المستبصرون » مساهمات المستبصرين

ابو مرتضى علي - الوطن العربي - 11 شعبان 1426 - ثلاث خلفاء ... وبيعةٌ واحدةٌ ..؟ - ج3 (الفصل الأخير)-
البريد الالكتروني

الاسم : أبو مرتضى على
الدولة و المدينة : الوطن العربي
المساهمة :

بسم الله الرحمان الرحيم
و الصلاة و السلام على المصطفى الأمين و آله الأطهر المنتجبين و اللعن الأزلي على من ناوئهم من الأولين و الأخرين و إلى قيام يوم الدين ...

إخوة الإيمان : سلام من الله و رحمته تعالى و بركاته
- البحث في (( الخلافة الراشدة ))

ثلاث خلفاء ... وبيعةٌ واحدةٌ ..؟ - ج3 (الفصل الأخير)-

* مِنَ التوفيق الوقوف عند الحيرة :
و قبل أن أتناول خاتمة هذا البحث ، بالحديث عن (( الشورى العمرية )) التي أنهى بها ابن الخطاب مشوار حياته المتناقضة قولا وفعلا و نقلا ... لا بأس بان أشرح مسألة في غاية الأهميّة ، وهي مفهوم الولاء و التبرّي عند أتباع مدرسة أهل البيت (ع) .. ومسألة الصحبة و ما أنجزت من متاهات ضلالة ، و أزهقت من أرواح بريئة من تحت جلباب القداسة الزائفة .. إذًا فحبّ الشيعة للبعض من الصحابة و تبرّئهم من البعض الآخر نابع عن دراية موثقة توارثتها عن موازين القسط ، و أهل الصدق و الأمانة في النقل و ذلك ليس من منطق التعصب الأعمى و لا التقليد الأرعن .. بل من منهج الإيمان و الحقيقة ، دون إتباع الأهواء أو ما ورّث الآباء . ولم و لن يضعوا تيجان المفاخرة و ثوب القداسة لمن ليس لهما بأهل ، و لا صفة الطهر دون التثبت في حقيقة الصحابيّ دون الالتفات لما أسّس أصحاب الأهواء والسياسة عبر العصور والأزمنة .. فمرجعنا في ذلك الأمر لكي نتبين الحقّ من الباطل و الصالح من الطالح ، هو كتاب الله تعالى و تأويله من عند الراسخين في العلم (ع) ، و سيرة المصطفى (ص) وما جاء من أقواله و أفعاله المتفق عليها بين عقلاء المسلمين.
و بعد عرضها على موازين هذه الشروط المحقّة ، تكون الصحبة و تقوى الله تعالى يتعاونان على نيل صاحبها القداسة و الطهر، و لن يكون ذلك إلا بغربال الإنصاف لدى الباحث عن مسالك النجاة ، دون المبالات بصيحات الغوغائيين من الرّعاع ، أو المغترين بنسبتهم من قبل أهل الجهل للعلم و العلماء .

و مهما يكن من شيء ، تنتابني الشفقة على صحبة النبي ( صلى الله عليه و آله ) ممن يدنسها أو يسيء إليها من المنافقين و المرجفين و ضعاف النّفوس .. كيف و الصحبة في واقعها الأسمى : تعني الشرف العظيم ، و المرتبة السّامية ، و المنزلة العالية .. فكلّ من عصى منهم ، أو حاد الله و رسوله و ارتكب المناكير و الموبقات و أصرّ عليها.. قد ترك ما أوجب له المحبّة من الله تعالى و رسوله و صالح المؤمنين . ومن الغباوة ، إن لم نقل من العناد و التضليل إهدار كلّ كبيرة موبقة بدعوى حرمة الصحبة . كما لا نشك بأن لصحبة الحقيقيّة حرمة عظيمة عند من آمن بالله و اليوم الآخرة ، و لكن مقيّدة بما أسلفنا .. ومع هذا أرجو من الباحث عن الطرق الخلاص أن يعيد النظر في ما أورثه السلف ، و يبتغي لنفسه و أهله و من تولاّه النّجاة ، و أن يجعل الحق ضالته و مبتغاه ، و أن يتمسك بهدي من يدور الحقّ معه حيثما دار .. ومن غير أمير المؤمنين عليّ ( عليه السّلام ) .

و ها أنا شارع بحول الله و قوّته في وضع البحث الأخير في مسألة (( الشورة العمريّة )) و ما احتوته من مؤامرات و إحتيالات عن الحقّ و أهله ، وما ابتليت به الأمّة من مآسي عظام ، حيث كانت الأخت التوأم لرزيّة السقيفة .. لكن لن أضيف أي تعليق على ما جادت به قريحة المؤرخين و أصحاب السيرة من مدرسة الجمهور . و أترك حرية التدبّر و الاستنباط لذوي العقول النيرة و مَنْ أطرح التعصب الذميم جانبًا . عسى أن يستبصر من عِظمِ شناعتها ، و قلّة حياء مرتكبيها .. مع الرجاء لمن كانوا في معرفة الحق راغبين ، و الإنصاف غايتهم المنشودة . كي يُنصفوا الحقيقة الضائعة ، و ينصفوا الحقّ من أنفسهم و يحكموا بما يُرض الله (تعالى شأنـه) و رسوله الأكرم (ص) في ما بيننا و بين بوائق عمر بن الخطاب وما ارتكبه في حقّ أهل البيت (ع) وحق الأمّة وما امتازت به نفسه من حسد وبغض للحقّ و أهله حتى الرمق الأخير من عمره .. رغم ما أطروه بما ليس فيه ، و ما ألبسوه من غير لباسه ، وما وضعوا من أحاديث في علمه المزعوم و فضله المغمور ، وكم انتحلوا له من مناقب كانت لغيره و بدلوا سيئاته حسنات ، حتى يرفعوا له في الدّين علمًا وضعه الله ، و ينصبوا له من الحقّ لواءًا نكسه الله ، عنادًا من عند أنفسهم ، وتعصبا لأهوائهم . لا يلتفتون في ذلك لدليل و لا يقبلون على ذلك حجّة يدفعون المتواتر الصحيح و يعتمدون على الضعيف و الغريب ليزهق به روح الحقّ عساهم ينعش روح الباطل ، و لهم في ذلك أتباع و أذناب عبر العصور ، منتشرون في نواحي الأرض ، ملئوا البقاع رغاء و أفعموا اليفاعيَ نعيقًا ، لا تجد لهم عند البحث حجّة بيّنة ، إلاّ الصخب و السباب و النفور كلّما سمعوا صوت الحق و البيان .. متسربلين بجلابيب التعصب البالية ، وملتفّين في لحاف عقيدة إبداء ممّا ورّث الآباء و الأجداد ..و إن كان آبائهم لا يفقهون شيء .. و إذا دعوا إلى الله و رسوله ليحكموا بينهم ، إذ فريق منهم معرضون ..

* لا تعمل بالخديعة ، فإنّهــا خلُقٌ لئيــم :
.. ثمّ تعالوا لنقف بين يدي باب مدينة علم المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) ومن إمتلك سبل الهداية من أطرافها ، بعد أن سبق النّاس إليها ، وآمن بالله تعالى وعَبَده ، وكلٌّ من في الأرض يعبدُ الحجر ، ويجحدُ الخالق . واقتدى بهدي رسوله الكريم ( صلى الله عليه وآله ) ، واعتصم بنهجه .. لنعلم حقيقة الأمر ونستجلي مسالك الرشاد من بين ركام الضلالة .. حتّى نرى الحقيقة في أبهى مظاهرها ، ونُمسك بصولة الحقّ حتّى ندحر بها البهتان عبر الزمان والمكان .. وفي هذا القليل من قول إمام الموحّدين ( عليه السّلام ) كفاية لذوي البصائر حيث يقول .. : (( حتّى إذا مضى لسبيله – يعني عمر - جعلها في ستّة زعم أنّي أحدهم ، فيا لله ، وللشورة .؟ .. متى إعترض الرّيبُ فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرتُ أقرنُ إلى هذه النظائر .. لكنّي أسففت إذ سفّوا ، وطرتُ إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه ، ومال آخر لصهره ، مع هنٍ وهنٍ ..))
هذه الكلمات القدّسيّة من أوضح الواضحات عن المظلوميّة ، وخسّة المؤامرة .. ومع ذلك لنتصفّح أوراق الفريّة ، ولننظر بعين البصيرة لبشاعة الموقف ، وقلّة الحياء والدّين لمرتكبيه ، والراضين به .. حيث ينقل الطبري في تاريخه وصاحب النّهج : أنّ عمر لمّا طُعنَ وعلم أنّه ميّت ، إستشار – بطانة السّوء - فيمن يولّيه الأمر بعده ، فأشير عليه بإبنه عبد الله .. فقال : لها الله .. لا أتحمّلها حيّا وميّتا .
ثمّ قال : إنّ رسول الله (ص) مات وهو راض عن هذه الستّة من قريش بعد أن بشّرهم بالجنّة : عليّ وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرّحمان بن عوف .. وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم .. هذه الفكر وإن كانت تبدُو لدى المخالف منطقيّة لإعتقاده بالشورى .

إلاّ أنّها ومع ذلك تعني السمّ تحت الدّسم ، بل وتكشف عن خبث سريرة أصحابها والراضين بها .. وذلك لعلم عمر المُسبق بإنحراف طلحة لجهة عثمان بإعتباره تيّميّ ، وأنّه من أبناء عمومة أبا بكر وما أسّس من مواقف خالدة مع الزهراء (ع) ، وما أولدته تلك المخازي من حنق شديد بين بني تيّم وبني هاشم .. كما كان يعلم إبن الخطّاب بأن سعد يهبُ حقّهُ من الشورى لإبن عمّه عبد الرّحمان لأنّ كلاهما من بني زهرة ، وهو يعلم بأن هذا الأمر لا يتمّ له ، كما أنَّ أمّهُ حمنه بنت سفيان بن أميّة بن عبد شمس .. وسنامُ المؤامرة الفاضحة في جعل الحكم الفصل في حال إنقسام الجماعة إلى فريقين متساويين لعبد الرّحمان بن عوف لعلم (( الفاروق )) بأنّ عبد الرّحمان لن يميل عن مناصرة صهره عثمان ، فهو أخ زوجته من أمّه .. لذلك قال إبن عبّاس (رض) لمّا سمع بحلقات الدّسيسة العاريّة . مُخاطبا أمير المؤمنين (ع) : (( لقد ذهب الأمر منّا ..))
فقال له عليّ (ع) : أعلم ذلك .. ولكن أدخل معهم في الشورى لأنّ عمر قد أهّلني الآن للخلافة ، وكان قبل ذلك يقول : أنّ رسول الله (ص) قال : إنّ النبوة والإمامة لا يجتمعان في بيت، فأنا أدخل في ذلك لأظهر للنّاس مناقضة فعله لروايته ..)) [1] ثمّ إلتفت (ع) لمن حوله من بني هاشم وقال : (( إن أطيع فيكم قومكم من قريش فلن تؤمَّروا أبدا ..)) وخاطب عمّه العبّاس (رض) بقوله : ((عدل بأمر عنّي يا عمّ )).
فقال له : وما علمك ..؟
قال (ع) : قُرِنَ بي عثمان ، وقال عمر كونوا مع الأكثر ، فإن رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا ، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرّحمان بن عوف .. فسعدٌ لا يخاف إبن عمّه ، وعبد الرّحمان صهر عثمان لا يختلفان ، فيولّيها إحداهما الآخر . فلو كان الآخر معي لم يُغنيا شيئـا ..؟؟؟ [2] .
وهكذا تواصلت أحقادهم الدّفينة ضدّ أهل الطهر والقداسة ، حتّى وهم في سكرات الموت .. بعد أن وزّعوا صكوك الجنّة لأشياعهم من أمثال عثمان وطلحة وسعد والزبير وعبد الرّحمان .. ولكن تاريخهم لن يرحمهم ولو بعد حين ، وهذا الفصل الأخير من المهزلة العمريّة يكشف عن قبح أفعالهم وخبث سرائرهم .. على ما جاء على ألسنة أوليائهم وناصريهم .. فهذا صاحب النّهج وذاك الطبري صاحب التّاريخ وهذه بضاعتهم .. أفلا تتدبّرون .. أم على قلوب أقفالها ..؟

.. وإن كانت سقيفة بني ساعدة قد شهدت رفع الستار لما إبتلي به الإسلام وأهله من إنحراف عن الحقّ ، ونكث للعهود ، وتسلطِ فاضح لأهل الباطل وتجرّمهم على بيت النبوة الطاهرة .. فإنّ بيت أمّ المؤمنين عائشة قد شهدت الفصل الأخير من تلكم المخازي والمؤامرات الدنيئة . وحتّى لا أطيل في شرح الواضحات أختصر ما جاء في شرح النّهج عن أبي جعفر حيث قال :
فلمّا أتى اليوم الثالث جمعهم عبد الرّحمان بن عوف ، واجتمع الناس كافة فقال عبد الرحمان : أيّها الناس ، أشيروا علي في هذين الرجلين ،
فقال عمّار بن ياسر : إن أردتَ أن لا يختلف الناس فبايع عليّا (ع) ،
فقال المقداد : صدق عمّار . وإن بايعت عليّا سمعنا وأطعنا .
فقال عبد الله بن أبي السّرج : إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان .
وقال عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي : صدق ، إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا .
فشتم عمّار إبن أبي السّرح وقال له : متى كنت تنصح المسلمين ..؟
فتكلّم بنو هاشم وبنو أميّة ، وقام عمّار ، فقال : أيّها الناس ، إن الله أكرمكم بنبيّه (ص) ، وأعزّكم بدينه ، فإلى متى تصرفون هذا الأمر على أهل بيت نبيّكم .
فقال رجل من بني مخزوم : لقد عدوت طورك يا ابن سميّة ، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها .؟
فقال سعد : يا عبد الرحمان ، أفرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس .
فحينئذ عرض عبد الرحمان على عليّ أن يُبايعه شريطة أن يعمل بسيرة الشيخين ..؟
فقال (ع) : بل أجتهد رأيي. فبايع عثمان بعد أن عرض عليه فقال : نعم
فقال علي (ع) : ((ليس هذا بأوّل يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . والله ما ولّيته الأمر إلاّ ليردّه إليك ، والله كلّ يوم في شأن ..))
فقال عبد الرحمان : لا تجعلنَّ على نفسك سبيلا يا عليّ . – يعني أمرَ عمر أبا طلحة أن يضرب عنقَ المخالف – فقام عليّ (عليه السلام) وخرج ..[3]

* مـَنْ تفكّرَ أبصـرَ :
.. فهذه حقيقتهم قد فاحت روائحها بعد أن سخّر الله لها رجال صدقوا فيما إئتمنوا عليه من بحث وتنقيب كالسادة الأفاضل : الأميني وشرف الدّين وجعفر العاملي وأسد حيدر وأبو ريّة وغيرهم .. من المخلصين للأمّة في ماضيها ومستقبلها .. فأزاحوا القليل من باطل إفتراءاتهم ، حتّى تبرز الحقيقة الساطعة من وراء حجب الضلال والإفتراء وأسوار الإرهاب الفكري والسياسي .. لتُسفرَ عن وجهها المشرق ، بإشراقة الدّين الحنيف وصاحبه الأقدس ( صلى الله عليه وآله ) ولتوقظ المؤمنين من غفوتهم المفتعلة ، وترفع من على بصائرهم غشاوة السنين والقرون السّالفة .. والمثل في ذلك : صكوك الجنّة المزعومة للبعض ممن رضي عنهم عمر بن الخطاب ، ومنهم أصحاب الشورى العمريّة بدعاوي مجرّدة لا تستند لمنطق ولا عقل لمن سبر خفايا السيرة وعلم مجرى التّاريخ والأحداث. .

- فهذا عثمان من (( أصحاب جنّة عمر )) . يُحاصرُ في بيته لأسابيع بمرآى ومسمع من آلآف المهاجرين والأنصار وأبنائهم . ثمّ يُمنع عنه الماء ، ومن بعد ذلك يُقتل بتحريض مباشر من البعض من (( أصحاب جنّة عمر )) كطلحة والزبير ، ثمّ يمنع من دفنه في مقابر المسلمين ، حتّى يضطر أوليائه من دفنه في مقبرة اليهود بحش كوكب، والتّي ألحقها معاوية في عهده بمقابر البقيع .. فهل من المعقول أم منَ الدّين أن يُفعل هذا برجل من أهل الجنّة .. ؟ و ما حكم من خذله ولم ينصره من الصحابة وأهل الجنّة ، ومن بأيّهم إقتديتم إهتديتم ..؟ أعلموا بأن هذه الحوادث قد أجمع أهل السير والتاريخ على نقلها .

- وأمّا طلحة والزبير اللذان إرتكبا من رسول الله في هتك حرمته ما لا يرتكبه منه الكافر ولا المشرك بقصدهما إخراج حرمه (ص) ، يسيران بها بين العساكر في البراري والفيافي ، غير مبالين ولا متحرّجين ، مع ما قد أجمع أهل الخبر عليه منَ الرواية أن رسول الله (ص) قد أعلم طلحة والزبير وأمّ المؤمنين عائشة ، بأنّهم سيُقاتلون عليّا (ع) ، وأعلم عائشة بأنّها ستبحها كلاب الحوأب . إلاّ أنهم لم يرتدعوا ، ولم يردّهم ذلك من قول رسول الله (ص) ، فسفكوا ببغيهم الدماء المحرّمة ، والباقيّة في أعناقهم ليوم الحشر .
ولن تُغني الصكوك شيئا . إذا أضفت لها نقضهم بيعة الإمام (ع) وخروجهم لحربه ، بعد أن علموا ووعوا قول رسول الله (ص) فيه : (( من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره وأخذل من خذله ..)) [4] فكيف بمن كان له معاديا ومحاربا وشانئا .. فهل حقّت عليه الدّعوة بالعداوة والخذلان من الله ورسوله (ص) ..؟ بذلك فالنّار أولى به من الجنّة ..

- وكذلك سعد ابن أبي وقّاص ، فرجل يَروى عنه الخاص والعام أنّه سمع رسول الله (ص) يقول في عليّ : (( عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ، لن يفترق حتّى يرد عليّ الحوض يوم القيامة ..)) , ومع ذلك إمتنع عن نُصرة إمام زمانه (ع) بسفاسف من القول وتعلاّت واهيّة .. كقوله للإمام لمّا طلب منه النُصرة : أتني بسيف يعرف المؤمن من الكافر ، فيقتل الكافر وينبو عن المؤمن ..؟ وليس يخلو بذلك حاله من خذلانه لعليّ (ع) بقعوده عنه أن يكون إستحقّ من قول رسول الله (ص) ما إستحقّ صاحباه من قبل بعد أن تهاون بالحقّ وعاندهُ ..

- ولكن إبن عوف وشرطُهُ المخزي عبر التّاريخ على إمام الحقّ (ع) ، وفرضه سيرة الشيخين كشرط لأعطاءه البيعة ، لعلمه بأنّ عليّا (ع) لن يقبل بذلك ، ولم يقبل .. وبذلك ذهبت الخلافة لعثمان كما إبتغاها له صهره .. فأنظر بعين البصير والإنصاف لهذه الحال ، وما طالب به ابن عوف إضافة لكتاب الله وسنّة نبيّه من سيرة الشيخين ، ألم يكن هذا إلاّ بهُتانٌ مبين ..؟ فإنّ كانت سيرة أبي بكر وعمر مُشتقّة من كتاب الله تعالى وسنّة رسوله الكريم (ص) ، فما الدّاعي لذكرها ثالثا . وإن تكن سيرتهما بخلاف كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه الأكرم (ص) فكفى بذلك خزيا لمن طالب بها أو رضي عنها .. ولعمري لقد كانت كذلك لمن سبر التّاريخ وعلم الحقيقة .. وإلاّ فما المبرر حتّى يرفضها الإمام عليّ (عليه السّلام) .
ثمّ أنظر إلى عمر وهو يكشف عن سوءة أفعاله حينما يضع الحقّ المطلق لجانب عبد الرّحمان بن عوف ، ويجعل الحكم على من خالفه الرأي القتل وإن كان عليّ بن أبي طالب (ع) هارون الأمّة وباب مدينة علم نبيّها (ص) وصاحب الحوض يوم العطش الأكبر ..؟ وكيف يقتل من بُشّروا بالجنّة لمجرّد مخالفتهم لرأي إبن عوف ..؟ وهل الإمتناع على البيعة يوجب القتل ..؟ فإن كانت هذه عقيدتهم فليأتوا لننفذ فيهم حكما هم إبتدعوه ، أو يقولوا أن بيعتهم قد ذهبت للإرهابيين كابن لادن والزرقاوي حتّى نبارك لهم حسن المصير .. لأنّ حوالي مليار مسلم منهم ليست لهم بيعة .. وكم من سؤال وسؤال لن تجد لها أجوبة إلاّ عند العرض على الله تعالى .. وبعد هذا اليسير .. فهل ترونا في ما شرحناه مختصرا من أحوال هؤلاء يوجب لهم الجنّة التي وعد الرّحمان بها عباده المخلصين ، أم تكفيهم أعمالهم جنّة عمر ..؟ ليكفّوا أهل الغفلة عن غفلتهم وما تخرّصوا فيهم أهل الضلالة والجهالة .. كلاّ إنَّ الله لا يُصلحُ عمل المفسديــن .

كما جاء أبو جعفر الطبري بدعوى أخرى من دعاوي عمر وهو على فراش الموت لمّا طلبوا منه أن يستخلاف فقال : من أستخلف .؟ فلو كان أبو عبيدة حيّا لأستخلفته ، وقلت لربّي لو سألني : سمعت نبيك يقول : أبو عبيد أمين هذه الأمّة .. ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّا لأستخلفته ، وقلت لربّي إن سألني : إنّ نبيّك (ع) يقول : (( إنّ سالم شديد الحبّ للهّ )) [5] لها الله يا ابن الخطاب .. أين أنت و من ذكرتهم من إمام المتّقين وقائد الغرّ المحجّلين ويعسوب الدّين ، ومن هو أحبّ الخلق إلى الله ، ومن يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله .. ومن هو هارون هذه الأمّة وقسيم الجنّة والنّار وباب مدينة علم نبيّنا الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) [6]
ولكن ماذا أقول في أمّة إبتغت الضلالة على الهدى ، بعد أن أماتوا السنن وأحيوا البدع ، واتّخذوا الدنيا لهم أمّا فسلكت بهم طريق العمى وأخذت بأبصارهم عن منهج الصواب ، فتاهوا في حيرتها فلعبت بهم ولعبوا بها ، ونسوا ما وراء ذلك .. ثمّ لنسأل عمر أو من والاه على دعوته لإبي عبيد بوسام الأمانة ، متى كان ذلك ، ومن سمعه غيرك ..؟ فكيف يكون صاحبك في السقيفة أمينا لهذه الأمّة ..؟ ألم يكن بينهم ثقة وأمين غيره ..؟ أم كان أمينا عن ودائع أو معاملات أو توسّط ..؟ فإن قلتم بأنّ الصحابة ليس فيهم أمين غيره . فكفى بهذا القول خزيا لقائله . وإن قلتم بأنّه كان أمينهم على كلّ شيء كان لهم عنده ، قلنا لكم عرّفون ذلك .. فلا أظنّكم تستطعون جوابا .. إلاّ أن تلجوا لما لجأ إليه السلف الطالح من إفتراء ودعاوي واهية وأضغاث أحلام .. وأمّا صاحبه الثاني سالم مولى أبي حذيفة ، فلم يكن يوما من قريش حتّى تُدلي إليه بالخلافة .. ألم تكن تلك دعواكم على الأنصار يوم السقيفة بأن الخلافة لا تكون إلاّ في قريش .. ؟ فما حدا ممّا بدا ..؟ وأمّا شدّة حبّه لله فقد إشتُقّت من مواقفه المأثورة يوم السقيفة والهجوم على بيت الزهراء ( عليها السّلام ) .. فلينظر المؤمن من يوال، وبحبل من يعتصم بعد أن إتّضحت الأمور لكلّ ذي بصيرة ، وانكشفت بدع أهل الضلالة ، وأفعال أهل الغواية والسفاهة .. والله ولي الذين آمنوا يُخرجهم من الظلمات إلى النّور ..

* العاقل من وعظتهُ التّجارب :
إنّ المُتتبع لسيرة عمر وتصرّفاته إتّجاه أهل البيت (ع) وعليّ (ع) خاصة . يعي بوضوح التناقضات والتّقلّبات في أقواله وأفعاله .. وكلّها بدافع المكر والحيلة تارة ، أو البغض والحسد تارة أخرى . وهذه بعض الأمثلة المتعلّقة بهذا البحث حيث يظهر الإستدلال على ما أقول واضحا جليّا لمن أراد التدبّرٍ والإنصافٍ .. فأنظر إليه وهو يقول في حقّ الإمام عليّ (ع) :
* لو ولّي الخلافة لحمل الأمّة على المحجّة البيضاء ..؟ والمانع عند عمر أنّ الإمام (ع) فيه دعابة .
* ثمّ يقول تارة أخرى : أجمعتُ مقالتي لكم أن أولّي رجلا أمركم أرجو أن يحملكم عن الحقّ – وأشار إلى عليّ (ع) - ، ثمّ رأيتُ أن لا أتحمّلها حيّا وميّتا ..؟ [7]
* ومرّة ثالثة يقول : لله درّهم لو ولّوها الأصيلع كيف يحملهم على الحقّ وإن كان السيف على عنقه .. فقال له محمّد بن كعب : أتعلم ذلك منه ولا تولّه ..؟
فقال : إن تركتهم فقد تركهم من هو خير منّي ..[8]
* ورابعا يقول : إن ولّوها الأجلح سلك بهم الطريق .. فقال له إبنه عبد الله : فما يمنعك منه ؟
قال : أتحمّلها حيّا وميّتا ..
بل هو كذلك .. ستتحمّلها حيّا وميّتا ويوم يبعثون ، وستسأل عن ذلك وعلى ما سوّلت لك نفسك من إغتصاب الحقّ من أصحابه ، مع إصرارك على ذلك وأنت في سكرات الموت ، بغيا منك وظلما وأنت تعلم الحقّ وأهله .. ولم تُبقي بعد ذلك لأولياك وشيعتك إلاّ أعذارا واهية وحجج سقيمة لا تُغني من الحقّ شيء . ومن يُصرُّ منهم على باطله ، فليدلّنا على مداخل هذه المسالك المتشعّبة :
- أليس من الإفتراء المفضوح أن يُنسب الإمام عليّ (ع) لأصحاب الدعابة ..؟ وقد كفانا (ع) الإجابة عن تلك الفرية ، حينما إدّعاها إبن النابغة عمر بن العاص على مسامع أهل الشام ، ليستخفّ بقدر الإمام (ع) وهيبته .. ولكنّ الإمام (ع) ردّ دعواه ، ووسمه بوسام السفهاء : (( .. عجبا لإبن النابغة يزعم لأهل الشام أنّ في دعابة ..؟ وإنّي إمرء تِلعاب ، أمّا وشرّ القول الكذب .. )) فتلك صفةُ كلّ من يدّع ذلك لعليّ ( عليه السّلام ) .
- أليس من الضلال البعيد أن يخاف عمر تحمّلها حيّا وميّتا وهو يستخلف عليّ (ع) ، ولا يخاف لو إستخلف سالم مولى أبي حذيفة ..؟ وعليّ (عليه السلام ) صاحبهم على الحوض يوم القيامة .. [9]
- أليس من الكذب المفضوح أن يدّعي من يؤمن بالله ورسوله (ص) واليوم الآخر .. بأن الحبيب المصطفى (ص) لم يوصي لمن إسخلفه من بعده ..؟ وعمر شهد بيعة الغدير وقدّم التهاني لمولاه ، ثمّ نقض البيعة ... ولمّا أراد رسـول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) توكيدها منعه عمر من ذلك حين نطق كفرا وادعى باطلا على أنّ رسول الله (ص) يهجر .. [10]

وفي الختام لا أجدُ أيّ عرج بأن أقول أن كتابة هذا البحث مع ما تصفّحتهُ من مصادر ومراجع ، زادتني يقينا ، وعلمت كثيرا ممّا كنت أجهل ، وأعْطِيَتْ نفسي سؤْلها حتّى بلغت بي شاطئ الأمان من على زورق اليقين والمعرف ، حيث رصت على درب الولاية .. ولله الحمد أوّلا وآخرا .. ذو الفضل والمنن ..
والسّلام في البدء والختام ممن سيبقى على العهد مقيما
الفقير لدعائكم أبو مرتضى عليّ

[1] شرح النهج لإبن أبي الحديد المعتزلي ج1 ص 190 وما بعدها . وتاريخ الطبري ج4 ص 227 وما بعدها
[2] شرح النّهج ج 1 ص 191 .. وتاريخ الطبري ج 4 من أحداث البيعة ..
[3] شرح النهج ج1 ص 194 ..
[4] سبق تخريجه في الأجزاء الأولى من هذا البحث ..
[5] إبن عبد ربّه في العقد الفريد ج 3 ص 73 وشرح النهج الجزء الأول ص 190 وما بعدها ..
[6] سبق تخريجه ..
[7] طبقات ابن سعد ج3 ص 247 وترجمة عمر في الإستيعاب وكنز العمّال ج4 ص 429 ..
[8] الرياض النضرة لطبراني ج2 ص 72 ..
[9] تمّ تخريجه في الأبحاث السابقة ..
[10] تمّ تخريجه في الأجزاء السابقة ..

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة