف أخيه صلى الله عليه وآله وسلم .

أحاط الفرسان بعلي عليه السلام وهم لا يعرفون ما ينتظرهم منه ، فكان كما قيل في وصفه يوم بدر كأنه الرحى التي تدور، وكلما ظهرت عجاجة في فضاء المعركة فإن عليا عليه السلام وسطها يقتل ويفري وضربته كانت دائما وترا ، فقتل قائد الفرسان بضربة واحدة ، قده فيها نصفين ، فارتاع البقية ولاذوا بالفرار، خوفا من القتل المؤكد إن هم أصروا على متابعة علي عليه السلام .
تخلص المهاجرون من عقبة فرسان قريش ، فانطلقوا من جديد إلى أن وصلوا إلى ضجنان وهناك كان على علي عليه السلام أن ينتظر بقية المستضعفين الذين بدءوا يتوافدون على المكان فبقي بها يوما وليلة هو من معه يصلون ويذكرون ويتفكرون ، فهم الذين نزلت فيهم الآيات المباركة التالية:
"إن خلق السماوات والأرض في اختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب* الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار* ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار* ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا نع الأبرار* ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد* فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فاللذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب*"(12)

إستمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقامه في قبا رغم إلحاح الملحين عليه من أهل يثرب بالدخول ، فكان يجيبهم في كل مرة إني أنتظر أخي وابن عمي عليا ومن معه من النساء والمستضعفين.
ووصل الركب الذي طالما إنتظره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان علي في حالة شديدة من التعب والإرهاق ، قد تورمت قدما حتى أدميتا ، فاحتمله النبي وبكى ، ثم مسح بيده الشريفة على قدميه ورجليه، فبرأ وذهب ما كان بهما من ألم وجراحات، ومن ثم قرر النبي دخول المدينة .
خلاصة القول في هجرة الصفوة الطاهرة ، وإن كنا نتبع القياس في استدلالاتنا، والقياس في هذا المقام غير جائز لأن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قال : نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد، ولا حيلة لنا غير مجاراة هؤلاء الذين أعمتهم تشابيه معاوية وأكاذيب بني أمية وأولياؤهم ، من أجل إظهار الحقيقة وبيان الأصيل من المموه ، والحق من الباطل ...

هجرة جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة
إشتد المر على المسلمين الأوائل ، وتعذر عليهم العيش وسط قوم أبو إلا محاربتهم بكل الوسائل ، فأشار عليهم النبي بالهجرة إلى أرض الحبشة قائلا: إن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه.(13)
وكلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعفر ابن عمه بقيادة المهاجرين ، فكانوا ثلاثة وثمانين رجلا وثمانية عشرة إمرأة، ونجح المهاجرون في الخروج من مكة والالتحاق بأرض الحبشة بتخطيط محكم ،وأمنهم النجاشي وفتح لهم قصره وأرضه ، فأغاظ ذلك مشركي قريش فقرروا إرسال عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة إلى النجاشي لإعادتهم إلى مكة وزيادة التنكيل بهم ، وحملتهم هدايا إلى النجاشي للتقرب منه وتوثيق مطلبهم ، وكعادة من نبت عوده منبت سوء سعى عمرو إلى استعمال كل دهاءه وخبثه لتأليب النجاشي على المهاجرين ، كالقول بأن المسلمين لا يؤمنون بعيسى كما يؤمن به النصارى ، وكاد الخبيث أن يفلح في مسعاه لولا وجود جعفر بن أبي طالب الذي قال كلمة الفصل في الأمر، وألقى حجته ، فدحض بها زيف واستكبار المشركين ، وفي نفس الوقت آمن النجاشي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ودخل الإسلام على يدي جعفر .

البخاري يحرف حديثا من أحاديث الهجرة
جرت عادة البخاري في كتابه الذي لقبه أتباع خط السقيفة بالصحيح ، ولا أرى فيه إلا نزرا يسيرا من الأحاديث الصحيحة ، ولولا وجود رواة شيعة لم يتبينهم البخاري لما حمل كتابه إلينا غير الكذب والخرافة.
وقد دأب الرجل على طريقة قطع متون الروايات وبثها في مختلف الأبواب تغطية تظليلا كما فعل في حديث زواج المتعة الذي نقل متعلقه في كتاب الحج.
وخلال تصفحي لروايات الهجرة وقفت على تحريفه لمعنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمهاجري الحبشة : ولكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان.

فقد أخرج بإسناده عن أبي موسى الأشعري قال: بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن باليمن، فركبنا السفينة إلى النجاشي بالحبشة ، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا ، فوافقنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين افتتح خيبر ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان. (14)
ويظهر من خلال الرواية أن أحدهم أراد أن يجعل لأبي موسى الأشعري منقبة ترفع من مقامه وتدرأ عنه شبهة النفاق التي التصقت به على عهد النبي حتى عده حذيفة من جملتهم ، وذلك لأن الطريق إلى رسول الله لا تحتاج إلى ركوب سفينة فبين اليمن والمدينة ارض تأخذ بسالكها إليه دون اللجوء إلى ركوب البحر، ولست أرى الداعي الذي دفع بأبي موسى إلى ركوب البحر من اليمن إلى الحبشة وهو يريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يشر من بعيد ولا من قريب سبب تغيير وجهته، مع ترجيح أنه لا علم له بتواجد المهاجرين من مكة إلى الحبشة وقد علق ابن إسحاق صاحب تصنيف السيرة المعروف بأن رواية هجرة أبي موسى هذه غريبة جدا.
الأرجح الذي لا جدال فيه أن هجرة الأشعريين من اليمن إلى المدينة قد وافقت وصول أصحاب السفينة من الحبشة ، ووافقوا جميعا إنتهاء غزوة خيبر بالنصر المبين على اليهود وإفتتاح حصنهم الأكبر على يد حيدرة الكرار علي بن أبي طالب عليه السلام.
وقد اطلع الرجل على فضيلة أصحاب الهجرة الأولى بالحبشة فأراد أن يجعل لنفسه معهم هجرة يضيفها من عنده إلى خروجه من اليمن لموافاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أما تحريف البخاري فإنه تمثل في قطع أول متن الرواية الصحيح واستبداله بهذيان لا يستقيم أبدا مع مراد وقصد المهاجرين من اليمن لموافاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه في المدينة وليس في الحبشة، ووضع قرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على احتجاج أسماء بنت عميس على عمر إلى جانب أبي موسى وأصحابه من أشعريي اليمن.
الرواية الصحيح والتي لا غبار عليها هو ما استخلصناه من رواية أخرجها مسلم عن نفس الراوي وهو أبو موسى الأشعري ننقل منها ما يهم موضوعنا ، دون الالتفات إلى ما دس فيها منبهتان وكذب لا ينطلي إلا على الأحمق:
...قال فدخلت أسماء بنت عميس ، وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم زائرة ، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه ، فدخل عمر إلى حفصة وأسماء عندها،
فقال عمر حين رأى أسماء : من هذه؟
قالت : أسماء بنت عميس.
قال عمر: الحبشية هذه البحرية هذه؟
قالت أسماء :نعم.
فقال عمر: سبقناكم بالهجرة ، فنحن أحق برسول الله (ص) منكم.
فغضبت وقالت كلمة: كذبت يا عمر، كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطعم جائعكم ويعط جاهلكم ، وكنا في دار أو في ارض البعداء البغضاء الحبشة ، وذلك في الله وفي رسول الله ، وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونحن كنا نؤذى ونخاف ، وسأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واسأله ، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك
قال: فلما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قالت : يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان."(15)

هجرة سلمان الفارسي
سلمان وما أدراك ما سلمان ، ذلك الرجل الذي مر في الإسلام من بوابته الخلفية ، ولم يأبه له فريق كبير من المسلمين،ولا عرفوا مقامه وقدره ، ولا تحققوا من مخزون علمه الذي لا يوجد عند صحابي آخر غيره، وقد روى الفضيل بن يسار عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام قال:تروي ما يروي الناس أن عليا عليه السلام قال في سلمان أدرك علم الأول وعلم الآخر
قلت : نعم،
قال : فهل تدري ما عني؟ قال
قلت : يعني علم بني إسرائيل وعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،
فقال : ليس هذا يعني ، ولكن علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلم علي عليه السلام ،و أمر النبي وأمر علي صلوات الله عليهما." (16)
وقال في موضع آخر لما إستهزأ بعض الصحابة من لكنة سلمان الفارسية :" سلمان منا أهل البيت ." (17)وأي مقام ارفع من أن يكون الرجل عالما كبيرا ثم ينسبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم له ولأهل بيته؟

حدث سلمان عن قصة هجرته التي تعتبر بحق فريدة من نوعها من بين هجرات الصالحين:
قال: كنت ابن دهقان قرية "جي" من أصفهان وبلغ من حب أبي إلى أن حبسني في البيت كما تحبس الجارية، فاجتهدت في المجوسية حتى صرت قطة بيت النار ، فأرسلني أبي يوما إلى ضيعة له فمررت بكنيسة النصارى فدخلت عليهم ، فأعجبتني صلواتهم ، فقلت دين هؤلاء خير من ديني ،فسألتهم أين أصل هذا الدين؟
قالوا: بالشام ،
فهربت من والدي حتى قدمت الشام، فدخلت على الأسقف ، فجعلت أخدمه وأتعلم منه حتى حضرته الوفاة ،
فقلت له : إلى من توصي بي ،
فقال : ما أعلم رجلا بقي على الطريقة المستقيمة إلا واحدا بنصيبين ، فلحقت بصاحب نصيبين ،
قالوا: وتلك صومعته اليوم باقية ، وهي التي تعبد فيها سلمان قبل الإسلام ،
ثم احتضر صاحب نصيبين ، فبعثني إلى رجل بعمورية من أرض الروم فأتيته وأقمت عنده وإكتسبت بقيرات وغنيمات فلما نزل به الموت ،
قلت له :إلى من توصي بي؟
قال: قد ترك الناس دينهم ، وما بقي أحد منهم على الحق ، وقد أطل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام ، يخرج بأرض العرب مهاجرا، إلى أرض بين حرتين بها نخل قلت فما علامته ؟
قال : يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة.
ومر بي ركب فخرجت معهم فلما بلغوا وادي القرى ظلموني وباعوني ، إلى يهودي فكنت أعمل له في نخله وزرعه ، فبينا أنا عنده إذ قدم ابن عم له فابتاعني منه وحملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها ، فبعث الله محمدا بمكة ولا علم لي بشيء من أمره فبينا أنا في راس نخلة إذ أقبل إبن عم لسيدي ،
فقال: قاتل الله بني قيلة قد اجتمعوا على رجل بقبا قدم عليهم من مكة يزعمون أنه نبي ،
فأخذني العرق والانتفاض ونزلت عن النخلة فجعلت أستقصي في السؤال فما كلمني سيدي بكلمة، بل قال أقبل على شأنك ودع ما لا يعنيك ، فلما أمسيت أخذت شيئا كان عندي من التمر وأتيت به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت له بلغني أنك رجل صالح ، وإن لك أصحابا غرباء ذوي حاجة ، و هذا شيء كان عندي للصدقة ، فرايتكم أحق به من غيركم ،
فقال صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه : كلوا وأمسك فلم يأكل،
فقلت في نفسي هذه واحدة وانصرف، فلما كان من الغد أخذت ما كان بقي عندي وأتيته به ،
فقلت له : إني رايتك لا تأكل الصدقة ، وهذه هدية
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: كلوا وأكل معهم،
فقلت في نفسي هاتان اثنتان ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ببقيع الفرقد وقد تبع جنازة رجل من أصحابه ، عليه شملتان له وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت خلفه أنظر إلى ظهره ، هل أرى الخاتم الذي وصفه لي صاحبي بعمورية ، فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أستدبره عرف أني أثبت في شيء وصف لي ، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فأكببت عليه اقبله وأبكي،
فقال : مالك؟
فقصصت عليه القصة فأعجبه ،
ثم قال: يا سلمان كاتب صاحبك فكاتبته علة ثلاثمائة نخلة وارعين أوقية ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار : أعينوا أخاكم.
فأعانوني بالنخل حتى جمعت ثلاثمائة ودية ووضعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده فصحت كلها واتاه مال من بعض المغازي فأعطاني منه
وقال : أد كتابتك ، فأديت وأعتقت.(18)

تلك هي هجرة سلمان ، وما حوته من العبر والمعاني التي قلما وجدت في شخص غيره، فعامل الهداية لا يكون في متناول الناس إلا بضرب من الوساطة ، وسلمان كان له مسلك آخر يتطابق في أكثر تفاصيله وأساليب المعصومين والأولياء في التأمل والمعرفة للوصول بالنفس إلى إدراك الحقيقة.
أما فضل سلمان ومكانته عند الله ورسوله ودينه فقد جاءت بها عدد من الأحاديث التي إن دلت على شيء فإنما تدل على عظمة هذا الرجل الفذ ، ومقامه الرفيع الذي لم يكن ليناله أحد غيره، فقد قال فيه النبي صلى الله عليه وآله :" إن الجنة لأشوق من سلمان إلى الجنة ، وان الجنة لأعشق لسلمان من سلمان إلى الجنة." (19)
وقال أيضا: أمرني ربي بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم ، علي وأبوذر والمقداد وسلمان." (20)

هجرة أبي ذر الغفاري
أبو ذر الغفاري أو جندب بن جنادة كما قيل عن إسمه هو واحد من السابقين ، كان يتأله قبل أن يدخل الإسلام ، وقد حصلت له في ذلك طرفة أدت به إلى الإقرار بوجود الله تعالى والناس على وثنية وجاهلية ، القصة تقول إن أبا ذر تقرب ذات يوم لآلهة قومه غفار بإناء فيه حليب ، فلما أصبح وجد الإناء منكفئا وعليه آثار بول حيوان فقال فيما قال من شعر:

آمـــنت بالله الــــذي لا الـــــه غـــــيره ***** وكفرت بالرب الذي بالت عليه الثعالب

علم أبو ذر رضوان الله تعالى عليه بظهور النبي محمد صلى الله عليه وآله فأراد أن يتبين الأمر فأرسل أخاه أنيسا ليستجلي له الأمر، وعاد أنيس ليؤكد خبر بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويطلعه على تعنت هل مكة تجاهه ومحاربتها له ، فما كان منه إلا أن تجهز للسفر قاصدا مكة ، وكان لقاء أبي ذر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بدلالة علي عليه السلام كما في السيرة الحلبية ونقلا عن صاحب الإمتاع إن عليا إستضاف أبا ذر ثلاثة أيام لا يسأله عن شيء وهو لا يخبره ، ثم في اليوم الثالث قال له : ما أمرك ؟ وما أقدمك هذه البلدة؟
قال له أبو ذر : إن كتمت علي أخبرتك
قال فإني أفعل ،
قال له : بلغنا أنه خرج هنا رجل يزعم أنه نبي ، فأرسلت أخي ليكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه،
فقال له : أما إنك قد رشدت هذا وجهي إليه فاتبعني ، أدخل حيث أدخل، فإن رأيت أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي ،فامض أنت .
قال أبو ذر: فمضى ومضيت حتى دخل ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت له أعرض علي الإسلام فعرضه علي فأسلمت مكاني. (21)

وقد ظهر من خلال هذه الرواية الدور الكبير الذي كان يقوم به الإمام علي عليه السلام في بداية البعثة على صغر سنه ، والذي دل على رجاحة في العقل وثقة في النفس ، وبراعة في التصرف والتحرك ، لا يمكن أن تكون إلا في شخص ميزه الله تعالى بحضور ذهني وروحي أمكن به تجاوز عقبات عديدة في بداية الدعوة ، ولو لم يكن لها علي عليه السلام لما أمكن لأبي ذر ونحوه من المستضعفين أن يلاقوا رسول الله ، ويلتحقوا بصفه .

تتمة الرواية تقول : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر: أكتم هذا الأمر وإرجع إلى قومك فأخبرهم يأتوني، فإذا بلغك ظهورنا فاقبل، قلت والذي بعثك بالحق لأصرخن بهذا بين ظهرانيهم ،
قال : وكنت في أول الإسلام رابعا ( وهو ما يرجح أن أبا ذر أسلم بعد علي وخديجة وزيد بن حارثة فيكون هو رابع الأربعة وهو من الأدلة التي تلغي مقالة أن أول الناس إسلاما من الرجال الخليفة الأول وحتى ينطلي تمويههم وضعوا عليا عليه السلام في مقام الصبي وقالوا بأنه أول من اسلم من الصبيان علي عليه السلام، والحال أن النبي لم يعرض دينه على أي صبي مميز أو غير مميز سوى علي عليه السلام ، وذلك لجهلهم بشخص ومقام علي عليه السلام ، ولو جاريناهم في قولهم لوجدنا زيد بن حارثة قد أسلم قبل الخليفة الأول ، وأبو ذر كذلك فمن أين جاء ت تلك الفرية؟ )
فلما اجتمعت قريش بالمسجد ناديت بأعلى صوتي : أشهد أن لا له إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ ، فضربت لأموت، وفي لفظ فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي ، فأكب علي العباس ، ثم قال:ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وإن طريق تجاراتكم عليهم، فخلوا عني ، فجئت زمزم فغسلت عني الدماء فلما أصبحت الغداة رجعت لمثل ذلك فصنع بي مثل ما صنع ، وأدركني العباس، وكان منه كالأمس فخرجت فأتيت أنيسا ،
فقال : ما صنعت؟
فقلت : قد أسلمت وصدقت،
فقال: مالي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت ، فأتينا أمنا ،
فقالت: مالي رغبة عن دينكما فإني أسلمت وصدقت، ثم أتينا قومنا غفار فأسلم نصفهم وقال نصفهم إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أسلمنا فلما جاء المدينة أسلم نصفهم الباقي. (22)

سئل أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: أليس قال رسول الله في أبي ذر : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر؟
قال : بلى ،
قال : قلت يابن رسول الله ،فأين رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين وابنيه الحسن والحسين عليهم السلام؟
قال: فقال: كم السنة شهرا؟
قال: قلت : إثنا عشر شهرا،
قال: كم منها حرم؟
قال قلت أربعة أشهر،
قال: شهر رمضان منها؟
قال : قلت : لا ،
قال: إن في شهر رمضان ليلة أفضل من ألف شهر، إنا أهل البيت لا يقاس بنا أحد.( 23)

أبو ذر لم يصبر على مظلومية أهل البيت عليهم السلام ، ولا التعدي الصارخ على حقوق المسلمين ، والذي تعرت سوءاته على عهد الخليفة الثالث عثمان ،فارتفعت عقيرته بالنداء يستنهض ضمائر الأمة ويكشف الزور والظلم الذي لحق بأهل البيت والأمة بصفة عامة ، فأحدث ذلك قلقا لدى الخليفة ومن معه من بني أمية ، فأخرجه إلى الشام منفيا ، على أمل أن يستريح من لسانه، فكان ذلك أقسى على معاوية وبطانته ، فما صبر عليه حتى أعاده إلى المدينة على قتب جمل بلا وطاء ، فأخذ ذلك من لحم فخذيه، ثم صيره الخليفة إلى صحراء الربذة ، ولم يجد الإمام علي والحسنين عليهم السلام ومعهم عمار وعقيل غير توديعه، وقد قال عليه السلام:
يا أبا ذر إنك غضبت لله إن القوم خافوك على دنياهم ، وخفتهم على دينك ، فامتحنوك بالقلة ونفوك إلى الفلاء والله لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل له منها مخرجا، يا أبا ذر لا يؤنسك إلا الحق ولا يوحشك إلا الباطل.(24)

ويبقى المؤمنون الذين تمسكوا بحبل الله وعروته الوثقى ،هم الأقلون عددا ، لكنهم الأكثرون مقاما وقيمة عند الله تعالى ، ليس لهم هم يحملونه غير هم السعي إلى رضاه ، والعمل من أجل نيل القرب منه،غير عابئين بما يلقونه من أجل نيل وصاله ، والذوبان في عالم معرفته،مسلكهم في الدنيا اتباع أوليائه ، وزادهم فيها ما زهد الناس فيه، لا يستهويهم منها غير ما تحملهم به إلى دار مقرهم ، فلا يتحسرون على فوت ليس له مكان في حساب الآخرة،( إذا حضروا لم يعرفوا ، وإذا غابوا لم يؤبه لهم ) ، على سنن الماضين يسيرون كما في قوله تعالى عن إبراهيم:"إني ذاهب إلى ربي سيهدين." الصافات الآية99
بعد أن تحدثنا عن الهجرة إلى الله تعالى ، وقدمنا أمثلة عن أصحابها ، تحسيسا للأمة حتى تبادر إلى إتخاذهم قدوة ، ننتقل إلى الحديث عن الهجرة الثانية، والتي أراد أصحابها منها بلوغ مآرب أضمرتها أنفسهم فأفسدت عليهم دنياهم وآخرتهم، فننطلق من غير تحامل على أحد وشعارنا في ذلك الدليل والبرهان.

هجرة صاحب الغار
ابن أبي قحافة أختلف في إسمه فقيل عتيق وقيل غير ذلك ، ولو كان للرجل شأن ومقام لما نسي إسمه بهذه السهولة ، لكنهم كنوه بأبي بكر، ولا يوجد له ولد بذلك الإسم، هاجر على قول العامة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلى قول الخاصة لم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير الدليل ، لأن أمر هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في منتهى السرية، وميقاته جاء فجأة من الله تعالى فلم يطلع عليه غير علي عليه السلام المقيم معه بالبيت ، والذي إستبقاه صلى الله عليه وآله وسلم لينام في فراشه مموها على المشركين، فكان الوحيد الذي علم بساعة هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأول فدائي يسلم نفسه على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من أجل نجاته، ولو كانت النجاة مضمونة أكثر بمرافقة علي عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما عدل به أحد.
أنا أعلم أن هذا الكلام لا يعجب الذين أشرب في قلوبهم حب إبن أبي قحافة ، لكنه حقيقة يتغاضون عن النظر إليها، كما تتغاضى الخفافيش عن نور الشمس الذي يؤذي عمش عيونها ، فنور الشمس إذا حقيقة ثابتة ، وعدم إدراك الخفافيش لها لا يؤثر في كونها حقيقة لذوي العيون السليمة المبصرة.

أما أولئك الذين يريدون أن يعرفوا الحقيقة التي ظلت غائبة عنهم، فإن في تفسير الآية التي في سورة التوبة غنى لكل عاقل ، وشفاء لغليل كل مبصر، تقول الآية:
"إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني إثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم." (25)

ليس في الآية ما يوحي إلى أن المقصود بمرافق النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو إبن أبي قحافة ، ولا أيضا كلمة صاحب توحي بأنه هو ،لأن الصحبة وحدها لا تفيد تطابقا في الشخصية ولا العقيدة، فأصحاب يوسف في السجن متباينان مع صاحبهم عليه السلام، إذ لا تعني الصحبة هنا غير الاجتماع الظرفي الذي يراد به الترافق مدة من الزمن، لا ترتقي إلى أن تكون مأثرة يتغنى بها أتباع خط السقيفة.
لكننا عندما ننتقل إلى بقية معاني الآية نقف على الحقيقة التي تقول أن الآية ليس فيها ما يعد مأثرة لابن أبي قحافة ، بل العكس صحيح ، إذ أن في الآية ما يفيد الذم والقدح وإليك الدليل :
قوله تعالى:"لا تحزن" ناهية تفيد بأن الله تعالى لا ينهى عن معروف ، بل ينهى عن منكر صدر من ذلك الصاحب سواء كان ابن أبي قحافة أو غيره ،فدلتنا الآية على أن من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان حزينا على نفسه حزنا كاد أن يكشف موقع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لولا ألطاف الله تعالى، ولو كان حزن الرجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لعد ذلك من قبيل المعروف الذي يشكر ويمتدح فاعله، وليس العكس.

- إقامة الرجل على حزنه ، وتشبثه به دلت عليه تتمة الآية، حيث أنزل الله تعالى سكينته على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقط، مستثنيا ذلك الصاحب،فلم يشمل الله تعالى بسكينته مع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ،لعدم تطابق نيته وقصده مع نية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقصده، لو كان في نيته تطابقا لما إستثناه رب العالمين من سكينته .

- وقد يقول القائل : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحتاج إلى السكينة ، والذي نزلت عليه هو صاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم . لهؤلاء نقول إن سياق الآية يدل قطعا بأن المقصود هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقط ، هو من نزلت عليه وحده السكينة وهو من أيده الله تعالى بالجنود من الملائكة، هذا من جهة، وفي غزوة حنين مثلا كان هناك تطابق بين قصد النبي وقصد الذين ثبتوا معه من المؤمنين فأنزل الله تعالى سكينته عليهم جميعا" ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ."(26)

وبذلك نستطيع الجزم بالقول أن الذي كان في الغار مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سواء كان ابن أبي قحافة أو غيره هو خارج من السكينة التي عادة ما يؤيد بها المولى سبحانه وتعالى عباده المؤمنين، فيخرج بهذه الآية صاحب الغار ليس من السكينة فقط بل من الإيمان أيضا لأنه لو كان له إيمان لنزلت عليه السكينة ،مثلما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المؤمنين في غزوة حنين.

خرافة الهجرة من وجهة نظر أتباع السقيفة لا تكاد ترسي على قول ، فتعددت حيثياتها إلى درجة الاختلاف والتناقض، وإن قارئ السيرة الحلبية مثلا في ذلك الباب يتملكه السأم والإعياء ، ويأخذه الملل من ركاكة ألفاظها ، واختلاف وقائعها، ففي بعضها نجد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتردد على بيت ابن أبي قحافة مرتين في اليوم ، ولما جاءه أمر الهجرة لم يخرج إلا إلى دار أبن أبي قحافة ليقضي فيها ليلة أخرى، وفي أخرى أنه اعترضه ابن أبي قحافة قبل الإذن بالهجرة وأخبره بالموعد فطلب منه الصحبة فوافق النبي صلى الله عليه وآله وسلم،

وفي رواية خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فتعقبه ابن أبي قحافة والبيت محاصر، فوجد عليا نائما في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عنه،
فقال له علي :إن رسول الله خرج نحو بئر أم ميمون، وهو يقول لك أدركني.
لحقه أبو بكر ومضيا جميعا يتسايران حتى أتيا جبل ثور ، وفيه أن ابن أبي قحافة دخل الغار أولا ليأمن النبي من الآفات والزواحف التي قد تكون فيه ، فبادر ابن أبي قحافة إلى سد كل الجحور التي في الغار بثيابه ،حتى لم يعد له شيء منها وبقي جحر فسده بعقبه،وفي رواية أدخل رجله في الجحر، ووضع رسول الله رأسه في حجر ابن أبي قحافة، ولما أحست الأفعى بعقب ابن أبي قحافة،أو برجله كما في الرواية الثانية لسعته ، فجعلت دموعه تنحدر على خديه وتنزل على رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم،
فأفاق وقال: مالك يا أبا بكر؟
فقال لدغت،
فتفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على محل اللدغة فذهب ما يجده، وفي رواية أخرى أنه بقي على تلك الحال إلى أن أصبح ، ولما اصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي بكر أين ثوبك فأخبره الخبر، ورأى أثر الورم على أبي بكر فسأله عنه فقال لدغة الحية،
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هلا أخبرتني ؟
قال : كرهت أن أوقظك. فمسحه النبي فذهب ما عليه من الورم والألم .(27)

وما نقلوا بعد ذلك من أن أسماء بنت ابن أبي قحافة هي التي كانت تأتيهم بالزاد ليلاًَ وقد شقت نطاقها نصفين من أجل إيصال الزاد والماء إليهما ، على ما في روايتها هي ، أما رواية أختها عائشة فقد ذكرت أنهن جهزاهما بأحسن جهاز، وعند حمله معهما لم تجد أسماء ما تشد به الزاد غير نطاقها فشقته ، وفي رواية غير خمارها ،فقال لها رسول الله على حد زعمهم أبدلك الله به نطاقا في الجنة. فلقبها لأجل ذلك متيموا الروايات المتناقضة بذات النطاقين. ومع أن ابن أبي قحافة له أبناء فلماذا تقحم إبنته في مهمة تعسر على أعتى وأشجع الرجال وفي وضع استثنائي يتطلب من الذين يعتبرون قريبين من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدم الحركة لكيلا يفشلوا التخطيط المحكم لهجرته.
ولم أجد في حياتي تهريجا ورعونة وبلاهة وبلادة كالتي نقلت منها عينة لتكون دليلا على أن هؤلاء القوم لا حجة لهم ولا يملكون دليلا واحدا يؤكد صحة ما هم مقيمون عليه ، فتعبدهم على هذه الحال ضرب من التهريج والخرافة والكذب الوضيع الذي ينم عن تفاهة ووضاعة مختلقي هذا البلاء.
لا شك أن أبسط الناس يعلم أن العناية الإلهية اقتضت الرحمة بمخلوقاته ، وتذليل الصعاب لهم ، وحفظهم من كل مكروه خصوصا إذا كان المعني بالأمر نبيا ، وفي مهمة صعبة للنجاة بدينه من الشرك والكفر، فلا يصح أن تكون أفعى من سكان ذلك الغار خارجة عن الإرادة ، وهي التي طوعت حمامة لتعشش وتبيض في لمح البصر وتنام على بيضها، وسخر عناكب لتنسج بيتا على فم الغار حتى لا يقربه الطلب، فما بال الحية إذا ؟

من التفاهة ما نقلوا قولهم والسر في إتخاذ رافضة العجم اللباد المقصص على رؤوسهم تعظيما للحية التي لدغت أبا بكر في الغار.
نحمد الله تعالى أن بلادتهم لم تصل بهم إلى القول بأن الأفعى رافضية المذهب.
ترى هل بقي ابن أبي قحافة عاريا ؟ سؤال يحتاج إلى جواب خصوصا إذا ما فرضنا صحة الرواية ، وقلنا جدلا بأن الرجل قد سد جميع الجحور بما عليه من ثياب إلى درجة أنه بقي جحر ولم يجد له ثوبا فسده بعقبه ، وهل يصح بعد ذلك أن يضع النبي رأسه في حجر رجل عار؟
و إذا سلمنا بأن الحية قد لسعت الرجل، وبقي على حاله لم يوقظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، هل يبقى على قيد الحياة إلى الصباح دون تدخل لإخراج السم من جسده قبل أن يصل إلى قلبه.
أما تلفيقة أسماء فهي للخيال أقرب من الحقيقة ، كما في دخول ابن أبي قحافة على علي عليه السلام والدار محاصرة ، وسؤاله وخروجه وموافاته النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كل ذلك يأباه كل عاقل يتنفر منه المنطق ،فأسماء على ما نقلوا ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة ، أي قبل البعثة بأربعة عشرة سنة، ثم قالوا إن أسماء أكبر من أختها عائشة بعشرة سنين ، ويظهر هنا أن الجماعة لا يحسنون الحساب ، ليس هذا فقط وإنما كانت إرادة الله تعالى دائما وراءهم تفضح زيفهم وكذبهم ، لأن عائشة قد بنى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي ابنة تسع سنين في أول الهجرة ، إذا أضفنا التسع سنوات إلى العشرة التي تفرق بينهما وجدنا عمرها تسعة عشرة سنة ، وقد تكون أقل من ذلك بكثير ، لأنها لم تتزوج غير الزبير بن العوام، فزيد في عمرها لكي تتماسك روايتها ، وتصح خدمتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.(28)

وهي في كل الحالات لا تقدر على الخروج ليلا إلى مكان تجهل موقعه نهارا فضلا عن الليل ، وهي تحت طائلة الوحوش ، وأنظار المراقبين لبيت ابن أبي قحافة ، إذا كان الرجل على تلك الدرجة من الأهمية في نظر القرشيين الراصدين لحركات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه ،ومهمة كإيصال الزاد إلى الفارين لا تطيقها النساء كما أن تسرب معلومة موقع تواجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند النساء أمر خطير ليس من الحكمة في شيء ، فاحتمال أن يستعمل المشركون أسلوب الترهيب والتعذيب للحصول على معلومة منهن وارد جدا ، خصوصا إذا علمنا من خلال السياق التاريخي ما أقدمت عليه قريش من أجل القضاء على الدعوة .
منقبة ذات النطاقين هي من قبيل النهوض بأسرة ابن أبي قحافة، ودفع الخمول عنها، وتكثير الأيادي فيها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بما يوحي بولائها التام لصاحب الرسالة ،ولو كان لقبها صحصحا لما طلقها الزبير بن العوام ،لأن في ذلك دلالة على أنها من أهل الجنة، ويظهر من ضربه لها أنها كانت إمرأة سيئة بينما نرى أن أبا قحافة بقي مشركا إلى أن فتحت مكة ، بينما قالوا بان زوجته أسلمت سنة ست من البعثة ، واختلاف القولين يدلان على عدم صحة رواية إسلام أم ابن أبي قحافة ، لأنه لا يمكن إقرار كافر على مسلمة، وبقاء فرد واحد على شركه في بيت ابن أبي قحافة لا يخول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم المجازفة بدخول الدار، لما لا يخفى من عدم التزام ذلك المشرك واحتمال سريان الخبر من جهته.
إن التباين الاختلاف الذي عليه مجمل الروايات التي جاءت في شأن هجرة صاحب الغار، وأياديه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يتركان لباحث وجهة لقرار غير التيقن ببطلان الروايات ، وتهافتها ، متنا وسندا ، لئن كفانا بعض حفاظهم مؤونة بعض الروايات التي قد وصفوها بالضعف، فإن البقية الباقية لا تخرج عن ذلك المستوى، ويصحح موقفنا في جميع ذلك ما جاءت به الآية من فضح لحالة ابن أبي قحافة في الغار ، تتداعى فيه روايات الغار سقوطا وبطلانا.
كما نطرب بعرض الحائط كل الروايات التي وضعت للرفع من أسرة الخليفة الأول لما صدر من تلك الأسرة من مواقف وجنايات على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ، فاستيلاء الخليفة الأول وعصابته على السلطة ، وعداء عائشة للزهراء وزوجها وبنيها، وظهور عرق العداوة والبغض لأهل البيت عليهم السلام من أسماء في أولادها عبد الله وعروة ، أدلة على أن كل غناء بما فيه يرشح.

هجرة أبي هريرة الدوسي
أبو هريرة الدوسي معشوق البخاري وجماعته من حفاظ الموضوعات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم،رائد ما يسمى بأهل السنة والجماعة،وراويتهم المقدم على أهل الفضل والعلم ، لسبب ستتضح رموزه فيما بعد، أختلف في إسمه إختلافا شديدا حتى لم يستقر الرأي على إسم واحد يطمئن على أنه إسمه فلصقت به كنية أبو هريرة أو أبو هر، لم يكن ذا شأن يذكر في قومه ، وكل من يكن له شأن في قومه أهمل اسمه ووضع قدره، حتى أضحى وجوده من عدمه سيان .
رعى الغنم على ملئ بطنه ، وخرج مع الأشعريين من اليمن موطنه مهاجرا إلى المدينة فوافى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد فتحت خيبر ، فصادفوا قسمة الغنائم فالتمسوا نصيبا منها فلم يردهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عهده أن يعطي كل من حضر.
حدث أبو هريرة أنه صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث سنين ، وذلك باعتبار أنه اسلم في السنة السابعة من الهجرة المباركة وتحديدا بعد فتح خيبر، لكنه أغفل أن صحبته للنبي انقطعت عندما أرسله مع العلاء الحضرمي إلى البحرين فمكث معه سنة نيفا، هذا من حيث المدة ، أما من حيث الملازمة فلا أخال عاقلا يعتقد أن لأبي هريرة حضوة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا له مقام ومجلس عنده ، وقد ظهر من روايات أبي هريرة عن حاله ما يكفينا مؤونة البحث عن دليل بينها يؤيد قولنا فيه وفي صحبته .

بداية أبي هريرة
ولد أبو هريرة في اليمن ونشأ بها وشب خامل الذكر صعلوكا لا قيمة له ، يخدم الناس على شبع بطنه ، كما حدث هو عن نفسه وأخرجه عنه غير واحد من أوليائه، فقد قال : كنت أجيرا لابن عفن وابنة غزوان بطعام بطني أسوق بهم إذا ركبوا وأخدمهم إذا نزلوا. الطبقات الكبرى - الإصابة - حلية الأولياء.
كان أبوه يطفف في الميزان، وكان له مكيالين يبخس بأدهما البائع ، ويبخس بالآخر المشتري، وقد قال أبو هريرة في خصوص ذلك : خرج النبي إلى خيبر ، وقدمت المدينة مهاجرا ، فصليت الصبح خلف سباع بن عرفطة -كان استخلفه- فقرأ في السجدة الأولى بسورة مريم وفي الآخرة ويل للمطففين، فقلت ويل لأبي" قل" رجل كان بأرض الأزد إلا وكان له مكيالان، مكيال لنفسه وآخر يبخس به الناس.(29)
وإذا كان لحم أبي هريرة قد نبت من حرام فكيف يفلح في عمل البر والخير ، وهو قضى عمره متمسكنا ذالا لم يعرف العزة مطلقا ولا فهم أن المؤمن يجب أن يكون عزيزا متعففا ،حتى بعد أن قربه بنوا أمية ، وأدنوه منهم وبنوا له قصرا سماه العقيق ، بقي على حال من الذلة والهوان يعاكس الصبيان على قارعة الطريق ،فيلقي بنفسه بينهم ويضرب برجليه، فيفرون منه،(30) ويخر مغشيا عليه في المسجد أمام حجرة عائشة (31).
ولما كان الرجل منحدرا من نسب وضيع في الجاهلية ، فإنه بالطبع سيكون من الجهالة وقلى العلم بما كان، لم يكن بوسعه ولا خطر عليه خاطر حتى في المنام يستحثه على طلب العلم، فنشأ جاهلا للقراءة والكتابة ، مقفل الدماغ ، ضعيف الهمة ميت القلب خدم امرأة وأجرت عليه أحكامها ، فقبل من أجل بطنه.

أبو هريرة بعد الهجرة
بلغت أخبار هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسماع أهل اليمن فهاجر عدد من الأشعريين على رأسهم أبو موسى الأشعري ، فتبعهم أبو هريرة فلما قدموا إليه ، كان قد انتهى من فتح خيبر ، بايعه على الإسلام سنة سبع من الهجرة المباركة، أما صحبته فقد عدها أبو هريرة نفسه كما صرح بذلك في حديث له أخرجه البخاري، أنها كانت ثلاث سنين(32)
تواصلت معضلة أبي هريرة مع بطنه حتى بعد إسلامه ، فقد التحق في المدينة بأهل الصفة ( مع احترامنا لذوي الدين والإيمان منهم) في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يجد ما يستر به عورته ولا ما يملأ به بطنه ، فقد قال: رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء ، وإنما عليه أما إزار وأما كساء ربطوه في أعناقهم ، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته.(33) والسبعون من أهل الصفة الذين تحدث عنهم أبو هريرة قد استشهدوا جميعا يوم بئر معونة قبل إسلام أبي هريرة،ولنا عودة للنظر في بعض مفترياته .

أبو هريرة في حياة حكومة السقيفة
لم يكن لأبي هريرة في عهد الخليفتين الأولين ذكر سوى أن عمر عينه واليا على البحرين ثم عزله عنها بعد سنتين وولى بدله عثمان ابن أبي العاص الثقفي( تاريخ ابن الأثير) واستقدمه ثم دعاه ، فقال له: علمت أني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين، ثم بلغني انك ابتعت أفراسا بألف دينار وستمائة دينار، قال: كانت لنا أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت، قال : حسبت لك رزقك ومؤنتك وهذا فضل فأده.قال: ليس لك ذلك .قال: بلى والله وأوجع ظهرك ، ثم قام إليه بالدرة فضربه حتى أدماه، ثم قال : ائت بها، قال : أحتسبها عند الله، قال: ذلك لو أخذتها بحلال ، وأديتها طائعا، أجئت من أقصى حجر البحرين بجبي الناس لك، لا والله ولا للمسلمين؟ ما رجعت بك أميمة إلا لرعية الحمر. (34)
وكان ما كان من منعه الرواية على عهد الخليفة الثاني ، وتهديده إياه وضربه بالدرة ، وتكذيب علي عليه السلام وعائشة له ، ومع ما ظهر منه من بهتان فظيع قامت على أكثره مدرسة كاملة تحمل شعار التسنن وعنوان الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

أبو هريرة في عهد الخليفة الثالث
لم يكن لأبي هريرة ذكر على عهد عثمان ، بل كأنما هو غير موجود أصلا ، إغتنم فرصة دخول دار الخلافة عند أواخر الحصار الثاني لها وقبل أن يقتحمها الثوار، بعد يقينه بأن الناس لا يطلبون غير الخليفة وابن عمه مروان، كأنما اطلع الرجل على مخططات معاوية وبني أمية ، فأراد أن يجعل من نفسه مرابطا مع الخليفة في دار الإمارة، فكان ذلك مما رفع أسهمه عند الأمويين ، وقربه منهم ومكنه لديهم، ولو كان لأبي هريرة شك في أنه سيؤخذ مع الخليفة ويناله ما ناله ، لما أقدم على دخول دار الإمارة أصلا ، لأن الرجل لم يكن معدودا من الشجعان ولا كان له رأي في سياسة ولا حرب، وقد نقل عنه المؤرخون كابن كثير قوله: الصلاة وراء علي أتم ، والأكل مع معاوية أدسم ، والجلوس إلى الرابية أسلم."(35) ولا أرى انتهازية ترفل في حلل الاستغلال والطمع والوضاعة كالتي يشتمل عليها أبو هريرة.

أبو هريرة في عهد علي عليه السلام
وكما أسلفت الذكر فإن أبو هريرة كان عامل معاوية وممثله ، والمقرب لديه ، أرسله من دمشق إلى المدينة مع النعمان بن بشير ليطلب من أمير المؤمنين علي عليه السلام تسليم قتلة الخليفة ليقتص منهم، واضعا نفسه موضع ولي الخليفة، متطاولا على مقام الإمام ، أما النعمان فقد رد عليه الإمام بما أفحمه وقطع حجته ، وأما أبو هريرة فلم يكلمه وانصرف إلى الشام لا يحمل ردا ، تاركا وراءه النعمان الذي أفحمته حجة علي عليه السلام ، لكنه فر فيما بعد إلى معاوية ،(36) لأنه شتان ما بين وضع طالب دنيا قد حطت به الرحال عند طالب آخرة ، فلم يطق صبرا عن دنياه التي هيئ منها معاوية لروادها وعشاقها ما لا يقوى على رده عابد دنيا مثله.

أبو هريرة في عهد الطلقاء
ما إن تهيأت الأجواء لبني أمية وقد كان بدا في تمهيدها الخلفاء الثلاثة الأوائل حتى سطع نجم أبي هريرة وعلا مقامه وتفيء شخصه ظلال الحرير والديباج وداست قدماه على النعال والزارابى ، فكان مقدما عند معاوية وبطانته ، وقد استخلصه مروان لنفسه فكان يخلفه على المدينة كلما سافر عنها.
ساهم بشكل واضح في تثبيت أركان الأمويين بما أطلقه من كذب وبهتان ، فكان يعد عند أصحاب خط السقيفة الراوية الأول الذي لا يشق له غبار ، فقد فاقت رواياته في الكتب التي سميت صحاحا الخمسة آلاف رواية.

بعض مفترياته
لئن اعتمد أصحاب ما يسمى بالصحاح على أكثر مرويات أبي هريرة دون نظر إلى ما اشتملت عليه من الأباطيل والكذب الفاضح، فذلك لأن هؤلاء الحفاظ قد إلتزموا بخط السلط الغاشمة التي حكمت الإسلام بالحديد والنار ، فلم تقر بشرعية ومرجعية وعلم كل من ناوأها ، بينما رفعت من شأن كل من تسابق إليها من طلاب الدنيا وعبيد المتاع الزائل، مثل أبي هريرة ، فسعى جاهدا إلى إرضاء أولياء نعمته الجدد ، فتقرب إليهم في حملة مسعورة على أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ، بالكذب والبهتان.
ليس هذا فقط وإنما تعداه أبو هريرة إلى المساس من عقيدة التوحيد والتطاول على الخالق سبحانه وتعالى وعلى الملائكة والأنبياء عليهم السلام ، حتى طال الأذى بالنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن ذكر علماء الأمة الأفاضل رضوان الله تعالى عليهم جميع مفترياته وكشفوا الزيف عن أباطيله ، وقد نقلت ذلك عنهم في الدراستين السابقتين المتعلقتين بالتوحيد والنبوة ، لذلك لا يمكنني إعادة تكرار ذلك ، ومن شاء مزيد ا من الأدلة فليراجع البحوث المشار إليها فان فيها أدلة تغني ، وتقيم الدليل للباحثين عن الدليل.
فاحت رائحة الكذب من روايات أبي هريرة حتى لم يعد هناك ذو عقل سليم لم تصله راحة ذلك البهتان فلا يميزه، من بين المفتريان على سبيل الذكر:
حديث سهو النبي في الصلاة الذي رواه أبو هريرة عن ذو اليدين ، وذو اليدين قد استشهد في غزوة بدر وما بين بدر وخيبر ست سنوات كاملة فأين التقى أبو هريرة وذو اليدين للصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ينقلان السهو عنه في إحدى صلاتي الظهيرة؟(37)
يقول في رواية أخرى: دخلت على رقية بنت رسول الله وفي يدها مشط. (38)ورقية كانت قد ماتت في السنة الثالثة من الهجرة أي قبل وصول أبي هريرة إلى المدينة بأربع سنين.
وإذا لخصنا حياة أبي هريرة وجدناه قد خرج من اليمن حافي القدمين مهاجرا طلبا لحياة افضل، لم يكن همه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقدر ما كان همه ما يقتاته وما يستر سوءته، ثم اصبح في منتصف حياته ذو مال وخيل ، فصادر الخليفة الثاني ممتلكاته متهما إياه بسرقة مال المسلمين،ثم انتهى به الأمر إلى أن تملك بقصر"العقيق" تفضلا من الأمويين على أياديه الكثيرة في ترويض المسلمين بالكذب والبهتان، مما مسخ عقيدتهم وشوه صفاءها الذي بقي نقيا عند أهل البيت عليهم السلام ، ولم يقبله أنظمة الظلم .
قدم أبو هريرة إذا كراوية لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بينما ترك المستحفظ الحقيقي عليها وهو الإمام علي عليه السلام تربية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتلميذه والمقرب إليه والمفضل لديه.
قدم أبو هريرة ومن شاكله من طلاب الدنيا وغيب عنها مطلق الدنيا ووارث علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبابه الذي صلى الله عليه وآله وسلم يؤتى منه، إذ يقول : أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتي الباب."

هجرة المغيرة بن شعبة
المغيرة عند الجهلة ومن شاكلهم من أهل البلاهة والبلادة، صحابي ذو شأن يطلبون من الله عنه الرضا ، ويتقربون إليه بالسخط والنقمة من حيث لا يعلمون، إذا سألتهم هل تعرفون من يكون الرجل ؟ وما جرائمه ؟ وما حاله ؟ لم يجدوا غير الرد بأنه صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، دون إمعان ولا نظر في أقترفته يداه وتلفظ به لسانه واعتقده ضميره وقلبه .
هو واحد من أولئك الذين طلبوا الدنيا واشتدوا في أثرها ، دون أي إلتفات للقيم التي هي المحرك الأساس والدافع نحو الخير، فكانت هجرته متفردة عن غيرها عجيبة في تفاصيلها ، مقرفة الأركان لا تكاد تنتهي من جزء منها حتى يبادرك الجزء الآخر مترعا بالغدر والخيانة والختل والخسة والوضاعة حتى إنك لا تكاد تجد وصفا رديئا ، ولا نعتا بذيئا حتى تنعته به، غير أننا نترفع عن ذلك كله لنفسح المجال لابن أبي الحديد المعتزلي ليقول مقالته فيه :

كان إسلام المغيرة من غير اعتقاد صحيح ولا إنابة ونية جميلة ،كان قد صحب قوما في بعض الطرق ، فاستغفلهم وهم نيام ، فقتلهم وأخذ أموالهم وهرب خوفا أن يلحق فيقتل ، أو يؤخذ ما فاز به من أموالهم ، فقدم المدينة ، فأظهر الإسلام ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يرد على أحد إسلامه ، أسلم عن علة أو عن إخلاص ، فامتنع بالإسلام ، واعتصم ، وحمي جانبه.
ذكر حديثه أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني في كتاب " الأغاني"فقال:
كان المغيرة يحدث حديث إسلامه، قال: خرجت مع قوم من بني مالك ونحن على دين الجاهلية إلى المقوقس ملك مصر ، فدخنا إلى الإسكندرية، واهدينا للملك هدايا كانت معنا ، فكنت أهون أصحابي عليه ، وقبض هدايا القوم ، و أمر لهم بجوائز وفضل بعضهم على بعض ، وقصر بي فأعطاني شيئا قليلا لا ذكر له ، وخرجنا فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم وهم مسرورون، ولم يعرض أحد منهم علي مواساة ، فلما خرجوا حملوا معهم خمرا، فكانوا يشربون منه ، فأشرب معهم ، ونفسي تأبى أن تدعني معهم ،
وقلت : ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا ، وما حباهم به الملك ، ويخبرون قومي بتقصيره لي وازدرائه إياي، فأجمعت على قتلهم ، فقلت إني أجد صداعا ، ووضعوا شرابهم ودعوني ،
فقلت : رأسي يصدع ، ولكن أجلس فأسقيكم، فلم ينكروا من أمري شيئا ، فجلست أسقيهم ، واشرب القدح بعد القدح، فلما دبت الكأس فيهم ، اشتهوا الشراب، فجعلت أصرف لهم ، واترع الكأس ،يشربون ولا يدرون، فأهمدتهم الخمرة حتى ناموا، ما يعقلون، فوثبت إليهم فقتلتهم جميعا ، وأخذت جميع ما كان معهم.
وقدمت المدينة فوجدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمسجد وعنده أبو بكر وكان بي عارفا ، فلما رآني قال: إبن أخي عروة؟
قلت : نعم ، قد جئت أشهد أن لا اله إلا الله ، وان محمدا رسول الله،
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد لله .
فقال أبو بكر: من مصر أقبلت ؟
قلت : نعم .
قال: فما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟
قلت : كان بيني وبينهم ما يكون بين العرب ، ونحن على دين الشرك، فقتلتهم ، وأخذت أسلابهم، وجئت بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليخمسها ويرى فيها رأيه ، فإنها غنيمة من المشركين.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما إسلامك فقد قبلته ، ولا نأخذ من أموالهم شيئا ولا نخمسها، لأن هذا غدر، والغدر لا خير فيه، فأخذني ما قرب وما بعد وقلت يا رسول الله إنما قتلتهم وأنا على دين قومي ، ثم أسلمت حين دخلت إليك الساعة،
فقال عليه السلام: الإسلام يجب ما قبله.
قال:وكان قتل منهم ثلاثة عشر إنسانا، واحتوى على ما معهم، فبلغ ذلك ثقيفا بالطائف ، فتداعوا للقتال ، ثم اصطلحوا على أن حمل عمي عروة بن مسعود ثلاثة عشرة دية.

فذلك معنى قول عروة يوم الحديبية: يا غدر، أنا إلى الأمس اغسل سوءتك، فلا أستطيع أن أغسلها، فلهذا قال أصحابنا البغداديون:
من كان إسلامه على هذا الوجه ، وكانت خاتمته ما قد تواتر الخبر به ، من لعن علي عليه السلام على المنابر إلى أن مات على هذا الفعل ،وكان المتوسط من عمره الفسق والفجور وإعطاء البطن والفرج سؤلهما ، وممالأة الفاسقين ، وصرف الوقت إلى غير طاعة الله ، كيف نتولاهم ؟ وأي عذر في الإمساك عنه،وألا نكشف للناس فسقه؟ (39)
إستامره ابن الخطاب على البحرين فكرهوه،فعزله ثم ولاه البصرة فبقي عليها ثلاث سنين ، وفيها أتهم بالزنا ، وشهد عليه : أبو بكرة ونافع ابنا الحارث وشبيل بن معبد وزياد بن أبيه، غيرا ن الخير عدل عن شهادته ، وقال : لم أر ما قالوا، لكن رأيت ريبة ونفسا عاليا، فما كان من عمر إلا أن كبر وضرب الشهود الثلاثة إلا زيادا، وأصر الشهود على موقفهم فأراد عمر أن يضربهم مجددا ، فاعترض عليه أمير المؤمنين قائلا : إن كان لابد من ذلك فارجم صاحبك.
ويظهر أن هناك مودة كبيرة تجمع المغيرة بالخليفة ، كانت تدفعه دائما إلى إعطاء الحق له وكان من قصة أبي لؤلؤة غلام المغيرة المتظلم إليه من جور سيده فأبى عليه عمر الأمر الذي دفع بغلام المغيرة إلى قتل عمر.
وقد عد المغيرة من دهاة العرب، والدهاء ليس من الصفات المحمودة عند العقلاء والعرفين ، لأنه جامع للمساوئ ، وقد قال فيه أمير المؤمنين : لو كان الدهاء من مكارم الأخلاق لكنت أدهى الناس.
مات المغيرة وهو على الكوفة أميرا سنة 50 من الهجرة المباركة، مات وهو مقيم على كبيرة سب علي وأهل بيته ولعنهم على منبر الكوفة ، ومن سب عليا عليه السلام فقد سب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن سب رسول الله فقد سب الله تعالى ومن فعل ذلك فقد باء بموضع في جهنم لا يحسده عليه كافر. هذا التعيس يعدل باعتباره صحابيا فيخرج حافظ الموبقات البخاري وأمثاله الروايات ، كأنما هؤلاء الصحابة قنطرة لابد من المرور منها. وقد أخرج له البخاري ومسلم 12 حديثا . (40)

هذه إذا نماذج من هجرتين تمحور عليهما خطان متنافران كل واحد منهما يقول أنا من يمتلك الحقيقة ،أضعها بين يدي القارئ الكريم ليتحسس مثلا يهتدي به ، وأسوة حسنة يقيس على أقوالها وأفعالها ، لعلها تكون أقرب إلى الله تعالى ودينه ورسوله ، في زمن إختلفت فيه الآراء وتعارضت الأهواء ، وازداد خط السقيفة كلوحا وظلمة فظهر من بينهم مجرمون محترفون قلوبهم لا تعرف الرحمة أبدا ، هم إلى الحيوانات الكاسرة اقرب من الأهلية الوادعة ، نصبوا أنفسهم أولياء على دين الله تعالى ، فكفروا كل من لم يشاطرهم الرأي ، واستباحوا بذلك دماء المسلمين الشيعة ، لا لجرم اقترفوه سوى انهم لهم رؤيتهم الخاصة بهم في الدين والعقيدة وأهل البيت عليهم السلام، وعوض أن ينبذوا الشقاق والفرقة التي نصبها لهم أولياء الظلم وأعداء الدين ، تمادوا في غيهم وإستداموا على ضلالهم ، مقتفين سنن أول الظالمين لآل محمد من صناع السقيفة ، ومضيعي منصب الحكومة الإسلامية عن الأئمة الأطهار سلام الله عليهم .
وأنت أيها القارئ العزيز بعد هذا البحث مخير على حسب قناعاتك في إختيار السبيل الأنجح والنموذج الأصلح ، سائلا الله تعالى لي ولك ولكل مؤمن التوفيق والرشاد ، والله ولي التوفيق.

1 - لسان العرب لابن منظور المجلد 15 ص32 مادة هجر
2 - سورة العنكبوت الآية 26
3 - سورة النساء الآية 100
4 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1 / 127
5 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 4 / 125
6 - حديث المنزلة رواه كل من
7 - سورة طه الآيات 29/30/31/32/33/34/35
8 - سورة الأعراف الآية 142
9 - نهج البلاغة, تعليق الدكتور صبحي صالح , تحقيق الشيخ فارس الحسون - الخطبة 192 الخطبة القاصعة , شجاعته وفضله (عليه السلام) ص 377
10 - سورة يونس الآية 87
11 - سورة الأحزاب الآية 33
12 - سورة آل عمران الآيات 190/191/192/193/194/195
13 - السيرة الحلبية ج1ص323 / 733
14 - ما يسمى بصحيح البخاري كتاب المناقب ح3587
15 - مسلم كتاب الفضائل ح4558
16 - الدرجات الرفيعة ص209
17 - رواه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك ونقله عنهما صاحب الدرجات الرفيعة ص207
18 - الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص199/200
19 - الدرجات الرفيعة ص208
20 - الدرجات الرفيعة ص208
21 - السيرة الحلبية ج2ص280
22 - السيرة الحلبية ج2 ص 280/281
23 - الدرجات الرفيعة ص226/227
24 - الدرجات الرفيعة ص248
25 - سورة التوبة الآية 40
26 - سورة التوبة الآية 26
27 - السيرة الحلبية ج2ص33/34/35/36
28 - راجع الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر/ أسد الغابة لابن الأثيرج5ص393 غيرهما
29 - سير أعلام النبلاء ج2ص589
30 - الطبقات الكبرى لابن سعد ترجمة أبي هريرة ج4 ق2 ص60
31 - البخاري ج4ص175 كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة
32 - البخاري باب علامات النبوة في الإسلام ص 182 ج2
33 - البخاري باب نزم الرجال في المسجد من كتاب الصلاة
34 - العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي أوائل الجزء الأول
35 - البداية والنهاية لابن كثير
36 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج1ص214
37 - أخرجه الشيخان البخاري ج1 ص 145 باب السهو- مسلم ج1ص215 باب السهو في الصلاة والسجود له.أحمد بن حنبل ج2ص234 من مسنده وغيرهم...
38 - مستدرك الحاكم ج4ص48 في ذكر أحوال رقية.
39 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد
40 - سير أعلام النبلاء ج3ص21/32 -أسد الغابةج4ص406 - تاريخ ابن عساكر ج17ص42 طبقات ابن سعد ج4ص284 -أنساب الأشراف ج3ص68 .

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة