المستبصرون » مساهمات المستبصرين

ابو مرتضى علي - الوطن العربي - 13 رجب 1426 - ثلاث خلفاء ... وبيعةٌ واحدةٌ ..؟ - ج3 (الفصل 2)-
البريد الالكتروني

الاسم : أبو مرتضى على
الدولة و المدينة : الوطن العربي
المساهمة :

بسم الله الرحمان الرحيم

والصلاة والسلام على خير الخلق أبا القاسم محمّد وأهل بيته الطيبين الطاهرين واللّعن الدّائم على أعدائهم من الأولين والآخرين وإلى قيام يوم الدّين ..

إخوة الإيمان والعقيدة :
سلام من الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته .
يقول يعسوب الدّين ( عليه السّلام ): ((.. أيّها النّاس شقّوا أمواج الفتن بسُفنِ النّجاة ، وعرّجوا على طريق المنافرة ، وضعوا تيجان المناخرة ، أفلح من نهض بجناح ، أو إستسلم فأراح ..))
- بحث في الخلافة (( الراشدة ))

ثلاث خلفاء ... وبيعةٌ واحدةٌ ..؟ - ج3 (الفصل 2)-

* مـا ترك لي الحقّ من خليل ..:
هذه المقولة الصادقة ، من أقوال الإمام علي (ع) ، حتّى يعلم من يبتغي الولاء له أن ما ينتظره في هذه الدنيا الفانيّة ، مصيرٌ لا تميل له الأنفس الضعيفة عادة ، والتي جبلت على حبّ الدنيا وزبرجها ، وديعتها وأمالها .. وكما هو معلوم فإنَّ النّاس يختلفون في أشكالهم كما يختلفون في طباعهم وأهوائهم . فمنهم من رُوضت نفسهُ على سمو الذّات ، والسعيّ وراء المكرومات ، والتفاني في سبيل نيل الفضائل .. ثمّ الإقتداء بمن يدعُ لتلك القيّم النبيلة و يحثُّ عليها من أئمة الهدى وقادة الفضيلة . فينهج نهجهم ويسيرُ على دربهم ، ويقتدي بأمرهم وينتهي عند نواهيهم .. وعادة ما يكون أصحاب هذه الرايات هم القلّة من بين الأمم . وتلك حكمة الله التي ارتضاها , (( ولا تجدنَّ أكثرهم للحقّ كارهين )) , بل (( ..وقليل من عبادي الشكور)).
وفي مقابل ذلك ، هناك مَنْ تربت نفسه على الشرّ ، لتبعث به نحو مهالك الحسد والبغضاء ، وزرع الفتن وتحكّم الأهواء حيث اتخذ الشيطان بقيادها . فصدّها عن مسالك الفضيلة والدروب المكارم .. ولن تجد لأمثال هؤلاء من أتباع ، إلاّ كلّ ناعق لنُصرةِ باطل أو متهالك في متاهات الرذيلة لطمع زائل أو جاه زائف. أولئك هم الأغلبية في كلّ الأزمنة ..
ومن هذا المنطلق ، كان لا بُدّ لأصحاب الأقلام المأجورة من المتطفلين على نقل السيرة والتاريخ ، أن يسعوا جاهدين لشدّ من عضد أوليائهم المتهالك ، بإظهار أن دعوى الإمام عليّ ( سلام الله عليه ) في أحقّيته بالخلافة . لم تجد أذن صاغية إلا عند أهل بيته وقلّة من أوليائه ، والزهراء (ع) هي الحرز الواقي له من بغض الأمّة وهجرتها له .. إلى أن توفيت ( سلام الله عليها ) فانصرفت وجوه النّاس عنه ..؟
فهذان السقيمان البخاري ومسلم يُؤكّدان هذه المزاعم ، كي يشدّوا من أسس ما شيّدته مهزلة السقيفة ورموز البغي فيها .. حيث يقولان : (( فكان لعليّ منَ النّاس وجه وجود فاطمة ، فلمّا تُوفّيت ، انصرفت وجوه النّاس عنه )) [1] .

ويقول أحدُ أذنابهم : (( ضرع عليّ إلى مُصالحة أبي بكر بعد وفاة فاطمة وانصراف وجوه النّاس عنه . غير أنّهُ بقي يشكو ممّا جرى عليه بعد وفاة رسول الله (ص) ، حتّى في أيّام خلافته .. ثمّ يذكرُ جزء من خطبة الشقشقيّة )) [2] .
إلاّ أنهم لمّا أرادوا أن يُضعِفوا من جنب الإمام عليّ (ع) وهو الأسمى .. كشفوا عن ضلالهم ، وكذب زعمهم .
فهذه الأقوال هي الدليل الساطع ، والبرهان القاطع على ضلال أولياءهم ، وكلّ من عاد عليّا (ع) وهاجره .. بدليل الكتاب المقدّس والسنّة الشريفة :
* لأنّهم لم يكونوا مع الصديّقين , من قوله تعالى : (( وكونوا مع الصدّيقين..)) وهي نزلت في حقّ الإمام عليّ (ع) [3] .
* ولم يكونوا مع الراكعين , من قوله تعالى : (( واركعوا مع الراكعين )) وهي نزلت في حقّ الإمام عليّ (ع) [4] .
* ولم يكونوا مع خير البريّة , من قوله تعالى : (( إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، أولئك هم خير البريّة )) [5] .
* ولم يكونوا مع صالح المؤمنين و من قوله تعالى : (( وصالح المؤمنين)) , وهي نزلت في حقّ الإمام عليّ (ع) [6] .
* ولم يكونوا مع من عنده علم الكتاب بقوله تعالى : (( ومن عنده علمُ الكتاب )) , فهي في حقّ عليّ (ع) .. [7] .
* ولم يكون مع الهادي . من قوله تعالى : (( إنّما أنت منذرٌ ولكلّ قوم هادٍ )) وهي نزلت في حقّ الإمام عليّ (ع) [8] ...

فهل من ترك أو هاجر مَنْ يحمل مثل هذه المكرمات الإلهيّة و الصفات الربّانيّة و المنن القرآنيّة ... مع ما أضيف لها من أنوار السنّة المحمّديّة : لم يكن ضالا أو مُجانبا سُبُل الهداية.. بل ما أعظم ضلالهم بعد أن تركوا هارون هذه الأمّة .. من قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
□ يا عليّ أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنه لا نبي بعدي .. [9]
□ وأخُ رسول الله (ص) في الدنيا والآخرة ..[10]
□ والصدّيق الأكبر . ولن يقولها بعده إلاّ كذّاب .. [11]
□ و وليّهم من بعد نبيّهم (ص) ..[12]
□ وأنّهُ سيّدُ المسلمين وقائد الغرِّ المُحجّلين ووليّ المتّقين ..[13] ..
ومن أراد المزيد من هذه اللآلئ فليراجع الصحاح عند (( أهل السنّة )) ، حتّى يتأكّد ممّا نعتقد ونقول ، بعيد عن الدّعاوي الكاذبة والفضائل الواهية ..

ثمّ نعود ونسأل ، كيف كان للإمام عليّ ( عليه السّلام ) وجه في حياة الزهراء (ع) إكراما لها واحتراما ..حتّى توفيت ( سلام الله عليها ) ، ثمّ انصرفت وجوه النّاس عنه ..؟ - فسبحان الله ما أجرأكم عن الكذب والإفتراء ، وصفحات تاريخكم يُكذّبُ بعضها بعضا ..
فهل ترون أنّه منَ احترامها وتبجيلها ، الهجوم على بيتها وتهديدها بالإحراق ..؟ أم اغتصاب إرثها ، وتكذيب دعواها - وهي الصدّيقة الطاهرة - ودفنها ليلا دون إذنهم ، وتغييب قبرها .. بعد أن جرّعوها الغصص ، وسقوها من كأس أحقادهم ما هو أمرّ من العلقم . .؟ وكأنّي بها ( سلام الله عليها ) تقفُ على باب حجرتها لتُسيمهم بوصمة العار الأبدي : (( والله لتخرجنَّ من بيتي ، أو لأكشفنّ شعري ولأعجّنَّ إلى الله ..)) [14] .. فهل هذا هو جزاء رسول الله (ص) على رسالته وهديه لكم لو كنتم مؤمنين ..؟
وحتّى وإن صدّقنا ما زعمتم من تدجيل مفضوح ، وافتراء عار .. لا ينطلي إلاّ على الأغبياء والسذّج . فإنّ الإمام عليّ (ع) وإن بقي وحيدا فهو على الحقّ ، وغيره على باطل .. وذاك بأمر الله تعالى ، وما أخبر به الصادق الأمين ( صلى الله عليه وآله وسلّم ).. بل تدبّر في قوله ( سلام الله عليه ) : (( والله لو لقيتهم واحدا وهم طلاع الأرض كلّها ، ما بليت وما إستوحشت ، وإنّي من ضلالهم الذي هم فيه ، والهدى الذي أنا عليه ، لعلى بصيرة من نفسي ، ويقين من ربّي )).
ولكن الإستبداد المُتّبع من قِبل رموز أهل السقيفة من جهة ، وتربّص المنافقين من جهة أخرى ، مع ما اقترفته الأيادي الآثمة معه ومع زوجته سيّدة نساء العالمين ( سلام الله عليهما ) من ظلم فاحش وتعدٍّ صارخ ، وما شمل أوليائه وأنصاره من ترغيب وترهيب .. وضع في حسابه (ع) المصلحة العامة للإسلام ، فآثر أن يستسلم للواقع الجديد بصفة أهون الشرّين . ومضى في الطريق الذي رأى فيه مصلحة الدّين ، والتي وهبها حياته الشريفة ،وجميع طاقاته ، وجاد من أجلها بكلّ إمكانياته .. وكلّ ذلك في سبيل الحفاظ على بيضة الإسلام المحمّدي ، وهو يردّدُ دائما : (( والله لا أسالمنَّ ، ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن جورا إلاّ عليّ خاصة )).

* شرُّ ما صحِبَ المرء الحســد :
وهكذا كان صبرُ مولى الموحّدين من أجل المصلحة العليا . حتّى مضى الأوّل لسبيله ، وجعلها لإبن الخطاب من بعده .. ((.. فيا عجبا ، بينما هو يستقيلها في حياته ، إذ عقد لأخر بعد وفاته ، لشدّ ما تشطّر ضرعيها )) , وكأنّما الخلافة ملكا خاصا قد ورثه عن آبائه ، حتّى يُباحَ له أن يتصرّفَ بها كما يشاء ولمن يشاء . متجاهلا مفهوم الشورى التي ابتدعوها ، وتغنوا بها ولا زالوا .. ولكن لم نشهدها ولم تطبّق حيث كانت الفلة التي وقى الله شرّها . ثمّ كان ردّ الجميل : حيث حلب عمر حلبا له شطره ، شدّ له يوم السقيفة فردّه عليه عند وفاته ..؟ وكانت فصول المسرحيّة تسيركما خطّط لها سلفا . وقد تختلف بعض الأسماء والأدوار من فصل لآخر ، ولكن كلّ شيء يُطبخ على نار هادئة حسب ما ارتضاه عمر، وطبّقه أنصاره وأعوانه ..
ولكن مع هذا الفصل الأخير شاء الله تعالى وبحكمه البالغة أن يُعيد المشهد ، وبنفس المواصفات ، حتّى يجعل منه آيات بينات لمن شاء أن يتدبّرها ولو بعد حين .. فهناك رسول الله (ص) يطلب الدواة والكتف ليكتب وصيّتة المقدّسة دون أن يٌغمى عليه – ولم يُخبرنا أحد بذلك - . فيقف عمر إبن الخطاب حائلا بدعوى أنَّ رسول الله (ص) يهجر ..؟
وهنا أبو بكر يحتضر ، ثمّ يُغمى عليه ويتمّ عثمان كتابة الوصيّة ، ويرشّح عمر للخلافة ، ثمّ يفيق أبا بكر من إغماءته ، ويسأله ، فيُخبره ، فيفرح لذلك ويدعُ له بالخير .. فهل هناك أوضح من هذه الواضحات لنقتنع بأنّ الأمور مُخطّط لها سلفا .. أم هي البلادة في التفكير، أم (( الإستحمار )) لعقول الباحثين .. وأيّ الحالتين أصدق وأرضى لله ورسوله لو كنتم تتدبّرون ..
ولكن (( ..من يُشاقق الرسول من بعد ما تبيّنَ له الهدى .. ويتبع غير سبيل المؤمنين ، نُولّه ما تولى ونصله جهنّم ..))
ومع ذلك كانت المعارضة شديدة ، بعد أن تجاهل أبو بكر رأي الخاصة والعامة ، وقادة الدّين والعلم . وكان في طليعة النّاقمين على تلك الوصية العثمانيّة عبد الرحمان بن عوف ، وكان طلحة أشدُّ منه عنفا وصراحة بعد أن شاع نبأ استخلاف عمر ، حيثُ دخل على أبا بكر وهو يصرخ : (( لقد استخلفت علينا ابن الخطاب ، وأنت تعلم بوائقهُ فينا ، وماذا تقول لربّك وهو يسألك غدا ؟ )) [15]
و هكذا صدقت فراسة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حينما قال لعمر (( احلب حلبا لك شطره تشدد له اليوم يرد عليك غدا )) , - و كان ذلك في الأيام الأولى من بيعة أبا بكر - .
و اليوم يُرفع الستار على الفصل الثاني من مسرحية السقيفة رغم المعارضة الشديدة من قبل أقطاب الصحابة من مهاجرين و أنصار .. لكن تعالوا لنجدد بعض الذكريات من الفصل الأول من المهزلة و بعض المواقف لبطلها عمر ، حتّى نعلم الدافع الأساسي وراء ردّ الخلافة إليه من قبل عثمان و أبا بكر

- وكأنّي به يقف موقف المنقذ حيث يقول : كثر اللغط و ارتفعت الأصوات حتّى تخوّفت من الاختلاف ، و قلت أبسط يا أبا بكر يدك لأبايعك . .. و هكذا أقبل الناس من كل جانب يبايعون ..؟ كما كانت له مواقف خالدة مع المعارضة حيث كان يحرِّضُ الناس على وطئ سعد بن عبادة و هو يصيح : (( أقتلوه قتله الله )) . ثم قام على رأسه فقال : (( لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك )). فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر فقال : و الله لو حصصت منه شعرة ما رجعت و في فيك واضحة .
فقال أبو بكر : مهلاً يا عمر , الرفق ها هنا أبلغ . فأعرض عنه عمر .
و قال سعد : (( أما و الله لو أن بي قوّة ما أقوى على النهوض لَسَمِعَتْ منّي في أقطارها و سِككها زئيرًا يجحرك و أصحابك . أما و الله إذًا لأ لحقنك بقوم كنت فيهم تابعًا غير متبوع ...)) إحملوني من هذا المكان ، فحملوه فأدخلوه داره .
و روى أبو بكر الجوهريّ : (( أن عمر كان يومئذ – يعني يوم بويع أبو بكر – محتجزًا يهرول بين يدي أبي بكر و يقول : الاَ إنّ الناس قد بايعوا أبا بكر.. )).

- وانظر إليه و هو يقول على ما رواه الطبري : أن أَسْلَمَ أقبلت بجماعتها حتّى تضايقت بهم السكك فبايعوا أبا بكر- فكان عمر يقول : (( ما هو إلاّ أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر؟ )) [16] .
فهل من أحد يجيبنا على أيّ نصر يتحدث عمر .. ؟ و على من ..؟ و نكتفي بهذه المواقف لعمر من الفصل الأول من مهزلة السقيفة و الخلافة .. فلا تستغرب بعدها بأن يُعطاها.. و يتكرر المشهد حيث يأخذ عثمان موقع عمر .
و ها هو يكتب اسمه ليُرشّحهُ للخلافة دون استشارت الأمة و لا حتى أبا بكر- لأنه كان في حاله إغماء- . و لمّا أفاق أعلمه بذلك فلم يعارض بل دعا له و أبدأ السرور - و هذا دليل آخر على الاتفاقات المسبق ، مع التدرج في تطبيق مراحلها بشكل سلس و إضافة بعض المواقع العاطفية تارة ، و نفحات الندم التي توحي بالتوبة ، مع ما أضافهُ مَنْ ائتمنوا على التاريخ من أشياعهم من تلطيف للمعاني و تزويق للألفاظ عساها تُضيف ولو بعض الجمال على تلكم الأحداث المُشينة و الفصول البشعة و المواقف القبيحة .. في حق الدين و صاحبه الأكرم ( صلى الله عليه و آله ) و ما تعرّض له أهل بيته الأطهار ومن عرفَ الحقَّ ِمَن الأمَّة و استمسك به . فانظر إليه و بعد أن وثقها لعمر ابن الخطاب من بعده ، ها هو و في سكرات الموت يُظهرُ النّدم على ما فرّط في حقّ الله تعالى و رسوله الأكرم (ص) : أجل ، و الله ما أسى إلاّ على ثلاثة فعلتهنّ . ليتني كنت تركتهنّ .. وثلاث تركتهنّ ليتني فعلتهنّ .. ندمهُ على اقتحام بيت الزهراء ( عليها السلام ) .. ثمّ تهديدها بالإحراق لكن و هل ينفع الندم والأسى .. وأين كانت هذه النفس اللّوّامة ، ووخزُ الضمير وأنت نافخا حضنيك على عرش الخلافة في بداية إناعها.. والزهراء ( عليها السّلام ) تطالبك بحقّها المغتصب ، وتقارعك بالحجّة والدليل مع الشهود العدول .. إلاّ أنّك كنت وصاحبك عزمتما على ظلمها ، وتكذيبها وهضم حقوقها وعدم مراعاة حرمة رسول الله (ص) في ابنته فاطمة ( سلام الله عليها ) .. وما ينفع النّدم حين لم يعُد لقولك : (( ليتني تركتُ بيت عليّ ، وإن كان أغلق على حرب ..)) .
أيّ معنى وقد انتقلت صاحبة المظلوميّة إلى جوار ربّها لتشتكي له ظلمكم لها ، والتعدّي عليها .. وأمّا اللّيت الأخيرة : والتي أردتَ من وراءها مسألة رسول الله (ص) لِمَنْ هذا الأمر من بعده ..؟ فلعن الله النسيان أو التناسي .. وكيف تنسى ما لاَ يُنسى ..؟ أم السّلطان والشيطان.. والدنيا وقد راقكم زبرجها . وكيف تُنسى بيعة الغدير الخالدة بخلود الأيّام والسنين ، وأنت وصاحبك تقدّمان التهاني والتبريكات لصاحبها ..

وهكذا ينزل الستار على الفصل الثاني من المؤامرة العمريّة .. :فصارت في حوزة خشناء ، يغلُظُ كلمُها ، ويخشُنُ مسُّها ، ويكثر العثارُ فيها واعتذار منها .. فصبرتُ على طول المدّة ، وشدّة المحنة .. تلك كلمات صدرت على لسان من كان مع الحقّ والحقّ معه وهو الإمام عليّ ( عليه السّلام ) .[17]
ورغم ذلك كان (ع) النّاصح المشفق على الدّين والأمّة ، إلاّ أنّهُ لم يُشارك في حرب ولا في إمارة . لأنّه يرى في نفسه الإمام الشرعيّ ، فكان دوره منصرفا إلى تفقيه المؤمنين ، وحلّ مشاكلهم والسير بهم نحو طريق الإسلام المحمّدي الأصيل . وكذلك كان دور المخلصين من أنصاره ومواليه ، فكانوا يُساهمون بكلّ طاقاتهم في نشر القيّم والفضيلة والتعريف بالحقّ وأهله... وفي الأثناء كانت للخليفة عمر بن الخطّاب صولات وجولات في الفقه والقضاء باعتماده على فقهاء السلطة كمعاذ ابن جبل وكعب الأحبار.. مع ما تجود به نفسه من إيحاءات ونزوات شيّدوا عليها صرح العدالة العمريّة ، فشنّفوا بها آذان التاريخ ، وأطعموا بسردها القصصيِ عقول الأجيال .. رغم كثرة العثار واعتذار . فكانت هناك المواقف تنمُّ على حقيقة العدالة التي زينوا بها تاريخ عمر في التعامل مع مناوئيه وإن كانوا على حقّ ومع أنصاره وإن كانوا على باطل.
وهذان حادثتان نكتفي بهما على ما رواه أصحاب السيرة والتاريخ من أشياعه : مع شيء منَ الإطالة لتتضح الحقيقة التي أرادوا الغمَّ على أمرها تارة ، أو نسبتها إلى خيال علماء الشيعة تارة أخرى ، واعتبروها مغمزا يغمزون بها عليهم .. ولكن من أنَّ لهم ذلك وهذه كتبهم المعتبرة في السيرة والتاريخ طافحة وبأسانيدهم الموثّقة .. ولكن سوّلت لهم أنفسهم أمرا ، فاستساغوا ماء آجنَ ، ولُقمة يغصُّ بها آكلها ، ولم يعلموا بأن المجتني الثمرة في غير وقت إيناعها ، كالزارع بغير أرضه .. وهذه صفحة من حقيقة العدل العمريّ وما سوّلت له نفسه .. نضعها ليتدبّر فيها ذوي البصائر ، وعشّاق الحقيقة ، والثابين عن حياض الرسالة المحمّديّة وقيّمها النبيلة السمحاء :

1 - روى إبن عبد البرّ وغيره أن سعد إبن عبادة تُركَ أيّاما من بعد حادثة السقيفة ، ثمّ بُعِثَ إليه أنْ أقبل فبايع ، فقد بايع النّاس وبايع قومك .
فقال : أما والله حتّى أرميكم بما في كنانتي من نبل ، وأخضبُ سنان رُمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكتهُ يميني ، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي ، فلا أفعل , وأيم والله لو أن الجنّ والإنس اجتمعت لكم ما بايعتكم حتّى أعرضَ على ربّي وأعلمُ ما حسابي , ورغم أن عمر ألحّ على أبي بكر بأخذ البيعة منه إلاّ أنّه لم يعمل بنصيحته ..
ولمّا ولّيها عمر لقيهُ في بعض الطريق ، فقال له عمر : أنت صاحب المقالة ؟
فقال سعد : أنا ذلك . وقد أفضى إليك هذا الأمر .. كان والله صاحبك أحبّ إلينا منك ، وقد أصبحتُ والله كارها لجوارك ..
فقال له عمر : من كره جوار جارٍ تحوّل عنه .
فلم يلبث سعد إلاّ قليلا ثمّ هاجر إلى الشام . [18]

و في رواية البلاذري : ( أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر و خرج إلى الشام فبعث عمر رجلاً ، و قال ادعه إلى البيعة و احتل له فإن أبي فاستعن الله عليه ، فقدم الرجل الشام فوجد سعدًا في حائط بحوارين فدعاه إلى البيعة .
فقال : لا أبايع قريشًا أبدًا .
قال : فإني أقاتلك .
قال : و إن قاتلتني .
قال : أفخارج أنت ممّا دخلت فيه الأمّة .
قال : أمّا من البيعة فإني خارج . فرماه بسهم فقتله ) . [19]

و في تبصرة العوام : أنهم أرسلوا محمّد بن مسلمة الأنصاري فرماه بسهم .[ ألم يُطعك القلم يا صاحب التبصرة والبصيرة حتّى تُذكّرنا بإسم المرسل ..؟ ]
و قيل إنّ خالدًا كان في الشام يوم ذاك فأعانه على ذلك . [20]

قال : المسعودي : (( و خرج سعد بن عبادة و لم يبايع فصار إلى الشام فقُتل هناك سنة 15 هـ )). [21] فمن قتلهُ يا مسعودي ..؟
و في رواية ابن عبد ربّه : (( رمي سعد بن عبادة بسهم فوجد دفينًا في جسده فمات ، فبكته الجنّ فقالت :

و قتلنـا سيـّد الخزرج سعـــد بـن عبــادة ***** و رميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده )). [22]

و روى ابن سعد : ((أنه جلس يبول في نفق فاقتتل فمات من ساعته ووجدوه قد اخضرّ جلده )). ؟ [23]
و في أسد الغابة [24] : (( لم يبايع سعد أبا بكر و لا عمر ، و سار إلى الشام فأقام بحوارين إلى أن مات سنة 15هـ و لم يختلفوا في أنه وجد ميتًا على مغتسله و قد اخضرّ جسده و لم يشعروا بموته حتّى سمعوا قائلاً يقول من بئر و لا يرون أحدًا ))...
[ تلك وساوس بنت العنب التي لعبت بعقولهم ، وهم يكتبون هذه السفا سف والخزعبلات , وقد إتّخذوا الشيطان لأمرهم مِلاكاواتخذهم له أشراكا ، فباض وفرّخ في صدورهم ، ودبّ ودرج في حجورهم فنظر بأعينهم ، ونطق بألسنتهم . - وكتب بأقلامهم ما أوحى لهم - .. ]
ويُعلّقُ العلامة السيد مرتضى العسكريّ على هذه التخرّصات بقوله : .. هكذا انتهت حياة سعد بن عبادة ، و لما كان قتل سعد بن عبادة من الحوادث التي كره المؤرخون وقوعها ، أغفل جمع منهم ذكرها [25] و أهمل قسم منهم بيان كيفيتها و نسبوها إلى الجن [26] .
غير أنهم لم يكشفوا عن منشأ العداء بين الجن و سعد بن عبادة ، و لماذا فوّقت سهمها إلى فؤاد سعد دون سائر الصحابة ، فلو أنهم أكملوا الأسطورة و قالوا : إنّ صلحاء الجِنّ كرهت امتناع سعد عن البيعة فرمته بسهمين فما أخطأ فؤاده لكانت أسطورتهم تامة .

وأمّا مهزلة العدل العمريّ الثانية :
2 - ذكر أبو الفرج أنه : كان المغيرة بن شعبة و هو أمير البصرة يختلف سرًا إلى امرأة من ثقيف يقال لها الرقطاء و لها زوج من ثقيف يقال له الحجّاج بن عتيك ،
فلقيه أبو بكرة يومًا فقال : أين تريد ؟
قال : أزور آل فلان ، فأخذ بتلابيبه .
و قال : إنّ الأمير يزار و لا يزور .
و أن المغيرة كان يخرج من دار الإمارة وسط النهار فكان أبو بكْرة يلقاه فيقول له : أين يذهب الأمير ؟
فيقول له : إلى حاجة ،
فيقول : حاجة ماذا ؟ إن الأمير يزار و لا يزور .
قالوا : و كانت المرأة التي يأتيها جارة لأبي بكرة فقال فبينما أبو بكرة في غرفة له مع أخويه نافع و زياد و رجل آخر يقال له شبل بن معبد ، و كانت غرفة جارته تلك محاذية غرفة أبي بكرة فضربت الريح باب غرفة المرأة ففتحته فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة [27] ينكحها ،
فقال أبو بكرة : هذه بلية قد ابتُلِيتُمْ فانظروا . فنظروا حتى أثبتوا ، فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة ،
فقال له أبو بكرة : إنه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا ، فذهب المغيرة و جاء ليصلّي بالناس الظهر فمنعه أبو بكرة و قال : و لا و الله لا تصلي بنا و قد فعلت ما فعلت ،
فقال الناس : دعوه فليصل إنه الأمير و اكتبوا إلى عمر فكتبوا إليه فورد كتابه أن يقدموا عليه جميعًا ، فتجهز المغيرة و بعث إلى أبي موسى بعقلية جارية عربية موبية من سبي اليمامة من بني حنيفة مولدة الطائف و معها خادم و سار المغيرة ، حتى قدم على عمر ، فجلس له عمر و دعا به و بالشهود فتقدم أبو بكرة ،
فقال : أرأيته بين فخذيها ؟
قال : نعم و الله لكأني أنظر إلى تشريم جدري بفخذيها .
قال المغيرة : لقد الطفت النظر ،
قال أبو بكرة : لم آل أن أثبت ما يخزيك الله به ،
فقال عمر : لا و الله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها كما يلج المرود في المكحلة ،
قال : أشهد نعم ذلك ،
فقال عمر : إذهب مغيرة ذهب ربعك .
قال أبو الفرج و يقال : إنّ عليًا هو قائل هذا القول ، ثم دعا نافعًا فقال : علام تشهد ؟
قال : على مثل شهادة أبي بكرة ،
فقال عمر : لا حتى تشهد أنّك رأيته يلج فيها و لوج المرود في المكحلة .
قال : نعم حتى بلغ قذذه ،
فقال : إذهب مغيرة ذهب نصفك ثم دعا الثالث و هو شبل بن معبد ،
فقال : على مثل شهادة صاحبي فقال : إذهب مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك .
قال : فجعل المغيرة يبكي إلى المهاجرين فبكوا معه و بكى إلى أمهات المؤمنين حتى بكين معه .
قال : و لم يكن زياد حضر ذلك المجلس ،
فأمر عمر أن ينحى الشهود الثلاثة و أن لا يجالسهم من أهل المدينة أحد و انتظر قدوم زياد فلمّا قدم و جلس في المسجد و اجتمع رؤوس المهاجرين و الأنصار .
قال المغيرة : و كنت قد أعددت كلمة أقولها ،
فلمّا رأى عمر زيادًا مقبلاً , قال : إني لأرى رجلاً لن يخزي الله على لسانه رجلاً من المهاجرين [28].
و قد روى قول عمر هذا لزياد كل من اليعقوبي في تاريخه و غيره [29] .
قال عمر : إني أرى غلامًا كيسًا لن يشهد إن شاء الله إلاّ بحقّ . و في الإصابة و أسد الغابة بترجمة شِبْل قريب من ذلك . و في رواية أبي الفداء [30] أن عمر قال لزياد : (( أرى رجلاً أرجو أن لا يَفْضَحَ الله به رجلاً من أصحاب رسول الله )) .
و في رواية الأغاني عن أبي عثمان النَّهدي : (( أنّه لما شهد الشاهد الأوّل عند عمر تغيّر لذلك لون عمر ، ثم جاء الثاني فشهد فانكسر لذلك انكسارًا شديدًا ، ثم جاء الثالث فشهد فكأنّ الرَماد نُثِر على وجه عمر . فلمّا جاء زياد جاء شاب يخطر بيديه ، فرفع عمر رأسه إليه و قال : ما عندك أنت يا سَلَحَ العُقاب [31] و صاح أبو عثمان النَّهدي صيحة تحكي صيحة عمر .
قال الراوي : لقد كدت أن يغشى عليّ لصيحته .
فقال المغيرة : يا زياد أذكرك الله و أذكرك موقف القيامة ، فإن الله و كتابه و رسوله و أمير المؤمنين قد حقنوا دمي إلى أن تتجاوزه إلى ما لم ترى .
فقال زياد : يا أمير المؤمنين أما أن أحق ما حق القوم فليس عندي ، و لكني رأيت مجلسًا قبيحًا ، و سمعت نفسًا حثيثًا و انبهارًا ، و رأيته متبطنها.
فقال عمر : أرأيته يدخل و يخرج كالميل في المكحلة ؟
قال : لا!

قال أبو الفرج : و روى كثير من الرواة أنه قال : رأيته رافعًا برجليها و رأيت خصيتيه متردّدين بين فخذيها و سمعت حفزًا شديدًا و سمعت نفسًا عاليًا .
فقال عمر : أرأيته يدخله و يخرجه الميل في المكحلة ؟
قال : لا .
فقال عمر : الله أكبر ، قم يا مغيرة إليهم فاضربهم ، فجاء المغيرة إلى أبي بكرة فضربه ثمانين و ضرب الباقين !
و روى قوم أن الضارب لهم الحدّ لم يكن المغيرة . و أعجب عمر قول زياد و درأ الحدّ عن المغيرة )).
و في رواية الحاكم [32] : (( فكبّر عمر و فرح إذ نجا المغيرة و ضرب كلهم إلاّ زيادًا )).
و في فتوح البلدان : (( فقال شبل : أتجلد شهود الحقّ و تبطل الحدّ ؟ )) فلمّا جلد أبو بكرة قال : أشهد أنّ المغيرة زان ،
فقال عمر : حدّوه ،
فقال عليّ : إن جعلتها شهادة فارجم صاحبك .

و قريب من هذا ما ذكره في الكنز و منتخبه ، و اليعقوبي في تاريخه من موقف علي ( عليه السّلام ) .
و ذكر في الأغاني و شرح النهج : (( فقال أبو بكرة بعد أن ضرب : أشهد أنّ المغيرة فعل كذا و كذا ، فهمّ عمر بضربه فقال له عليّ ( عليه السلام ) : إن ضربته رجمت صاحبك ونهاه )).
قال أبو الفرج : (( يعني إن ضربه تصير شهادته شهادتين فيوجب بذلك الرجم على المغيرة ,
قال : فاستتاب عمر أبا بكرة ,
فقال : إنّما تستتيبني لتقبل شهادتي ؟
قال : فإني لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا ،
قال : فلمّا ضربوا الحدّ قال المغيرة : الله أكبر الحمد لله الذي أخزاكم ،
فقال عمر : أسكت ! أخزى الله مكانًا رأوك فيه ،
قال : و أقام أبو بكرة على قوله و كان يقول : و الله لا أنسى فخذيْها .
فتاب الاثنان فقبلت شهادتهما ، كان أبو بكرة إذا طلب إلى شهادة قال : أطلبوا غيري فإنّ زيادًا أفسد عليّ شهادتي )).

و ذكر بقاء أبي بكرة على رأيه وتربة الاثنين الآخرين ابن عبد البرّ في ترجمة أبي بكرة . و روى في الأغاني و في شرح النّهج عن الشعبي قال : كانت الرقطاء التي رمي بها المغيرة تختلف إليه في أيام إمارته الكوفة في حوائجها فيقضيها لها .
قال أبو الفرج : و حجّ عمر بعد ذلك مرّة فوافق الرقطاء بالموسم فرآها ، و كان المغيرة هناك فقال له عمر : أتعرف هذه ؟
قال : نعم هذه أمّ كلثوم بنت عليّ .
فقال له : و يحك أتتجاهل عليّ ؟ و الله ما أظنّ أبا بكرة كذب عليك ، و ما رأيتك إلاّ خفت أن أرمى بحجارة من السماء [33] .
فقال حسّان بن ثابت يهجو المغيرة و يذكر هذه القصّة :

لو أنّ اللؤم ينسَبُ كان عبـْــدًا ***** قبيح الوجه أعور من ثقيـــــف
تركت الدين و الإســـلام لمــــّا ***** بدت لك غـــــدوة ذاتُ النَّصيف
و رتجعت الصّبا و ذكرت لهــــوًا ***** مع القينات في العمر اللطيـف

انتهت رواية الأغاني و ابن أبي الحديد [34]

و روى البلاذُري : أن الخلفية عمر ابن الخطّاب لما أراد أن يولّيه الكوفة - بعد هذه الواقعة - قال له : إن وليتك الكوفة أتعود إلى شيء ممّا قُرفْتَ به ؟ قال : لا[35] .

أنظر عدالة عمر ، ومجاملته للمنحرفين من أنصار السقيفة .. وهو يُحذّره من أن يعود لما أقترفه .. ومع ذلك يقيم حَدَّ باطله على من شهد عليه ..ثمّ يُولّيه إمامة المسلمين ويأتمنه على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم .. وأمام عينيه لو كان بصيرا ، أقمار بني هاشم ، وكواكب بني عبد المطّلب ..؟ وخيرة الصحابة كأبي ذرّ وسلمان وعمّار ..؟ وبعد ذلك كلّه تراهم يتباكون عن موت العدل بموت عمر..؟ وكان بالأحر لهم أن يقولوا مات العدل بعمر.. ولكن حقّ فيهم قول الإمام (ع) : (( إن لم تصُن عِرضا ، ولم تخشى خالقا ، وتستخي مخلوقا .. فما شئتَ فاصنــــــع ..)).

ومع حادثة المغيرة بن شعبة هذه ، عندي ذكرى طيّبة مضى عليها أكثرُ منْ عقدين منَ الزمن ، إلاّ أنّها مازالت ماثلة أمامي وكأنّها جدّت البارحة :
..جمعنا لقاء في منتصف الثمانينات مع الشيخ الدكتور أحمد النيْفر أحد رجالات الدّين والفكروالدّعوة .وهوالرجل الثاني في حركة الاتجاه الإسلامي قبل انسلاخه منها وتأسيس تيار اليسار الإسلامي ومجلة 15 – 21 .. وذلك بعد دعوة وجّهه له صديق دربه الشيخ مبارك بعداش بعد إستبصاره .. وكانت الجلسة في بيت الأخ محمّد مقداد الرصافي .
وبعد واجب الترحيب والضيافة و الإنتهاء من صلاة العشاء . بدأت المناظرة والتي إستمرّت حتى أذان الفجر بعد أن جرى الحديث فيها على عديد المسائل الخلافية ، ومن بينها الخلافة ووالوصيّة ومفهوم الصُحبة .. وكان البحث حول شخصيّة عمر مطوّلا . و ما يُنسبُ له من عدل وشدّة في ذلك واحتياط .. صفات إختصّ بها بين الأصحاب . كما تناول الشيخ مبارك عدّة مسائل وأحداث فنَّدَ بها تلك المزاعم ، وكان آخرها فضيحة المغيرة بن شُعبة .. وكنتُ في أثناء ذلك ألاحظ الدكتور وعلامات الحيرة والإستغراب ترتسم على وجه وقد إنكفأ برأسه بين كتفيه حتى صارت ذقنه تُلامسُ صدره .. ومع نهاية الشيخ من سردِ حادثة المغيرة من تاريخ الطبري . لفَّ مجلسنا لحظات صمت كنت أنتظر من خلالها ردّتُ الفعل للدكتور أحمد ، لكنّه رفع رأسه وقد رسم على شفتيه إبتسامة عريضة مسائلا الشيخ مبارك عن مصادر تلك القصّة . وإذا بالشيخ وكأنّه في إنتظار ذلك الطلب فبدأ بتعداد المصادر المعتبرة لدى جمهور المسلمين بأرقام الأجزاء والصفحات .. ومع ذلك لازال الدكتور محافظا على ابتسامته المشوبة بالحيرة والتعجّب.
وما أن أنهى الشيخ كلامه ، حتىّ أومأ الدكتور راجيا منّا إنهاء الجلسة ، معتذرا بالتعب والإرهاق ، وشاكرا لنا على تلك الفرصة التي أتيحت له حتّى يعلم ولو القليل عن الحلقة المفقودة لدية من سيرة وعلوم أهل البيت (ع) وعلماءهم .. آملا أن تتكرّر مثل تلك الجلسات . ومع انتهاءه من قراءة الدعاء وسورة الفاتحة ، ابتدرته بسؤال لازلتُ أتذكّرهُ . : لو أنَّ سماحة الدكتور يُلخّص لنا هذه الجلسة المبارك ولو في جملة واحدة ..؟
سكت للحظات ثمّ قال لي : يا بني في هذه الساعات الخمس ، تمّ هدِّمَُ ما بنيتهُ في خمسين سنة .. لقد أدخلتم في عقلي (( جعفريّة )) .. وكثيرا ما كنت أتساءل عن معنى هذه الكلمة ، إلاّ أنّي قد علمتُ معناها الآن ، بعد هذه الجلسة المفيدة ، كما علمتُ أن الإمام جعفر الصادق هذا رجل عظيم ، وأن هذه الكلمة تُنسبُ إليه لصدق حجّته وبيانها , فسعدتُ بذلك الجواب ، ثمّ طلبت منه أن يتناول بعض الحقائق عند إلقاءه لخطب الجمعة من على منبر مسجد التوحيد بتونس العاصمة . إلاّ أنّه اعتذر بكلّ أدب ولباقة وقال : دعني أبدأ بنفسي ، وأعيد ترتيب أوراقي . ثمّ يفعلُ الله بعد ذلك ما يشاء .
والحمد لله أوّلا وأخيرا .. وله الفضل والمنن .

وقبل أن نودّعهم نسألهم :
- 1 - هل سمعتُم مدى الدهر بأنّ رجلا قتلتهُ الجنّ ، ثمّ ناحت عليه شعرا ..؟
- 2 - هل منكم من يدلّنا على الشاهد الذي راى سعد بن عبادة وهو يتبوّل قائما أو قاعدا وفي نفق .. وهو من خيرة الصحابة ، وهو من النجوم التي بأيّهم إقتديتم إهتديتم ..؟
- 3 - ما المخزى من قول عمر لشاهد الرابع : إ نّي أرى رجلا أرجو أن لاَ يفضحَ به الله رجلا من أصحاب رسول الله ..؟..أو أنّي لا أرى رجلا لن يُخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين ..؟ ومتى كانت هجرة المغيرة ابن شعبة يا عمر .. ؟ أم بعد ما صار من حزب السقيفة منحته الجنسيّة القرشيّة ..؟
- 4 - ثمّ نسألكم بالله العلي العظيم ، هل فيكم من بقي في نفسه أي شكّ بعد الإستماع لشهود الثالثة . و دون أن نُضيف الشهادة الرابعة .. ؟ وهل تعتبر الشهادة الشاهد الرابع ناقصة مع ما جاء فيها من تبيان وتوضيح ، لولا التجاوز والتضليل .. وما هذا الإعجاز و التعجيز من رؤية المرود يلجُ المكحلة ..؟
- 5 - وما الدافع لتلك الصيحة في وجه الشاهد ، ونبزه بالألقاب – كسلح العقاب - .. غير إثنائه عن الشهادة ، وترهيبه ..؟ ولكن في ما ذكر كفاية قطعيّة لإدانة المغيرة .. ولكن عند الله تلتقي الخصوم .
- 6 - ما معنى قول عمر للمغير : ((.. أسكت: أحزى الله مكانا رأوك فيه ..؟)) أو قوله له : (( والله ما أظنّ أنّ أبا بركة كذبَ عليك ..؟ .. ما رأيتك إلاّ خفتُ أن أرمى بحجارة من السّماء .. ))


وحتّى نلتقي في الفصل الأخير ، أستودعكم الله .
والسلام في البدء والختام ممن سيبقى على العهد مُقيمــا
أخوكم أبو مرتضى عليّ

أتقدّم لكلّ الإخوة العاملين والمساهمين على صفحات هذا الموقع المبارك – إن شاء الله تعالى - بأخلص التهاني وأزكى التبريكات في ذكرى مولد إمام المتّقين وقائد الغرّ المحجّلين مولانا ومهتدانا أمير المؤمنين علي – صلوات من الله عليه وآله - وكلّ لحظة وانتم بخير .
مع الدعاء لكم بالموفّقية والسداد ..
والســــــــــــلام

[1] مختصر من الطبري ج 2 ص 448 . والبخاري باب المغازي ج3 ص 38 ومسلم ج1ص 72 ..
[2] إبن الجوزي في التذكرة الباب 6 - وشرح النّهج ج 2 ص 50 ..
[3] التوبة – 119 أنظر الدر المنثور ج3 ص390 وروح المعاني ج11 ص 41 وتفسير الشوكاني ج2 ص390
[4] رواه الحسكاني في شواهد التنزيل ج1 ص 85 . وذكر في تعليقه عدّة من رواة هذا الخبر . فراجع
[5] روى الجمهور عن إبن عبّاس أنّ رسول الله (ص) قال : ((هم أنت يا عليّ وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك راضين مرضيّين ، ويأتي عدوّك غضابا مُقمحين ..)) راجع تفسير الطبري ج3 ص 171 و الشوكاني في فتح القدير ج5 ص 464 والسيوطي في الدر المنثور ج6 ص 379 . وابن حجر في الصواعق ص 96 و159 ..
[6] من سورة التحريم 4 . راجع تفسير إبن كثيرج4 ص 389 و مجمع الزوائد للهيثمي ج 9 ص 194..
[7] الرعد 43 – راجع تفسير الثعلبي . والإتقان للسيوطي ج1 ص 13 و الطبري ج 17ص 177 ..
[8] روى الجمهور بأن رسول الله (ص) قال : أنا منذر ، وعليّ الهدي ، وبك يا عليّ يهتدي المهتدون ..:" راجع المستدرك للحاكم ج3 ص 129 و التفسير الكبير ج 19 ص 14 و الطبري ج 13 ص 63 ..و الشوكاني ج3ص66.
[9] صحيح البخاري باب غزوة تبوك ج3ص 63 ومسلم باب فضائل عليّ (ع) ج2 ص 360 ..
[10] صحيح الترمذي ج 5ص 300 ح 3804 . جامع الأصول لإبن الأثير ج 9 ص468 ..
[11] طبقات ابن سعد ج2 ص 23 . سنن ابن ماجة ج1 ص 44 ح 120 . خصائص النسائي ص 46 ..
[12] مسند أحمد بن حنبل ج 5 ص 347 . مناقب الخوارزمي ص 79 والذهبي بذيل المستدرك ج3ص 110..
[13] تاريخ دمشق لإبن عساكر ج 2 ص 440 ح 949 . شرح النهج ج 9 ص 170 وفرائد السمطين ج1ص141 . منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 55 ..
[14] تاريخ اليعقوبي ج 2ص105 ..
[15] الإمامة والسياسة لإبن قتيبة ..
[16] الطبري ج2 ص 458 و لإبن الأثير ج2 ص 224
[17] شرج النهج – من خطبة الشقشقيّة-
[18] طبقات ابن سعد ج 3 ق2 – 145 و وابن عساكر ج 6 ص 90 بهامش كنز العمّال ج 3 ص 134 ..
[19] أنساب الأشراف 1 / 589 ، العقد الفريد 3 / 64 - 65 باختلاف يسير .
[20] تبصرة العوام ط المجلس بطهران ص 32 .
[21] في مروج الذهب 1 / 414 و 2 / 194 .
[22] العقد الفريد 3 / 64 - 65 .
[23] في الطبقات 3 ق 2 / 145 و ابن قتيبة الدينوري في المعارف ص 113 .
[24] في ترجمة سعد ، و الاستيعاب 2 / 37 .
[25] كابن جرير و ابن كثير و ابن الأثير في تواريخهم .
[26] كمحبّ الدين الطبري في الرياض النضرة ، و ابن عبد البرّ في الاستيعاب .
[27] و قد ذكر قصة المغيرة كل من ابن جرير و ابن الأثير و أبي الفداء في وقائع سنة 17 هـ . و البلاذري في 1 / 490 - 492 بتصيل أوفى . و في الطبري ط / أوروبا 1 / 2529 .
[28] و قد أورده ابن خلكان في 5 / 406 من وفيات الأعيان بترجمة يزيد بن مفرّغ .
[29] في تاريخ اليعقوبي 2 / 124 و في كنز العمال 3 / 88 الحديث 12682 و في منتخبه 2 / 413 .
[30] رواية أبي الفداء 1 / 171 .
[31] و في رواية اليعقوبي 2 / 124 و ابن أبي الحديد تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 12 / 237 .
[32] في المستدرك و الذهبي في تلخيصه 3 / 448 .
[33] في رواية اليعقوبي 2 / 124 : ( و كان عمر إذا رأى المغيرة بن شعبة قال : يا مغيرة ما رأيتك قط إلاّ خشيت أن يرجمني الله بالحجارة ) .
[34] ج 14 من الأغاني ص 139 - 142 من طبعة ساسي سنة 1959 و أخرجه ابن أبي الحديد في شرح النهج 2 / 161 .
[35] في ص 343 من فتوح البلدان .

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة