المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 20 شعبان 1426 - نعم لقد تشيعت ... وهذا هو السبب -2-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة :

نعم لقد تشيعت ... وهذا هو السبب
الحلقة الثانية

مظلومية الزهراء وأهل البيت (عليهم السلام) عناصر تشيعي

كانت إجابة أحمد... سريعة ومتحمسة ، فقد انبرى قائلا: الحمد لله تعالى الذي هداني إلى معرفة أهل ولايته ، واستنقذني من عمى الضلالة، وتيه سبل الانحراف،لقد عرفت الحقيقة ، ووقفت على صدق الدعوى التي رفعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمة الأطهار من أهل بيته عليهم السلام ، رغم محاولات الطمس التي تعرضت لها قرون عديدة، صحيح أن تضافر الأدلة التي احتج بها أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ،على أحقية الأئمة الهداة في قيادة الأمة الإسلامية، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لا تدع لمؤمن وجهة يقصدها غير أبواب الهداة الطاهرين ،التي جعلها الله تعالى قبلة وملاذا للمسلمين ، وأودع في بيوتهم العلم والحكمة ومكارم الأخلاق، ففاضت على العالمين خيرا وبركة.
كل الأدلة التي قرأتها، وتثبت في صحة مصادرها ، أقنعتني وزادتني تثبيتا ويقينا، من أن الحق هو في هذه الأمة الموالية لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلبا وقالبا ، وليس عنوانا يدعى بلا تطبيق كما يمارسه مخالفوهم، غير أن التي أراحتني مطلقا وهزت مشاعري ، وأوقفتني وحدها على الحقيقة ، هي مظلومية السيدة فاطمة الزهراء بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وما لقيته من هضم وإجحاف ونقيصة وغميزة في حقها، من طرف من كان يشاهد ويسمع ويرى ، ما كان يفعله ويقوله ويطبقه في شأنها والدها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم .
فمن تكون فاطمة الزهراء سلام الله عليها؟ وما هي خصائصها؟ وكيف ظلمت؟ ومن ظلمها؟ ولماذا ظلمت؟
لذلك يمكنني القول، بأن الزهراء سلام الله تعالى عليها، هي التي فتحت قلبي قبل عيني على الحقيقة التي تقول، بأن الإسلام المحمدي الأصيل والصافي، لا يوجد إلا عند الصفوة الطاهرة وشيعتهم ، الذين باركهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عدة أحاديث ،من بينها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا علي أنت وشيعتك الفائزون يوم القيامة". وقد نقل هذه الرواية عدد من مفسري وحفاظ المخالفين لخط أهل البيت عليهم السلام ، تسالما منهم على صحتها.
لكن قبل أن أقدم دليل استبصاري ، اسمحوا لي بالتطرق ولو بإيجاز إلى هذه الفاضلة العظيمة سلام الله تعالى عليها، وجعلنا الله من شفعائها يوم القيامة.

من هي فاطمة الزهراء عليها السلام؟
هي بضعة المصطفى أبي القاسم محمد خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، وريحانته ، ومهجته، وقلبه، وروحه التي بين جنبيه ، حسب الأحاديث التي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوصها.ولدت على أشهر الروايات في السنة الخامسة بعد البعثة ، وقد استبشر أهل السماء بولادتها قبل أهل الأرض، وتولت ذلك في مقاطعة وغياب نساء قريش عدد من نساء أهل الجنة ، أرسلهن الباري تعالى ليكونوا أنسا وخدمانا للوالدة والمولودة عليهما السلام.
أما أمها فهي السيدة خديجة بنت خويلد، تلك الفاضلة التي واست النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسها ومالها ، إلى قال فيها : " لولا مال خديجة وسيف علي لما قام للإسلام قائمة."
خديجة التي بشرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنها رابع أربعة سيدة نساء العالمين، بقيت تحت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن ماتت ولم يتزوج عليها ، بينما تزوج على غيرها تسعا، وبقيت أحب أزواجه إليه إلى أن مات صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم تنسه واحدة ممن تزوجهن بعدها ذكر خديجة وأيام خديجة سلام الله عليها.

خصائصها عليها السلام
خصائص الصديقة الطاهرة أكثر من أن تعد ، فهي كما وصفها أبوها صلى الله عليه وآله وسلم حوراء إنسية ، قلبا وقالبا ، روحا وعقلا، فهما وعلما، والشيء من مأتاه لا يستغرب كما يقولون.
ورغم كثرة تلك الخصائص، فإنني لن أطيل في هذا المقام ، لأن الجلسة لا تحتمل ذلك ، لذلك سوف أذكر بعض الخصائص الكبرى المتفق عليها عند كل الفرق الإسلامية :

الخاصية الأولى: كونها سيدة نساء العالمين
فقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في عدد من الأحاديث منها ما صرحت به عائشة قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مرحبا بابنتي ثم أجلسها عن يمينه ثم أسر إليها حديثا فبكت ثم أسر إليها حديثا فضحكت فقلت ما رأيت كاليوم أقرب فرحا من حزن فسألتها عما قال فقالت ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره فلما قبض سألتها فأخبرتني أنه قال إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين وما أراه إلا قد حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحوقا بن ونعم السلف أنا لك فبكيت فقال ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين فضحكت.
وتشترك السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في هذه الخاصية مع أمها السيدة خديجة ، لذلك فإننا نفتخر كمسلمين بأن لنا نصف سيدات نساء العالمين وأهل الجنة اللاتي عدتهن أربعة.
سيدة النساء تفيد الكمال في هذا الإطار، والسيادة لا تعني في لغتنا غير العلو والرفعة والتميز والتفوق، وقد نالت فاطمة عليها السلام السبق في كل المكارم التي يمكن للكائن الإنساني أن يصلها ، وهي زيادة على كونها بضعة من الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ، ذلك الكائن الذي تمكن من مجاراة نسق طاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطاعة الوصي إمام الأمة علي بن أبي طالب عليه السلام، فخرجت من بين القمتين المستعصيتين قمة أخرى لا تنال بلحظ ولا تدرك بعمل.
وهذا دليل آخر يمكن وضعه في خانة نسبة العصمة إلى فاطمة الزهراء عليها السلام، لأن من يشارك مريم العذراء في الاصطفاء

الخاصية الثانية: كونها أم أبيها
وقد لقبها افضل المخلوقات بهذا اللقب لأنها كنت بالفعل البنت والأم في نفس الوقت ، وقد استطاعت بحنانها الفياض أن تملأ عليه الفراغ الهائل الذي تركته زوجته وحبيبته خديجة بنت خويلد عليها السلام، ولم تستطع واحدة من نسائه التسع اللاتي تزوجهن بعدها ، من أن ينسينه في خديجة عليها السلام.مما أثار حفيظة إحداهن وهي عائشة التي امتلأ قلبها حقدا وغيرة عليها كلما رأت النبي صلى الله عليه وآله يهتم لصاحبات خديجة عليها السلام، ويفرح بهن عندما يأتينه لحاجة أو زيارة، إلى درجة وصفها بالعجوز الحمراء الشدقين ،وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ..

الخاصية الثالثة: كونها الصديقة
ولقبت بالصديقة ، لاشتراكها مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام في مقام الصدق حتى نزل فيهم قرآن يحثنا على أن نكون معهم قال تعالى :" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين."
وطالما أن الصدق صفة نسبية في الناس ، ولا يمكن إطلاقها إلا على القلة القليلة منهم ، فقد إتجه إلحاقها بمن كانت إرادتهم متطابقة دائما مع إرادة الباري تعالى، وتفسير الآية متعلق بهم .
والصديق صفة مبالغة من الصدق ، هؤلاء الذين كانوا دائما وراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم تصديقا وعملا بمقتضاه يتفق معهم هذا اللقب اتفاقا كاملا بمقايسته ببقية الخصائص ، ويختلف مع غير هؤلاء لعدم ثبوت العصمة فيهم بينما ثبتت العصمة في أهل البيت عليهم السلام بالنصوص التي في حوزتنا ، وعمليا بما لم يسجل عليهم التاريخ زلة واحدة أو غميزة تزحزحهم عنها.

الخاصية الرابعة: كونها محدثة
لقبت فاطمة عليها السلام بالمحدثة، لأن الملائكة كانت تحدثها ،وتأنس إليها في أكثر الأوقات،بل وتعينها في بعض الشؤون، وقد جاء جبريل عليه السلام بعد وفاة والدها لتعزيتها ومواساتها.

الخاصية الخامسة : كونها طاهرة
وآية التطهير التي شملتها،والتي أقرت بإذهاب رجس الشيطان عنها ، وتطهيرها تطهيرا كاملا ، دليل على كمال الزهراء عليها السلام وعصمتها.

الخاصية السادسة: كونها الكوثر
وقد لقبها الباري تعالى بالكوثر، مبشرا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، بعدما شناه العاص بن وائل والد عمرو بن العاص ، وكان معدودا من المبغضين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، معيرا إياه بالأبتر- الذي لا عقب له- بسبب أن الذي لا يخلف ولدا ذكرا ، يعتبر لا عقب له بمنظور المجتمع الجاهلي ، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك ولجأ في ذلك إلى الله تعالى ، فأنزل عليه سورة الكوثر تطييبا لخاطره وبشارة له بكون عقبه سيكون من فاطمة الزهراء عليها السلام، ولقبها بالكوثر لكثرة نسلها من الصالحين. وجاء بيانه على ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:" كل الأنبياء أبناؤهم من أصلابهم إلا أنا فأبنائي من علي ."

الخاصية السابعة: كونها الزهراء
لقبت فاطمة بالزهراء للنور الذي يزهر منها إلى عنان السماء إذا قامت في محرابها للصلاة.
وفاطمة عليها السلام ضاهت بل فاقت مريم العذراء في تهجدها وعباداتها،لذلك كساها الباري تعالى من نوره ظاهرا وباطنا، وأسبغ عليها من نعمه ومننه، حتى قرن غضبها من غضبه ، ورضاها من رضاه ، وهذا مقام لم يستطع أحد من العالمين الوصول إليه غيرها. ولا عجب في من خرجت إلى الدنيا من نور حبيب الرحمان ، وتربت بين سيد النبيين صلى الله عليه وآله وسلم، وسيدة نساء أهل الجنة عليها السلام، ملائكة مقربون يحوطون الجميع بالحفظ والعناية والتسديد،ثم انتقلت إلى بيت سيد الوصيين عليه السلام لتتولى دورها المهم في تنشئة وإعداد أنوار الأمة وهداتها عليهما السلام.

كيف ظلمت؟
مظلومية فاطمة عليها السلام ،غير خافية على المتتبع لأحداث ما بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد اقتحم عليها بابها الذي جعله الله تعالى قبلة ومقصدا للمسلمين ، وحادثة سد البواب إلا بابها من أوضح الواضحات، لا ينكره إلا جاحد ،انتهكت حرمة بيتها، ووجئ في بطنها فأسقطت محسنا، وضربت وكسر ضلعها من طرف الغاصبين للحكومة الإسلامية ، حتى كادوا يحرقون عليها بيتها بمن فيه، مع علمهم التام واليقيني بمقامها، ومكانة زوجها الرفيعة ،التي لا يشك فيها إلا منافق خبيث الولادة.
ذلك التعدي الصارخ على حرمتها، لم يكن وليد تلك اللحظة، بل أن فيه ما يشير إلى أن أضغان المعتدين كانت مضطرمة قبل ذلك بكثير، فقد كانت قولبهم تتقد حقدا، وأفئدتهم تشتعل حسدا كلما رأوا النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم مهتما بذلك البيت الطاهر، ومعتنيا بأفراده المميزين عليهم السلام، مشيرا إلى فضلهم ، ناصا على منزلتهم الرفيعة عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وآله وسلم..

لماذا ظلمت؟
أما لماذا ظلمت الزهراء سلام الله عليها ؟ وهي على تلك المنزلة الرفيعة والمكانة الخصيصة،فهل يعقل أن تنسى مكانة الزهراء عليها السلام، حتى يتعامل معها بذلك الأسلوب المخزي؟ السبب متعلق كما أشرنا بمسألة حساسة، وهي الحكومة الإسلامية ، والتي هي على ارتباط وثيق بزوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، والنصوص المشيرة إليه عديدة ، ومكانته من النبي صلى الله عليه وآله واضحة ، وتفانيه من أجل إعلاء كلمة الله تعالى لا ينكره إلا معاند ، لذلك لم تكن ردود أفعال الغاصبين تجاه أصحاب الحق إلا دليلا على أحقيتهم ، ولو لم يتعامل الغاصبون مع أهل البيت عليهم السلام بكل تلك القسوة والفضاضة لما أمكنهم أن يحافظوا على الحكم ، لأنهم يدركون جيدا من يواجهون ، ومن هو صاحب الحق في سياسة الأمة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

احتجاجها عليها السلام
لم تبق فاطمة الزهراء عليها السلام مكتوفة اليدين، بعدما تناهت إلى أسماعها أنباء استيلاء الغاصبين على الحكم ،وتجاهل حق الإمام علي عليه السلام في قيادة الأمة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فخرجت عليها السلام ليلا مع زوجها أمير المؤمنين عليه السلام، تستحث الأنصار على بيعة سيد الوصيين عليه السلام ، وتذكرهم حقه الذي خصه الوحي به ،إلا أن بيعة القوم كانت قد انعقدت للغاصبين ، وأحجم أكثر الناس عن خلع بيعتهم ، لأسباب مختلفة منها ما هو متعلق بالخوف، ومنها ما يتصل بطبيعة أولئك الممتنعين ، ومنها العامل الزمني الذي استغله الغاصبون لصالحهم على الوجه الذي ثبتت فيه أمورهم.
لذلك لجأت سلام الله تعالى عليها إلى أسلوب آخر من إقامة الحجة ، فطالبت حقها في ميراثها من أبيها صلى الله عليه وآله وسلم ، فكذب الغاصبون للحكم عليها ، وادعوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال :" نحن معشر الأنبياء لا نورث." فخطبت في الرد على تلك الفرية خطبة بليغة أفحمت فيها الظالمين ، وقصفت بهتانهم من الأساس، مستدلة في بيان أحقيتها وصحة دعواها بما اخرس نعيق الباطل فقالت في آخر كلامها:"... وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا ،أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" أفلا تعلمون ، بلى قد تجلى لكم كالشمس الضاحية ، أني ابنته ، أيها المسلمون أأغلب على إرثيه؟
يا ابن أبي قحافة ، أفي كتبا الله أن ترث أباك ولا ارث أبي ؟ قد جئت شيئا فريا ، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إ يقول:" وورث سليمان داود " وقال فيما اقتص من خبر يحي بن زكريا عليه السلام إذ قال:" فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب ." وقال:" وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله." وقال:" ويوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين." وقال:" إن ترك خير الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين."
وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج أبي صلى الله عليه وآله منها ، أم هل تقولون إنا أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي مناهل ملة واحدة؟ أم انتم اعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد صلى الله عليه وآله ، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكل نبإ مستقر فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم.
مفندة بذلك مزاعم البغاة من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث من جهة ، وأنه قد ترك وصيته لأهله وأمته من جهة أخرى،لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول المكلفين والمطبقين للأحكام النازلة عليه ،ووجوب الوصية غير خاف في هذه الآية ، وحث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على القيام بها ، جاءت به عدد من الروايات ، فلا تصح دعوى ترك الوصية عند من أطلقها ، لأنها عارية من الدليل ، وأدلة إثبات الوصية قد بلغت من القوة ما دفع بالمنكرين إلى مزيد الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ،فلم يزدهم ذلك من الله إلا بعدا.
لكن البغاة على حقها لم ينثن عزمهم،ولا فتر جهدهم في منعها حقها ، فتمسكوا بالرواية المكذوبة ، وأصروا على إنفاذها إصرارا عجيبا، ولما لم تجد منهم آذانا صاغية ، رجعت لتطلب نحلتها في فدك التي نحلها إياها والدها بعد فتح خيبر، وهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا رجال، ونزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى:"وآتي ذا القربى حقه." وأمره أن يعطي فدكا لفاطمة عليها السلام، فكانت تحت يدها على عهده صلى الله عليه وآله وسلم، فلما توفي أفتكت منها ، ولم يرجعها إلى ذريتها إلا عمر بن عبد العزيز الأموي الذي أراد الله تعالى أن يتم كشف الحقيقة على يديه ، وفضح أكذوبة ابن أبي قحافة وصاحبه وعصابتهما.
لكننا مع إثبات الزهراء عليها السلام لحجتها بالكتاب العزيز، وبقوة الدليل، نستهجن أن تترك الأمة حجة فاطمة الزهراء عليها السلام، التي أذهب الله تعالى عنها الرجس وطهرها تطهيرا ، لتستأنس بإعادة الخليفة الأموي لحقها في فدك إلى ذريتها من بعدها ، فهل قصرت شخصيتها المباركة الطاهرة حتى يلتفت إلى إثبات غيرها ،وتصديقها من ذلك الطريق،وقد نزل في خصوصها ما نزل، وقال فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما قال؟ومنذ متى كان ذلك البيت الذي ينفق من الخصاصة ، ويعطي من القلة، بعدما طلق الدنيا ثلاثا، هم أو مطمح دنيوي ؟ ألم تكن فدك في أيديهم أكثر من سنتين، ومع ذلك لم يخزنوا من نتاجها شيئا ، ولا أثر عنهم طرق وأساليب الناس في جمع الحطام؟ دأب ذلك البيت دائما الإنفاق في سبيل الله ، بطريقة لا يستطيعها غيرهم ،يعطون عطاء من لا يخشى الفقر، تارة يخرجون من أموالهم كلها ،وتارة يقاسمونها الله تعالى ، كما أثر عنهم عليهم السلام، فهم أهل آخرة لا يهمهم من الدنيا إلا مقدار ما يوصلهم إلى غايتهم، ومن هنا جاء سبب حجب حقوقهم عنهم ، لئلا يستميلوا بها سواد الناس ، وتكون لهم عونا على استرداد أحقيتهم في الحكم.
لقد مضى والدها صلى الله عليه وآله وسلم بين هؤلاء كالحلم ،فلم يفهموه ولا فهموا مقامه، إلا قليل من المؤمنين ، وقد لقي من عجرفتهم وتعنتهم واستكبارهم ما لقي، على قصر المدة التي قضاها بينهم ، فهل تراهم يقدرون ابنته عليها السلام، ويضعونها موضعها الذي تستحق؟
لم يكن شيء من ذلك ، بل لقد حصل الأسوأ ، كأنما قدر هذه الأمة أن تحذو حذو بقية الأمم في التنكر لأنبيائهم، وتحريف أحكام الشريعة، وتطويعها حسب مشيئة هذا الحاكم أو ذاك.

أهم ما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شانها:
واصل أحمد حديثه فقال: مضافا إلى كون فاطمة الزهراء من أهل البيت الذين نزلت فيهم آية التطهير، وتحديد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعدد هؤلاء كما صرحت بذلك كل من عائشة وأم سلمة ، وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلى الله عليهم وسلم . فقد صرح والدها صلى الله عليه وآله وسلم في شأنها بقوله :"يا فاطمة إن الله يرضى لرضاك ويغضب لغضبك."
وقد ماتت الصديقة شهيدة من جراء الضرر الذي لحقها من اقتحام الغاصبين لبيتها ، غاضبة على أولئك الذين تعاونوا على صرف الحكومة عن زوجها الأولى والأحق بذلك المقام. صرح بذلك عدد من الحفاظ من أتباع خط السقيفة، منهم البخاري الذي يعتبر أكثرهم تحفظا على إخراج ما يتعلق بأهل البيت عليهم السلام. ..

هل بايعت الزهراء؟
يضيف أحمد قائلا : نحن نعلم جيدا أن فاطمة الزهراء عليها السلام هي سيدة نساء العالمين ،بضعة المصطفى ، ومهجته ، وروحه التي بين جنبيه، وهي أول الناس دخولا إلى الجنة ، وان شفاعتها يوم القيامة أكبر من أن تقدر بعدد، وكما نعلم بحسب الظاهر أنها لم تبايع الغاصب الأول للحكم ، ولا حكي عنها ذلك إطلاقا،خاصة إذا ما ثبت لدينا موتها وهي غاضبة عليه وعلى أعوانه ، وأوصت زوجها عليا عليها السلام بأن لا يأذن لأحد من الغاصبين بحضور جنازتها، ووجوب البيعة أمر لا يختلف فيه اثنان ، بل لقد قرن النبي عدم البيعة بالجاهلية ، فقال: من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية." فمن بايعت الزهراء إذا؟
إلتفت إلي أحمد بوجهه الصبوح المنشرح وقال: هذه هي النقطة التي أوصلتني إلى الحقيقة ، وعند هذه الحجة ، إنقطعت حجتي في إتباع خط السقيفة ، صحيح أن الزهراء سلام الله تعالى عليها قد قطعت وجهة المتعلل في مسألة المطالبة بميراثها ونحلتها وسهمها،إلا أن مسألة بيعتها هي التي أماطت عن بصيرتي حجب الضلالة التي كنت أتخبط فيها.
واختتم أحمد كلامه قائلا: في الخير أود أن أختم كلامي بالحديث عن واجب من الواجبات الأكيدة التي أمر بها الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه فقال:" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ."
وقد أجمع المفسرون إلا من شذ ، والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه، من أن فريضة المودة هذه متعلقة بأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمودتهم تستوجب محبتهم ومحبتهم تستوجب تقديمهم ، وتقديمهم يستوجب مولاتهم ، فأين مودة هؤلاء الذين انتهكوا حرمة فاطمة الزهراء عليها السلام ، أم أنهم مستثنون من تلك المودة ؟ ولماذا أعفي عن قبرها وهي التي من المفترض أن تكون بجانب أبيها ؟ لا شك أن من خلص معدنه وصفي باطنه سيدرك المعنى جيدا ،" ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا."
لهذا وذاك أود أن أوجه ندائي إلى عامة هذه الأمة المغلوبة على أمرها والمضيعة لحقوقها والتاركة لواجباتها ، من أن يتوقفوا وقفة تأمل ، وليسألوا أنفسهم كما سألنا أنفسنا نحن: ماذا لو كان الخط الذي يسلكونه منحرفا؟ لأن الشك طريق إلى اليقين.وليبحثوا بعدها في الحجج التي ذكرتها ، وأثبتها غيري ، فغنني على يقين من أنهم سيدركون الحقيقة بكل يسر بمشيئة الباري سبحانه وتعالى ، والحمد لله أولا وأخيرا.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة