المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 3 رمضان 1426 - نعم لقد تشيعت ... وهذا هو السبب -4-
البريد الالكتروني

الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة :

نعم لقد تشيعت ... وهذا هو السبب
الحلقة الرابعة

عقيدة أهل البيت عليهم السلام في النبوة هي التي شيعتني

جاء دور عبد الرحمان... فتحدث عن السبب المباشر لإستبصاره وقال : لقد كانت عقيدة النبوة التي اعتمدها المالكية وبقية ما يسمى بأهل السنة والجماعة مختلة البناء ، لا تستقيم وحقيقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا الغاية من بعثته المباركة، وقد كنت غير مقتنع منذ الدراسة الثانوية بالتفسير الذي لقنوه لنا بالصف ،في تفسير آية:"عبس وتولى"،فقالوا لنا حسب ما ورثوه ، وبدون أدنى نظر،أن العبوس والتولي صدر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عندما جاءه ابن أم مكتوم الأعمى ، وتساءلت يومها: كيف يعقل أن يصف المولى سبحانه وتعالى نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بصاحب الخلق العظيم ،وبالرءوف الرحيم على المؤمنين، ثم يعود فيصفه بوصف مخالف لذلك الخلق، ولتك الرأفة والرحمة، بل ويضعه في نفس المقام مع عدوه الوليد بن المغيرة - والد خالد بن الوليد - عندما حكى عنه بقوله :" ثم عبس وبسر."
فيكون عيسى عليه السلام في القرآن أكثر إنسانية رحمة، بإبرائه الأعمى والأكمه والأبرص وإحيائه الموتى، من النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم . وباعتبار أنني لم أجد بين يدي تفسيرا آخر يقدم البديل الصحيح ، بقيت في هذه النقطة على شك من صحة نسبتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .

ومرت الأيام وكبرت معها ، وازداد عقلي رجوحا ، وفكري تيقظا وفطنة ، وزاد ت لهفتي على الكتاب والمطالعة بعد إنهائي للدراسة، فكانت المكتبات العامة والخاصة أماكن تواجدي المفضلة ، مستأنسا بمؤلفات الذين تركوا أثرهم في الحياة الدنيا ورحلوا عنا ، منهم من كان متيقنا انه قدم شيئا لله تعالى وللبشرية ، ومنهم من لم يكن على يقين من أمره كجل الذين كانوا في خدمة الطغاة والظالمين.
في أحد الأيام انزعجت كثيرا وأنا أقرأ تفسير الدر المنثور لجلال الدين السيوطي، ففي تفسير سورة النجم ، ساق صاحب الكتاب في بيان تفسيره لآية : "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى".
عددا من الروايات المتنافرة والمتناقضة، التي تقول بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نطق الشيطان على لسانه والعياذ بالله ، وقال كلمات فيها إعلاء لآلهة قريش،وترجى شفاعتها، وختمت الروايات بسجوده لها . يومها فهمت أن هذا الخط لا يتورع في ذكر أي شيء يحط من مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، دون نظر وتثبت .
صاحب الدر المنثور لم يكن وحيدا، في نشره وحفظه لروايات تشويه النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وما هو في هذا الإطار إلا ناقل عن أمهات الكتب المعتمدة عند خط تشويه الاعتقاد في عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،الذي لم يكتف بذلك التشويه، فثنى على ذلك بأنه من أتباع سنته .
البخاري ومسلم وغيرهما من الكتب الروائية، اتفقت على إخراج كل ما من شأنه أن يزعزع عقيدة المسلمين، في طهارة الأنبياء ونزاهتهم وعصمتهم، فألصقوا بخليل الرحمان إبراهيم عليه السلام، كبيرة لا تليق إلا بمنافق، فنقلوا عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه عليه السلام كذب ثلاث كذبات. وألصق به أيضا أنه شك في عقيدته ، وعلق النبي حسب زعمهم بقوله :" نحن أحق بالشك من إبراهيم ." وجعلوا موسى بن عمران عليه السلام في مرتبة لا يرضاها إلا الأشرار والصعاليك، بضربه لملك الموت وفقئ عينه، وان بني إسرائيل ادعوا عليه أن به عاهة، فبراه الله سبحانه وتعالى بأن أخرجه من مغتسله عريانا يجري وراء حجر هرب بثيابه ، حتى أوقفه أمام بني إسرائيل،ووقفوا على خطإ دعواهم، تصوروا إن أمكن لكم ذلك ، ولا أراه ممكنا إذ كيف يمكن أن يكذب خليل الرحمان، أو يشك في دينه ، أو يمكن لنبي مهما أوتي مكن قوة أن يفعل شيئا مع ملك من ملائكة الله ، أو أن يفر حجر جامد بثياب نبي لتبرئته مما ألصق به ، كأنما تلك هي السبيل الوحيدة للتبرئة؟ هل يعقل أن ينبري حافظ إلى نقل ترهات كهذه ليقول بعد ذلك أنها أصح الروايات، وان كتابه أصح الكتب ، ونحمل عنه ذلك محمل التصديق والتعبد دونما نظر ولا روية ولا تفحص ...

أما بالنسبة للنبوة عموما فقد كنت معتقدا كما هو حال جميع العوام، أن الأنبياء عليهم السلام كلهم غير معصومين في ما عدا الوحي، وقد ذكر من تسموا بسنته كذبا وتلفيقا وبهتانا- وخرجوا منها عمليا وفعليا بما ألزموا به أنفسهم من هذه الخزايا والترهات- جملة من الروايات التي عددت أخطاءه ، أغلبها لا تجوز على البسطاء فضلا عن الأنبياء عليهم السلام، وباعتباري كنت سنيا مالكيا، فقد تعبدت بتلك العقيدة رغم شكي في صحة صدورها ،لا أجد مفرا منها إلى غيرها ولا بديلا عنها ، للاعتقاد السائد عند أغلبية أبناء ذلك الخط بأن الإسلام هو ما في حوزتهم، بعدما وصف أوائل صانعي عقيدتهم كالأشعري ونحوه ، بقية المسلمين ونعتوهم بنعوت شتى ، تنفر النفس المحترمة منها.
اكتشفت صدفة وتحديدا في معرض للكتاب عقيدة أهل البيت عليهم السلام، عندما وقع بين يدي كتاب عن عقائدهم للسيد عبد الله شبر عنوانه حق اليقين في معرفة أصول الدين، فاقتنيته وعرفت من خلاله أن عقيدة أهل البيت عليهم السلام في النبوة هي الأصح والأصوب ، والتي يجب على كل مؤمن أن يتعبد ويتقرب بها إلى الله تعالى، فالأنبياء عليهم السلام كلهم معصومون ، والنبي الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم إمامهم وخيرتهم ، حبيب الرحمان ، وصاحب لواء الحمد، والحوض، والشفاعة، والصراط ،والمقام المحمود يوم القيامة ، لم يرتكب صغيرة ولا كبيرة عمدا ولا سهوا من ولادته حتى وفاته ،بل إن جميع آبائه مؤمنون موحدون وليس كما يدعي أهل الباطل والزيف من أن أبواه ماتا على الشرك ، وما لفقه عليه الملفقون ، فهو محض كذب وادعاء بلا بينة ، والأدلة القرآنية في إحقاق العصمة كثيرة ، فمن شاء طلبها من مضانها.

أما ما قاله هؤلاء الجهلة الذين يدعون العلم، وليس العلم فقط ،بل أتباع سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فهو أدهى وأمر، فقد نقلوا أنه يقبل ويباشر وهو صائم ، وانه يباشر وزوجته حائض والعياذ بالله ،وانه كان يطوف على نسائه التسع في ليلة واحدة وبغسل واحد، وانه بال قائما ، وقد نهى عن ذلك، وأنه نسي بعضا من القرآن فذكره فيه قارئ بالليل ،وسحره يهودي فبقي ثلاثة أشهر لا يدري ما يفعل ،وجاء إلى الصلاة وهو جنب ولما تذكر ذهب ليغتسل وترك الناس واقفين ، وصلى إحدى صلوات العشي ركعتين، إلى غير ذلك مما قد أخرجه علماء الأمة العدول وبينوا بطلانه ، وذكروه في مواضعه ليقف المسلمون على حقيقة عقيدة النبوة ، من الزيف الذي لفقه عليها أعداء الإسلام المحمدي الأصيل.
هذا المحكي في كتب هؤلاء القوم ،والمنسوب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يثير الاشمئزاز والنفرة ، وهو مدعاة إلى أولئك الذين يحاربون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ودينه ،إلى التشنيع والتشهير والحرب، بل هي الحجة التي ضرب بها سلمان رشدي لعنه الله وأمثاله، الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام بكافة تفاصيله.
إذا فهؤلاء الذين ادعوا إتباع سنة النبي صلى الله عليه وآله، وأعلنوا نظريا حبه ، ليس هذا فقط ،بل حاولوا سلب بقية المسلمين من التشرف بالانتماء لسنته، والإعلان من خلال ذلك بأنهم من أتباعه،بلغ بهم حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،وإتباع سنته إلى حد انقلبوا فيه من حفظ السنة الصحيحة، إلى التمسك بمفتريات يهتز لها من في قلبه مثقال ذرة من ولاء لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله غضبا وغيضا .
لم يكن القصد من سلب العصمة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلا غلق الباب في وجه من يدعيها من غير مقام النبوة، فأهل البيت عليهم السلام هم من ألئك الذين عصمهم الله تعالى ليكونوا للأمة منار هداية، وعناصر حفظ لشريعة خاتمة، نزل فيهم ما نزل من القرآن الذي يفيد عصمتهم كآية التطهير ، وآية الولاية :" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم."

وحديث الثقلين الذي قرن فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكتاب بالعترة الطاهرة ، وصرح بعدم افتراقهما عن بعضهما، وجعل التمسك بهما معا عاصما من الضلالة، كلها أدلة على عصمة أهل البيت عليهم السلام.
لذلك فان الإقرار بعصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يؤدي إلى الاعتراف بعصمة أهل بيته الأطهار عليهم السلام،وذلك مدعاة إلى نقض ما بناه الغاصبون لحقوق خلفاء الرسول الحقيقيون،من كون أن نظرية الحكم في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي على أساس من الشورى وليست بالنص كما يحتج بذلك المسلمون الشيعة وأئمتهم عليهم السلام، فاتجهوا إلى الحط من مقام سيدهم الأكبر حتى يهون مقامهم.

هكذا إذا بخس حق إمام المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، واستغفل أتباعه، فتطاولوا على شخصه ومقامه، وبقوا على تلك الحال رغم النداءات المتكررة، التي أطلقها أهل البيت عليهم السلام وعلماؤهم وأتباعهم،والتي دعت إلى إنصاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإعادة حقه في كونه أفضل المخلوقات على الإطلاق، وما يترتب على ذلك من الإقرار بعصمته الكاملة ، ورد جزء من الجميل الذي قدمه للأمة الإسلامية ، ومودة قرباه الذين نكل بهم الظالمون في تفريط وغفلة وسهو من أسلافنا، إننا جميعا مطالبون أمام الله بالوفاء بتكاليفنا ، ومن أخل بأي واجب فإنما يسيء لنفسه ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس محتاجا للوفاء بتكاليفنا تلك بقدر ما نحن في أمس الحاجة إلى ذلك ، تبرئة لذممنا تجاهه وطاعة لله تعالى في تكريم رسوله وتعظيمه وطاعته ومحبته .
وإذا كنتم أيها الإخوة بالفعل تحبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،فلماذا تعكفون على باطل مثل الذي الصق به ، لماذا لا تتبرؤون من معتنقي مثل تلك الخزايا ، إذا لم يرجعوا عنها ويرفضوها ، مهما كان العنوان الذي غلفت به، لماذا كل هذه الجفوة لأهل بيت المصطفى صلى الله عليهم ، وقد أمرنا بمودتهم ، والمودة ما هي إلا إتباع ، قال تعالى :" إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله." ولو أمر هؤلاء المتأسلمون بجفائهم لما أمكنهم أن يأتوا بجفاء أكثر مما هم عليه.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة