المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 14 شعبان 1426 - حكومة الإسلام بعد النبي (ص) بين نواح الإنس ..ونواح الجن
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة :

حكومة الإسلام بعد النبي (ص) بين نواح الإنس ..ونواح الجن

قد يتبادر إلى أذهان البعض من متصفحي هذا المقال، بأنني أمازح القارئ من خلال اعتماد عنوان يستشف منه النكتة والطرافة، وقد يكون الهزل طابعا ظاهرا للعنوان، ولكني أقول للقارئ لا تتسرع في حكمك حتى تقف على المقصد من العنوان، والغاية من المحتوى، لأنني من الذين تحصنوا بالدليل، وأجمعوا أمرهم على إعتبار النص الثابت أداة تفضي إلى إكتساب الحقيقة، وأن الهزل والمزاح ليسا من طبعي، خاصة في المسائل الجادة والمصيرية كهذا الموضوع.
كما لا أخفي أنني من خلال إعتمادي على هذا العنوان الطريف،قصدي الذي أردته وهو الإشارة إلى أن مسألة كالحكومة،يتوقف عليها مصير شريعة ودين وبشرية لا يمكن أن تهمل بالشكل الذي روجه أكثر حفاظ ما إصطلحوا عليها بالسنة النبوية، والتي لا أرى في معظمها انسجاما وتطابقا مع سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة، التي نقلها أهل بيته عليهم السلام للمسلمين.
وما لفقه صانعوا تاريخنا الإسلامي المليء بالزيف وقلب الحقائق،بخصوص مسألة الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يدعونا إلى النظر من جديد في كل ما ألقي إلينا، وحري بمن رجح عقله أن يلتفت إلى بعض الجزئيات التي أفلتت من براثن المحرفين، ويتوجه نحوها لأنها ستكون النواة التي ستوصله إلى الحقيقة.
سؤال طرحه الناس على اختلاف مشاربهم، منهم من هو معدود داخل الدائرة الإسلامية، ويتعامل مع المسائل ذات الأهمية والمصير تعاملا سطحيا لا يرقى إلى الاهتمام، ولا يقف عند حد الشعور بالمسؤولية تجاه هذا الدين العظيم، ومنهم من هو بطبعه خارج دائرة التدين، ولا تهمنا قناعاته بقدر ما نرى لزاما علينا أن نبرز الحقيقة، ونضع النقاط على الحروف في هذه المسألة الحساسة : هل للإسلام حكومة؟ وإذا كان نعم فما هي خصائصها؟ ولماذا أختلف فيها وهي على ذلك المستوى الكبير وبتلك الأهمية؟

قد لا تجد من يقول بأنه ليس للدين حكومة،باسثناء الخوارج الذين طلبوا الحق فأخطأوه، كما قال فيهم أمير المؤمنين عليه السلام، اللهم إلا إذا كان المتقول لا علاقة له بالدين أصلا،أو هو من القشريين والسطحيين الذين لا مرجعية حقيقية لهم،أو هو من الذين يحاربون الدين الحق، وأعني به الدين الذي تضمن الرؤية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع المسلم، ولم يتوقف عند بعض الشعائر التعبدية، متنفرا ومتوقيا بقية مكونات المنظومة الإسلامية التي أخبر عنها منزلها تعالى ذكره بأنها تامة وكاملة، بقوله تعالى :" وما فرطنا في الكتاب من شيء ."(1)
وقال أيضا:" ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين."(2)
وقال كذلك:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا." (3)
بناء على ذلك نجزم القول بأن كمال الدين وتمام الشريعة وعدم التفريط في شيء من ذلك من طرف الوحي،لا تدع مجالا للشك في أن مسألة الحكومة هي إهتماماته، واثر من آثاره التي لا يقوم الدين إلا بوجودها، ومع الإقرار بحتمية إقامة الحكومة الإسلامية على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واستمرارها بعده بالشكل والمضمون الذي عرف به المسلمين خصائصها وواجبهم تجاهها،هل يمكن الاعتقاد بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد مضى إلى ربه تاركا الشريعة الخاتمة والأمة بلا حكومة ؟

إن ما تردد لدى أتباع خط السقيفة من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قد غادر الدنيا، دون ذكر لمآل الحكومة بعده، والأمر شورى في تلك المسألة بين المسلمين،لم يكن إلا قياسا بما أنتجه الواقع، وتمريرا لانقلاب السقيفة، الذي إستولى فيه أصحابه على منصب القيادة بواسطة المفاجئة والخداع، بعد تمرد سافر على أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واستهانة بشخصه.
إن من سفه القول الإدعاء بأن الوحي أهمل مسالة الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ذلك لأن التشريع الذي جاء به النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم متكامل في جميع أركانه، تام في كل أجزائه، غير منقوص من أبسط المسائل، وكل من إدعى خلو الحكومة تعيينا، أو حتى على سبيل النصح، فقد إدعى على الله الباطل، وقال ما لا يتفق مع الكتاب ولا العقل،لأن خلو منصب الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عصر أهله قديمي عهد بجاهلية، لا يملك عامة أفراده الحرية في إختيار الزعيم والقائد، وذلك الإمتياز عائد إلى وجهاء القوم،وما زالت نواميسه وآثاره عالقة في عقول وسلوكيات أكثر الوافدين منهم على الإسلام، وفي عصر أهله حديثي عهد بالإسلام وأحكامه، لا يكادون يميزون فيه أبسط مسائل التكليف، كالطهارة والوضوء ونحوه، أيمكنهم والحال هذه أن يتبينوا مسائل أكبر منها؟ قد استبطن منهم من إستبطن النفاق وأظهر الإيمان،وأبدى من أبدى المرض تأثرا بالمنفقين، ومضى يؤسس لقوة تستطيع تغيير الموازين لصالحها، وعلى ذلك فإن ترجيح نظرية التعيين في مسألة حساسة كالحكومة، أمر تقتضيه أوضاع عموم الأمة التي مازالت في طور التعلم والتثقيف والفهم، وبين أجواء من الإحتقان السياسي والعسكري اللذان يدفعان إلى تأكيد النص على الحاكم الذي سيلي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما لا يخفى من سوء عاقبة الترك، والدولة ناشئة على تخوم الإمبراطورية الفارسية شرقا، والإمبراطورية الرومانية شمالا.

الدين جاء ليضع الحكومة موضعها الصحيح
لقد خاطب المولى سبحانه وتعالى نبيه في مسألة الحاكمية والحكومة بوضوح تام وأمره أن يحكم بين الناس، وان يؤسس فيهم نظام حكم تكون مرجعيته شريعة الباري تعالى، فوق ما كان يقوم به من دوره التبليغي والإرشادي، وقد أولى الوحي لمسألة الحكومة إهتماما تجلى في عدد من الآيات القرآنية التي جاءت لتبرز حقيقة الحكم في الإسلام، حيث أظهر أن الحكم له سبحانه وتعالى بالأصالة، فقال جل من قائل:" إن الحكم ألا لله."(4)
وقال أيضا :" ألا له الحكم."(5)
وباعتبار أنه تعالى قد خص نفسه بهذه المسألة وجعلها راجعة إليه،ولا يحق لأحد أن يتصرف في منظومة حكمه دون إذنه، فقد أوكل بعد ذلك مهمة الحكم نيابة عنه إلى سفرائه من خلقه وسائطه من أنبياء ومرسلين، وأمرهم بأن يحكموا بين الناس،بما أنزل ممن الأحكام والبينات والهدى .
قال تعالى:"وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ول شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما ءاتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتهم فيه تختلفون* وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فان تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون*أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون."(6)
محذرا من مغبة إتباع غير حكمه تعالى واصفا كل حكم لا يستند في جميع أسسه وعناصره على كتاب الله تعالى،وسنة المعصوم القطعية الصدور، ليس إلا نمطا من أنماط الحكم الجاهلي.
وكلف نبيه بإعداد الناس لفهم نظرية الحكم الإسلامي،التي جاءت لتلغي كافة الأحكام الجاهلية، التي لا تستند إلى أساس من قيمة أو علم، إلا ما أقره الوحي منها كإقرار الأشهر الحرم، فتجند لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وخصص من وقته ما أهلها لأن تكون محور إهتمامه الكبير الظاهر للناس، وقد تعددت الروايات والأحاديث عنه في هذا المجال لتضاف إلى المحور القرآني سنة نبوية لم تخل من تعليم وتربية وبيان لمعالم نظام الحكم في الإسلام.
من ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم وبعد إعداده لنخبة من المتميزين من الصحابة، قد أوفد معاذا بن جبل ليحكم بين الناس في اليمن، وكلف العلاء الحضرمي بأن يكون نائبا له على البحرين،وأمر عددا من الصحابة على أقوام ومناطقهم، وجهز البعوث وأمر عليها الأمراء والقادة وخطط لها خططها وهيكليتها، حتى انه كان لا يترك المدينة إلا بعد أن يعين عليها أميرا، كل ذلك بلحاظ المتابعين لحركاته وأوامره صلى الله عليه وآله، قد وعتها أفئدتهم وخزنتها عقولهم .

وكان لعلي عليه السلام من ذلك كله النصيب الأوفر والحظ الأكبر، فقيادة الغزوات الميدانية كانت في يده،وهو الذي لم يغادر لواء الحمد يده الشريفة، وهو الذي إستأمره على المدينة في أحلك الظروف وأخطرها لإفشال مخطط المنافقين، وهو الذي أرسله إلى همدان فأسلمت جميعها في يوم واحد، وكان ذلك بحق حدثا فريدا من نوعه بين شخصية علي عليه السلام،وقدرته على معالجة الأمور، وهو الذي أرسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليصالح بني مجحذ بعد ما أصاب منهم خالد بن الوليد مقتلة عظيمة، بسبب الثار القديم الذي كان له عليهم في قتلهم عمه الفاكه بن المغيرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بلغه النبأ :" اللهم إني أبرأ إليك مما فعله خالد." ثلاثا.(7)
كل هذه العناصر مؤيدات دلت على أن الوحي لا يمكن أن يترك الأمة بلا قائد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتدحض بلا شك افتراء من افترى على الله كذبا، وقال كلاما لا اصل له مخالف لما جاء به الكتاب العزيز.
وتوضيح أمر الحكومة من مسؤوليات الوحي والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والاعتقاد الذي ينتهي بصاحبه إلى القول بخلو مقام الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو اعتقاد فاسد ينسب إلى الله تعالى ورسوله التقصير في أمر في منتهى الجدية والحساسية كهذا،ولم يمض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بارئه حتى أتم دوره، وأكمل مهمته على احسن وجه،وسيأتي بيان ذلك .
ليس للدين ولا للشريعة الخاتمة معنى، إذا لم يكن للحكومة مقام ثابت وفيها، وموضع واضح منها للعيان، يرمقه الناس ويتوجهون إليه بالرضا والسمع والطاعة، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأت مصلحا لجانب دون آخر، ولا مؤسسا لمنحى من مناحي الحياة دون اشتمال لبقيتها، ودور الرسل والرسالات يتمثل في بناء المجتمع الإنساني الذي يستمد أوامره ونواهيه من خالق الكون والحياة، تحت سلطة من جنس ذلك النسيج المتكامل، وفق شروط وخصائص حددها صاحب الشرع.

تهيئة النبي وإعداده لعلي عليه السلام
كانت المسؤولية الملقاة على عاتق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوق ما كان مطلوب منه من تبليغ ونحوه تتمثل في إعداد شخص يكون مؤهلا للقيام مقامه في الحكم والتعليم ونشر المثل العليا، وذلك التكليف هو مما يكون عادة موكلا به كل المرسلين من قبل المولى سبحانه وتعالى بحيث لا يخلو زمان من حجة، ومثلما جرت سنة الله تعالى في التعيين، جرت عادة البشر كذلك بحيث يستدعي الحرص على مكتسب ما أن يوصى به، فكيف والحال الذي نحن فيه يقول عن خاتمية النبوة والرسالة تستدعيان وصية بتعهد هذا التشريع العظيم خصوصا وهو يحتوي كثيرا من المسائل التي لم يستوعب فهمها أكثر الناس.
باشر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مهمته، وكان اختياره على ابن عمه عليا ابن أبي طالب عليهما السلام، ولم يكن ذلك الاختيار من تلقاء نفسه، فقد كان الله تعالى هو الذي أشار إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، وهو الذي سماه عليا مشتقا له إسما من أسمائه، حيث لم يكن ذلك الاسم دارجا ولا واردا في ذهن أحد،وباشر النبي صلى الله عليه وآله وسلم العناية به منذ ولادته، وكان أول ما دخل جوف علي عليه السلام ريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم،فتغذى به بعد أن امتنع عن المراضع، أعطاه رسول الله لسانه الشريف فمصه إلى أن نام، واستمر على ذلك الحال ثلاثة أيام،فتلك كرامة لعلي لم تكن لغيره ممن كانت بطونهم أوعية للمسكرات والميتة.
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقيم مع عمه أبا طالب عليه السلام، ولما تزوج صلى الله عليه وآله وسلم خديجة عليها السلام، كفله عنده ليخفف على عمه في عام العسرة كثرة عياله، فأخذه معه إلى بيت الزوجية الجديد .
هناك باشر النبي صلى الله عليه وآله وسلم تربية علي على أسس تستجيب لما ينتظره في المستقبل، وكان النبي فوق ذلك لا يتركه أبدا، فيصطحبه في كل تنقلاته القريبة والبعيدة، حتى في غار حراء، المكان الذي توارثه عن آبائه في الاختلاء والاعتكاف والتأمل.

يقول علي عليه السلام بخصوص تلك الفترة الهامة من زمن، كان فيه من يسمونهم كبار الصحابة بين عابد لوثن، وشارب لخمر، ومقترف لكبيرة:
وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل.
ولقد قرن الله تعالى به صلى الله عليه وآله وسلم من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه إتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم علما من أخلاقه ويأمرني بالاقتداء به.
ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة.
ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت : يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال:" هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي، ولكنك وزير، وإنك لعلى خير. (8)

تنصيص النبي على أن عليا هو صاحب الأمر بعده
النصوص على أحقية علي عليه السلام بقيادة الأمة كثيرة، إلى حد لا يمكن أن تدفع، فتضافرها جميعا من ناحية، ووجهتها إلى تأسيس مقام معين في الأمة واضحة لا تحتاج إلى تفسير، غير أنه تصدى إلى تلك الأحاديث جماعة خط السقيفة، الذي أسسه المعارضون لمبدإ الإمامة الإلهية، والمتحررون من الاعتراف بالنص على من يخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأجهدوا أنفسهم على إطفاء نور الله تعالى،فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، خصوصا إذا علم الذين لم يدركوا بعد أبعاد ذلك الجحود، أن الإستدلالات التي أظهرها أتباع أهل البيت عليهم السلام، هي ماخوذة من كتب مخالفيهم قبل كتبهم، وإذا تبين ذلك جليا واضحا كفلقة القمر ليلة البدر فلماذا العناد والإصرار ؟ ألا يحتمل هؤلاء المعاندون نسبة من الصحة لما يحتج به عليهم خصومهم ومن كتبهم؟
النصوص التي أخرجها الفريقان وأعني بهما حط السقيفة وخط الإمامة،في هذا المجال كثيرة متعددة، واتفقوا جميعا على صحة ورودها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيهم من أوصل بعضها إلى حد التواتر، ولولا التعصب الأعمى، وإجراءات تعقب الروايات التي تخص أهل البيت عليهم السلام التي قام بها مانعوا تداول السنة النبوية المطهرة، ومن جاء بعدهم من محاربي العترة الطاهرة، لكانت كلها متواترة، ولولا العناية والتسديد الإلهيين لمنظومة الإسلام الحق، لاندثرت وذهبت أثرا بعد عين، لا يمكنني أن آتي عليها جميعها،لأنني كما أسلفت الذكر لست في مقام الاستدلال الشامل على أحقية علي عليه السلام وأهل بيته في قيادة الأمة الإسلامية، لكنني أرى نفسي مضطرا إلى ذكر بعض النصوص الأساسية التي صنفت في هذا الباب، زيادة في تكامل الموضوع:

حديث الدار :أمر المولى سبحانه وتعالى نبيه بعد نزول آية :" وأنذر عشيرتك الأقربين."(9)
منذ بداية الدعوة أن يعرض على قومه الإسلام، فأمر عليا عليه السلام أن يدعو من بني هاشم أربعين رجلا،وهيئ لهم طعاما، فلما اجتمعوا عنده وأكلوا الطعام الذي كان لا يكفي بعضهم وشبعوا منه وهو على حاله لم ينقص، فتعجبوا لذلك، قام فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطيبا فقال : من منكم يؤازرني على هذا الأمر يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم من بعدي.فقال علي أنا يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا.(10)
حديث المنزلة: أعلم الله سبحانه وتعالى نبيه بأن المنافقين يريدون قتله والاستيلاء على المدينة، وتحينوا فرصة خروج النبي إلى تبوك للقيام بعملهم الإجرامي فتخلفوا جميعهم عن البعث، إلا أولئك الذين أوكلت إليهم مهمة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن هناك بد من استبقاء رجل يستطيع أن يفشل عزم أعداء الله تعالى، فلم يجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤهلا لتلك المهمة غير علي عليه السلام، فآثر استبقاءه أميرا على المدينة، وتملك المنافقين الرعب لما سمعوا بأن عليا عليه السلام باق في المدينة، وهو الذي كانت حساباتهم تقول بأنه سيكون إلى جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوته تلك، فأرجفوا به في محاولة لحثه على اللحاق بالجيش، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طيب خاطره بكلمات لها دلالاتها القرآنية في أحقيته بقيادة الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم . قال له :" يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي."(11)

حديث الثقلين: هذا الحديث له دلالته أيضا على الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه في لفضه يمثل تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأمة، وقد قاله في عدد من المواضع واختلاف الأزمنة: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض." (12)
نص رسول الله في هذا الحديث على أنه ترك للأمة ثقلين :
الثقل الأول : وهو كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، شريعة المجتمع المسلم، ودستوره من أدبيات التخلي وأحكام المعاملات إلى هيكلية السلطة . فلم يترك شيئا يحتاجه الناس إلا بينه الوحي.ومن قال بأن الوحي أهمل شيئا فقد رد على الله تعالى ..
الثقل الثاني: العترة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام،وخلفائه الاثني عشر الذين ذكرهم في أحاديثه، فنقل الرواة العدد ولم ينقلوا الأسماء، لأنهم لو فعلوا ذلك فقد حكموا ببطلان خطوطهم ومذاهبهم.
هم الذين قرنهم رسول الله بالكتاب العزيز ليس من أجل أن يفصل بينهما، بل من اجل أن يبين فضل ومقام ومنزلة أهل البيت عليهم السلام، باعتبارهم مستحفظين على شريعة الباري تعالى، وعناصر هداية للأمة بعد نبيها صلى الله عليه وآله وسلم، فهو الكتاب الصامت، وهم الناطقون عنه صدقا وعدلا.

حديث الولاية: لم يسلم علي عليه السلام منذ أن تبين المنافقون واللذين في قلوبهم مرض مكانته من النبي ومن الإسلام والمؤمنين، فشنوا عليه حربا باردة تمثلت في الوشاية به في كل أمر لا يروق لهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تكرر ذلك الأمر مرات عديدة، كان آخرها ما حصل في بعثه إلى اليمن،أخرج ابن عقدة بإسناده عن عبد اله بن بريدة عن أبيه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع علي جيشا ومع خالد بن الوليد جيشا آخر إلى اليمن، وقال: إن اجتمعتم فعلي على الناس، وان افترقتم فكل واحد منكما على حده."قال بريدة:فلقينا القوم فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، وأخذ علي إمرأة من ذلك السبي .قال : فكتب معي خالد بن الوليد - وكنت معه-إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينال فيه من علي، ويخبره بالذي فعل، وأمرني أن أنال منه، قال فقدمت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقرات عليه الكتاب ونلت من علي، فرأيت وجه نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم متغيرا، فقلت : هذا مقام العائذ بك يا رسول الله، بعثتني مع رجل وأمرتني بطاعته فبلغت ما أرسلت به، فقال : يا بريدة لا تقعن في علي فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي."(13)

تنصيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام علما وإماما للأمة من بعده
جاءت حجة الوداع في السنة العشرة من الهجرة النبوية المباركة، ليقع نتصيب علي عليه السلام وليا للمسلمين بعد النبي، وجاء الوحي ليفرض ذلك التنصيب وفي اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وفي مكان يدعى غدير خم في منصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن كان معه من الحجاج، وقد عد المؤرخون وأصحاب السير عددهم من ثمانين ألفا إلى مائة عشرين ألف حاج،نزل جبريل عليه السلام قائلا:" يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس."(14)
فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس بالتوقف،وفي انتظار المتأخرين عن الكرب أمر بدوحات فقممن وأرسل في طلب المتقدمين، وعمل له منبر من أقتاب الإبل، ولما اكتمل اجتماع الناس، قام خطيبا فيهم فقال: أيها الناس إني أوشك أن ادعى فأجيب وإني مسؤول وإنكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون؟ فقالوا : نشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت في الدين... فقال: إن الله مولاي وأنا أولى بكم من أنفسكم، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره وأخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار."(15)
ولم ينزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أمر بنصب خيمة لعلي عليه السلام، ودعا الناس إلى بيعته، فبايع المسلمون وكان ممن بايع الخليفة الأول والخليفة الثاني الذي نقل عنه أنه قال: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.(16)
الحادثة لم تمر في الخفاء فتناقلتها الأجيال جيلا بعد آخر، ولو قدر لرواية أو حديث أن يتجاوز حد التواتر لكانت رواية هذه الحادثة وما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها، لكن السياسة أبت إلا أن تتبع آثارها حرقا ومنعا وطمسا.

قلنا إنه رغم التكتم والمنع الذي طرأ على الحادثة والحديث فقد تتبع طرقه العلماء ووقفوا على رواته، فكانوا مائة وعشرون صحابيا وثمانون تابعيا، أخرجه من الحفاظ ثلاث مائة وستون حافظا، ومن الشعراء على مدى القرون الخمسة عشرة ما أفاد ثقيل الإفادة بصحة الحادثة والحديث وقد ألف الشيخ الجليل عبد الحسين الأميني النجفي موسوعة إسلامية سماها باسم الحادثة "الغدير".
أطرف ما سمعته من شعر بخصوص الحادثة ما جاء في قول الكميت الأسدي من شعراء القرن الثاني:

ويـوم الدوح دوح غدير خم ***** أبـــــان له الولاية لو أطيعـا
ولكــــــــــن الناس تبايعوها ***** فـــلم أر مثلها خطرا مبيعــا
ولم أر مثل ذاك اليوم يوما ***** ولــــــم أر مثله حقا أضيعـا

ومقابل المانعين والجاحدين كان للأنفس المؤمنة التواقة إلى ما عند الله تعالى، رأي آخر فسعت بما أمكنها لإحياء تلك الشعيرة في ذلك اليوم العظيم الذي لقب بيوم الولاية العظمى، وأتخذ عيدا من أعظم الأعياد، لأنه اليوم الذي نصب فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يقوم بالإمامة بعده، فكان بحق مصداق الآية الكريمة التي نزلت بعد تنصيب أمير المؤمنين علي عليه السلام إماما وقائدا ومرشدا وهاديا وعلما للناس، والتي اعتبرت ذلك اليوم،يوم إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب بولاية علي عليه السلام.قال تعالى :" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ونعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا."(17)
ولست هنا في إطار تفصيل وبيان أسس الحكم الإسلامي فقد تحدثت عن ذلك ضمن استنتاجاتي التي أوردتها في بحث بعنوان (حاكمية الله أم حاكمية الناس ) قدمته ليكون دليلا يفضي بكل مسلم عاقل إلى البحث بدوره عن حقيقة نظام الحكم في الإسلام، واستخراج ودراسة وفهم النصوص المتعلقة به كما كان الشأن بالنسبة لي للوصول إلى الحقيقة، بل أنا في هذه الخواطر باحث في الجوانب والتفريعات والأسباب التي أدت بالأمة إلى التفريط في مسألة الحكومة .
قد لا تتفق معي إذا ما قلت لك بأن نظام الحكم في الإسلام قد ضرب على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى مرأى ومسمع منه، عندما تمرد جمع كبير من الصحابة وإمتنعوا عن الالتحاق بجيش أسامة بن زيد، على الرغم من تأكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهمية الإلتحاق بالجيش امتثالا لأوامره وتنفيذا لها، وتكراره لذلك كلما لاحظ تواجد عناصر كان أمرها بالإلتحاق بذلك الجيش، حتى وصل الامر أن لعن المتخلف عنه.
إن مسألة السمع والطاعة والإمتثال لأمر الحاكم معصوما كان أم دون ذلك، رسولا كان أم نبيا أم إماما، هي من الواجبات الملقاة على جميع أفراد الأمة، وإذا ضرب ذلك الجانب، إهتزت العلاقة بين الطرفين وإنهدمت أسس الولاء والاتباع، ولما كان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي وقع عليه التمرد والعصيان كانت الطامة أكبر والمصيبة أعظم، لأن المتمردين كشفوا عن ضعف إيمان فادح،واهتزاز في العقيدة ليس فيه ما يبرره، خاصة إذا تأكدنا من أن الفريق الذي قام بذلك التعدي الصارخ، وأقدم على تلك الجناية العظيمة، هم من الذين زعم الحفاظ والمؤرخون وأصحاب السير،أنهم الأقرب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأمثل والأتقى والأفهم إلى تعاليمه، والأحب إلى نفسه،والأطوع إلى إرادته.

من خلال هذه الحقيقة التي وقفنا عليها وجب عدم الاطمئنان إلى كل ما يلقى إلينا من زيف نقله رواة السيرة والتاريخ، لأن الناقل والحافظ ليسا مأمونين في النقل، زيادة على المؤثرات السياسية الحيطة بأشخاصهم في تلك العصور التي كانت الدعاية المغرضة والحرب بكل تفاصيلها معلنة وقائمة على أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشيعتهم، ولو لم يكن لهؤلاء حق وحجة وتواصل مع الله سبحانه وتعالى ورسوله ودينه لاندثرت معالم نهجهم، ولذهبت آثارهم مع الهبة الأولى من رياح العداوة والحرب.
الحادثة لم تمر في الخفاء فقد ملأت طباق كتب التاريخ والسيرة حتى لم يعد هناك كتاب معتمد مشهور، ولا متروك مغمور إلا ذكرها وتحدث عنها، لتتسجل فضيحة كبرى في خانة الذين قدسوا الصحابة ووضعوهم جميعا موضع النزاهة والعدالة، والحال أن ذلك التنزيه والتعديل مخالف للقرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة،ولا يطال منهم غير عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وما جاء عن بقيتهم في التاريخ والسيرة من أعمال وتصرفات،تفند جميعها المكانة الرفيعة التي تنسموها بدهاء معاوية،و تشجيعه الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،بما كان يغدقه على عبيد الدنيا، من أعطيات ومناصب مقابل إختلاق روايات فضائل للصحابة ليس لها أصل وتتعارض مع الكتاب العزيز، كان يراد بها إنزال عموم الصحابة منزلة أهل البيت عليهم السلام،فتبهت مسألة الاصطفاء، ويعفى عنوان الهداية، ويستوي المبصر والأعشى والأعمى، وما كان لبقيتها اصل فهي مخصوصة بأهل البيت عليهم السلام ولا تتعداهم إلى غيرهم ممن هم عيال عليهم، وقد اقتضت سياسة الشيطان وأوليائه أن يلبسوا على الناس دينهم، فحرفوا وقلبوا الحقائق وصرفوها عن مواضعها .

لما تأكد المنافقون من أن مسألة الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير منصرفة عن علي عليه السلام، وقد كانوا شديدي البغض والعداوة له،وهو الذي وتر صناديدهم وسفه أحلامهم، وهدم آمالهم باستبساله في ذات الله وصموده أمام الهزاهز، وثباته عند بلوغ القلوب الحناجر، فقرروا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووضعوا خطة للتخلص منه في غزوة تبوك، وقد كادوا أن يفلحوا في مسعاهم لولا ألطاف الله تعالى وحرصه على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ومستقبل دينه،وبانكشاف المؤامرة وكان مآلها الفشل الذريع.
تناهت إلى أسماع المنافقين أن الوحي صرح بأسماء المنافقين الذين سعوا إلى قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن حذيفة بن اليمان كان صاحب سر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المسألة، فتقربوا إليه للتأكد من الحقيقة، وهل أن الوحي كشف جميع أسماء المنافقين ؟
لذلك كان ابن الخطاب كما صرح بذلك البخاري ومسلم وغيرهما من الكتب الروائية، كثير السؤال لحذيفة عن المنافقين وهل هو منهم ؟
إزاء الفشل الذريع الذي منيت به مؤامرة هؤلاء في قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، نجد أن كتاب السيرة والتاريخ الإسلاميين لم تكن لهم همة في معرفة الجناة وكشفهم، ولا بدر منهم تساؤل عن الذين سعوا ذلك المسعى، خاصة إذا علمنا أن منفذيه كانوا من الصحابة القريبون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لماذا السكوت عنهم وإعفاء ذكرهم والتعمية على أسمائهم، ألم يكن من السهل على بقية الصحابة ومن جاء بعدهم من التابعين و أجيال المسلمين، معرفة أسماء هؤلاء الجناة وإحلالهم المحل الذي يستحقونه، من البراءة واللعن؟
إن تعمد عدم ذكر تلك العصابة المجرمة، لأن المؤامرة هي من حجم هدم عرى الدين والاستهتار بالله تعالى ومقدساته، وهوان النبي صلى الله عليه وآله على هؤلاء الناس المتأسلمين، لم يحرك فيهم حمية ونوازع حب ولي الله الأعظم،معلنين بذلك الموقف اللامبالي عقيدتهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا أراني مجانبا للحقيقة إذا ما قلت إن الذين سعوا إلى منع تدوين السنة، بالحرق تارة وبالمنع الشديد تارة أخرى، والذين تمردوا على جيش أسامة بن زيد ووقفوا في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجرته يمنعونه من كتابة وصيته الأخيرة،ومن صرف أمر الحكومة عن أصحابه الشرعيين نصا وشروطا، هم نفسهم من حاول قتله في منصرفه من تبوك .
ميزان التدين الحقيقي، وعلامة إيمان المسلم حب علي عليه السلام، والذي لا يتجسد إلا في موالاته وتقديمه وتفضيله، وإيثاره على غيره، وفداؤه بالنفس والمال والولد، فمن فعل ذلك فهو مؤمن ناج من النفاق .
وعلامة نفاق المسلم بغض علي عليه السلام وتأخيره عن موضعه الذي قدمه فيه الله ورسوله، عندما كان يشري نفسه إبتغاء مرضاة الله ويصول في ساحات الجهاد ليرفع راية الإسلام عالية خفاقة، ويكر عندما يفر غيره، غير عابئ إن كان ثابتا وحده أو معه،ذلك هو علي عليه السلام،ومؤخره عن مكانه الطبيعي، وباخس حقه، ليس منافقا فقط، وإنما هو أيضا مجرم في حق الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ودينه، وفي حق المسلمين جميعا، الذين حرموا من حكومة علي عليه السلام، وحيل بينهم وبين إمامة المطهر من دنس ورجس الجاهلية .
الرواية:سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى غزو الروم، وهي آخر السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد اهتم فيها بأبي هو وأمي إهتماما عظيما، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها وحثهم على ذلك، ثم عبأهم بنفسه الزكية إرهافا لعزائمهم، واستنهاضا لهممهم، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار كابي بكر وعمر وأبي عبيدة وسعد وأمثالهم غلا وقد عبأه في الجيش (18)

لما مرض رسول الله صلى الله عليه وآله مرض الموت، دعا أسامة بن زيد بن حارثة، فقال : سر إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، وإن أظفرك الله بالعدو، فأقلل اللبث، وبث العيون، وقدم الطلائع . فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا كان في ذلك الجيش، منهم أبو بكر وعمر، فتكلم قوم وقالوا يستعمل هذا الغلام على جلة المهاجرين والأنصار،( ولا أرى المتكلم والطاعن والمحرك للفتنة غير ابن الخطاب، ذلك لأنه قد كشف نفسه بعد ذلك فسعى إلى صاحبه ليعزل أسامة بعد أن استثناه هو من الجيش واستثنى نفسه بما انه اصبح الحاكم والقائم مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في محضر من علي عليه السلام فما اسخف هؤلاء القوم وما أتعسهم) فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله لما سمع ذلك، وخرج عاصبا رأسه، فصعد المنبر وعليه قطيفة، فقال : أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة، لئن طعنتم في تأميري أسامة، فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وأيم الله إن كان لخليقا بالإمارة، وإبنه من بعده لخليق بها، وإنهما لمن أحب الناس إلى، فاستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم.ثم نزل ودخل بيته، وجاء الناس يودعون رسول الله صلى الله عليه وآله، واشتد ما يجده، فأرسل بعض نسائه إلى أسامة وبعض من كان معه يعلمونهم ذلك، فدخل أسامة من معسكره، والنبي صلى الله عليه وآله مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه، فتطأطأ أسامة عليه فقبله، ورسول الله صلى الله عليه وآله قد اسكت فهو لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء، ثم يضعهما على أسامة كالداعي له، ثم أشار إليه بالرجوع إلى عسكره، ثم أرسل نساء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أسامة يأمرنه بالدخول ويقلن إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد اصبح بارئا، فدخل أسامة من معسكره يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله مفيقا، فأمره بالخروج وتعجيل النفوذ، وقال أغد على بركة الله، وجعل يقول أنفذوا بعث أسامة، ويكرر ذلك فودع رسول الله صلى الله عليه وآله، وخرج معه أبو بكر وعمر، فلما ركب جاءه رسول أم ايمن، فقال : إن رسول الله يموت، فأقبل ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
حين زالت الشمس من ذلك اليوم، وهو يوم الإثنين، وقد مات واللواء مع بريدة بن الحصيب، فدخل باللواء فركزه عند باب رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو مغلق، وعلي عليه السلام وبعض بني هاشم مشتغلون بإعداد جهازه وغسله... (19)

الرواية حبلى بالأحداث ومليئة بالمناورات التي دلت بوضوح على أن هناك فريق من الصحابة مدعوم ببعض نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطط للاستيلاء على السلطة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولئن أهملت الرواية، وتجاهل الراوي ذكر بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حرصا منه على عدم فضح المؤامرة وتعتيم المسألة بالنسبة للقارئ، فإن المتتبع لباقي روايات التاريخ والسيرة كطبقات ابن سعد، يتبين له أن الاصطلاح يحاول التغطية على عائشة بنت ابن أبي قحافة، وحفصة بنت ابن الخطاب، الوحيدتان من بين نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللتان حاولتا جهديهما منع بعث أسامة، وكانتا تمدان الفريق الطاعن في تأمير أسامة أولا بأول عن حالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
إنني لا أجد تفسيرا واحدا يبرر لي سبب إرسال زوجتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى جيش أسامة تطلبان فيه الناس بالدخول إلى المدينة طالما انه بحسب زعمهما أصبح بارئا ؟ وهل كانتا مطلعتين أو شريكتين في الوحي حتى تصدران الأوامر المخالفة لإصرار النبي صلى الله عليه وآله الشديد على إنفاذ ذلك الجيش، أم هل كن أعلم من النبي صلى الله عليه وآله وبحاله؟ وبما يريد؟ لا أعتقد ذلك، خاصة إذا ما تبين الباحث المنصف لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله له موقف المتسللين للمدينة والمنتهكين حجرة النبي صلى الله عليه وآله، والمتطاولين عليه وعلى الله تعالى.
ذلك التمرد لم يكن مفاجئة للنبي ولا الوحي، لأن في الآية الكريمة التي تقول:" وما ومحمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الشاكرين."(20)
والتي كشفت عن معضلة إبتلي بها المسلمون في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما أشيع نبأ قتله في غزوة حنين، ففر أغلب الصحابة، حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير بطانته من بني هاشم، وعلى رأسهم أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام،يذب عن دين الله وعن رسوله، ويبلي البلاء الحسن، باذلا مهجته وروحه دون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما هو شأنه دائما وأبدا،لا يكل فيه ولا يمل، وقد عدت الآية فرار الصحابة من ساحة الجهاد إنقلابا، مشيرة في نفس الوقت إلى حدث غيبي سيقع بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ينقلبون فيه على أعقابهم، لأن قوله تعالى " أفإن مات" دليل على أن حدثا انقلابيا واقع لا محالة بعد وفاته، يتلخص في التنكر لأي شعيرة من شعائر الله تعالى، والتعدي على حقوقها، وأحقية أهل البيت عليهم السلام في مودة الأمة من الواجبات المؤكدة في كتب الله تعالى :"ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور." (21)
والمودة محبة وتقديم وطاعة إحترام وإتباع، كما في قوله تعالى :" إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله."(22)
لقد انبرى إلى نفي لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدد من علماء خط السقيفة، زاعمين بأنه لم يصدر عنه في ذلك الشأن لعن،وإنما هو من اختلاق الشيعة،لزيادة التشنيع على المتخلفين عن جيش أسامة.

إلا أن الباحث المنصف يقف على أن الذين أوردوا رواية لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتخلفين عن الجيش ليسوا من الشيعة، وإنما أخذ عنهم الشيعة ذلك كاعتراف من غيرهم فقدموه دليلا لتكون حجتهم أقوى وأعظم،فابن أبي الحديد المعتزلي الذي أخرج ذلك في شرح نهج البلاغة، والشهرستاني في مقدمة كتابه الملل والنحل، والجوهري في كتاب السقيفة، ليسوا من الشيعة. والعجيب أن يتصدى هؤلاء الناكرين لرواية اللعن، مدافعين عن المتخلفين عن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كأنما التخلف عن أمره أو معارضته سيئة جائزة عندهم، وهي في كل الأحوال لا ترقى إلى اللعن، لذلك فإنك تتأكد كلما أمعنت في البحث وسط ركامهم، الذي لا زالوا يطوفون حوله طواف قريش على اللات والعزى وهبل، تيقنت من أن عقولهم لا تعمل على الإطلاق، وما قراءتهم للقرآن إلا قراءة لا تدبر فيها، ولا نظر، لأن في كتاب الله تعالى ما يؤكد صحة رواية لعن المتمرد عن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويجري في ذلك المجرى حتى وإن لم يصدر رد فعل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع أخرى .
قال تعالى:"إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا.(23)
كان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقف في وجه الانقلاب وأصحابه الذين بدؤوا يتواجدون في حجرته الشريفة، وان يؤكد على أهمية مسألتين ينبني عليهما الدين كله.
أول النائحين من الإنس هنا هو عبد الله بن عباس الذي بكى بكاء شديدا دلت عليه الرواية التي أخرجها كل الحفاظ دون استثناء، ولعل بكاؤه قد رقى إلى حالة من التشنج والنواح لأن دمعه تجاوز جسده وإنهمر على الحصى فبللها، أسفا وحسرة على أمة انتهكت حرمة نبيها، وعلى فوت أمر من الأهمية بما كان .

تقول الرواية الأولى: أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال : اشتد برسول الله (ص) وجعه يوم الخميس، فقال : إئتوني بكتاب، أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله (ص). وفي رواية أخرى (فقالوا: ما شأنه أهجر استفهموه؟ فذهبوا يردون عليه)قال :دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه."(24)
إن كل من ليس له دين ولا غيرة على الله ورسوله يمر على هذه الحادثة مرور الكرام دون أن يستنكر الهجمة الوضيعة التي تعرض لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا كيف يجوز لمؤمن أن يسكت على إهانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيته والاستخفاف بالوحي وما جاء في الكتاب الذي بثه في القلوب الواعية، الرواية لم تفصح عن الذين وقفوا في وجه رسول الله ومنعوه عن تحقيق إرادته بالتقول عليه بالهجر والهذيان، وبمعنى آخر أرادت تلك العصابة أن تفهم الناس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعد كذلك في تلك الحال، وكلامه كله من وحي المرض والألم، فلا يجب أن يسمع.

تقول الرواية الثانية: أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس قال: لما حضر النبي (ص) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: هلم أكتب إليكم كتابا لن تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي (ص) غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله (ص) كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي (ص) قال: قوموا عني.قال عبيد الله : فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.(25)
في مقارنة بسيطة لروايات رزية الخميس، نلاحظ في عدد منها محاولة الناقلين لها التغطية على مقترف جريمة التطاول على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لتجنب تعريته أمام المسلمين الغيارى على رسولهم صلى الله عليه وآله وسلم ودينهم، لا يهمهم مقام من اقترف الجناية، حتى لو كان تابوتا فيه السكينة وتحمله الملائكة،تلك التغطية جاءت لتمييع الكلمة الخطيرة التي رمي بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي الادعاء عليه بالهجر، بينما هذب بقية الرواة كلمة ابن الخطاب إلى جملة أخطر منها، جاءت لتؤسس لفكرة فصل التشريع عن بعضه، وإلغاء السنة النبوية من أقوال النبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وتقريراته، وهو العمل الذي اشترك في القيام به الخليفتان الأول والثاني بدعوى اختلاطها بالقرآن، وهي دعوى عارية من الصحة تماما، لأن الإعجاز القرآني ثابت بالدليل القرآني نفسه . مضافا إلى أن تدوين القرآن كان أحد مشاغل النبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان يأمر به كلما نزل عليه وحي، فلا معنى لقول قائل، أو تخوف خائف من اختلاط القرآن بالسنة النبوية.
وما قيمة ابن الخطاب مقابل النبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى يرى في نفسه أهلية التصدي له صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أم ترى أن الرجل يرى في نفسه شريكا في الوحي والأمة لا تعلم ذلك؟ أم إن الأحكام التي نزل بها الوحي، وشددت على السمع والطاعة والامتثال لأوامر الله تعالى من خلاله، وعدم مشاققته والتعرض له في جميع ما يأمر، لا تخص ابن الخطاب وجماعته ؟ أم إن هذا الأخير مرفوع عنه القلم في مثل هذه الحالات؟
قال تعالى:" وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى."(26)
قال تعالى :" وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا."(27)
وقال أيضا:" فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم." (28)
وقال كذلك:"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا." (29)
وقال أخيرا:" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا." (30)
كل هذه الآيات قد نزلت قبل أحداث سرية أسامة بن زيد، ووقائع حجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يعد هناك من الوحي أن ينسخ ما نزل أو يضيف شيئا جديدا على المسلمين، فهل كان يعيها ابن الخطاب ويقدر خطورة مخالفتها، والتطاول على مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالادعاء عليه بالباطل، ونسبة الهذيان إليه ؟
لم يكن من العسير على العقلاء أن يفهموا المغزى من موقف ابن الخطاب، وهو يتصدى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم،ومنعه من كتابة وصيته التي رأى فيها خطرا جديا يهدد مخططه، نعم قد يكون الأمر عسيرا على الذين أشرب في قلوبهم حب السامري وعجله، ولكنه لم يكن كذلك بالنسبة لي ولكل من أبصر الحقيقة، واجتاز سراب الوهم،ولقد صرح هو بنفسه أنه لما تيقن من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يريد التنصيص على علي عليه السلام كتابة، بعد ما دل عليه مشافهة وعلى الملإ من الناس في عدد من المواقف، حال وعصابته دون مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( 31)
وشاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك تسارع وتيرة التكالب على السلطة، رغم أنه حذر من مغبة التنافس عليها وعلى الدنيا، فزوجتيه عائشة وحفصة عبرتا عن رغبتيهما في أن يصلي أبواهما بالناس في حياة النبي، وقبل رحيله الذي بدأ موعده يتقارب، وجاء في بعض الروايات المعتمدة عند الفريقين تحريضهن على ذلك .
جاءت أحداث سقيفة بني ساعدة، لتزيح اللثام عن صراع مرير على حكومة الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كاد أن يذهب ببيضة الإسلام ويقوض ما بناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولولا ألطاف الباري تعالى لاشتعلت فتنة من الصعب أن تنطفئ.

السقيفة بكل تفاصيلها وتداعياتها التي وصلت إلينا، والتي لم تصل، لأن أسانيد روايات تلك الفترة من الزمن مصنفة بين ضعيفة وموضوعة،افتعلتها أيد أرادت أن تحجب رؤية حقيقة الأحداث المتعلقة بتلك الفترة الحساسة، والتي لو انكشف للناس فيها الخيط الأبيض من الأسود لعلموا مواقعهم، وصححوا مسيرتهم وقوموا وجهتهم.
الحادثة لم تكن منفصلة عن ما سبقها ولحقها من أحداث، لأن زمن وقوعها لم يكن بالتلقائية والبراءة بحيث يمكننا أن نمر عليه مرور الكرام، ولا موقعها بين المسلمين في المدينة يؤهلها لتحل محل المسجد الذي أسس على التقوى، والذي يعتبر المكان الأحق باحتضان الراغبين في طاعة الله ورسوله وخدمة دينه، ولا العناصر التي حضرت ذلك الاجتماع كانت تريد به وجه الله .
نحن نعلم يقينا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عود المسلمين على إبرام أمورهم الهامة والمصيرية في المسجد، لأنه المكان الأنسب والموضع الأقرب إلى الله تعالى، على الملإ وفي منتهى الوضوح، فما الذي دعا بهؤلاء إلى الانقلاب على دور المسجد؟

تناقض روايات تفضيل ابن أبي قحافة
لم يجد ابن الخطاب في سقيفة بني ساعدة شيئا يقدم به صاحبه غير صفتين جاءتا منفصلتين عن بعضهما غير أن الراوي لمحتواها واحد وهو أبو بكر بن عياش الذي قال فيه أصحابه مقالتهم، وأبدوا فيه رأيهم، فكفونا في ذلك مؤونة .
الرواية الأولى:لما توفي رسول الله وقالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير : أخذ عمر بيد أبي بكر وقال: سيفان في غمد واحد، إذا لا يصلحان.ثم قال: من له هذه الثلاث؟:" ثاني اثنين إذ هما في الغار" من هما؟ " إذ يقول لصاحبه لا تحزن" من صاحبه؟ " إن الله معنا" مع من؟ ثم بسط يده إلى أبي بكر فبايعه، فبايعه الناس أحسن بيعة وأجملها.(32)
الرواية الثانية:لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الأنصار : منا أمير ومنكم أمير، قال عمر: أيها الناس أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة رضيك الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا. (33)
على الرغم من أن كلام ابن الخطاب مقسم على روايتين، ومروي بإسنادين مختلفين، إذ يكفيهما وهنا أن يكونا بتلك الحال، فلا باس من التطرق إلى الفضيلتين المزعومتين، ليتعرف القارئ على حقيقة الأمر في وهمين، لا زالا يعششان في عقول أتباع خط السقيفة فنقول:
أما ما زعمه ابن الخطاب من أن قدمي ابن أبي قحافة قد قدمهما للصلاة قبل وفاته، فرسول الله لم يتعود على تقديم أحد للصلاة بالناس في غيابه، لأن إمامة الصلاة لا تحتاج إلى كل ذلك التكليف،
هذا من جهة، وقد أخرج ابن سعد في طبقاته وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : مروا من يصلي بالناس؟
نعم لقد ظهر حرص من عائشة وحفصة على أن يصلي كل واحد من أبويهما بالناس لتكون في ذلك فضيلة تؤهل إحدهما للاستيلاء على السلطة.
وتقرر تقديم ابن أبي قحافة للصلاة بالناس، لما علموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ثقل ولم يعد يستطيع حراكا، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، خرج محمولا بين رجلين الفضل بن عباس وعلي عليه السلام، ورجلاه تخطان في الأرض، فأزاح ابن أبي قحافة عن الصلاة،وصلى هو بالناس، إبطالا وإفشالا للمؤامرة، لأن مكان ابن أبي قحافة وابن الخطاب وابن الجراح ومن شاكلهما ليس في المسجد ولا في المدينة بل في جيش أسامة بن زيد.
ومع ذلك بقي من بقي يعتقد بإمامة الرجل في الصلاة دون التفات إلى الحقيقة والتي لا يستطيع أن يبصرها إلا المعافى، عافانا وعافاكم الله من هذه السقطات.

أما الآية التي زعمها ابن الخطاب منقبة لصاحبه، فليس فيها ما يوجب ذلك بل العكس صحيح، إذ في الرواية ما يوجب التهمة والنقيصة: الآية بالنسبة لمن يعرف العربية واضحة وتتحدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يستحث صاحبه على أن يهدئ من روعه وخوفه ورعبه على نفسه، لكنه لم ينته من حالته، فأنزل الله السكينة على نبيه تاركا ذلك الصاحب بلا سكينة، والحال أن السكينة متاحة لكل من تطابقت نيته وعزمه ورغبته بنية ورغبة وعزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ففي حنين مثلا : نزلت السكينة على الرسول وعلى المؤمنين الذين ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن ابن أبي قحافة ولا صاحبه بين هؤلاء البررة لأنهما فرا مع من فر، فدأبهما دائما الفرار إذا حمي الوطيس، فخيبر وحنين يشهدان على ذلك.
قال تعالى:"ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين.."(34)
لكنني أقول: إن أقصى ما استطاع أن يحتج به الغاصبون للحكم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو الادعاء بالقرابة من النبي، لأنه ليس في الادعاءين ما تقوم به الحجة في محضر من كان يدرك اللغة العربية إدراكا جيدا،وشهد إفشال مؤامرة إمامة الصلاة بأم عينيه، لكن المتأخرين من أتباع خط السقيفة، هم الذين نمقوا وزينوا وهولوا مقامات هؤلاء الأدعياء، فكبر ذلك في عقول البسطاء والجهلة، حتى لم يعد هناك شيء أفضل ولا أكبر من ذينك الصنمين، حتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أصبح من دونهما لا يعني شيئا بالنسبة للمهووسين من ذلك الخط.

ماذا كان يريد أبو سفيان؟
لا تكاد تتعدى الأسطر حتى تقف من خلال قراءتك المتأنية والمتفحصة على ما يثير استغرابك، ويلفت انتباهك، ويلح لك على أن في الأمر سرا يحتاج طالبه إلى نزع رداء التعصب .
تقول الرواية :
لما بويع أبو بكر جاء أبو سفيان إلى علي فقال:أغلبكم على هذا الأمر أذل بيت في قريش وأقلها، أما والله لئن شئت لأملأنها على أبي فصيل خيلا ورجلا، ولأسدنها عليه من أقطارها.فقال علي : يا أبا سفيان طالما كدت للإسلام وأهله فما ضرهم شيئا امسك عليك.. شرح نهج البلاغة 6ص40
من منا لا يعرف ذلك المشرك الذي حارب الله ورسوله زمنا طويلا، ولم يدخل الإسلام عن قناعة وروية، بل دخله صونا لنفسه وحقنا لدمه ودماء أهله، فلقبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالطلقاء هو وبطانته،ذلك الرجل صورته لنا الرواية جاء إلى علي عليه السلام يريد خيرا به وبالإسلام، هكذا يقول ظاهر الرواية، لأن التطوع لنصرة أمير المؤمنين في عز من الناصرين وقلة من التابعين، أمر لا ينتظر صوره إلا ممن تشبع قلبه بحب المؤمنين والصالحين، فكيف والحال هذه تنطبق الدعوى على أبي سفيان؟
ليس هناك أدنى شك من أن الرجل لم يكن قاصدا غير الفتنة، وفك عرى الدين وتشتيت وحدة المسلمين، وإعادتها جاهلية من جديد، وهي قناعة لا يمكن أن يحيد عنها متبصر بحقائق الأمور.
وفوق ذلك، فإنني أرى أن الرجل كان يريد أن يسدي يدا إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام، ليقابلها بيد أخرى بعد أن تتم له الأمور، يكون أبو سفيان وبطانته بعد ذلك أولياء نعمة علي عليه السلام، فيجرونه إلى ما يريدون.
لما أيس أبو سفيان من الوصول إلى مبتغاه، نكص على عقبيه يريد الغاصبين والانقلابيين، فعرض عليهم نفس العرض، وقبلوه بسرعة لأنهم لا يقوون على سعد بن عبادة وحده،فكيف يقوون على بقية الأنصار؟ وتم لهم ما أرادوا، وكان الجزاء كما هو معلوم، إشراك تلك البطانة في الحكم، فأبو سفيان ولي إحدى المناطق القريبة من مكة، وولداه عينا قائدين على جيش فتح الروم .

وماذا كان يريد هؤلاء أيضا؟
نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج أيضا : لما بويع أبو بكر واستقر أمره، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته، ولام بعضهم بعضا، وذكروا علي بن أبي طالب، وهتفوا باسمه، وإنه في داره لم يخرج إليهم، وجزع لذلك المهاجرون، وكثر في ذلك الكلام، وكان أشد قريش على الأنصار نفر فيهم سهيل بن عمرو، أحد بني عامر ابن لؤي، والحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل المخزوميان، وهؤلاء أشراف قريش الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وآله، ثم دخلوا في الإسلام، وكلهم موتور قد وتره الأنصار، أما سهيل بن عمرو فأسره مالك بن الدخشم يوم بدر، وأما الحارث ابن هشام،فضربه عروة بن عمرو فجرحه يوم بدر وهو فار عن أخيه، وأما عكرمة ابن أبي جهل فقتل أباه إبنا عفراء، وسلبه درعه يوم بدر زياد بن لبيد، وفي أنفسهم ذلك.
فلما اعتزلت الأنصار تجمع هؤلاء، فقام سهيل بن عمرو فقال: يا معشر قريش إن هؤلاء القوم قد سماهم الله الأنصار، وأثنى عليهم في القرآن، فلهم بذلك حظ عظيم، وشأن غالب، وقد دعوا إلى أنفسهم والى علي بن أبي طالب، وعلي ف بيته، لو شاء لردهم، فادعوهم إلى صاحبكم والى تجديد بيعته، فان أجابوكم وإلا قاتلوهم فوالله إني لأرجو الله أن ينصركم عليهم كما نصرتم بهم. (35)
وأنت أيها القارئ إذا تتبعت بقية روايات أحداث السقيفة، لا شك أنك ستلتفت إلى أسماء وأشخاص وقفوا في صف الغاصبين للسلطة، أقل ما يقال فيهم أنهم ليسوا من أصحاب السجايا المحمودة، ولا من ذوي النوايا الحسنة، ولا كان يؤبه لهم عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من حوله، بعد طول حربهم للإسلام وأهله،فعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة،وخالد بن الوليد، والوليد بن عقبة بن أبي معيط،، وصخر بن حرب المدعو بأبي سفيان، وبطانته التي بقي يتهيب لها ابن الخطاب وابن أبي قحافة، مثلهم كمثل الذباب الذي اجتمع على مزبلة، فلا يأتي منه ومنها إلا الشر المحقق.
لذلك فإننا نأسف لكل هذه الأجيال من الأمم، والملايين من المسلمين كيف تتعامى على منزلة ومكانة أهل البيت عليهم السلام في الإسلام، وتبصر سراب أصحاب السقيفة الذي يحسبه الضمآن ماء، فإذا جاءه لم يجده شيئا، ولا تبصر أنوار الهداة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

بيعة الغصب والقوة
نقل ابن أبي الحديد عن البراء بن عازب قال: لم أزل لبني هاشم محبا، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول، مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أتردد إلى بني هاشم، وهم عند النبي صلى الله عليه وسلم في الحجرة، وأتفقد وجوه قريش، فإني كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر، وإذ قائل يقول : القوم في سقيفة بني ساعدة، وإذ قائل آخر يقول : قد بويع أبو بكر، فلم ألبث، وإذا انا بأبي بكر قد اقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة، وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه، وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه،شاء ذلك أو أبى، فأنكرت عقلي، وخرجت أشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق،فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا وقلت : قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة،فقال العباس تربت أيديكم إلى آخر الدهر، أما إني قد أمرتكم فعصيتموني، فمكثت أكابد ما في نفسي، ورأيت في الليل المقداد وسلمان وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم بن التيهان وحذيفة وعمارا وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين .وبلغ ذلك أبا بكر وعمر فأرسلا إلى أبي عبيدة وإلى المغيرة بن شعبة فسألاهما عن الرأي فقال المغيرة : الرأي أن تلقوا العباس فتجعلوا له ولولده في هذه الإمرة نصيبا ليقطعوا بذلك ناحية علي بن أبي طالب. (36)

نقف في هذه الرواية عند قول الراوي أو الناقل، لأنه قد لا يعجب الناقل شيئا فيحرفه عن موضعه، والأمثلة كثيرة في التاريخ الإسلامي لسنا في مجالها، يقول الراوي :رأيت المقداد وسلمان وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم التيهان وحذيفة وعمار بن ياسر،وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المسلمين.(النص السابق)، وفي ذلك مغالطة كبيرة لأن هؤلاء المذكورين على وجه الخصوص كانوا يعدون من شيعة الإمام علي عليه السلام حتى على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال في شأنهم عددا من الأحاديث التي يتمنى المتمنون أن تكون لهم أحدها، لذلك فان الذي نقل نية القوم وعزمهم لم يكن صادقا في نقله، أو حرف كلامه لأن الجماعة ممن تؤمن بالنص على علي عليه السلام، وظهر منهم من استبسالهم واستماتتهم وذودهم عنه، وبذل أرواحهم من أجل حقه، ما دل على حقيقة ولايتهم، لذلك فدعوى إعادة الأمر شورى من طرف هؤلاء لا أساس له من الصحة.

الغاصبون للحكم يساومون العباس
انطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة، حتى دخلوا على العباس بن عبد المطلب في الليلة الثانية من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتكلم أبو بكر فقال: إن الله قد بعث لكم محمدا نبيا وللمؤمنين وليا، فمن الله عليهم بكونه بين ظهرانيهم، حتى اختار له ما عنده، وترك للناس أمرهم ليختاروا لنفسهم مصلحتهم، متفقين لا مختلفين، فاختاروني عليهم واليا ولأمورهم راعيا، فتوليت ذلك، وما أخاف بعون الله وهنا ولا حيرة ولا جبنا، وما توفيقي إلا بالله، غير أنى لا أنفك من طاعن يبلغني فيقول بخلاف قول العامة، فيتخذكم لجأ فتكونون حصنه المنيع وخطبه البديع، فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، أو صرفتموهم عما مالوا إليه، فقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا، يكون لك ولعقبك من بعدك، إذ كنت عم رسول الله، وإن كان الناس أيضا قد رأوا مكانك ومكان صاحبك، فعدلوا بهذا الأمر عنكما.
فقال عمر : أي والله وأخرى يا بني هاشم على رسلكم، فإن رسول الله منا ومنكم، وإنا لم نأتكم لحاجة منا إليكم، ولكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم وللعامة، ثم سكت.
فتكلم العباس فقال: إن الله تبارك وتعالى قد إبتعث محمدا صلى الله عليه وآله كما وصفت نبيا وللمؤمنين وليا، فإن كنت برسول الله طلبت هذا الأمر فحقنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن من المؤمنين، ما تقدمنا في أمرك ولا تشاورنا ولا تآمرنا ولا نحب لك ذلك، إذ كنا من المؤمنين وكنا لك من الكارهين.
أما قولك، أن تجعل لي في هذا الأمر نصيبا، فإن كان الأمر لك خاصة فأمسك عليك فلسنا محتاجين إليك، وإن كان حق المؤمنين فليس لك أن تحكم في حقهم دونهم، وإن كان حقنا فإننا لا نرضى منك ببعضه دون بعض.
وأما قولك يا عمر : إن رسول الله منا ومنكم، فإن رسول الله شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها، فنحن أولى به منكم.وأما قولك، إنا نخاف تفاقم الخطب بكم وبنا، فهذا الذي فعلتموه أوائل ذلك والله المستعان.ثم انشأ يقول :

ما كنت احسب هــذا الأمر منحرفــــا ***** عن هاشم ثم منهم عن أبـي حسن
ألـــــــــيس أول من صلى لقبلتكم ***** وأعـــــــــلم الناس بالآثار وبالسنن
واقـــرب الناس عهدا بالنبي ومـــن ***** جبريل عون له في الغسل وفي الكفن
مــن فيه ما في جميع الناس كلهم ***** وليس في الناس ما فيه من الـــحسن
من ذا الذي ردكم عنه فـــــنعرفه ***** هــــــــا إن بيعتكم من أول الــــــفتن(37)

وفي كلام العباس بن عبد المطلب حجة لمن يروم الحق، ويسعى ليفدي نفسه من نار أعدت لمن غصب حق الله تعالى،وتقول عليه بالزور والبهتان، مدعيا أمرا ليس من شأنه، وإنما هو لله تعالى يضعه حيث يشاء، وقد سبقت كلمته لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك،بأن إختار عليا عليه السلام إماما وعلما وهاديا وحاكما عنه في الناس، وقد أشرنا إلى بعض النصوص الدالة على أحقيته في قيادة الأمة في بداية هذا البحث التاريخي .
نقل من نقل من أتباع خط السقيفة، إمعانا منه في التمسك بسراب الوهم،أن بيعة ابن أبي قحافة كانت شوروية وعامة، ولم يتخلف عنها غير علي وبعض الصحابة،غير ملتفت إلى ما حوته كتبه من أدلة واضحة تفند ذلك الزعم، من بينها ما أخرجه الطبري في تاريخه بإسناده عن ابن عباس قال: لي عبد الرحمان بن عوف، وقد حججنا مع عمر : شهدت اليوم أمير المؤمنين عليه السلام بمنى، وقال له رجل : إني سمعت فلانا يقول : لو مات عمر لبايعت فلانا، فقال عمر: إني لقائم العشية في الناس أحذرهم هؤلاء الرهط، الذين يريدون أن يغتصبوا الناس أمرهم، قال عبد الرحمان : فقلت :...إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وهم الذين يقربون من مجلسك ويغلبون عليه، وأخاف أن تقول مقالة لا يعونها، ولا يحفظونها فيطيروا بها، ولكن أمهل حتى تقدم المدينة وتخلص بأصحاب رسول الله فتقول فيسمعوا مقالتك، فقال : والله لأقومن بها أول مقام أقومه بالمدينة.
قال ابن عباس : فلما قدمناها هجرت يوم الجمعة لحديث عبد الرحمان فلما جلس عمر على المنبر قال: إنه بلغني أن قائلا منكم يقول : لو مات .....بايعت فلانا، فلا يغرن إمرأ أن يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فلقد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه.(38)
تعمد الراوي أو الحافظ كعادة هؤلاء دائما في التستر على الحقيقة وطمس آثار التعرف على الوجهة الصحيحة في أكثر المسائل، وقد حذف من الرواية أسماء رجلين لو ذكرا لكان للرواية معنى آخر، ولأحدثت في نفوس قرائها هزة صحوة، فقد نقل ابن أبي الحديد المعتزلي عن شيخه أبو القاسم البلخي عن شيخه أبو عثمان الجاحظ إن الرجل الذي قال لو مات عمر لبايعت فلانا، عمار بن ياسر، قال: لو مات عمر لبايعت عليا عليه السلام، فهذا القول هو الذي أهاج عمر أن خطب بما خطب به. (39)
وإعتقاد عمار بأن عليا عليه السلام أحق بالخلافة من غيره ممن تنسمها في غفلة من المسلمين، وتشطرا ضرعيها بعد ذلك بكل وقاحة وإستبلاه للامة، إلى درجة أن أوصى الأول إلى الثاني كتابة، ذلك الاعتقاد ليس منفردا به عمار بن ياسر وحده بل هو واحد من عدد لا يستهان به كثرة ومكانة في المجتمع المدني،من المهاجرين ومن الأنصار على حد سواء والأمثلة كثيرة منها
أن خالدا بن سعيد بن العاص قد امتنع عن مبايعة ابن أبي قحافة، ولم يبايعه إلا بعد سنة كاملة. (40)
وحتى تتضح الفكرة عند القارئ عن هذا الرجل نعود إلى ترجمته فنجد أنه من بني أمية نسبا، ولكنه غيرهم ولاية وفكرا، لأن الرجل ممن هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة بامرأته ولما قدم إلى المدينة مع جعفر بن أبي طالب، شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله فتح مكة وحنين والطائف وتبوك، واستعمله على صدقات اليمن واستعمل أخاه أبان على البحرين وعمرا على تيماء وخيبر، فبقوا على تلك المهمة حتى مات النبي صلى الله عليه وآله، فلما بلغهم استخلاف أبي بكر بعد رسول الله تركوا أعمالهم وعادوا إلى المدينة، فقال لهم أبو بكر : كيف تركتم أعمالكم؟ فقال خالد: رأينا أن لا نعمل لأحد بعد رسول الله ولم يبايعوا أبا بكر حتى بايع بنو هاشم .
وقد نقل أبان بن تغلب عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قوله:إن خالد بن سعيد أول من تكلم على أبي بكر وأنكر عليه، وقال له اتق الله يا أبا بكر فقد علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ونحن محتوشوه يوم بني قريضة حين فتح الله له، وقد قتل علي عليه السلام يومئذ عدة من صناديد رجالهم وأولي البأس والنجدة منهم : " يا معشر المهاجرين والأنصار إني موصيكم بوصية فاحفظوها، ومودعكم أمرا فاحفظوه، ألا أن عليا أميركم وخليفتي فيكم بذلك أوصاني ربي، ألا وإنكم إن لم تحفظوا وصيتي وتوازروه وتنصروه اختلفتم في أحكامكم، واضطرب عليكم أمر دينكم، ووليكم أشراركم، ألا إن أهل بيتي الوارثون لأمري والعاملون بأمر أمتي من بعدي اللهم من أطاعني فيهم من أمتي وحفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي واجعل لهم نصيبا من مرافقتي يدركون به نور الآخرة، اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنة التي عرضها كعرض السماوات والأرض .فقال له عمر : أسكت يا خالد فلست من أهل المشورة ولا ممن يقتدى برأيه، فقال خالد: بل اسكت أنت يابن الخطاب، فإنك تنطق على لسان غيرك، وأيم الله لقد علمت قريش إنك من ألأمها حسبا، وأدناها منصبا وأخسها قدرا وأخملها ذكرا، واقلهم عناء عن الله ورسوله، وإنك لجبان في الحروب، بخيل في المال، لئيم العنصر مالك في قريش من فخر، ولا في الحروب من ذكر، وإنك في هذا بمنزلة الشيطان إذ قال للإنسان أكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين ." فأبلس عمر وحبس خالد. (41)
لم يكن خالد بن سعيد رضوان الله تعالى عليه ممن يتصنع المواقف، ولا ممن يناور من أجل منصب، ولا متزلفا يريد القربة من أحد، بل كان موقفه الذي مر بشق النفس من محرقة أهل الباطل وعبيد الدنيا والجاه، وهو عندما واجه الانقلابين على منصب الحكومة الإسلامية،كان يتكلم بلسان المؤمن الواعي لما بثه النبي صلى الله عليه وآله من وصايا وتعاليم، لو تمسك بها المسلمون لما استطاع حزب النفاق الاستيلاء على كرسي الحكم .

المتخلفون عن بيعة ابن أبي قحافة
وحتى يثوب الثائب إلى رشده، ويعقل فرس أوهام أعداء أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رأيت أن أعرج على أسماء الذين تخلفوا عن بيعة أصحاب السقيفة، وأنكروا عليهم جريمتها، وحذروا من عثارها ومغبتها،إتماما للحجة على الذين ما زالوا يعتقدون صلاح ذلك العمل اللئيم، ويعتبرونه من تمام الدين، وقربة لله بر العالمين، لعلهم بذلك ينتهون، وللحقيقة يركنون، فليست الروية كالمعاينة مع الإبصار، فقد تكذب العيون أهلها، ولا يغش العقل من استنصحه(42)
القائمة أخرجها صاحب الفصول المهمة في تأليف الأمة للسيد الأجل عبد الحسين شرف الدين الموسوي قدس سره، متقصيا في ذلك جميع المصادر الرجالية والتاريخية لدى خط السقيفة وخط الإمامة، وهي مختصرا كالآتي :
1 - سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري.2 -حباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري. 3 - العباس بن عبد المطلب .4- الفضل بن العباس .5-عبد الله بن عباس. 6- القثم بن العباس .7- عتبة بن أبي لهب.8- وسائر بني هاشم كما في الروايات التي أخرجت طرفا منها ولم تحدد أسماءهم.9-سلمان الفارسي.10-أبو ذر الغفاري.11-المقداد بن الأسود الكندي. 12-عمار بن ياسر.13-الزبير بن العوام.14- خزيمة بن ثابت الأوسي.15-أبي بن كعب .16-فروة بن عمرو الأنصاري.17-خالد بن سعيد بن العاص الأموي.18-البراء بن عازب.91- حذيفة بن اليمان.20-مالك بن التيهان .21-عبادة بن الصامت.22- طلحة بن عبد الله.23- سعد بن أبي وقاص.

أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقا، مضوا على بينة من ربهم، وكانوا عرفاء القوم في كل المسائل وخصوصا مسألة الحكومة التي لم يمض النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بين معالمها ومن سيلي أمرها بعده، خصوصا إذا عرفنا أن خاتمية نبوته تؤكد استمرار وظيفته الأخرى التي كان متقلدا إياها وهي الإمامة الهادية، وقد أدى سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم ما عليه في هذا الإطار، فأعلن في اكثر من مناسبة بأن الأئمة من بعده إثني عشر إماما ( 43) أولهم أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام، ذاكرا فضله كلما سنحت بذلك فرصة، وملخصا منزلته التي جعلها تماما كمنزلة النبي هارون من موسى عليهما السلام، ولم يستثن منها غير النبوة، ثم جاء الحج الأكبر وإتجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى تعيين ابن أبي قحافة على راس بعثة الحج، ثم أردف ذلك بقرار عزله عن إمارة الحج وتعيين علي عليه السلام بدلا عنه،في إشارة لطيفة إلى عدم تزكيته من طرف الوحي، ودليل قوي يثبت من جهة أن ابن أبي قحافة لا يصلح أن يكون أميرا وعلي بن أبي طالب عليه السلام موجود، بدليل العزل المذكور، ويعطي في نفس الوقت للمتدبرين وذوي الألباب القياس الصحيح لحالة قد تطرأ بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمثلة غير الذي ذكرت أغض الطرف عنها،ولو عددت خصائص أمير المؤمنين عليه السلام لما انتهيت منها، لأنني أمام شخص لم يتكرر في تاريخ البشرية مثله، إجتهد أعداءه في كتمان فضائله حسدا، والتجأ أولياؤه إلى كتمانها خوفا، ومع ذلك فقد فاضت مناقبه وملأت طباق الكتب الإسلامية المخالفة لنهجه والموالية له .

والقائمة التي ذكرت آنفا، إذا أضفنا إليهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وأم أبيها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام،الذين هما عند الله ورسوله والمؤمنين خيرة الخيرة،فإننا ولا شك قد حسمنا أمر كل الإشكاليات والمسائل والتي منها مسألة الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورجح لصالح الحق الذي هو دائما مع علي عليه السلام،لقول رسول الله :" علي مع الحق والحق مع علي لا يفترقان." ولقوله أيضا :" علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يختلفان."

احتجاج علي عليه السلام على الأنصار
جدت أحداث السقيفة بسرعة، وتتابعت فصولها في غفلة من بيت النبوة عليهم السلام، الذين كانوا بمعية الخلص من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، منشغلين في تهيئة رسول الله وتجهيزه لمواراته التراب،وكان علي عليه السلام محور كل تلك الأعمال وقطبها، وبعد أن قام عليه السلام بتغسيله وتكفينه صلى الله عليه وآله وسلم، أمر من حضر أن يصلوا عليه فرادى قائلا :" إنه إمامكم حيا وميتا."
ودفن علي عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الأربعاء، في موضعه الذي توفي فيه من حجرته المباركة، في محضر من أحبائه وأوليائه من أهل بيته عليهم السلام وصحابته البررة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، المفجوعين بفقده والقائمين بحقه، وفي غياب من الانقلابيين من أصحاب السقيفة الذين لم يلتفتوا إلى ذلك إلا عندما سمعوا وقع المساحي في جوف الليل، كما صرحت بذلك عائشة.
تناهت إلى أسماع أمير المؤمنين عليه السلام الأحداث المفجعة، وانقلاب الأمة على أعقابها، فلم يكن وحده في تلك المحنة، بل كان معه عدد صغير من الأتباع، وعلى صغر عدده كان كبيرا في تركيبته وأشخاصه، سلمان آل محمد، وعمار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن عمرو، والزبير بن العوام، والعباس وسائر بني هاشم، أولئك الذين لم يتحركوا يمنة ولا يسرة، إلى حين الفراغ من مواراة النبي صلى الله عليه وآله وسلم،عندما وصلته أنباء مصيبة السقيفة، سأل أمير المؤمنين :" فماذا قالت قريش؟ قالوا : احتجت بأنها شجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال عليه السلام: احتجوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة.(44)
وتحرك أمير المؤمنين عليه السلام من أجل تفادي تلك السقطة، واجتناب زلة الحكومة، فخرج ليلا ومعه فاطمة عليها السلام إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة، وتسألهم فاطمة الانتصار له، فكانوا يقولون يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فقال علي: أكنت أترك رسول الله ميتا في بيته لا أجهزه، وأخرج إلى الناس أنازعهم سلطانه؟وقالت فاطمة : ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغي له، وصنعوا هم ما الله حسبهم عليه.شرح نهج البلاغة ج6ص 13
وتسارعت وتيرة الأحداث، وشعر الغاصبون بخطورة الموقف، فقرروا إجبار علي عليه السلام على البيعة، ومثلما ظهر حرص ابن الخطاب على سعد بن عبادة في أخذ البيعة منه أو قتله، ظهر حرصه بخصوص علي عليه السلام .

محاولة إجبار علي عليه السلام على البيعة
تقول الرواية: ذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة، منهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم، فقال لهم : انطلقوا فبايعوا، فأبوا عليه و خرج إليهم الزبير بسيفه، فقال عمر : عليكم الكلب ( نفس الكلمة التي قالها عند مقتله " دونكم الكلب"وذلك يعري عن أخلاقيات وضيعة لم تتأثر بخصلة واحة من مكارم الأخلاق التي كان يأمر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويحث أصحابه على التقيد بها ) فوثب عليه سلمة بن اسلم، فأخذ السيف من يديه فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنو هاشم، وعلي يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى انتهوا إلى أبي بكر، فقيل(أعتقد أن القائل هو دائما ابن الخطاب ) له : بايع فقال : أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، وحججتم عليهم بالقرابة من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فأنصفونا إن كنتم تخافون الله في أنفسكم، وأعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون.
فقال عمر : لست متروكا حتى تبايع.فقال له علي : إحلب يا عمر حلبا لك شطره وأشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا، ألا والله لا أقبل قولك ولا أبايعه.فقال له أبو بكر:فإن لم تبايعني لم أكرهك، فقال له أبو عبيدة: يا أبا حسن، إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك، وأشد احتمالا له واضطلاعا، فسلم له هذا الأمر وارض به، فإنك إن تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق، في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك.
فقال علي : يا معشر المهاجرين، الله الله لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوا الله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم، أما كان منا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بالسنة، المضطلع بأمر الرعية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا.
فقال بشير بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم قد بايعوا. وانصرف علي إلى بيته ولم يبايع . (45)
اعترض ابن أبي الحديد المعتزلي بعد أن سرد الرواية قائلا : هذا الحديث يدل على بطلان ما يدعى من النص على أمير المؤمنين وغيره، لأنه لو كان هناك نص صريح لاحتج به، ولم يجر للنص ذكر، وإنما كان الاحتجاج منه، ومن أبي بكر،ومن الأنصار، بالسوابق والفضائل والقرب، فلو كان هناك نص على أمير المؤمنين، أو على أبي بكر، لاحتج به أبو بكر أيضا على الأنصار، ولاحتج به أمير المؤمنين على أبي بكر .. (46)

ولست أدري أين ذهب عقل وعلم ابن أبي الحديد، وهو المتصدي لشرح كلام سيد البلغاء،وإمام الفصحاء عليه السلام، ألم يفهم من خلال كل ما قاله أنه صاحب حق ؟ ودعواه بالأحقية مبنية على أساس من الدليل والنص والإثبات، ولا يمكن أن يدعي رجل كعلي عليه السلام ما ليس له،وهو الذي أذهب الله تعالى عنه الرجس وطهره تطهيرا، والنصوص التي بين أيدينا، والتي ذكرنا طرفا منها تكفي لتكون دليلا ونصا عليه بإمامة الأمة من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقوله عليه السلام بأنه الأحق بالسلطة استنادا إلى تلك النصوص، والتي لم يتركوا له المجال لذكرها، رافضين حتى ابسط المسلمات التي كانوا يعلمونها يقينا، ومنها كونها أخا لرسول الله صلى الله عليه وآله بالمؤاخاتين، الأولى بمكة والثانية بالمدينة وقد قال له فيهما : أنت أخي في الدنيا والآخرة."
ناهيك أنه جاءهم بالقرآن مجموعا بتفسيره وتأويله، كما أنزل فرفضوه، ورفضهم له دليل على وجود النص في تفسير آية البلاغ، وآية إكمال الدين، وآية الولاية وغيرها، وهو ما يسبب إحراجا وخطرا على الغاصبين تحت غطاء الشورى.

بقي أن نقول، بأن من أساليب البلاغة ما يحتم أن يجيب صاحبها بحسب الكلام الموجه إليه، ويحتج عليهم بما ألزموا به أنفسهم، وكذلك كان تعامل علي عليه السلام مع القوم، كما أن حضور جميع هؤلاء، واستماعهم إلى ما كان يقوله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خصوص علي عليه السلام، لا يستدعي غير الإشارة والتلميح، وتجاوزه إلى التذكير المجمل بأنه صاحب الأمر .
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن القوم قد نسي منهم من نسي، وتجاهل منهم من تجاهل بيعته لعلي يوم غدير خم، وهي التي لم يمر عليها بضعة أشهر، ولم تبرد حرارة يد علي عليه السلام من يديه، فكيف يمكن أن تصغي أذنيه لأحاديث قد صم وعمى عنها منذ البداية.
هذا أبي بن كعب يقول: ذكر سعد بن عبادة يوما عليا بعد يوم السقيفة، فذكر أمرا من أمره نسيه يوجب ولايته ( وأعتقد أنها بيعة يوم الغدير) فقال له ابنه قيس بن سعد: أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا الكلام في علي بن أبي طالب، ثم تطلب الخلافة، ويقول أصحابك : منا أمير ومنكم أمير، لا كلمتك والله من رأسي بعد هذا كلمة أبدا.(47)

اختلفت الروايات، وتضاربت أنباء السقيفة وتداعياتها إلى درجة يصعب الجمع بينها، للوقوف على القول الفصل والرأي الصواب الذي يتصل بالحقيقة رأسا، ففي خصوص إجبار علي عليه السلام على البيعة للخليفة الأول، جاءت بإزائها روايات أخرى تقول إنه بايع مختارا من تلقاء نفسه، ولئن كانت في حد ذاتها مما لا يثني من القول بأن عليا عليه السلام لم يبايع مختارا، لأن واقع الأحداث التي استتبعت السقيفة، نقل لنا جوا مشحونا بالتوتر، لا يسمح بترك علي عليه السلام دون أن يجر إلى البيعة، لإطفاء ثائرة القائلين بإمامته، والاستراحة من هاجس يؤرق الانقلابيين، ويمثل تهديدا جديا لمؤامرتهم، سببا من أسباب إفشالها لو بقي علي عليه السلام بغير بيعة.
وإذا ما تأملنا في حديث المنزلة الذي نقله الخاص والعام من الحفاظ والرواة والمؤرخين، وقارناه بمنزلة هارون عليه السلام،وجدنا أن عليا عليه السلام أستضعف وهدد بالقتل، ليس لأنه ضعيف لا يقدر على الرد على الجهة التي تريد إيذاءه، بل لعهد عهده النبي صلى الله عليه وآله له بالصبر، ومراعاة بيضة الإسلام وصونها، وحفظا له ولأهل بيته عليهم السلام ومن تبعه من المؤمنين، فإحدى منازل علي عليه السلام، منزلة الاستضعاف التي كانت لهارون عليه السلام، وصرف الإمامة عنه إلى السامري والعجل، كذلك الحال بالنسبة لعلي عليه السلام وما جاء من أنباء استضعافه وإخراجه من بيته بالقوة والتهديد، وإجباره على بيعة الغاصبين .
قال تعالى : "...قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني..." (48)
وأنت أيها القارئ الرشيد، لو تتبعت جميع الروايات التي تناولت فترة مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما تلاها من أحداث سقيفة بني ساعدة،وأجواء الاحتقان العصبي، والنعرة الجاهلية التي دبت في نفوس المسلمين، وأحيتها عصابة من الأدعياء التي مثلت في ثقلها قريش، وادعت أنها الأولى برسول الله صلى الله عليه وآله، لأمكنك أن تقف على الحكمة التي دعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى السكوت عن حقه، فمصلحة الإسلام كانت تقتضي ذلك، وتدفعه إلى العمل بقول لوط عليه السلام : "لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد." (49)
لما لم يجد أمير المؤمنين أنصارا وأعوانا، يعيدون الحق إلى نصابه، بأقل الخسائر الممكنة، آثر السكوت وحفظ الثقلين الكتاب وأهل البيت عليهم السلام على زوال الدين كله،للعهد الذي عهد إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر، لأنه لاحظ أن أكثر الناعقين لإثارة الفتنة، هم من الطلقاء الذين دخلوا الدين من أجل القضاء عليه من الداخل، في أول فرصة سانحة تتاح لهم، وكان ما أرادوا بفضل السقيفة وأصحابها، الذين استنجدوا وتقووا بهم على أمرهم.

احتجاج علي عليه السلام ومناشدته بعد ذلك
حتى وإن أسقط المؤرخون احتجاجات أمير المؤمنين علي عليه السلام فترة حكم ابن أبي قحافة، فإن عليا عليه السلام لا يفوته أن يقيم الحجة على المسلمين، وينبه على المنحى الخطير الذي سيقت إليه حكومة الإسلام، فهو قد أعلن في محضر الرجلين عندما أراد جماعتهم إجباره على البيعة،موجها خطابه إلى صاحب بيعة السقيفة : إحلب حلبا لك شطره وأشدد له اليوم يردده عليك غدا. فلم يلبث ابن أبي قحافة إلا يسيرا، وكان آخر عمل قام به هو إسقاط دعواه الكاذبة في الشورى بالنص على ابن الخطاب من بعده، وكان كاتب النص عثمان بن عفان الأموي، والقصة معروفة.
أهم ما يمكن أن أذكره في هذا المقام واختصارا للمطلب خطبة أمير المؤمنين عليه السلام المسماة بالخطبة الشقشقية، والتي تحدث فيها عن ظلامته، وغصب الحكومة منه، والتي قال فيها :
أما والله لقد تقمصها إبن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو اصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه.
فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده، ثم تمثل بقول الأعشى :

شتان ما يومي على كورها ***** ويــــوم حيان أخي جابـــر

فيا عجبا، بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشد ما تشطرا ضرعيها، فصيرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله، بخبط وشماس، وتلون واعتراض.
فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله،جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيا لله ويا للشورى، متى اعترض الريب في مع الأول منهم، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر، لكني أسففت إذ سفوا، وطرت إذ طاروا، فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره مع هن وهن، إلى أن قام ثالث القوم، نافجا حضنيه، بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه، يخضمون مال الله، خضم الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته... (50)
وأضيف في هذا الباب،مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام للناس في رحبة الكوفة، أيهم سمع رسول الله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه. وذلك بعد ما فعلت دعايات وأباطيل حزب الطلقاء فعلها في المجتمع الكوفي، وسرى الشك بما لفقه دهاة العرب، لصرف المسلمين عن علي عليه السلام، وأختم بحديث الركبان الذي إن دل على شيء فإنه يدل ليس على صحة حديث الغدير وحادثته فحسب إنما يعطي صورة عن الفهم الواضح والجلي، والتطبيق الصحيح لمعنى مصطلح مولى وولي:
أخرج أحمد بن حنبل في مسنده- وهو من حفاظ العامة- بإسناده عن زياد بن أبي زياد قال: سمعت عليا بن أبي طالب رضي الله عنه ينشد الناس( في رحبة الكوفة) فقال : أنشد رجلا مسلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم : من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه...قال : فقام إثنا عشر بدريا فشهدوا . (51)
حديث الركبان: عن رباح بن الحرث النخعي، قال: كنت جالسا عند علي عليه السلام إذ قدم قوم ملثمون، فقالوا :السلام عليك يا مولانا، فقال : أو لستم عربا ؟ قالوا: بلى، ولكنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم غدير خم : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره وأخذل من خذله.قال : لقد رأيت عليا ضحك حتى بدت نواذجه، ثم قال : اشهدوا .قال: ثم إن القوم مضوا إلى رحالهم فتتبعتهم، فقلت لرجل منهم : من القوم؟ قال : نحن رهط من الأنصار وذاك أبو أيوب الأنصاري صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال : فأتيته فصافحته.(52)
أما بقية المناشدات والاحتجاجات، فقد قالها في الجماعة الذين عينهم ابن الخطاب، وزعم أنهم أهل الشورى، بينما كان يريد تقديم خدمة بتعيين عثمان ابن عفان، وفق اتفاق مسبق، فتمييز عبد الرحمان بن عوف،الذي هو صهر عثمان وجعله الفيصل عند تساوي الأصوات،من شأنه أن يسهل عملية انتقال السلطة إلى عثمان، وهو ما تم فعلا، ولو كان أمير المؤمنين يريد الحكم كيفما اتفق، لقبل شرط الرجل، لأنه أول المبتدرين بالسؤال، لعلمهم برفضه الشرط الذي وضعوه، وهو إتباع سيرة وسنة الشيخين(ابن أبي قحافة وابن الخطاب) في الحكم، ذلك الرفض يعد دليلا على مخالفة هؤلاء للكتاب والسنة، لعدم علمهم بأكثر ما تضمنته، ولولا وجوده بين ظهرانيهم لغرقت سفينتهم، ولو كانا موافقين للكتاب والسنة، لما رفض علي عليه السلام التقيد بها، هذا من جهة، ولأن مصدري التشريع الأساسيين هما الكتاب والسنة، وإدخال ما ليس من الدين عمل يراد به إدخال البدع في الدين، فكان رفضه أولى من جهة ثانية .

الطلقاء في حزب السقيفة يشعلون الفتنة
كادت بيعة السقيفة أن تحدث شرخا يصعب رتقه بين المسلمين، وكاد المحركون لأوار الفتنة أن ينجحوا في مساعيهم، لولا الحكمة التي توخاها وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التعامل مع الانقلابيين، ومع بقية التركيبة الاجتماعية في المدينة، من مهاجرين وأنصار، واستمر تدافع الفريقين بالحجج والكلام، وتوالت السجالات الشعرية من هذا الفريق وذاك مدة، وفي هذا كله دليل كاف على أن بيعة ابن أبي قحافة لم تكن عن رضا، ولا عن مشورة، ولا عن نص صحيح يلين إليه الجانب، وكان للطلقاء في إثارة تلك النعرات، وإذكاء الحزازيات دور كبير، كاد يؤدي إلى إشعال حرب تأتي على الأخضر واليابس.
من ذلك على سبيل المثال لا الحصر، ما أخرجه ابن أبي الحديد في شرح النهج : ثم إن رجالا من سفهاء قريش ومثيري الفتن منهم، اجتمعوا إلى عمرو بن العاص، فقالوا له : انك لسان قريش ورجلها في الجاهلية والإسلام، فلا تدع الأنصار وما قالت، وأكثروا عليه من ذلك فراح إلى المسجد وفيه ناس من قريش وغيرهم، فتكلم وقال: إن الأنصار ترى نفسها ما ليس لها، وأيم الله لوددت أن الله خلى عنا وعنهم، وقضى فيهم وفينا بما أحب، ولنحن الذين أفسدنا على أنفسنا،أحرزناهم عن كل مكروه، وقدمناهم على كل محبوب، حتى أمنوا المخوف، فلما جاز لهم ذلك صغروا حقنا، ولم يراعوا ما أعظمنا من حقوقهم، ثم التفت فرأى الفضل بن عباس بن عبد المطلب، وندم على قوله، للخئولة التي بين ولد عبد المطلب وبين الأنصار، ولأن الأنصار كانت تعظم عليا، وتهتف باسمه يومئذ.. (53) فرد عليه الفضل بن عباس قائلا:

قــلت يا عمرو مقالا فاحشا ***** إن تـعد يا عمرو والله فـــلك
إنـما الأنصار ســـيف قــاطـع ***** من تصبه ضبة السيف هـلك
وســيوف قــاطع مــظربها ***** وســـهام الله في يـوم الحــلك
نـــصروا الدين وآووا أهلـــه ***** مـنزل رحب ورزق مشترك
وإذا الحرب تلظت نــارهـــا ***** بركوا فيها إذا الموت بــرك
(54)

ودخل الفضل على علي فأسمعه شعره ففرح به، وقال: وربت بك زنادي يا فضل، أنت شاعر قريش وفتاها، فأظهر شعرك وأبعث به إلى الأنصار. فلما بلغ ذلك الأنصار قالت : لا أحد يجيب إلا حسان الحسام، فبعثوا إلى حسان بن ثابت، فعرضوا عليه شعر الفضل، فقال :كيف أصنع بجوابه، إن لم أتحر قوافيه فضحني، فرويدا حتى أقفو أثره في القوافي، فقال له خزيمة بن ثابت: أذكر عليا وآله يكفك عن كل شيء . فقال:

جـــزى الله عــــنا والـــجزاء كـــله ***** أبا حسن عنا ومـن كأبي حـسن
ســبقت قـريشا بالـذي أنـت أهله ***** فــصدرك مشــروح وقلبك مـمتحن
تــمنت رجـــال مـــن قريش أعــزة ***** مكانك هـيهات الهزال من السمن
وأنت في الإسلام فـي كل موطن ***** بــمنزلة الــدلو البطين من الرسن
غــضبت إذ قــام عـمرو بــخطبة ***** أمات بها التقوى وأحيا بها الإحن
فـكنت المرجي من لؤي بن غالب ***** لــما كـان مــنهم والذي لـم يــكن
حـــــفظت رسـول الله فينا وعهده ***** إلـيك ومـن أولى به مـنك ومــــن؟
ألــــست أخاه في الـهدى ووصيه ***** وأعـلم مـنهم بالـكتاب وبالــسنن؟
فــــــحقك ما دامت بنجد وشـيجة ***** عــظيم علينا ثم بـعد عـلى الــيمن

وبعثت الأنصار بهذا الشعر إلى علي بن أبي طالب، فخرج إلى المسجد وقال لمن به من قريش وغيرهم: يا معشر قريش، إن الله جعل الأنصار أنصارا، فأثنى عليهم في الكتاب، فلا خير فيكم بعدهم، إنه لا يزال سفيه من سفهاء قريش وتره الإسلام، ودفعه عن الحق، وأطفأ شرفه وفضل غيره عليه، يقوم مقاما فاحشا فيذكر الأنصار، فاتقوا الله، وارعوا حقهم، فوالله لو زالوا لزلت معهم، لأن رسول الله قال لهم :" أزول معكم حيث زلتم " .فقال المسلمون جميعا : رحمك الله يا أبا الحسن قلت قولا صادقا.(55)
إن المتتبع لهذه الروايات، يقف من خلالها على عدد من الحقائق التي سعى المتأخرون من أصحاب المدارس الكلامية سعيهم للدوس عليها، وتجاهلها واعتبارها أنها من مختلقات فريق يتعبد إلى الله تعالى بحب الصفوة الطاهرة من أهل بيت نبيه الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وهو على لسان حال الأوائل الذين عايشوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخذوا عنه وسمعوا منه، جار مجرى الدماء من العروق، فلم تلك الغميزة، وحب علي عليه السلام عنوان صحيفة المؤمن، ولم النقيصة ولقب الوصي تردد بين أظهر كبراء المهاجرين والأنصار، فأظهروه في كلامهم وخطبهم وأشعارهم، حتى لم يعد هناك أدنى شك في أن عليا عليه السلام هو القائم مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألا يكفي أن يمضي الجفاة لأهل البيت عليهم السلام بأوزارهم، حتى نحملها عنهم حمل الحمار الذي ينقل الأسفار، لا يدري أله أم عليه، فثوبوا إلى رشدكم رحمكم الله.

تعذر ابن أبي قحافة
كانت خطبة ابن أبي قحافة عند بدء حكومته : وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا أحسنت فأعينوني وان أسأـت فقوموني، إن لي شيطانا يعتريني، فإياكم وإياي إذا غضبت، لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم..."(56)
وخلال فترة حكمه، لم يكن هو الحاكم الفعلي، بل كان ابن الخطاب هو المستشار، والوزير صاحب القول النافذ والرأي المتبع، ولولا ابن الخطاب، لما تم لابن أبي قحافة شيء أبدا.
قال في آخر حياته: لا آسى إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلن وددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه عنهن: أما الثلاث التي فعلتها ووددت لم أكن فعلتها: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة،وتركته ولو أغلق على حرب، وودت يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين، عمر أو أبي عبيدة، فكان أميرا وكنت وزيرا وودت أني إذ أتيت ذي الفجاءة لم اكن أحرقته، وكنت قتلته بالحديد أو أطلقته...وأما الثلاث اللواتي وددت أني كنت سالت رسول الله صلى الله عليه عنهن، وددت أني سألته فيمن هذا الأمر، فكنا لا ننازعه أهله، وودت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب، وودت أني سألته عن ميراث العمة وابنة الأخت فإن في نفسي منها حاجة.(57)
مع أن معذرة ابن أبي قحافة في غير محلها،لأنه أكثر المحيطين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقينا بمآل الحكم بعده،وما الحرب التي أشعلتها ابنته عائشة في وجه أمير المؤمنين عليه السلام في مفتتح حكومته، إلا دليل على تعمد إقصاء علي وأهل بيته عليهم السلام،بكل الوسائل حتى بالحرب، وما الحقد الذي انفلت زمامه حتى أشعل حربا ما كان لها أن تقع إلا دليل على دفائن تربت عليها وأخذتها عن أبيها،وإلا فمن يشك في مقام علي ومكانته في الإسلام، حتى يجترئ عليه مجترئ، وأعلام الحق واضحة وضوح النصوص التي هي في حوزتنا.
وإذا سلمنا جدلا بأن اعتذار ابن أبي قحافة كان صحيحا، فهل نسلم بأن الرجل لم يفهم كل ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص أمير المؤمنين علي عليه السلام ؟
ولو سلمنا بأنه لم يفهم منزلة علي عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي هي كمنزلة هارون من موسى باستثناء النبوة،فهل نسلم بصحة مدارك الرجل وهو يبايع عليا هو وصاحبه، بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم عند منصرفه من حجة الوداع .
وإذا سلمنا فوت ذلك عن إدراكه فهل نسلم عدم فهمه لمعنى عزله من أداء سورة براءة وإمارة الحج الأكبر.
وإذا سلمنا قصوره عن تمييز كل ذلك، فهل نسلم عدم علمه بأن عليا عليه السلام لم يكن يوما تحت قيادة أحد من الناس سوى رسول الله؟ بينما كان هو وصاحبه ومن تبعهما تحت قيادة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل، وتحت قيادة أسامة بن زيد في غزوة مؤتة التي تمردا عليها وعلى قائدها، ولم يمتثلا لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها، وتحت قيادة غيرهما ممن كانوا يفوقونهم علما وعملا ومنزلة .
وإذا سلمنا له بمنتهى القصور، فهل نسلم بعدم فهمه لحادثة سد الأبواب إلا باب علي عليه السلام ؟(58)باعتبار أن باب علي هو باب رسول الله والعكس صحيح، وما يعنيه ذلك من كونه أحد منازل هارون من موسى بمنطوق القرآن.قال تعالى:" وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين."(59)

لجلجات ابن الخطاب عن أمير المؤمنين علي عليه السلام
لم يكن بالرجل لوثة حتى نتهمه بالجنون، ولا كان من الذين يمسهم الجن فيصرعون على قارعة الطريق، كل ما في الأمر أن الحمق دفع بصاحبه إلى مواقف لا يحسد عليها، من بين تلك المواقف ما جاءت به،الرواية التالية :
عن ابن عباس قال: إني لأماشي عمر في سكة من سكك المدينة، يدي في يده، فقال: يابن عباس ما أظن صاحبك إلا مظلوما، فقلت في نفسي : والله لا يسبقني بها، فقلت : يا أمير المؤمنين، فاردد عليه ظلامته، فانتزع يده من يدي، ثم مر يهمهم ساعة ثم وقف، فلحقته فقال لي : يابن عباس، ما أظن القوم منعهم من صاحبك إلا أنهم استصغروه، فقلت في نفسي : هذه شر من الأولى.فقلت : والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر.(60)
رواية أخرى جاءت لتكشف عن النوايا الحقيقية التي اضطرمت في صدر الرجل:
أخرج الطبري عن ابن عباس يروي محاورة جرت بينه وبين ابن الخطاب :
قال عمر : يا ابن عباس أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد ؟ فكرهت أن أجيبه، فقالت : إن لم أكن أدري ف....يدريني .
فقال عمر:كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت.فقلت : يا... إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت.فقال: تكلم يا ابن عباس.
فقلت أما قولك يا... إختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت، فلو أن قريشا إختارت لأنفسها حيث إختار الله عز وجل لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود.وأما قولك إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهة فقال:"ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم"(61)
فقال عمر: هيهات والله يا ابن عباس، قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت كرهت أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني.
فقلت :وما هي يا ...؟ فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه.
فقال عمر: بلغني انك تقول إنما صرفوها عنا حسدا وظلما.
فقلت: أما قولك يا...ظلماً فقد تبين للجاهل والحليم، وأما قولك حسدا فإن إبليس حسد آدم ونحن ولده المحسودون. (62)

مواقف الزهراء عليها السلام من الجريمة
أول الباكين والنائحين على مآل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سيدة نساء العالمين عليه السلام، بضعة المصطفى، وحليلة أبي الحسن علي المرتضى، وابنة أم المؤمنين حقا خديجة الكبرى، وأم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، أطلقت صوتها بالنداء عندما هم المتآمرون مداهمة بيتها، واقتحامه لإخراج علي عليه السلام ومن كان معه للبيعة، لكن نداءها صمت آذان المهاجمين عنه، وعميت قلوبهم عن فهم قيمته، بعد أن سكنها هاجس السلطة والحكم،من أن يصل إليها نداء الزهراء عليها السلام واستغاثتها.
فاطمة التي يغضب الله تعالى لغضبها ويرضى لرضاها،كانت المبادرة قبل ذلك إلى استنهاض همم الأنصار، تستحثهم على الوفاء ببيعة أمير الموحدين وسيد الوصيين، التي كانوا قد أعطوها له بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم، يوم الثامن عشر من حجة الوداع.
نطقت بخطبتيها عند احتجاجها على أصحاب السقيفة، فأفحمت خصومها إلى درجة الافتراء والكذب عليها، والادعاء عليها بأنهم سمعوا من النبي صلى الله عليه وآله ما لم تسمعه، فردت عليهم : أن كتاب الله بين أيدينا، فخصمتهم به فلم يردوا بغير الإصرار على الكذب، وأنا في هذا المقام وإختصارا للمطلب أورد إحدى خطبتيها:
الحمد لله على ما انعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم، من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن ولاها، جم عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها، وأشهد أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، أنار في التفكر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيته، ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة إمتثلها.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اختاره وانتجبه قبل أن أرسله، وسماه قبل أن إجتبله، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة،وبستر الأهوال مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علما من الله تعالى بمائل الأمور، وإحاطة بحوادث الدهور، معرفة بمواقع الأمور، اتبعثه الله إتماما لأمره، عزيمة على إمضاء حكمه، وإنفاذا لمقادير حتمه، فرأى الأمم فرقا أديانها، عكفا على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله بمحمد صلى الله عليه وآله ظلمها، وكشف عن القلوب بهمها، وجلى عن الأبصار غممها، وقام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الصراط المستقيم .
ثم قبضه الله إليه قبض رافة واختيار، ورغبة وإثار، فمحمد صلى الله عليه وآله في راحة عن تعب هذه الدار، موضوعة عنه أعباء الأوزار، ومحفوفا بالملائكة الأبرار، ورضوان الرب الغفار، ومجاورة الملك الجبار، صلى الله على أبي نبيه، وأمينه على الوحي، وصفيه وخيرته من الخلق ورضيه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
وأنتم عباد الله نصب أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبلغاؤه إلى الأمم، زعيم حق له فيكم، وعهد قدمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم، كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق،والضياء اللامع، بينة بصائره، منكشفة سرائره، متجلية ظواهره، مغتبطة به أشياعه، قائد إلى الرضوان أتباعه، مؤد إلى النجاة استماعه.
به تنال حجج الله المنورة، وعزائمه المفسرة، ومحارمه المحذرة، وبيناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة، فجعل الله الإيمان تطهيرا لكم من الشرك، والصلاة تنزيها لكم من الكبر، والزكاة تزكية للنفس، ونماء للرزق، والصيام تثبيتا للإخلاص، والحج تشييدا للدين ـ والعدل تنسيقا للقلوب، وطاعتنا نظاما للملة، وإمامتنا أمانا من الفرقة، والجهاد عزا للإسلام، والصبر معونة على إستيجاب الأجر.

والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، وبر الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منماة للعدد، والقصاص حقنا للدماء، والوفاء بالنذر تعرضا للمغفرة، وتوفية المكائيل والموازين تغييرا للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، واجتناب القذف حجابا عن اللعنة، وترك السرقة إيجابا للعفة، وحرم الشرك إخلاصا له بالربوبية" فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون "وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه " إنما يخشى الله من عباده العلماء"
أيها الناس أنا فاطمة وأبي محمد صلى الله عليه وآله،أقولها حقا عودا وبدأ، ولا أقول ما أقول غلطا، ولا افعل ما أفعل شططا " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم "فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، ولنعم المعزي إليه، فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة، مائلا عن مدرجة المشركين، ضاربا بأثبجهم آخذا بأكظامهم، داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يكسر الأصنام، وينكت الهام،حتى انهزم الجمع وولوا الدبر، حتى تفرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقائق الشيطان، وطاح وشيظ النفاق، وانحلت عقد الكفر والشقاق.

وفهتم بكلمة الإخلاص،في نفر من البيض الخماص، وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونزهة الطامع، وقبسة العجلان،وموطئ الأقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون الورق، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله بمحمد صلى الله عليه وآله بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب " كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله" أو نجم قرن للشيطان، وفغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدودا في ذات الله، مجتهدا في أمر الله، قريبا من رسول الله، سيدا في أولياء الله، مشمرا ناصحا، مجدا كادحا، وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر، وتتكفون الأخبار، وتنكصون عند النزال، وتفرون من القتال، فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهرت فيكم حسكة النفاق، وأسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعزة فيه ملاحظين، ثم استنهظكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمكم غير إبلكم، ووردتم غير مشربكم، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر، إبتدارا زعمتم خوف الفتنة" ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين" فهيهات منكم، وكيف بكم؟ وأنى تؤفكون؟، وكتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة، قد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تدبرون؟ أم بغيره تحكمون؟ بئس للظالمين بدلا، "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها، ويسلس قيادها، ثم أخذتم تورون وقدتها، وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهماد سنن النبي الصفي، تسرون حسوا في ارتغاء، وتمشون لأهله وولده في الخمر والضراء، ونصبر منكم على مثل حز المدى، ووخز السنان في الحشا.
وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا "أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" أفلا تعلمون، بلى قد تجلى لكم كالشمس الضاحية، أني ابنته، أيها المسلمون أأغلب على إرثيه؟
يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ قد جئت شيئا فريا، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إ يقول:" وورث سليمان داود " وقال فيما اقتص من خبر يحي بن زكريا عليه السلام إذ قال:" فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب." وقال:" وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله." وقال:" ويوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين." وقال:" إن ترك خير الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين."
وزعمتم أن لا حظوة لي، ولا إرث من أبي، ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج أبي صلى الله عليه وآله منها، أم هل تقولون إنا أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد صلى الله عليه وآله، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون"ولكل نبإ مستقر فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم.(63)

لم تقف سيدة نساء العالمين من الانقلابيين موقف المتفرج، فهي التي أقامت بمعية زوجها الحجة على الأنصار، وطالبت حقها في نحلة فدك وميراث أبيها فردت من المسجد بعدما علت حجتها على حجة الغاصبين، وباء أعداءها بالكذب والظلم طول الدهر، وهي التي تصدت لحملة اخرج أمير المؤمنين عليه السلام وإجباره بالإكراه على البيعة، فضربت ووجئ بطنها فأسقطت محسنا، ومرضت من ذلك فلزمت فراشها حتى مات شهيدة مظلومة، وهي التي بقيت غاضبة على غاصبي الحكم وأتباعهما على ذلك إلى أن ماتت، فمن برأيك أيها المنصف الرشيد بايعت الزهراء عليها السلام ؟ وهي التي مضت حسب الظاهر بدون بيعة ؟ فهل تراها تموت ميتة جاهلية وهي سيدة نساء العالمين؟ أم إنها بايعت زوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ومضت إلى بارئها على يقين من أمرها بارة وفية طيبة طاهرة نقية، تلك التي قرن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضبها من غضب الله تعالى، وكيف لا تكون كذلك وهي التي اصطفاها الله تعالى في آية التطهير، فقال:" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا." (64)
وبقيت فاطمة الزهراء شخصية وموقفا وموتا ودفنا علامة في سماء الإمامة الإلهية الحقة، وأثرا ودلالة إلى من يروم النهج القويم والصراط المستقيم، فسلام على المظلومة الشهيدة المدفونة سرا وليلا والمعفى قبرها .
سعد بن عبادة واحد من أولئك الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة، وكان موجودا في بعث الحج وفي بيعة الغدير المباركة، وكان ممن بايع طائعا غير مكره، مختارا وليس مخاتلا، لكنه تصرف في السقيفة بعجلة ودون تفكير وروية، هاله أن يرى عددا من المهاجرين يتآمرون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى حكومته فخشي إن افلح المتآمرون في مسك زمام الحكم بعد النبي وصرفه عن أصحابه أن تخرج الجاهلية من قبرها فيتنازع الفريقان، ويعصبون دماء بعضهم ببعض، فأراد أن يقطع الطريق عن المتآمرين بانقلاب آخر صاغه في آخر لحظة ليسحب البساط من تحت أرجل عصابة المهاجرين، لكنه لم يقرأ حسابا لغيرة الحيين الأوس والخزرج من أن يتآمر أحد من أبناء هذا الحي على الآخر، ومن ذلك الوهن دخل المتآمرون ليسقطوا حسابات سعد بن عبادة في الماء، ويهددوه بالقتل
الرواية:الجوهري بإسناده في كتابه "السقيفة" قال: إن النبي صلى الله عليه وآله لما قبض، اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، فقالوا : إن رسول الله قد قبض، فقال سعد بن عبادة لابنه قيس، أو لبعض بنيه، : إني أستطيع كأن أسمع الناس كلامي لمرضي، ولكن تلق مني فأسمعهم، فكان سعد يتكلم ويستمع ابنه ويرفع به صوته ليسمع قومه، فكان من قوله بعد حمد الله والثناء عليه أن قال: إن لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله صلى الله عليه وآله لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمان وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا القليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله ولا يعزوا دينه، ولا يدفعوا عنه عداه،حتى أراد الله بكم خير الفضيلة، وساق إليكم الكرامة وخصكم بدينه ورزقكم الإيمان به وبرسوله، والإعزاز لدينه والجهاد لأعدائه، فكنتم اشد الناس على من تخلف عنه منكم، وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقاموا لأمر الله طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا حتى أنجز الله لنبيكم الوعد، ودانت لأسيافكم العرب، ثم توفاه الله تعالى وهو عنكم راض، وبكم قرير عين، فشدوا أيديكم بهذا الأمر، فإنكم أحق الناس وأولاهم به.
فأجابوا جميعا : أن وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما أمرت، نوليك هذا الأمر، فأنت لنا مقنع، ولصالح المؤمنين رضا. (65)
وبلغ الأمر إلى أصحاب المؤامرة في صرف الحكومة عن أصحابها فهرع رؤوسهم (ابن أبي قحافة، وابن الخطاب وابن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ) إلى السقيفة في محاولة لقلب الأمور إلى صالحهم، فثمرة الحكم ينعت ولحظة قطفها قد لاحت، ولا حائل يحول دون ذلك في غياب علي عليه السلام وبني هاشم والخيرة من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الروايات التي أخرجها ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج لأبي بكر بن أبي شيبة لا توحي بحقيقة ما وقع لأن الرجل على ما أخبر عنه الذهبي في ميزانه ترجمة 10016 ثبت في القراءة لكنه في الحديث يغلط ويهم، ضعفه ابن النميروقال أبو نعيم لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطا، وكان يحي بن سعيد لا يعبأ به، وقال أحمد كثير الغلط جدا (66)
قال أبو بكر بن أبي شيبة: لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير، قال عمر : أيها الناس أيكم يطيب نفسا أن يقدم قدمين قدمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، رضيك الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا.
ويخرج ابن أبي الحديد عن نفس ابن عياش خلاف ذلك فيقول: اخذ أبو بكر بيد عمر ويد رجل من المهاجرين - يرونه أبا عبيدة - حتى انطلقوا إلى الأنصار وقد اجتمعوا عند سعد في سقيفة بني ساعدة، فقال عمر، قلت لأبي بكر دعني أتكلم وخشيت جد أبي بكر - وكان ذا جد - فقال أبو بكر: لا بل أنا أتكلم، فما هو والله إلا أن انتهينا إليهم، فما كان في نفسي شيء أريد أن أقوله إلا أتى أبو بكر عليه، فقال لهم : يا معشر الأنصار، ما ينكر حقكم مسلم، وإنا والله ما أصبنا خيرا قط إلا شركتمونا فيه، لقد آويتم ونصرتم، وآزرتم وواسيتم، ولكن قد علمتم أن العرب لا تقر ولا تطيع إلا لامرئ من قريش، هم رهط النبي صلى الله عليه وسلم، أوسط العرب وشيجة رحم وأوسط الناس دارا، وأعرب الناس السنا، واصبح الناس وجها، وقد عرفتم بلاء ابن الخطاب في الإسلام وقدمه، هلم فلنبايعه، قال عمر : بل إياك نبايع، قال عمر: فكنت أول الناس مد يده إلى أبي بكر فبايعته إلا رجلا من الأنصار أدخل يده بين يدي ويد أبي بكر فبايعه قبلي، ووطئ الناس فراش سعد فقيل: قتلتم سعدا، فقال عمر :قتل الله سعدا، فوثب رجل من الأنصار وقال : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، فأخذ ووطئ في بطنه ودسوا في فيه التراب. (67)
وحمل سعد بن عبادة وهو مريض إلى منزله، فامتنع عن البيعة في ذلك اليوم وفيما بعده، وأراد عمر أن يكرهه عليها، فأشير عليه ألا يفعل، وانه لا يبايع حتى يقتل، وأنه لا يقتل حتى يقتل أهله، ولا يقتل أهله حتى يقتل الخزرج، وإن حوربت الخزرج كانت الأوس معها .وفسد الأمر فتركوه، فكان لا يصلي بصلاتهم ولا يجمع بجماعتهم ولا يقضي بقضائهم، ولو وجد أعوانا لضاربهم، فلم يزل كذلك حتى مات أبو بكر، ثم لقي عمر في خلافته، وهو على فرس وعمر على بعير، فقال له : هيهات يا سعد، فقال سعد: هيهات يا عمر، فقال : أنت صاحب من أنت صاحبه ؟ قال : نعم أنا ذاك، ثم قال لعمر: والله ما جاورني أحد هو أبغض إلى جوارا منك، قال عمر:فإنه من كره جوار رجل انتقل عنه، فقال سعد: إني لأرجو أن أخليها لك عاجلا إلى جوار من هو أحب إلى جوارا منك ومن أصحابك، فلم يلبث سعد بعد ذلك إلا قليلا حتى خرج إلى الشام فمات بحوران ولم يبايع لأحد. (68)
لم يرض سعد بن عبادة بالانقلاب الذي حصل على راس هرم السلطة، ورغم مرضه الذي كان حائلا دون تحركه، فقد أعلن باعتباره زعيما للخزرج عن مقاطعته هو وقبيلته لدائرة الحكم الجديدة، فلم يعد ير في المجالس ولا المسجد، حتى فارق الجمعة والجماعة، معبرا عن اسفه وسخطه من الوضع الجديد .
لكن الانقلابيين لم يتركوه لحاله فاجتهدوا في ثنيه عن قراره، فلم يفلحوا وظهر من عزم ابن الخطاب أن يقتل الرجل إن لم يبايع، لكن أهل المشورة منهم حذروا من مغبة القيام بقتل سعد بين قومه، والتجئوا إلى وسيلة خبيثة للتضييق عليه واستفزازه، فنجحوا في أن يجلوه من المدينة، بعدما ضيقوا عليه الخناق وحوصر في بيته بعد أن ملئوا عليه طريقه أذى،وخارجها تمكنوا من قتله بعيدا عن الأنظار، وجاءوا برواية تقول إن الجن هي التي قتلته لأنه بال في الصحراء قائما، ورووا بيتين من الشعر نسبوهما إلى الجن، قال من سمعها انه سمع الصوت ولم ير القائل:

قد قتلنا سيد الخزرج ***** ســــعد بـن عـــــبادة
فــــرميناه بـــــسهمين ***** فـــــلم نخط فــــــؤاده

وسبق أصحاب خط السقيفة رجحان احتمال أن الجن هي التي قتلت سعدا، بينما أخروا الاحتمال الثاني والذي هو الراجح وهو أن أمير الشام يومئذ أكمن له من رماه ليلا وهو خارج إلى الصحراء بسهمين فقتله لخروجه عن طاعة الخليفة، وقد قيل في ذلك شعرا، ردا على الذين روجوا قتله من قـبل الجن، وتبرئتهم من دم سعد كما برئ الذئب من دم يوسف عليه السلام:

يــــقولون شـــكت الجن قلبــه ***** ألا ربما صححت ذنـــــبك بالعذر
وما ذنــب ســعد أنـه بال قائمـا ***** ولكن ســعدا لـــــم يبايع أبا بكر
وقد صبرت عن لذة العيش أنفس ***** وما صبرت عــن لذة النهي والأمر(69)

ظاهرة القتل الانتقامي والتصفية سواء كان سياسيا أم قبليا، كانت رائجة في الجاهلية وفي العصر الإسلامي، وكان ذلك يتم في منتهى السرية والخفاء، وقد تختفي جثة القتيل فيراج أن الجن خطفته فلم يعد، وينتهي الأمر، ويقفل الملف على تلك القناعة، أما إذا ما قتل على عجل وترك على قارعة الطريق مثل سعد بن عبادة رضوان الله تعالى عليه فإن الصيغة تكون غير الخطف، فتنسب الجريمة إلى الجن، ليذهب دمه هدرا ولا يطالب به أحد من قبيلته.
قد يكون الأمر في منتهى السذاجة، لكن ذلك هو الواقع المملى الذي روجته كتب التاريخ غير متحرجة في ذلك الإيراد.
بلال الحبشي هو أيضا أحد الباكين والنائحين لم تسعه المدينة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد الذي حصل من انقلاب على علي وأهل بيته عليهم السلام، فخرج يريد مكانا آخر بعيدا عن أجواء التنكر لأولياء النعمة، لكنه لم يعترض طريقه إنس ولا جن، ولا أصابوه بأذى لسبب بسيط، وهو عدم إفصاحه عن سبب خروجه، ولو علموا منه ذلك لما أعيتهم حيلة في قتله .
جاء في كتاب أصفياء أمير المؤمنين عليه السلام عن عبد الله بن الحسن أن بلال أبى أن يبايع أبا بكر وأن عمر جاء وأخذ بتلابيبه، فقال : يا بلال إن هذا جزاء أبي بكر منك أعتقك فلا تجيء تبايعه؟ فقال: إن كان أبو بكر أعتقني لله ليدعني له وان كان اعتقني لغير ذلك فها أنا ذا، وأما بيعته فما كنت أبايع أحدا لم يستخلفه رسول الله وان بيعة ابن عمه يوم الغدير في أعناقنا إلى يوم القيامة فأينا يستطيع أن يبايع على مولاه، فقال له عمر لا أم لك لا تقيم معنا، فارتحل إلى الشام وتوفي بدمشق عام الطاعون ودفن بباب الصغير، وله شعر في هذا المعنى:

بالله لا بأبي بكر نجوت ولـولا ***** الله قـامت على أصال الـضبع
الله بــــــوأني خيرا وأكرمني ***** وإنما الخير عند الله مــــــتبع
لا تـــــلقيني تبوعا كــل مبتدع ***** فلست مبتدعا مثل الذي ابتدعوا(70)

قد لا يدرك الذين قالوا بأن الله تعالى ورسوله قد أهملا مسألة الحكومة بعد إنتهاء عصر النبوة، وتركا أمرها شورى بين المسلمين، خطورة وجسامة أقوالهم،لأننا وقفنا على بطلان نظرية الشورى لعدم إعتماد من تعلل بها عليها أصلا، فلا السقيفة كانت مجسدة لحقيقة الشورى وأهل الحل والعقد من بني هاشم ومواليهم غائبون عن موقع الأحداث، لم يغيبهم تقاعس ولا تكاسل، فعهدهم دائما المبادرة والسرعة في إرضاء الله تعالى، وكانوا يعرفون بالنجدة والكرم والسخاء والعفو،وذوي مكانة رفيعة في قومهم قبل الإسلام وبعده، لم يشغلهم عن تنازع الناس غير أداء حق النبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، من تجهيز وصلاة ودفن ولولا ذلك الواجب المقدس لما استطاع المتخلفون عن الالتحاق بجيش أسامة من أن يفعلوا شيئا.
ولا البيعة التي تمت على عجل وبطرق مختلفة، ولا النص الذي ختم به الخليفة الأول وصيته على تعيين الخليفة الثاني، ولا تحسر الثاني على فقد صاحبي السقيفة الثالث عامر بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة الرابع اللذان ماتا قبله، ولا إختيار الثاني للستة الذين زعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد مات وهو عنهم راض،ولا ميل الصهر عبد الرحمان بن عوف لصهره واختياره بطريقة مخادعة وماكرة ليس لله تعالى فيها رضى،سرعان ما تبرا منها ودعا إلى إقالته منها، وهو ما يؤكد أن ذلك كله كان إمتدادا لمخطط صرف الحكومة عن علي عليه السلام .
إن بين أيدي المسلمين اليوم خطان يتمظهران بمظهر الإسلام ويرفعان شعاره، ويسعيان كل على حدة إلى تطبيق متعلقاته، خط السقيفة وفصل الدين عن الحياة والحكومة بالخصوص، وخط الإمامة وهو خط النص على من سيلي الأمر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الخط الأول ورغم هالة الدعاية والتضخيم التي أحيطت به باعتباره يمثل جانب السلط التي تعاقبت على رقاب المسلمين، فإن الجانب المظلم فيه يبقى الظلم والاستبداد والتعدي على حرمات المؤمنين ردحا طويلا من الدهر، لأنه لا ما يسمى بالخلافة الأموية ولا العباسية ولا المماليك استطاعت أن تعطي انطباعا حسنا يتفق والقيم التي ألزم بها هؤلاء الحكام أنفسهم نظريا، وخرجوا وحادوا عنها عمليا، حتى الفتوحات التي تمت في تلك العهود كانت من صنع القوة المفرطة والغلبة التي لا علاقة للدين بها، لأن القيادة عندما تنحرف عن القيم الإسلامية لا يمكنها أن تنتج خيرا له علاقة بتلك القيم، أو يستند إلى أساس من تلك الأسس التي دعا إليها النبي العظم صلى الله عليه وآله و سلم.
بخل علينا التاريخ بأسماء كل الذين لم يبايعوا ابن أبي قحافة، مثلما بخل عن ذكر المنافقين لكنه في الحالتين قد خدم جانب الذين وقفوا في وجه النبوة الإمامة الإلهيتين بما تمثلانه من عناصر إرشاد وهداية، وإقامة للحق والعدل المتمثلين في أحكام الله تعالى الصحيحة الخالية من اللبس والتحريف، ومع ذلك يبقى لمن يمم وجهه إلى استكشاف المخفي بسبب الميل للدنيا والهوى لأتباعها، مجال لإدراك الحقيقة خاصة إذا ما نزع عنه رداء التعصب وألقى من على ظهره ركام الموروث ليتبين حمله، ويستجلي حقيقة ما حمل.

الآن وبعد أن أفضينا إلى الخاتمة، وسقنا للقارئ الكريم غيض من فيض أحداث ما كان لها أن تكون بذلك الإهمال المتعمد، ولا ترك أمرها إلى رواة تراوحوا بين وضاع ومجهول وضعيف، أتوجه بالأسئلة لمن تابع معي هذه الإشارات، ووصل إلى حيث انتهيت، يحدوني أمل في صدقه وعلو همته، وعزمه على معرفة حقيقة طالما غيبها الظالمون، ووضعوا عليها حواجز، وحجروا من الاقتراب منها، واصفين إياها بالفتنة النائمة، لاعنين من أيقضها،وإذا كان ابن الخطاب على أن يكسر ذلك الباب (71 )، فنحن أحرص على معرفة ما وراءه
ما عذر هؤلاء الذين يتعبدون لله تعالى بالوهم ويتجنبون الحقيقة وبمعنى آخر لماذا يتألف المسلمون كل الصحابة بما حوته صنوفهم من بر وفاجر ومؤمن ومنافق، وسليم وفي قلبه مرض، ولا يتألوفون أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم بناة الدين وحماته، وأعلام الهدى ودعاته؟ولماذا تقدم الأحلام على الواقع وبمعنى آخر لماذا نقع في مستنقع الماء الأجاج وما إشتمله من بهتان وكذب، كلما شرب منه العطشان كلما إزداد ضمأ،ونترك الماء الفرات الذي إذا شربت منه ازددت يقينا ؟ ألا يستعمل المسلم عقله ليميز بين النص الصحيح الثابت وبين المفترى؟ لماذا يتعامى الناس عن مبدإ الاصطفاء الإلهي ويستميتون على مبدإ الشورى رغم انه لم يعمل به إلا في رجوع الناس لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فكانت بيعته البيعة الوحيدة التي كانت عامة وتحت ضغط المسلمين ؟ أليس في الدين الخاتم ما يشير إلى أن الاصطفاء الإلهي موجود في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم؟

حتى وإن سبقت حكومة علي فإنهم سيحاربونه
تذكرت منذ زمن بعيد، وتحديدا في أواسط الثمانينات، أنني تجاذبت أطراف الحديث مع الدكتور احميدة النيفر الوجه الإسلامي الكبير والمعروف، المحاضر الجامعي وصاحب مجلة 15/21 التي كانت مبادرة المثقفين الإسلاميين التقدميين من أجل استقراء جديد للتراث الإسلامي، في مقابل أولئك الذين حشروا أنفسهم في مضيق التبعية العمياء، فتعبدوا بنصوص عديدة وسمها عدد من العلماء بالموضوعة .
يومها قال لي الدكتور النيفر جازما بعد ما تناولنا مسألة الحكومة في الإسلام شرائط وأولوية، مؤكدا على أن غياب الوعي من عموم أفراد المجتمع الإسلامي هو الذي أثر سلبا على منظومة الحكم الإسلامي فهما واستيعابا وتطبيقا، وقال: حتى لو افترضنا أن عليا نصب بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن أعلن عليه الحرب بدعوى الانتصاف لدم عثمان، سيجدون مبررا آخر لإعلان الحرب عليه، لأن القوم محاطون بدهاة العرب وذئابها.
وعدت إلى نفسي فوجدت أن الكلام الذي أشار إليه الدكتور صحيح خاصة إذا ما أمعنا النظر في تفاصيل بعض الروايات التي، أقحمت زوجات النبي صلى الله عليه وآله في الصراع على السلطة، فما هو نفوذ عائشة وحفصة المعنيتان بأمر إرجاع جيش أسامة ؟ وهل كلفهن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بإلغاء إنفاذ الجيش وهو الحريص عليه حرصا لا مثيل له؟ وكيف يمكن أن يقبل أسامة وجيشه بالرجوع إلى المدينة من مجرد طلب ليس له أساس شرعي يستند إليه؟
قدرتهن تلك على عدم إنفاذ الجيش وتعطيله في كل مرة بدعايتهن أن النبي صلى الله عليه وآله يموت، تستطيع ترويض ذلك الجيش ليحاربن به عليا عليه السلام، طالما أن بغضه قد سكن في قلبيهن وقلبي أبويهن وأتباعهما.

ما هو تكليفنا؟
ويأتي بعد بكاء ونواح أصحاب تلك العصور، بكاء ونواح أصحاب هذا العصر وان قلوا في عددهم، لنه لا يحمل هم هذه الأمة إلا الواعون منها، وهم قليل دائما وأبدا، ولئن بكى الأولون وناحوا لأمر واحد، وهو فوت الحكومة من أهلها وضياعها من أصحابها، فإننا اليوم نبكي إن صح التعبير فوق ذلك الفوت على عدة أمور:
- تحير الأمة في وجهتها الصحيحة بخصوص الحكومة الإسلامية ما هو شكلها وخصائصها وتركيبتها وكيف تتم ؟ فنحن نعيش اليوم وسط مختبر من الأفكار المتناقضة تبعا لانتهاء كل فريق.
- حالة الاختلاف التي لا زالت تلازم السنة النبوية والأمة من ورائها بسبب كثرة الموضوعات فيها، والتي نادى علماء الأمة من الشيعة إلى تصحيحها، وبقي غيرهم يتعبد بها أو في أفضل الحالات ساكتا عنها.
- التقدم الحاصل في أمم لا تفوقنا في شيء، وجعلنا نكون تبعا لهم على جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل وأصبحنا موالي لهم، ونحسب في الجغرافيا السياسية تبعا لهذه القوة أو تلك، بحيث انفرط زمام أمرنا ليتحول في أيديهم، وتتحول بلادنا إلى سوق لمصانعهم الكبرى، وساحة لتصريف منتجاتها بالسعر الذي تحدده تلك القوة ويكون لعملائها المنصبين في تلك الدول التابعة نصيب .
لئن استغفل أجدادنا فيما مضى، وطويت صحافهم بلا ولاية، بعد أن عاشوا حياتهم محرومين من مسألة الحكومة الإسلامية التي أرادها الباري تعالى نظاما لوجود الإنسان في الأرض، وخرجوا من هذه الحياة دون نظر ولا تطبيق لمسألة عبادية هي الأهم على الإطلاق، لتوقف بقية المسائل عليها .
فإني أرى أنه يجب علينا كمسلمين موحدين مؤمنين بكمال الدين وتمامه، وعالميته وحتمية حكومته طال الزمان أم قصر، أن ننهض من أجل إعادة الاعتبار لهذا الركن الأساس، والعمل على غرسه في العقول الواعية في الأمة الإسلامية، فالمسألة أكبر وأشد من التعامل معها ببرود أو عدم اكتراث، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار قوله صلى الله عليه وآله وسلم :"من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية."
والذي يتفق مع قوله أيضا :" من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية."(72)
والذي هو معرف لمن تكون البيعة، ومن دون معرفة الإمام المفترض الطاعة، ولي أمور المسلمين، تقصر البيعة عن صاحبها، فير تحل عن الدنيا بلا بيعة، أو يعطي صفقة دينه وثمرة طاعته إلى إمام بلا هداية، فيكون بذلك قد خسر الدنيا والآخرة.
ولا شك أن الأئمة الذين تحدث عنهم القرآن الكريم، باعتبارهم حلقة الوصل بين زمن الرسل وما يليه، قد ذكرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث بتره أعداء خط الإمامة، فأسقطوا منه أسماء الأئمة الذين نص عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يخرجوا غير عدد الأئمة وكونهم من قريش فقط،، فقال : سيكون عليكم اثنا عشر خليفة..كلهم من قريش."

وبتتبعي لأحاديث الإمارة التي أخرجها مسلم،أحد الكتب المعتمدة لدى خط السقيفة،عثرت على حديث يحمل بين طياته فكا لطلاسم مسألة أطنب في دفعها أعداء خط الإمامة، تتعلق بأن النبي صلى الله عليه وآله
لم يكن القصد منه في ذكره للوفاء بالبيعة متجها إلى غير الأئمة الأطهار الإثني عشر من أهل بيته عليهم السلام،والذين قال عنهم :"سيكون خلفاء فيكثروا ." قالوا فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال:" فوا ببيعة الأول فالأول."(73)
ومن وجبت طاعته على سبيل الإطلاق لا التقييد كان بالضرورة معصوما، لأن الله تعالى لا يوجب غير ذلك وإلا اجتمع الضدان وهو مما لا يجوز على الله تعالى.
وطالما أن الله تعالى قال في كتابه العزيز:" يوم ندعوا كل أناس بإمامهم." (74)
ومسالة من الأفضل لقيادة الأمة تقاس بعد النصوص الصحيحة، من جانب آخر وهو ماذا ترك هذا، وماذا ترك ذاك؟
فعلي عليه السلام ترك للأمة علما غزيرا ولو وجد له أوعية لكان أغزر، ولو لم يتتبعه الظالمون لكان أكبر، انظروا إلى كلامه المجموع في كتاب نهج البلاغة، وهي مجموعة خطب وحكم لا تخلو من علم وحكمة وبلاغة، وانظروا إلى أدعيته كدعاء كميل ودعاء الصباح، فحتما ستجدون الفرق بين علي عليه السلام وبين غاصبين سلطانه كالفرق بين السماء والأرض إن كانت لهؤلاء ارض تكون لهم مستوى وقرار، إلا أن الحضيض هو اقرب.
وعلي كان في عصر الغاصبين المنقذ والمقوم والمصلح والراعي حقيقة لمصلحة الدين والأمة، بينما عجز الغاصبون على أبسط المسائل، ما دعا بالغاصب الثاني إلى الاعتراف بفضله، فقال في اكثر من مرة لولا علي لهلك عمر...لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن...لولاك لأفتضحنا.
من يسمح لنفسه بان يقف أمام علي عليه السلام وهو نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنطوق القرآن، من الدعي الذي يفعل ذلك، فليتقدم، وإننا قد أشرنا إلى بعض مكانة صاحبنا أمير المؤمنين حقا وصدقا، فماذا أنتم مقدمون عن صاحبكم؟
إن ما أدرجناه في إطار موضوعنا هذا، يحتم عليك أيها القارئ المسلم،أن تبحث لنفسك من بين الحقائق القرآنية والنبوية،عن حقيقة الحكومة الإسلامية ووجوبها،لتكون على بينة من أمرك، ويكتمل دينك وتتم عناصره، فتتجنب الميتة الجاهلية التي لا تزال تحصد الناس إلى الآن، والعاقبة للمتقين، ولا أقول لك اتبع خط أهل البيت عليهم السلام الذي أراه يمثل الإسلام المحمدي الصحيح بكل تفاصيله وأبعاده، فتجربتي بين يديك، تستطيع أن تقتبس منها، أو تنسج على منوالها، لتصل إلى القناعة التي وصلت إليها، دون مؤثر يدفعك عن الحق، واضعا نصب عينيك أنك ستحاسب حسابين، حساب وحدك ويتعلق بعباداتك العينية، وحساب مع جيلك الذي تعيش بينه ويتعلق بعباداتك الكفائية. والله تعالى الموفق لكل خير.

1 - سورة الأنعام الآية 38
2 - سورة النحل الآية89
3 - سورة المائدة الآية 3
4 - سورة الأنعام 57
5 - سورة الأنعام 62
6 - سورة المائدة 48/49/50
7 - أخرجه الشيخان وأصحاب التواريخ والسير
8 - خطبة في شجاعته وفضله نهج البلاغة الدكتور صبحي الصالح ص376/377
9 - سورة الشعراء 215
10 - حديث الدر يوجد في :تفسير الطبري الآية - مسند أحمد ج1ص111 كنز العمال ج6ص397 تاريخ الطبري ج2ص217 الكامل لابن الأثير ج2ص24 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج3ص263 الطبعة القديمة(أربعة مجلدات)
11 - حديث المنزلة يوجد في : ما يسمى بصحيح البخاري ج3ص54 ومسلم ج7ص119 باب فضائل الإمام علي عليه السلام تاريخ الخلفاء للسيوطيص65 خصائص النسائي ص3
12 - حديث الثقلين يوجد في:مسلم باب فضائل أهل البيت عليهم السلام من كتاب الفضائل ج7ص119
13 - حديث الولاية يوجد في : النسائي في خصائص ص166 الطبراني في الكبير وابن مندة وأبو نعيم وابن الأثير في أسد الغابة والسيوطي في جمع الجوامع والمتقي الهندي في كنز العمال وابن عساكر في ج1ص400/467تاريخ دمشق
14 - سورة المائدة الآية67
15 - حديث الغدير يوجد في: الصواعق لابن حجر الشبهة الحادية عشر ص25، مستدرك الحاكم ج3ص109، كنز العمال ج6 ص290 وص390 وص397 وص403، ومسند احمد ج1 مسند علي ص119 وج 4منه ص370و372 و381، خصائص النسائي ص15و16 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد عبد الله شبر ج1ص275
17 - سورة المائدة الآية 3
18 - الطبقات الكبرى لابن سعدج2ص190 -الكامل لابن الأثير ج2ص317 -السيرة الحلبية ج3ص207- - أنساب الأشراف ج 1ص 474نقل ابن أبي الحديد المعتزلي
19 - شرح نهج البلاغة ج1ص159/160
20 - سورة آل عمران الآية 144
21 - سورة الشورى الآية 23
22 - سورة آل عمران الآية 31
23 - سورة الأحزاب الآية 58
24 - رزية الخميس أخرجها كل الحفاظ باختلاف في اللفظ، والاختلاف ناشئ من تحريف كلام عمر وتليينه بحيث تخفف لهجته ليصبح كلاما شبه عادي في نظر عباد ذلك الرجل وأوليائه.
25 - البخاري ما يسمى بصحيحه، كتاب الجهاد والسير،باب جوائز الوفد، وفي باب العلم، وباب قول المريض قوموا عني، وكراهة الخلاف من باب الاعتصام بالكتاب والسنة، ورواه مسلم في آخر كتاب الوصية، مسند احمد ج1ص355 تاريخ ابن الأثير ج2ص133 السيرة الحلبية ج3ص371
26 - سورة الحج الآية3
27 - سورة الحشر الآية 7
28 - سورة النور الآية 63
29 - سورة النساء الآية 115
30 - سورة الأحزاب الآية 36
31 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد
32 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص38
33 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص399
34 - سورة التوبة الآية 26
35 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص23/24
36 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1ص219/220
37 - كتاب سليم بن قيس الهلالي ص141/142
38 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج2ص22
39 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج2ص25
40 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص41
41 - الدرجات الرفيعة ص394
42 - حكم أمير المؤمنين الصغيرة رقم 272من نهج البلاغة
43 - حديث الاثني عشر خليفة أو إماما أخرجه كل الحفاظ، منهم مسلم في أول كتاب الإمارة ج2ص79،أحمد بن حنبل في مسنده ج1ص398 و406 وج 2ص 29، البخاري في أول كتاب الأحكام، باب الأمراء من قريش ج4ص144 وفي آخر كتاب الأحكام ص153 ابن حجر في صواعقه الفصل الثالث من الباب الاولص12 كنز العمال للمتقي الهندي ج6ص160، والجمع بين الصحيحين، وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم...
44 - نهج البلاغة الخطبة 66 ص103 صبحي الصالح
45 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص11/12
46 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص12
47 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص14
48 - سورة الأعراف الآية150
49 - سورة هود الآية 80
50 - نهج البلاغة صبحي الصالح الخطبة الثالثة ص35/38
51 - جمع الجوامع للسيوطي كما في كنز العمال ج 6ص 403نقلا عن المعجم الأوسط للطبراني ج2ص576ح1987- مسند احمد ج1ص142 ح672 -مجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص 106ابن كثير في البداية والنهاية ج7ص384 ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري ص67 والرياض النضرة ج3ص114
52 - الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص315 المحب الطبري في الرياض النضرةج3ص113 تاريخ ابن كثير-البداية والنهاية- ج5ص231 مجمع الزوائد للهيثمي ج9ص104 المعجم الكبير للطبراني ج4ص173 ح4053
53 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص33
54 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص34/35
55 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص35/36
56 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد
57 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج2ص46/47
58 - حادثة وحديث سد الأبواب إلا باب علي عليه السلام توجد في :
59 - سورة يونس الآية 87
60 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 6ص 45
61 - سورة محمد الآية9
62 - تاريخ الطبري ج4ص223 الفصول المهمة ص 111 الهامش
63 - اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء
64 - سورة الأحزاب الآية 33
65 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6 ص5/6
66 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص499/500
67 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6ص39/40
68 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج5ص10/11
69 - الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص
70 - الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص367
71 - أخرجه مسلم في باب الملاحم والفتن
72 - حديث : من مات ولم يعرف غمام زمانه مات ميتة جاهلية يوجد في :
73 - أخرجه مسلم في كتاب الإمارة
74 - سورة الإسراء الآية 71

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة